تجاوز إلى المحتوى

من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)

مجنون بني عامر وليلاه

وبلغ العشق أيضاً من مجنون بني عامر أن أخرجه إلى الوسواس والهيمان وذهاب العقل، وكثرة الهذيان، وهبوط الأودية، وصعود الجبال، والوطء على العوسج وحرارة الرمال، وتمزيق الثياب واللعب بالتراب، والرمي بالأحجار، والتفرد بالصحاري والاستيحاش من الناس، والاستئناس بالوحش حتى كان لا يعقل عقلاً، فإذا ذكرت ليلة ثاب إليه عقله، وأفاق من غشيته وتجلت عنه غمرته، وحدثهم عنها أصحَّ الرجال عقلاً، وأخلصهم ذهناً، لا ينكرون من حديثه شيئاً، فإذا قطع ذكرها رجع إلى وسواسه وهذيانه وتماديه في ذهاب عقله.

وقد حكي عنه في أول ابتداء وسواسه أنه قيل لأبيه: لو أخرجت قيساً، أيام الموسم، وأمرته بأن يتعلق بأستار الكعبة، ويقول: اللهم أرحني من حب ليلى، لعل الله كان يريحه من ذلك، ففعل. فلما طاف بالبيت أمره، فتعلق بأستار الكعبة، وقال: قل اللهم أرحني من حب ليلى. فقال: اللهم زدني لليلى حباً إلى حبها، وأرني وجهها في خير وعافية! فضربه أبوه، فأنشأ يقول:

ذكرتك، والحجيج له ضجيجبمكة والقلوب لها وجيب
فقلت، ونحن في بلد حرام،به لله أخلصت القلوب:
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
أتوب إليك، يا رحمن، مماعملت، فقد تظاهرت الذنوب
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وأما من هوى ليلى وتركيزيارتها، فإني لا أتوب
وكيف، وعندها قلبي رهين،أتوب إليك منها، أو أنيب
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً:

دعا المحرمون الله يستغفرونه،بمكة شعثاً، كي تمحى ذنوبها
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وقلت لرب الناس: أول سؤلتيلنفسي ليلى، ثم أنت حسيبها
فإن أُعط ليلى في حياتي لا يتبإلى الله عبد توبة لا أتوبها
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «دعا المحرمون الله يستغفرونه»

وقال أيضاً:

فلو أن ما بي بالحصى فلق الحصى،وبالريح لم يسمع لهن هبوب
ولو أنني أستغفر الله كلماذكرتك لم يكتب عليّ ذنوب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»

وبات في بعض ليالي حجه تحت شجرة، فانتبه بنوح حمامة فأنشأ يقول:

لقد هتفت في جنح ليل حمامةعلى فنن تدعو، وإني لنائم
فقلت اعتذاراً عند ذاك، وإننيلقلبي، فيما قد رأيت، للائم
أأزعم أني عاشق ذو صبابةبليلى، ولا أبكي، ويبكي الحمائم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد هتفت في جنح ليل حمامة»
كذبت، وبيت الله، لو كنت عاشقاًلما سبقتني بالبكاء الحمائم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد هتفت في جنح ليل حمامة»

وسمع هاتفاً من الليل، وهو ينادي: يا ليلى، فخرّ مغشياً عليه، ثم أفاق، وهو يقول:

وداع دعا إذ نحن بالخيف من منىفهيج أحزان الفؤاد، وما يدري
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى»
دعا باسم ليلى، أسخن الله عينه،وليلى بأرض عنه نازحة قفر
عرضت على قلبي الغراء، فقال لي:من الآن فاجزع لا أعزك من صبر
إذا بان من تهوى وأسلمك النوى،ففرقة من تهوى أحر من الجمر

وقال أيضاً:

فلبيك من داع دعا، ولو أنهصدى بين أحجار لظل يجيبها
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «دعتك دواعى حب سلمى كما دعا»

وقد أحسن، إذ حكم على صدى في مسه بالإجابة لدعوتها والمبادرة إلى تلبيتها، وهكذا فلتكن غلبة العشق، وصدق الهوى. ومثل ذلك قوله أيضاً:

لمست ثيابي، إن قدرت، ثيابها،ولم ينهني عن مسهنّ حرامها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فلو زرت بيت الله ثم رأيتها»
ولو شهدتني، حين تحضر ميتتي،جلا سكرات الموت عني كلامها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فلو زرت بيت الله ثم رأيتها»

ومثل ذلك قول الآخر:

ولو كلمتنا بين زمزم والصفا،وبين حطيم البيت أصبى كلامها
ولو مكثت بعد التطوع ساعةبمكة ولاها الصلاة إمامها
ولو نطقت، والموت يجري ظلامه،لجلى ظلام الموت عني ابتسامها

ومنه قول جميل بن معمر:

حلفت يميناً، يا بثينة، صادقاً،فإن كنت فيها كاذباً لعميت
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «حلفت لها بالبدن تدمى نحورها»
حلفت لها بالبدن تدمى نحورها،لقد شقيت نفسي بكم وعنيت
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «حلفت لها بالبدن تدمى نحورها»
فلو أن جلداً غير جلدك مسّني،وباشرني دون الشعار شريت
ولو أن داع منك يدعو جنازتي،وكنت على أيدي الرجال حييت
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «حلفت لها بالبدن تدمى نحورها»

ومثله قول الأعشى:

عهدي بها في الحي قد سُربلتصفراء مثل المهرة الضامر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»
لو أسندت ميتاً إلى نحرهاعاش، ولم ينقل إلى قابر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»
حتى يقول الناس مما رأوا:يا عجباً للميت الناشر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»
قد حجم الثدي على نحرها،في مشرق ذي بهجة زاهر

ومثله قول المجنون أيضاً:

ولو كنت أعمى أخبط الأرض بالعصاأصمَّ، فنادتني أجبت المناديا
وأشهد، عند الله، أني أحبهافهذا لها عندي، فما عندها ليا

قال: وسرق هذا المعنى جميل بن عبد الله بن معمر فقال:

ألا ليتني أعمى، أصم، تقودنيبثينة، لا يخفى علَّ كلامها

فهؤلاء قد زعموا أن كلام النساء ينجلو العمى، ويسمع الصم ويحيي الميت، ويدفع الموات وينشر القبور من قبل أوان النشور، وقد قال بعض الأعراب: إن من كلام النساء ما يقوم مقام الماء فيروي من الظماء. وقال آخر: حلاوة نغم النساء في الآذان ألذ من موقع الماء العذب من العطشان. وقال القطامي في مثل ذلك:

وفي الخدور غمامات برقن لنا،حتى تصيدنا من كل مصطاد
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
قتلنا بحديث ليس يعلمهمن يتيقن ولا مكنونه بادي
وهن يندبن من قول يُصبن بهمواقع الماء من ذي الغلة الصادي

وعمر بن أبي ربيعة يقول في سكينة ابنة الحسين بن علي ﵄:

أسكين ما ماء الفرات وبردهمني على ظمأٍ وحب شراب
بأحب منك، وإن نأيت، وقل ماترعى النساء أمانة الغياب

ولبعض المتأدبين في مثله:

والله ما شربة من ماء غادية،إذا ظمئت، وكرب الموت يغشاني
ألذ من شربة من فيك أجرعها،تلك الشفاء لقلب الهائم العاني

وروي أن عمر بن أبي ربيعة قال: أتتني امرأتان في أيام غزلي، فجعلت إحداهما تسرّ إلي سراً، والأخرى تعضني، فما شعرت بعضة هذه من لذة سراره هذه.

ودخل كثير على عبد الملك بن مروان فقال: يا كثير حدثني ببعض أخبار جميل! فقال: نعم، يا أمير المؤمنين، لقيت جميلاً ذات يوم، فقال: هل لك في المسير معي نحو بثينة؟ قلت: نعم، فسايرته، حتى دنا من موضعها، فقال: تصير إليها، فتعلمها بمكاني، فمضيت، فأعلمتها، فأقبلت في نسوة من الحي، فلما رأينه انصرفن عنها، وتنحيت عنهما، فلم يزالا من أول الليل إلى أن رهقهما الصبح قائمين في أقدامهما، فلما عزما على الافتراق قالت: ادن مني يا جميل! فدنا منها، فأسرت إليه سراً، فخر مغشياً عليه فما أيقظه إلا حر الشمس، فأفاق، وأنشأ يقول:

فما ماء مزن من جبال منيفة،ولا ما أكنت في معادنها النحل
بأشهى من القول الذي قلت بعدماتمكن في حيزوم ناقتي الرحل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ألا أيها الربع الذي غير البلى»

وقال جرير أيضاً:

ولقد رمينك يوم رحن، بأعين،يقتلن من خلل الستور، سواجي
وبمنطق شغف الفؤاد كأنهعسل يجدن به بغير مزاج

وقال الفرزدق:

إذا هن ساقطن الحديث، كأنهجنى النحل، أو أبكار كرم تقطف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عزفت بأعشاش وما كدت تعزف»
تراهن من فرط الحياء كأنهامراض سلال، أو هوى لك نزف

وليس يمكن أن يكون ذلك عندهم كذلك.

وقد روي عن النبي، ﷺ، من وجوه شتى بأحاديث صحت عن الثقات، ونقلت عن الرواة: إن حبك للشيء يعمي ويصم. وليس بعجب ما قال المجنون وأشباهه من غلبة العشق عليهم، وقد قال غيره أعظم مما قاله، وأقطع، وأجل. ولقد رأينا وسمعنا وخُبرنا أن منهم من قتل نفسه غرقاً، وذبحاً، وخنقاً، كل ذلك أسفاً وحسرة وتلهفاً.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من سنن الظرف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.