من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
ما يكتب على أواني الفضة والذهب ومدهون الصيني المُذهّب
قال العباس بن الفضل بن الربيع: حدثني أبي قال: رأيتُ على صينيّةٍ بين يَدَي المأمون مكتوباً فيها:
لا شيء أملحُ من أيّام مجلسناإذ نجعلُ الرُّسل فيما بيننا الحَدَقا
وإذا جوانحنا تُبدي سرائرناوشكلُنا في الهوى تَلقاه متّفقا
ليتَ الوُشاة بنا والعاشقين لنافي لُجّةِ البحر ماتوا كلُّهُم غَرَقا
أو ليت من ذمّنا أو عابَ مجلسناشُبّت عليه ضِرام النار فاحترقا
وأخبرني بعض الكُتّاب أنه قرأ على صينية بين يَدَي الحسن بن وهْب مفصَّلةٍ بالفصوص بألوان شتّى:
من كان لا يزعمُني عاشقاًأحضرتُهُ أوضحَ بُرهانِ
إني على رَطْلين أُسقاهماأروحُ في أثواب سَكرانِ
وكنتُ لا أسكرُ من تسعةٍيتْبَعُها رَطْلٌ ورَطْلانِ
فصار لي من غَمَرات الهوىوالسُّكر سُكرانِ عَجيبانِ
والشعر للحسن بن وَهْب.
وكتب بعض الظرفاء على صينيّة له صينيّ:
حُثَّ الندامى بعاجل النُّخَبوحُثّ كأسَ الندمان يا بأبي
إنْ لم تُدِرْها والكأسُ مُترعةٌحتى تُميتَ الهُموم لمْ تَطِبِ
وكتب آخر على صينية له:
قد قُلتُ لما صبا بيَ اللعبوباكرتْني الشَّمول والطربُ
وكتب آخر على قضيب مدهون:
أصبحتُ يُشْبِهُني القضيبُوأنتَ يُشْبِهُكَ القضيبُ
غُصنان إلاّ أنّ ذابالٍ وذا غُصنٍ رَطيبُ
وقرأت على مِذبّةٍ لبعض الكتّاب:
تعلّمتُ أنواع الرضى خوفَ سُخطهوعلّمه حُبّي له كيف يغضبُ
ولي ألفُ وجهٍ قد عرفتُ طريقَهُولكنْ بلا قلبٍ إلى أين أذهبُ؟
وعلى أخرى:
دلّ البكاء على عيني فأرّقهاظبيٌ يُطيل البكا من ظلّه فَرَقا
لو مسّ غُصناً من الأغصان مُنجرِداًلاخْضرّ في كفّه واستشعر الوَرَقا
وأخبرني أبو جعفر القارئ قال: أخبرني من قرأ على مِروحةٍ بيتين للقَطامي:
قد يُدرك المُتأنّي بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجِلِ الزَّلَلُ
وربّما فات بعضَ القوم أمرهُمُمع التأنّي وكان الحَزْم لو عَجِلوا
قال: فحضرني بيتان، فكتبتُ على الجانب الآخر:
لا ذا ولا ذاك في الإفراط أحمدُهُوأحمدُ الأمر ما في الفِعلِ يَعتدِلُ
إفراطُ ذا في التأنّي فوتُ حاجته وليس يَعدمُ عَثراً دونها العَجَلُ
وقرأتُ على مِروحة لبعض الظرفاء:
مُحتمِلٌ، حسبك لي، ساعةًذاكَ إذا أجهدكَ الحَرُّ
غيرُكَ مني طالبٌ مثل ماتطلُبُهُ يا أيها الحُرُّ
وكتب بعض الأدباء على مِروحة:
إنّ روحَ الحياة فيحركات المَراوحِ
كم بَنانٍ لطيفةٍمن ظِباءٍ سَوانحِ
حرّكتْها فنفّستعن خدودٍ رواشِحِ
وقرأت على قوس جَلاهِق مكتوباً بالذهب:
بينما الطيرُ في الهوى يتكفّىإذ سقيناهُ جُرعةَ الموت صِرفا
ونزعْنا من القرين قريناًوجعلنا هناك بالإلفِ إلفا
وكتبتُ على قوسٍ أهديتُها بعض إخواني:
لمّا رأيتُ الطير عالي المُرتقىهيّأتُ قوساً يا لها وبُندُقا
ثم غَدَونا إذ غَدَونا حَلَقاًفلم يَحُمْ حتى هوى ممزَّقا
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع