من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
أشعب الطمع
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أشعب بن جبير المدني، الذي يضرب به المثل في الطمع.
روى عن عكرمة وأبا بن عثمان وسالم بن عبد الله، وله النوادر المشهورة.
قال: حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله على العبد نعمتين، وسكت فقيل له: اذكرهما، فقال: الواحدة نسيها عكرمة، والأخرى نسيتها أنا.
وهو خال الأصمعي.
وقال يوماً: ابغوني امرأة أتشجأ في وجهها فتشبع، وتأكل فخذ جرادة فتنتخم.
وأسلمته أمه في البزازين، فقال لها يوماً: تعلمت نصف الشغل، قالت: وما هو؟ قال: تعلمت النشر وبقي الطي. وقيل له ما بلغ من طمعك؟ قال: ما زفت امرأة في المدينة إلا كنست بيتي رجاء أن تهدي لي. ومر برجل يعمل طبقاً، فقال له: وسعه فربما يشتري أحد ويهدي لنا فيه شيئاً. ومن عجائب أمره أنه لم يمت شريف بالمدينة إلا استعدى على وصيه أو على وارثه، وقال له: احلف أنه لم يوص لي بشيء قبل موته.
كان زياد بن عبد الله الحارثي على شرطة المدينة، وكان مبخلاً، فدعا أشعب في شهر رمضان ليفطر عنده، فقدمت له أول ليلة مضيرة معقودة، وكانت تعجبه، فأمعن فيها أشعب وزياد يلمحه، فلما فرغوا من الأكل قال زياد: ما أظن لأهل السجن إماماً يصلي بهم في هذا الشهر، فليصل بهم أشعب، فقال أشعب: أو غير ذلك أصلحك الله، قال: وما هو؟ قال: أحلف بالطلاق أن لا أذوق مضيرة أبداً. فخجل زياد وتغافل عنه.
وقال أشعب: جائتني جارية بدينار وقالت: هذا وديعة عندك، فجعلته بين ثني الفراش، فجاءت بعد أيام فوجدت الدينار، فقلت: ارفعي الفراش وخذي ولده، وكنت تركت إلى جانبه درهماً، فتركت الدينار وأخذت الدرهم وعادت بعد أيام فوجدت معه درهماً آخر، فأخذته، وعادت في الثالثة كذلك، فلما جاءت الرابعة تباكيت، فقالت: ما يبكيك؟ فقلت: مات الدينار في النفاس، فقالت: وكيف يكون للدينار نفاس؟ فقلت: يا فاسقة تصدقين بالولادة ولا تصدقين بالنفاس؟
وسأل سالم بن عبد الله بن عمر عن طمعه، قال: اجتمعوا علي الصبيان يوماً، فقلت لهم: هذا أبان بن عثمان قد طبخ هريسة وهو يفرقها، فاذهبوا إليه، فلما ذهبوا ظننت أن الأمر كما قلت، فعدوت خلفهم.
وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأثرد. وقيل له أيضاً، قال: ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء.
وجلس يوماً في الشتاء إلى إنسان من ولد عقبة بن أبي معيط، فمر به حسن ابن حسن، فقال: ما يقعدك إلى جانب هذا؟ قال: أصطلي بناره.
ولما مات ابن عائشة المغني جعل أشعب يبكي ويقول: قلت لكم زوجوا ابن عائشة من الشماسية حتى يخرج بينهما مزامير داود، فلم تفعلوا، ولكن لا يغني حذر من قدر.
ولما أخرجت جنازة الصريمية المغنية كان أشعب جالساً مع نفر من قريش، فبكى أشعب وقال: اليوم ذهب الغناء كله، وترحم عليها، ثم مسح عينه والتفت إليهم وقال: وعلى ذلك فقد كانت الزانية شر خلق الله، فضحكوا، وقالوا: يا أشعب ليس بين بكائك عليها وبين لعنك لها فرق، قال: نعم كنا نجيها الفاجرة بكبش إذا أردنا أن نزورها، فتطبخ لنا في دارها ثم لا تعشينا إلا بسلق.
وجاز به يوماً سبط لابن سريج، فوثب إليه وحمله على كتفه، وجعل يرقصه ويقول: فديت من ولد على عود، واستهل بغناء، وحنك بملوى، وقطعت سرته بزير، وختن بمضراب.
وقيل له: رأيت أطمع منك؟ قال: نعم، كلب أم حومل، تبعني فرسخين وأنا أمضغ لباناً.
وخفف الصلاة مرة، فقال له بعض أهل المسجد: خففت الصلة جداً، قال: إنها صلاة لم يخالطها رياء. وقال له رجل: كان أبوك عظيم اللحية، وأنت كوسج، فلمن أشبهت؟ قال: أشبهت أمي. وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم، خرجت إلى الشام مع رفيق لي، فنزلنا على باب بعض الديارات فتلاحينا، فقلت: أير الراهب في است الكاذب، فلم نشعر إلا بالراهب قد اطلع علينا وقد أنعظ وهو يقول: من هو الكاذب فيكم؟
وكان أشعب لا يغيب عن طعام سالم بن عبد الله بن عمر، فاشتهى سالم يوماً أن يأكل مع بناته، فخرج إلى بستان له، وأُعلم أشعب بالقصة، فاكترى جملاً بدرهم، فلما حاذى حائط البستان وثب من على الجمل فصار على الحائط، فغطى سالم بناته بثوبه وقال: بناتي فقال أشعب: إنك لتعلم ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.
وقال رجل يوماً لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما سألتني عن هذا الأمر إلا وقد خبأت لي شيئاً تريد تعطيني إياه.
وقيل هو من موالي عثمان بن عفان، وتوفي سنة أربع وخمسين ومائة، وولد سنة تسع للهجرة، فعمر عمراً طويلاً. وامرأته بنت وردان الذي بنى قبر النبي ﷺ. وكان أشعب قد قرأ القرآن وتنسك، وكان حسن الصوت في القراءة، وربما صلى بهم في المسجد.
قال المدائني، قال أشعب: تعلقت بأستار الكعبة، وقلت: اللهم أذهب الحرص عني، فمررت بالقرشيين وغيرهم فلم يعطني أحد شيئاً، فجئت إلى أمي فحكيت لها ذلك فقال: والله لا تدخل بيتي حتى تذهب فتستقيل الله تعالى، فرجعت فقلت: يا رب قد سألتك أن تخرج الحرص من قلبي، فأقلني، ثم رجعت فلم أمر بمجلس من مجالس قريش وغيرهم إلا سألتهم وأعطوني، ووهبوا لي غلاماً، فجئت إلى أمي بحمار موقور من كل شيء، فقالت: ما هذا؟ فخفت إن أعلمتها أن تموت، فقلت: وهبوا لي غين، قالت: وما غين؟ قلت: لام، قالت: ويلك وما لام؟ قلت: ألف، قالت وأي شيء ألف؟ قلت ميم، قالت: وأي شيء ميم؟ قلت: غلام، فسقطت مغشياً عليها، ولو سميته أول سؤالها لماتت.
ورأى على عبد الله بن عمر كساء، فقال: سألتك بوجه الله إلا أعطيتني هذا الكساء، فرماه له. وكان يقول: حدثني عبد الله بن عمر وكان يبغضني في الله.
وكان أشعب يجيد الغناء، وذكره إبراهيم الرقيق في كتابه، وذكر له جملة أخبار، رحمه الله تعالى.
أبو عطاء السندي
أفلح بن يسار، هو أبو عطاء السندي مولى بني أسد، ومنشؤه بالكوفة، وكان من مخضرمي الدولتين، وكان أبوه سندياً أعجيماً لا يفصح، وكان في لسان أبي عطاء عجمة ولثغة، وكان إذا تكلم لا يفهم كلامه، ولذلك قال لسليم ابن سليم الكلبي:
أعوزتني الرواة يا ابن سليموأبى أن يقيم شعري لساني
وغلا بالذي أجمجم صدريوجفاني لعجمتي سلطاني
وازدرتني العيون إذ كان لونيحالكاً مجتوىً من الألوان
فضربت الأمور ظهراً لبطنٍكيف أحتال حيلةً لبياني
وتمنيت أنّني كنت بالشّعر فصيحاً وكان بعض بياني
ثم أصبحت قد أنخت ركابيعند رحب الفناء والأعطان
فاعطني ما تضيق عنه رواتيبفصيحٍ من صالح الغلمان
يفهم الناس ما أقول من الشعر فإنّ البيان قد أعياني
واعتمدني بالشّكر يا ابن سليمفي بلادي وسائر البلدان
سترى فيهم قصائد غرّافيك سباقةً بكلّ لسان
فأمر له بوصيف، فسماه عطاء، وتبنى به ورواه شعره، فكان إذا أراد إنشاد مديح لمن يجتديه أو إنشاد شعر أمره فأنشد.
قيل إنه قال له يوماً: والأ منذ لدن دأوتأ وألت لبيأ ما أنت تصنأ، يعني: والكم منذ لدن دعوتك وقلت لبيك ما كنت تصنع.
وشهد أبو عطاء حرب بني أمية وبني العباس، وأبلى مع بني أمية، وقتل غلامه عطاءٌ مع ابن هبيرة وانهزم هو.
وحكى المدائني أن أبا عطاء كان يقاتل المسودة وقدامه رجل من بني مرة يكنى أبا يزيد قد عقر فرسه، فقال لأبي عطاء: أعطني فرسك أقاتل عني وعنك، وقد كانا أيقنا بالهلاك، فأعطه أبو عطاء فرسه، فركبه المري ومضى على وجهه ناجياً، فقال أبو عطاء:
لعمرك إنّني وأبا يزيدلكالسّاعي إلى لمع السّراب
رأيت مخيلة فطمعت فيهاوفي الطّمع المذلّة للرقاب
فما أغناك عن طلب ورزقوما أغناك عن سرق الدواب
وأشهد أن مرّة حيّ صدقٍ... ولكن لست فيهم في النصاب وعن المدائني أن يحيى بن زياد الحارثي وحماد الراوية كان بينهما وبين مسلم ابن هبيرة ما يكون بين الشعراء من النفاسة، وكان مسلم يحب أن يطرح حماداً في لسان من يهجوه، قال حماد: فقال لي يوماً بحضرة يحيى بن زياد: أتقول لأبي عطاء السندي أن يقول زج وجرادة ومسجد بني شيطان؟ قلت: نعم، فما تجعل لي على ذلك؟ قال: بغلتي برسجها ولجامها، فأخذت عليه بالوفاء موثقاً، وجاء أبو عطاء فجلس إلينا فقال: مرهبا بكم، هياكم الله؛ فرحبنا به وعرضنا عليه العشاء فأبى وقال: هل عندكم نبيذ؟ فأتيناه بنبيذ كان عندنا فشرب حتى احمرت عيناه، فقلنا له: يا أبا عطاء، كيف علمك باللغز؟ فقال: جيد، فقلت:
أبن لي إن سألت أبا عطاءيقيناً كيف علمك بالمعاني؟ فقال:
خبيراً عالماً فاسأل تجدنيبها طبّاً وآيات المثاني فقلت:
فما اسم حديدة في رأس رمحدوين الكعب ليست بالسنان
فقال:
هو الزّزّ الذي لو بات ضيفاًلصدرك لم تزل لك لوعتان فقلت:
فما صفراء تدعى أمّ عوفٍكأنّ رجيلتيها منجلان فقال:
أردت زرادةً وأقول حقاًبأنك ما عدوت سوى لساني فقلت:
أتعرف مسجداً لبني تميمفويق الميل دون بني أبان؟ فقال:
بنو سيتان دون بني أبانكقرب أبيك من عبد المدان
قال حماد: فرأيت عينيه قد ازدادت حمرة، ورأيت الغضب في وجهه وتخوفته، فقلت: يا أبا عطاء، هذا مقام المستجير بك، ولك نصف ما أخذته، قال: فاصدقني، قال: فأخبرته فقال: أولى لك، قد سلمت سلم لك جعلك، خذه بورك لك فيه فلا حاجة لي إليه، وانفلت يهجو مسلم بن هبيرة.
ووفد أبو عطاء السندي على نصر بن سيار، فأنشده:
قالت بريكة بنتي وهي عاتبةٌإن المقام على الإفلاس تعذيب
ما بال همٍّ دخيلٍ بات محتضراًرأس الفؤاد فنوم العين ترجيب
إني دعاني إليك الخير من بلديوالخير عند ذوي الأحساب مطلوب
فأمر له بأربعين ألف درهم.
وتوفي بعد الثمانين والمائة، رحمه الله تعالى.
علاء الدين الجاولي
ألطنبغا، علاء الدين الجاولي، مملوك ابن باخل؛ كان عند الأمير علم الدين سنجر الجاولي دوادار لما كان بغزة. وكان حسن الصورة تام القامة، وكان الجاولي يحسن إليه ويبالغ في الإنعام عليه؛ وكان إقطاعه يعمل عنده عشرين ألف درهم، فلما شنع على الجاولي أن إقطاعات مماليكه تعمل من العشرين إلى الثلاثين راك الأجناد، وأعطى لعلاء الدين المذكور إقطاع دون الذي كان بيده، فتركه ومضى إلى مصر بغير علم الأمير علم الدين، فراعى الناس خاطر مخدومه ولم يستخدمه أحد، فأقام يأكل من حاصله بمصر زماناً، ثم حضر إلى صفد فأكرم نزله الأمير سيف الدين أرقطاي النائب بها، وكتب له مربعه بإقطاع، وتوجه إلى مصر، فخرج عنه فأتى إلى دمشق، فأكرمه الأمير سيف الدين تنكز، وأعطاه إقطاع بحلقة دمشق، ووقع بينه وبين الأمير علم الدين بسببه، وبقي بدمشق إلى أن أمسك الجاولي وحبس، فلما فرج عنه فتوجه إليه وخدمه مدة، ثم سيره إلى دمشق شاداً على أوقاف المنصور الذي يختص بالبيمارستان المنصوري.
وكان نادر في أبناء جنسه: في الشكل المليح ولعب الرمح، والفروسية والذكاء ولعب الشطرنج والنرد، ونظم الشعر الجيد، لا سيما في المقطعات فإنه يجيدها، وله القصائد المطولة، ويعرف فقه على مذهب الشافعي، ويعف أصولاً، ويبحث جيداً، ولكنه سال ذهنه لما اجتمع بالشيخ تقي الدين ابن تيمية، ومال إلى رأيه، ثم تراجع عن ذلك إلا بقايا، وكان حسن العشرة لطيف الأخلاقي فيه سماحة.
ومن شعره:
سبّح فقد لاح برق الثغر بالبردواستسق كأس الطلا من كفّ ذي ميد
مستعرب اللّفظ للأتراك نسبتهله على كلّ صبٍّ صولة الأسد
يا عاذلي خلّني فالحسن قلّدهعقداً من الدر لا حبلاً من المسد
ويلٌ لمن لامني فيه ومقلتهنفاثة النّبل لا نفاثة العقد وله أيضاً:
خودٌ زها فوق المراشف خالهالئن فتنت به فلست ألام
فكأنّ مبسمها وأسود خالهامسكٌ على كأس الرحيق ختام
وله أيضاً:
وبارد الثغر حلوبمرشف فيه حوّه
وخصره في انتحالٍيبدي من الضعف قوه
وله أيضاً:
ردفه زاد في الثّقالة حتىأقعد الخصر والقوام السويّا
نهض الخصر والقوام وقاماوضعيفان يغلبان قويّا وله أيضاً:
تخاطبني خود فأبدى تصامماًفتكثر تكرار الخطاب وتجهر
فأصغي لها أذناً وأظهر عجمةًلكيما أرى دراً من الدر ينثر
وله أيضاً:
وصالك والثريّا في قرانوهجرك والجفا فرسا رهان
فديتك ما حفظت لشؤم بختيمن القرآن إلاّ لن تراني وله أيضاً:
سل وميض البروق عن خفقانيوعليل النّسيم عن جثماني
ولهيب الهجير عن نار قلبيوخفيّ الخيال عن أجفاني وله أيضاً:
إن عاد لمع البرق يخبر عنكموأتى القبول مبشراً بقبولي
فلأقدحنّ البرق من نار الحشاولأخلعنّ على النّجوم نحولي وله أيضاً:
انهلّ أدمعها درّاً وفي فمهادرٌّ وبينهما فرقٌ وتمثال
لأن ذا جامدٌ في الثّغر منتظموذاك منتثرٌ في الخدّ سيّال وله أيضاً:
جاءني الورد في بديع زمانفقطعناه في منىً وأمان
ونهبنا فيه لذيذ وصالٍوهتكنا فيه عروس الدنان
وغلطنا فيه ببعض ليالشطر فخلطنا شعبان في رمضان
وتوفي بدمشق في ثامن ربيع الأول سنة أربع وأربعين وسبعمائة بعلة الاستسقاء، رحمه الله تعالى.
أيدمر المحيوي
أيدمر المحيوي، فخر الترك عتيق محيي الدين محمد بن محمد بن سعيد بن ندى. قال ابن سعيد المغربي في كتاب المشرق في ترجمة هذا: بأي لفظ أصفه، ولو حشدت جيوش البلاغة لفضله لم أكن أنصفه؟ نشأ في الدوحة السعيدية فنمت أزاهره، وطلع بالسماء الندوية فتمت زواهره، جمعت لإقرائه أعلام الفنون، حتى خرج آية في كل فن، وبرع في المنثور والموزون، مع الطبع الفاضل الذي عضده، وبلغه من رياسة هذا الشأن ما قصده، لا سيما حين سمعت قوله الذي أتى فيه بالإغراب، وترك مهيار معلقاً منه بالأهداب:
بالله إن جزت الغوير فلا تغرباللين منك معاطف الأغصان
واستر شقائق وجنتيك هناك لاينشقّ قلب شقائق النعمان وأورد له أيضاً:
الروض مقتبل الشبيبة مونقخضلٌ يكاد غضارةً يتدفق
نثر النّدى فيه لآلىء عقدهفالزهر منه متوّج وممنطق
وارتاع من مرّ النّسيم به ضحىًفغدت كمائم نوره تتفتّق
وسرى شعاع الشمس فيه فالتقىمنها ومنه سنا شموس تشرق
والغصن ميّاس القوام كأنّهنشوان يصبح بالنّسيم ويغبق
والطير ينطق معرباً عن شجوهفيكاد يفهم عنه ذاك المنطق
غرداً يغني للغصون فتنثنيطرباً جيوب الظل منه تشقق
والنهر لمّا راح وهو مسلسلٌلا يستطيع الرقص ظلّ يصفق
وسلافة باكرتها في فتيةٍمن مثلها خلق لهم وتخلّق
شربت كثافتها الدهور فما ترىفي الكأس إلاّ جذوةً تتألّق
يسعى بها ساق يهيج إلى الهوىويري سبيل العشق من لا يعشق
تتنادم الألحاظ منه على سناخدٍّ تكاد العين فيه تغرق
راق العيون غضاضةً ونضارةًفهو الجديد ورقّ فهو معتق
ورنا كما لمع الحسام المنتضىومشى كما اهتز القضيب المورق
وأظلّنا من فرعه وجبينهليلٌ تألق فيه صبحٌ مشرق
وكأنّ مقلته تردّد لفظةلتقولها لكنّها لا تنطق
فإذا العيون تجمعت في وجههفاعلم بأنّ قلوبها تتفرق وله أيضاً:
وافاك شهر الصوم يخبر أنهجارٍ بأيمن طائرٍ ميمون
ما زال يمحق بدره شوقاً إلىلقياك حتى عاد كالعرجون وله أيضاً:
حللنا مقاماً كلنا عبد ربّهفلا غرو أن نهدي له درر العقد
وله أيضاً:
رعى الله ليلاّ ما تبدّى عشاؤهلأعيننا حتى تطلّع صبحه
كأنّ تغشّيه لنا وانفراجهلقربهما إطباق جفنٍ وفتحه وله أيضاً:
وأغرّ مصقول الأديم تخالهزرت عليه جلابب من عسجد
ذي منخرٍ كفم المزادة زانهخدٌّ قليل اللحم غير مخدّد
وكأنه نال المجرة وثبهفرمته وسط جبينه بالفرقد
صناه عن رسم الحديد فوسمهبالشكر من نعم الوزير محمد وله أيضاً:
حبّذا الفسطاط من والدةجنبت أولادها درّ الجفا
يرد النيل إليها كدراًفإذا مازج أهليها صفا وله أيضاً:
كأنّما الهالة حول بدرهاكمامةٌ تفتقت عن زهرها وله أيضاً:
كم لدينا همانياًقد حوت محكم العمل
فارغاتٌ من الدّنانير ملأى من الأمل
وقال يرثي سهماً انكسر:
يا سهم هاج رداك لي بلبالاًوأطار نومي والهموم أطالا
لولاك ما راع الحمام حمامةًيوماً ولا علق المنون غزالا
ولطالما شوشت من سرب المهاألفاً ومن سطر الكراكي دالا
قد كنت أعجب للقسيّ سقيمةًصفرا تئنّ كأنهنّ ثكالى
فإذا بها علماً بيومك في الردىكانت عليك تكابد الأهوالا
عجباً من الآجال كيف تقسمتفيه وكان يقسّم الآجالا وله أيضاً:
وكأن نرجسها المضاعف خائضٌفي الماء لفّ ثيابه في راسه
وقال أيضاً:
ذو قصرٍ بين طويلين قد اجتاز بنا
كأنّه بينهمادمامةً نون لنا
وقال أيضاً، وقد ركب مولاه في البحر فانكسر المركب:
غضب البحر من حجابٍ منيعحائلٍ بينه وبين أخيه
نزّقته حمية الشّوق حتىخرق الحجب علّه يلتقيه وقال موشحة:
بات وسماره النجومساهر فمن ترى علمك السهد يا جفون
صب إلى مذهب التصابيصابي لا يعدل
فجنبه خافق الجنابنابي مبلبل
والطرف من دائم انسكابكابي مخبل
لسانه للهوى كتومساتر لما جرى والشأن أن تكتم الشؤون
سباه مستملح المعانيعاني به البصر
يذكره عن شدا الأغانيغاني إذا اذّكر
يقول ما ناظر رآنيراني إلاّ القمر
يرنو إلى وجهه الحليمحائر لما يرى مرأى به تفتن العيون
من أين للبدر في الكمالما لي فيوصف
والغصن هل عطفه بحاليحالي مزخرف
وعارض النّقص للهلاللالي والكلف
ولا فم الشمس منه ميمظاهر لمن قرا ولا من الحاجبين نون
ما كنت لولا درى بشانيشاني أخشى افتضاح
أفدي الذي راح للمثانيثاني عطف المراح
أنا لئن صدّ أو جفانيفاني فلا جناح
لما لوى الجيد قلت ريمنافر ثم انبرى يمشي كما تنثني الغصون
أيا نداماي إن باليبالي فغردوا
صوتاً أنا عنه لانتقاليقالي فرددوا
في رتب المجد والمعاليعالي محمّد
دام له العز والنعيمقاهر مقتدرا يعزّ من شاء أو يهين
وقد عارض هذا الموشح السراج المحار الحلبي بقوله:
ما ناحت الورق في الغصونإلا هاجت على تغريدها لوعة الحزين
هل ما مضى لي مع الحبايبآيب بعد الصدود
أم هل لأيّامنا الذواهبواهب بأن تعود
مع كل مصقولة الترائبكاعب هيفاء رود
تفترّ عن جوهر ثمينجلاّ أن يجتلى يحمى بقضب من الجفون
وأهيفٍ ناعم الشّمايلمايل في برده
في أنفس العاشقين عاملعامل من قده
يرنو بطرف إلى المقاتلقاتل في غمده
أسطى من الأسد في العرينفعلا وأقتلا لعاشقيه من المنون
قاسوه بالبدر وهو أحلىشكلا من القمر
فراش هدب الجفون نبلاأبلى بها البشر
وقال لي وهو قد تجلّىجلا باري الصور
ينتصف البدر من جبينيأصلا فقلت لا
قال: ولا السحر من عيوني
علّقته كامل المعانيعاني قلبه به
مبلبل البال مذ جفانيفاني في حبّه
كم بتّ من حيث لا يرانيراني لقربه
وبات من صدغه يرينينملا يسعى إلى رضابه العاطر المصون
بتنا وما نال ما تمنّىمنا طيب الوسن
نفض من خمره لدنّادنا يشفي الحزن
وكلّما مال أو تثنّىغنى صوتاً حسن
لا تستمع في هوى المجون... عذلا وانهض إلى راح تقي سورة الشجون وكانت وفاة أيدمر المحيوي في شهور سنة......
أيدمر النسائي
هو عز الدين أيدمر بن عبد الله، كان جندياً وله معرفة بتعبير الرؤيا والأدب، وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة سبع وسبعمائة؛ فمن شعره:
تخذ النسيم إلى الحبيب رسولادنفٌ حكاه رقّةً ونحولا فتسيل في أثر الفريق سيولا
ويقول من حسدٍ له يا ليتنيكنت اتخذت مع الرسول سبيلا وله أيضاً:
سفر فخلت الصبح حين تبلجافي جنح فودٍ كالظلام إذا سجا
فتانة فتاكةٌ من طرفهاكم حاول القلب النجاة فما نجا
نحت نضير الغصن قامة قدهاوحبت مهاة الجزع طرفاً أدعجا
تفترّ عن بردٍ نقيٍّ بردهبالرشف حرّ حشاشتي قد أثلجا
ما إن دخلت رياض جنة خدهافرأت عنها الدهر يوماً مخرجا
ولما رشفت رحيق فيها ظامياًفازددت إلاّ حرقةً وتوهجا
تعطو برخصٍ طرّفته بعندمٍوتريك ثغراً كالأقاح مفلجا
أنّى نظرت إلى رياض جمالهاعاينت ثمّ مفوفاً ومدبّجا
زارت وعمر الليل في غلوائهفغدا من الشمس المنيرة أبهجا
وسرى نسيم الروض ينكر إثرهافتعرفت آثاره وتأرّجا
ومن شعره أيضاً:
ورد الورد فأوردنا المداماوأرح بالراح أرواحاً هيامى
واجلها بكراً على خطّابهابنت كرم قد أبت إلاّ الكراما
ذات ثغر جوهريٍّ وصفهفي رحيق رشفه يشفي الأواما
برقعت باللؤلؤ الرطب علىوجنةٍ كالنار لا تألو اضطراما
أقبلت تسعى بها شمس الضحىتخجل البدر إذا يبدو تماما
بجفونٍ بابلي سحرهاسقمها أهدى إلى جسمي السّقاما
ونضير الورد في وجنتهانبته أنبت في قلبي الغراما
ودّت الأغصان لما خطرتلو حكت منها التثني والقواما
قال لي خالٌ على وجنتهاحين ناديت أما تخشى الضراما
منذ ألقيت بنفسي في لظىخدها ألفيت برداً وسلاما
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع