من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الكتيلة
بدر الدين محمد الجتكي المارديني، خطبته الملوك لمجالستها، وحطته مواضع [ص] القرناء لمنافستها، ونضرته لنعيمها، وسرته من العوارف بعميمها، وكان بصيرا بأخلاق العظماء، خبيرا باستدرار أخلاف الكرماء، ولم يزل جوّاب أسفار، وجوال بدر في غروب وأسفار، قليلا على ظهر المطية ظله، خفيفا مكانه من الخواطر ومحله، يزاحم في سحابه الوارد، ويتشوق إليه تشوق الظمآن إلى الماء البارد، واليقظان المسهد إلى المنام الشارد، أتى قلعة الجبل وحل هالات دورها، وحظي بأيام سرورها، هذا وسلطانها يقبل المتاب، ويقبل على المنتاب، ويتلقى القادم بطلاقته، ويفك الرهن من عاقته، ووجد الزمان ما بسر، والبغاث ما استنسر، والراعي لا يخاف الذئب على غنمه، والدم لا
يستباح منه إلا ما على الطرف المخضب من عنمه، والقلعة مسرح ظباء، ولا عقرب إلا بصدغ مليحة، ولا سيف يسل إلا بكرة صبيحة فقطع تلك المدد والدهر غافل، والبر سحابه حافل، والبدر في تلك الآفاق طالع غير آفل، ودخان الند يعقد سماء، وخدود الملاح يشرب ماء، ثم مات حيث تلاشى ذماء الجود، ومص الثرى بقية الماء من الفرد.
أصله من أبناء الكتّاب، وكتب خطا حسنا، وقرأ طرفا من النحو والعربية، واتقن علم الموسيقا، وحفظ كثيرا من الشعر للقدماء والمحدثين، ونقل الأصوات المشهورة، وحفظ كثيرا من نوب عبد المؤمن وانخرط في سلك الندماء، وأهل المحاضرات، وملح وندر، وحكى الحكاية والخبر، وخدم ملوك ماردين واتصل بهم، وحكي أنه حظي عند الملك الصالح شمس الدين وراج لديه، وسمع به السلطان الناصر فاستدعاه، وأقبل عليه غاية الإقبال، وكان له مكانة لم يبلغها أحد من أمثاله، وأمره بملازمة الجواري وتعليمهن ويلقي عليهن الأصوات، حتى تخرج غالب الجواري المحسنات، وكان يتردد إلى باب الستارة في كل يوم، وتخرج إليه الجواري، وكان مجيدا في الغناء، متقنا في سائر الخفيف والثقيل منه، غاية في ضرب الجنك العجمي وتأليف الأنغام عليه، ولا يكاد يثبت سامعه لشدة الطرب، وكان يقيم بمصر المدد الطويلة، ثم يسأل في العود إلى ماردين فيؤذن له، فلا يكاد يصل [ص] ماردين ويستقر بها إلا وجهز السلطان في طلبه وبحث في سرعة عوده، فإذا وصل ضاعف الإكرام وعومل
بأكثر مما يعهد، وحصّل بهذا أموالا جزيلة، ونعما كثيرة والأنزال التي تزيد على عادة مثله، وحضرت مجلس السلطان مرة وعنده موسى بن مهنا، وكلاهما يضرب بالجنك بين يديه، فرأيت موسى بن مهنّا على سكونه العظيم ووقاره يميل يمنة ويسرة، وكان كتيلة ذلك اليوم كله يردد صوتا صنعه، والصوت:
يا دار عّزة من للواله الباكيبنظرة يتملّى من محيّاك
ما هبّ من أيمن الوادي نسيم صباإلا وكان الهوى العذريّ يمناك
تحمّلي واحملي يا نوق واصطبريعلى المسير فهذا من سجاياك
ولم يبق أحد من غلمان الدار وأعيان الأمراء، حتى هزه الطرب، ولولا مهابة السلطان لرقصوا، فلما فرغ مما هو فيه، أثنى السلطان عليه، وقال لموسى بن مهنا: كيف رأيت؟ فقال والله ظننت أنه يجذبني إليه، ولو لم أملك نفسي لوقعت عليه، وأمر له السلطان بألف دينار يتّجر بها، وكتب له توقيع مسامحة بما يجب عليه فيها من الموجبات الديوانية في السفر دائما صادرا وواردا، ومضى يوم عجيب لم ير مثله، ودخلت على السلطان يوما آخر وهو عنده، وقد أخذ في صوت صنعه، والصوت:
سلام على ليلى وليلى بعيدةولكنّها طيف إليّ قريب
بديعة حسن مالها من مماثلإذا طلعت شمس النهار تغيب
كما أنّ قلبي في البلاد متيّمكذا حسن ليلى في الحسان غريب
وكان الكتيلة يجيء إليّ في حوائجه التي تكون له عند السلطان، وكان كامل الأدب وافر المروءة، حسن الخلق، جميل العشرة، يرجع إلى كرم وطيب أعراق، وكان بينه وبين الكمال التوريزي ما يكون بين أرباب كل فن من المنافسة والحسد، وكان السلطان قد سمع بالكمال، وجاءته الأخبار بأنه فرد من أفراد
الدهر في فنه، فبعث إليه من يشخصه اليه، وتطلع إلى مقدمه عليه، وفخاف كتيلة من بواره به، فلم تمتد الأيام حتى جاءت الأخبار بأن الكمال مات فجاءة، فشاع ذكر بأن كتيلة إنما دبر عليه من قتله، ولعل هذا إنما من تشنيع العوام [ص] وأقوال الحسدة الطغام، ثم لم يلبث كتيلة بعده إلى أن عاد إلى ماردين فمات ﵀.
قلت: ولما انتهيت في ترجمتي هذه إلى هنا، وقعت على أصوات له صنع فيها ألحانا مشهورة، مما حدثني به خواجا محمد المارديني.
وكان من خلطائه وأهل صحبته، فمنها شعر الحلاوي وهو:.
ألف الملام ولام عن ميثاقهرشأ فراق النفس دون فراقه
عذب اللّمى حلو الخلال كأنّماخلقت مراشف فيه من أخلاقه
دقّت معاني حسنه ولقدّهعبث الأنام من القنا بدقاقه
يهوى الوصال ولو بأيسر موعدويصد حتّى الطيف عن مشتاقه
يا محرقا قلبا أقام بربعهألا كففت جفاك عن إحراقه
ومنها في شعر الحلاوي أيضا:
أحيا بموعده قتيل وعيدهرشأ يشوب وصاله بصدوده
قمر يفوق على الغزالة وجههوعلى الغزال بمقلتيه وجيده
ياليته بعد الملام فإنّهما زال ذا لهج بخلف وعوده
يفترّ عن عذب الرضاب حياتنافي ورده والموت دون وروده
قمر أطاع الحسن منه وجههحتّى كأنّ الحسن بعض عبيده
أنا في الغرام شهيده ما ضرّهلو أنّ جنّة وصله لشهيده
وهذه الأبيات من قصيدة فائقة منها مدح الملك الناصر داود:
يا يوسف الحسن الذي أنا في الهوىيعقوبه نبّئ إلى داوده
أشكو إليه من الزمان فإنّهملك يشيب شظاه رأس وليده
ملك إذا اللأواء لاح لواؤهاهزمت كتائبها طوالع جوده
غمرت مواهبه العفاة فأصبحتترجى المواهب من وفود وفوده
وإذا العدوّ نحته لدن رماحهفتكت ثعالبها بغلب أسوده
من كلّ أسمر في الملاحم طالماعاد الردى مهج الكماة بعوده
غصبت عواملها الظلام نجومهاوالبان قد سلبته لين قدوده
[ص]
سمر إذا الجبّار سام دفاعهاوردت أسنّتها نجيع وروده
عذباتها صفر كوجه عدوّهبالنصر تخفق مثل قلب حسوده
ملك ألان لنا الزمان وإنّماداود معجزة للين حديده
ومن أصوات كتيلة مما ذكر لي صاحبه خواجا محمد المارديني، أنّ كتيلة غناه بين يدي سلطاننا فأجزل عطاياه، ورفع على كاهل الجوزاء مطاياه:
ملك الملوك محمد أنت الذيذلّت ملوك الأرض بين يديه
شرف الملوك بأن يكون عبيدهأو أن يكونوا واقفين لديه
جهدوا وما دانوك في أدنى العلاهيهات إن وصل الملوك إليه
وإذا هم بلغوا السماء مكانهلما تراموا في السماح عليه
والشعر لرجل من أهل ماردين.
ومنها صوته في شعر القاضي أبي الحسن:
أأيامنا بين الكثيبين في الحمىوطيب ليالينا الحميدة فيهما
صحبنا بها شرخ الشّباب فدلّناعلى أعين كانت عن البين نوّما
فمن قائل لا آمن الدّهر حاسداوقائلة لا روّع البين مغرما
بدت صفرة في وجنتيه فلم تزلمدامعه حتّى شربنا بها دما
ومنها صوته في شعر ابن زريق الكاتب:
بالله يا منزل القفص الذي درستآثاره وعفت مدنية أربعه
هل الزمان معيد فيك لذّتناأم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزلهوجاد غيث على مغناك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيّعهكما له عهد صدق لا أضيّعه
وقصيدة ابن زريق التي منها الصوت معروفة مشهورة لها في كل ناد نداء، ولها في كل واد حداء، وحمله مختارها سواه:
لا تعذليه فإن العذل ينفعهقد قلت قولا ولكن لست أسمعه
[ص]
جاوزت في لومه حدّ المضرّبهمن حيث قدّرت أنّ اللوم ينفعه
فاستعملي الرّفق في تأنيبه بدلامن عنفه فهو مضنى القلب موجعه
يكفيه من روعة التفنيد أنّ لهمن الهوى كلّ يوم ما يروّعه
ما آب من سفر إلا وأزعجهرأي إلى سفر بالعزم يجمعه
كأنما هو من حلّ ومرتحلموكّل بفضاء الأرض يذرعه
واللّه قسّم بين النّاس رزقهملم يخلق اللّه من خلق يضيّعه
أستودع اللّه في بغداد لي قمرابالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودّعته وبودّي لو يعاجلنيورد الحمام وأني لا أودّعه
لا أكذب اللّه ثوب الصبر منخرقعنّي بفرقته لكن أرقّعه
إنّي لأقطع أيامي وأنفذهالحسرة منه في قلبي تقطّعه
لأصبرنّ لدهر لا يمتّعنيبه ولا بي في حال تمتّعه
علما بأنّ اصطباري معقب فرجافأضيق الأمر إن فكّرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتناسمحا ستجمعني يوما وتجمعه
وإن تغل أحدا منّا منيّتهفما الذي في قضاء اللّه يصنعه
وموضع الصوت يكون أوله تلو: (إني لأقطع أيامي وانفذها) البيت.
ومن أصوات كتيلة في شعر البارع:
بالله يا ريح إن مكّنت ثانيةمن صدغه فأقيمي فيه واستتري
وراقبي غفلة منه لتنتهزيلي فرصة وتعودي منه بالظّفر
وإن قدرت على تشويش طرّتهفشوّشيها ولا تبقي ولا تذري
ولا تمسّي عذاريه فيفضحنيبنفحة المسك بين الورد والصّدر
وتتمة هذه القطعة:
وباكري عذب ورد من مقبّلهمعلّل الطّعم بين الطّيب والخصر
ثمّ اسلكي بين برديه على عجلواستبضعي الطّيب وأتيني على قدر
[ص]
ونبّهيني دوين القوم وانتفضيعليّ واللّيل في شكّ من السّحر
لعلّ نفحة طيب منك ثانيةتقضي لبانة قلب العاقر الوطر
ومن أصواته في شعر الجلال ابن الصفار المارديني:
يسعى بأبرق ذا من ثغرهيحيي وذا من مقلتيه قاتل
عنيت إنسانا هما من لحظهذا سايف وبهديه ذا نابل
فمتى تقوم قيامتي بوصالهويضمّ شملينا معاد شامل
وأكون من أهل الخطايا خدّهثاري وصدغاه عليّ سلاسل
وأولها:
أين السلو وما يروم العاذلممن له بهواك شغل شاغل
أنا ما سلوت وبرق فيه خلبأسلو وعارضه أمامي سائل
ومن أصواته في شعره أيضا:
وفي خزرم لما حللنا فناءهاسكرى حيارى تحت ظل الغياهب
تبدت لنا عند الصباح طليعةمن الترك مرد فوق جود السلاهب
بأيديهم سمر طوال كأنماأسنتها تبغي التقاط الكواكب
تثنوا غصونا في السروج وأطلقواسهام لحاظ من قسي الحواجب
ولو كشفوا بيض العوارض في الوغىلأغنتهم عن مثل بيض القواضب
ومن أصواته في شعره أيضا:
برق بدا من ثغرك المنعوتأم لؤلؤ قد ضمّه ياقوت؟
يا للنصارى برقعوا شمّاسكمقبل الضلال فإنّه طاغوت
ما قام أقنوم الجمال بوجههإلا وفي ناسوته اللاهوت
يشتاقه قلب إليه طائرصبّ وطرف حائر مبهوت
فاحسن فإنّ الحسن وصف زائلواصنع جميلا فالجمال يفوت
[ص]
واستبق من أهل الغرام ولا تجرفيقلدوك دماءهم وتموت
أخبرني الجمال المشرقي ما معناه: أن أبا كتيلة كان يعزف، وزجاجته ما أبرزت، وكانت له معه نوادر تستحسن، ووقائع لا يعرف أنها أحسن، قال:
ومنها أنه لما اشتدّ يافعا، وأصبح لا يراد منه نافعا، سلك سبيل العتب في الإدلال، وفرط وأفرط في الاحتمال، حتى أتى إلى بركة كان قد صنعها النجم يحيى ملونة بالزجاج، ومشفقة كالقصور والجام، قد أقيمت حروفها وأحكم تأليفها، فأخذ حجرا بيده ورماها به، فثلمها وحطّ رتبة حسنها وحطّمها، فقال فيه:
قل للذي ثلّم [في] بركةما يأخذ الثأر ولو هدّها
فتحت في أسفلها ثغرةلو عاش ذو القرنين ما سدّها
قال: ثم تعدى شوط عداته وتعالى قدره في بلاد ماردين، فخدم في أعمالها، وختم بتصرفه على مآلها، وولي نظر دنيسر، وهمى عليه صوب الرزق فأيسر، ونشأ ابناه مسعود ومحمد كتيلة وتعلما، وكبرا وتقدما، إلا أنّ الحمام أتى على مسعود أولا وشبابه شارخ، وغناؤه لم يصرخ باسمه صارخ، فبقي الذكر لأخيه مفردا، كأن لم يكن سواه من أبيه. فقال: وكان مسعود متعلقا بحبائل ابن الملك المنصور صاحب ماردين، لا يخاف منه الخبر، ولا يسأل دونه السفر، وكان الملك المنصور قد أخذ ابنة الجنك البغدادية المغنية بغتة من بغداد، وأتى بها إلى ماردين وتركها بها مقيمة، وأهلها لا تعرف أرضا ابتلعتها، أو سماء اقتلعتها، وكان سبب هذا أن الملك المنصور كان رجلا جسيما وكان قد نقص عيار الدراهم بماردين حتى حول الدرهم مقدار الثلثين، فلما نزل الأرد ببغداد سافر للقاء القان، فلما كان يوم دخوله إلى بغداد، خرج أهلها ليروه، وكانت ابنة الجنك ممن خرجت، فلما مرّ عليها، قالت لبعض من كان عندها: من هو صاحب ماردين في هؤلاء؟ فقيل لها: هذا، وأشاروا إليه، فنظرت إليه وقالت: كل هذا بثلثين الا مارديني هو، فدخلت كلمتها [ص] في صماخ اذنه، وأذكت عليه نار إحنه، فطلب بعض خاصة قومه، وأمره أن يتعرف أمرها، حتى عرفها ثم عدا عليها حتى أحضرها إليه ليلا لتغنيه فاختطفها وأركبها الخيل، وسيق بها
النهار والليل حتى أتى بها ماردين، وقبرها في بعض دورها، وتركها لا يحفل بأمورها، ثم أحضرها ليسمع غناءها، فما رآها حتى رابه أمره، وخامر لبه خمره، وتلف بها جوى في الجوانح، وهوى صاد شركه الجوارح، ثم طال عليها الاغتراب والحبس المضيق في عش الغراب، وكانت قد أنست إلى مسعود بن غدايفال لطول اجتماعها به في مجلس الملك المنصور، وعلقت قلبه فلم يجد سبيلا إليها إلا بأن حسّن لابن الملك المنصور حبّها وهون عليه قربها، واستغفل الملك المنصور حتى سافر إلى الموصل، واتى مع ابنه إليها، وباتا يحثان كؤوس الراح عليها، فلما عاد الملك المنصور أتته عينه الناظرة بما رأت، وحدثته ثقات خبره بالليلة التي جرت، فأحل بمسعود المنحوس الحمام، وأورده مورد الموت الحمام، وقد خافت بنت الجنك فأمسكت خفيها على يديها وتدلت من الساتون حتى ثبتت على الأرض قدميها ولقت هناك خدمها، وكانت قد اتعدت مع ثقات لها منهم إلى هناك بالخيل، وسارت تقطع وتسابق السحاب الركام، حتى وافت مدينة سنجار، وبها الأمير يحيى بن الجلال، فاستجارت به فأجارها، ووسع تحت نقاط يده وجارها، وأتى الخبر الملك المنصور، فقتل صبرا، ولام أهل مشورته للتدبير، وبعث رسله إلى ابن الجلال يعتب، فضم ظهور المطي، وخصم ألسنة الملي البدري وأعلمه بما يجد لفرقتها، ويكوى به من نار حرقتها، فبعث بها إليه فتلقاها وأقرها لديه على أتم الأحوال وأبقاها، وذهب دم ابن غدا يفال هدرا، وكان حمه لها قدرا.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع