من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)
الباب السابع والعشرون الذم والهجو، والشتم، والاغتياب وما شاكل ذلك
أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع:
أيها الناس إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إياكم والغيبة، فإن الله حرم أكل لحم الإنسان، كما حرم ماله ودمه.
أبو الدرداء رفعه: من ذكر امرأ بما ليس فيه ليعيبه حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفذ مما قال فيه.
جابر رفعه: إياكم والغيبة فان الغيبة أشد من الزنا، ثم قال رسول الله ﷺ: إن الرجل يزني فيتوب، فيتوب الله ﷿ عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبها.
عمر ﵁: ما يمنعكم إذا رأيتم من خرق أعراض
المسلمين أن تعرّبوا عليه ؟ قالوا: نخاف سفهه، قال: ذلك أدنى أن لا تكونوا شهداء. التعريب على الرجل: الرد عليه والتقبيح، وهو من العرب وهو الفساد لأنك تفسد عليه قوله وتبطله.
أنس: من اغتاب المسلمين وأكل لحومهم بغير حق، وسعى بهم إلى السلطان جيء به يوم القيامة مزراقة عيناه، ينادي بالويل والثبور والنوامة، يعرف أهله ولا يعرفونه.
هشام بن عبد الملك بن مروان لعبد الله بن عمرو بن الوليد المعيطي:
أبلغ أبا وهب إذا ما لقيتهبأنك شر الناس عيبا لصاحب
فتبدي له بشرا إذا ما لقيتهوتلسعه بالغيب لسع العقارب
وعد خالد بن صفوان الفرزدق فسوفه، فتهدده، فقال: إن هذا قد جعل إحدى يديه سطحا، وملأ الأخرى سلحا، وقال: إن عمرتم سطحي وإلا لطختكم بسلحي.
صادف الشعبي قوما في المسجد يغتابونه، فأخذ بعضادتي الباب وقال متمثلا:
هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزة من أعراضنا ما استحلت
قاول الحماني بلال بن جرير فقال له: يا ابن أم حكيم!
فقال بلال: ما تذكر من ابنة دهقان، وأخيذة رماح، وعطية ملك، ليست كأمك التي بالمرّوت تغدو على أثر ضأنها، كأنما عقابها حافرا حمار، فقال الحماني: أنا أعلم بأمك، وإنما عتب عليها الحجاج في أمر الله أعلم به، فحلف أن يدفعها إلى ألأم العرب، فلما رأى أباك لم يشك.
قيل لنصيب هلا هجوت فلانا وقد حرمك، قال: لأني كنت أحق بالهجاء منه إذ رأيته موضعا لمدحي.
أبو حنش النميري لجرير:
ولولا أن يقال هجا نميراولم يسمع لشاعرها جوابا
رغبنا عن هجاء بني كليبوكيف بشاتم الناس الكلابا
كان عبد الله بن الزبير يسب نقيفا إذا فرغ من خطبته فيقول:
قصار الخدود، لئام الجدود، سود الجلود، بقية قوم ثمود.
تقول العرب: فلان لا ينير ولا يسدي، ولا يعيد ولا يبدي، ولا يحيي ولا يردي.
أعرابي: ما يحث إلى لقائك، ولا تزف نعام القلوب إلى طلعتك ولا تثنى خناصر الشمال بك ما تظمأ من الجنب. وهو لصدق الرنة بالجنب من العطش، وعادة الأعراب أن يثنوا الخمس من اليمين ثم من اليسار، فأراد أنه لا يعد فيمن يعد رأسا لا أولا ولا آخرا.
قيل لأبي العيناء: هل بقي في دهرنا من يقلي؟ قال: نعم في البئر.
قال الحجاج للشعبي: يا عامر أرب وافر وعقل فاخر. لعله قال له ذلك على أثر ما غاضه من خروجه مع عبد الرحمن، وإلّا فقد علم الحجاج أن عقيله إلى عقل الشعبي سراج فاتر إلى ضياء باهر، وليس بأول ظلم ارتكبه.
قيل لجرير: إن الطرماح قد هجا الفرزدق، وقد كبر وضعف، فلو أجبت عنه، فقال: صدى الفرزدق يفي بطيء كلها، وقد أردت ذلك فخفت أن يقال: أجتمع فحلا مضر على مخنث طيء.
قيل لأعرابي: فلان يعيبك. فقال: ذاك المائل عن المجد رجلا، الملطي باللؤم وجها، قد ينبح الكلب القمر.
شتم رجل حكيما فقيل له هلّا غضبت فقال: كفاه خسة أن يشتم ولا يشتم.
الحكم بن قنبر:
ومن دعا الناس إلى ذمهذموه بالحق وبالباطل
مقالة السوء إلى أهلهاأسرع من منحدر سائل
تسابّ بدويان، فقال أحدهما لصاحبه: أراك والله تعطس عن أنف طالما جدع على الهوان. فقال صاحبه: والله لئن لم تكفّ عني شر لسانك، ولم تستر دوني عورة نسبك لأصدعن صفاتك بمعول لا ينبو عن مضربه، ولأحصدن رأسك بمنجل لا ينثني عن مأخذه. فقال الأول: لا تسعر نارنا، ولا تطلب عوارنا، فإن سفه الجاهل بلسانه وسفه اللبيبة في يده، وكأني بك وقد وعيت مني كلاما يمنعك الشراب البارد، ويشمت بك الصادر والوارد، وقل من تمرد على العافية إلا تمرد عليه البلاء. فانقلب عنه مغيظا يهمهم.
حكيم: أبصر الناس بعوار الناس المعور».
بعض السلف: عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح؟
عجبا لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب؟.
قيل لشبيب بن شبية: ما بال عبد الله بن الأهتم يتنقصك؟
قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة.
إسحاق بن خلف البهراني في بني زياد بن أبيه:
كيت يزهى بنو زياد وفيهمميسم ظاهر بأعلى الأنوف
أنت يكفيك أن يقال زيادي فترمى بالواضح المألوف
قيل لبعض ولد أبي لهب: إلعن معاوية، فقال، ما أشغلني بتّبت!.
قال أبو حنيفة ﵀: أنت مطويا خير منك منشورا.
الضرب في الجناح والسب في الرياح.
أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل.
قال المتوكل لأبي العيناء: ما بقي في المجلس أحد إلا ذمك غيري. فقال:
إذا رضيت عني كرام عشيرتيفلا زال غضبانا عليّ لئامها
وقال له: ما تقول في محمد بن مكرم والعباس بن رستم ؟ فقال: هما الخمر والميسر إثمهما أكبر من نفعهما.
لمّا هجا محمد بن حازم محمد بن حميد الطائي وأفرط اتفقت على ابن حازم محنة اختفى فيها. فوجه إليه ابن حميد بعشرة آلاف، وعشرة أثواب، وبرذون بسرجه ولجامه، وغلام رومي، وكتب إليه: أكرمك الله وأبقاك، ذو الأدب تبعثه قدرته على نعت الشيء بخلاف هيئته، ويحمله التظرف على هجاء بعض أخوانه في حال دعابته، وليس ما شاع من هجائك لنا يجري سوى هذا المجرى منا، وقد بلغني من خبرك ما لا غضاضة عليك فيه، مع كبر نفسك وأدبك، إلا عند العامة من الجهال، الذين لا يكرمون ذوي الأخطار إلا على الأموال دون الآداب، ونحن شركاء فيما ملكنا، وقد وجهت إليك ما استفتحت به انبساطك وإن قلّ ليكون سببا إلى غيره.
فر ابن حازم ما وجه إليه، وكتب:
وفعلت فعل ابن المهلب إذكعم الفرزدق بالندى الغمر
فبعثت بالأموال ترغبنيكلا وربّ الشفع والوتر
لا ألبس النعماء من رجلألبسته عارا على الدهر
بعضهم: بت ليلة في البصرة مع المسجديين، فلما كان وقت السحر حركهم واحد فقال: إلى كم هذا النوم عن أعراض الناس؟.
قيل لرجل: ما صنع بك فلان؟ قال: متعني لذة الشكوى.
أعرابي: فلان لا يخاف عاجل عار، ولا آجل نار، كالبهيمة تأكل ما وجدت، وتنكح ما لحقت.
وذكر آخر قوما فقال: سلخت أقفاؤهم بالهجاء، ودبغت جلودهم باللؤم.
آخر: هو عبد البدن، حر الثياب، عظيم الرواق، صغير الأخلاق، الدهر يرفعه، ونفسه تضعه، لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه.
قيل لرجل: كيف رأيت فلانا؟ قال: طويل العنان في اللؤم، قصير الباع في الكرم، وثابا على الشر، زمنا عن الخير.
أعرابي: من عاب سفلة فقد رفعه: ومن عاب شريفا فقد وضع نفسه.
كان الجنيد من كبار العمال. وكان يعطي الناس الجوائز السنية ويشتمهم. فقصده شاعر فقال: أعطوا هذا الماص بظر أمه سبعين ألفا، فقال:
يعطى على شتمة وإن صغرتسبعين ألفا طوبى لمن شتمه
قام رجل إلى سليمان بن عبد الملك فقال: إنني مملك بابنة عمي على مائتي دينار، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسلفينها، فقال: يا ابن اللخناء، أقسطار أنا حتى أسلفك؟ بل أهب لك مائتي دينار، ومائتي دينار، ولم يزل يكرّرها حتى انقطع نفسه على ثلاثة آلاف دينار، فقبضها، فأتاه الناس يهنئونه، فقال: أين قوله يا ابن اللخناء؟ فبلغ ذلك سليمان فقال صدق، وددت أني افتديتها بأضعافها ولم أقلها.
نظر بعض السلف إلى رجل يفحش، فقال له: يا هذا إنك تملي على حافظيك كتابا، فانظر ماذا تقول.
بعضهم: ذم من شئت فهو للذمّ موضع.
عمر ﵁: ولو أنّ امرأ كان أقوم من القدح لوجدت له من الناس غامزا، وما ضرّت كلمة لم يكن لها حقيقة.
أبو عبيدة: ألأم الناس الأغفال الذين لم يهجوا ولم يمدحوا.
قيل لسقراط: هل من إنسان لا عيب فيه؟ قال: لو كان إنسان لا عيب فيه لكان لا يموت.
ابن عباس: ما الأسد الضاري في فريسته بأسرع من الدنيء في عرض السريّ.
[شاعر]:
ومطروفة عيناه في عيب نفسهفإن بان عيب من أخيه تبصّرا
الرفاء وهو ابن در:
ولو أن دارك أنبتت لك واحتشتإبرا يضيق بها فناء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرةليخيط قدّ قميصه لم تفعل
رابعة: الإنسان إذا نصح لله في نفسه أطلعه الجبار على مساوىء عمله، فتشاغل بها من دون خلقه.
قال عبد الله بن عروة لابنه: إنه والله ما بنت الدنيا شيئا إلا هدمه الدين، ولا بنى الدين شيئا فاستطاعت الدنيا هدمه، ألا ترى إلى علي ﵇ ما تقول فيه خطباء بني أمية من ذمه وعيبه؟ والله كأنما يأخذون بناصيته رفعا إلى السماء أو ما رأيت ما يندبون به موتاهم؟ والله لكأنما يندبون به جيف حمير.
كان يقال: ما استب أجلان إلا غلب ألأمهما.
وعن بعض الحكماء: لا أحب أن أكون في حرب الغالب فيه شر من المغلوب.
قالوا: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، لأنك إن استودعك أخوك مالا لم تحدثك نفسك بخيانة، وأنت تغتابه ولا تبالي.
سمع علي بن الحسين رجلا يغتاب، فقال: ويحك، إياك والغيبة فإنها أدام كلاب الناس، من كف عن أعراض الناس أقال الله عثرته يوم القيامة.
شتم رجل الزهري فقال: إن كنت كما قلت فهو شر لي، وإن لم أكن كما قلت فهو شر لك. وكان يقول: متى قلت لمملوك أخزاك الله فهو حر.
وعن طلحة بن عبيد الله أنه دعا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃، فأبطأ عليهم الغلام بشيء أراده، فقال: يا غلام، فقال لبيك، فقال لا لبيك. فقال أبوبكر: ما سرني أني قلتها وأن لي الدنيا. وقال
عمر: ما سرني أني قلتها وأن لي نصف الدنيا، وقال عثمان: ما سرني أني قلتها وأن لي حمر النعم. وصمت عليها طلحة، فلما خرجوا باع ضيعة بخمسة عشر ألفا وتصدق بها.
قيل لابن سيرين: مالك لا تقول في الحجاج شيئا؟ قال: أقول فيه حتى ينجيه الله لتوحيده ويعذبني باغتيابه. وكان جعل على نفسه إذا اغتب تصدق بدينار.
- وقال له رجل: إننا منك فاجعلنا في حلّ، فقال ما كنت لأحل لكم ما حرم الله عليكم، وكان إذا مدح أحدا قال: هو كما شاء الله، وإذا أراد أن يذمه قال: هو كما علم الله.
معاوية بن قرة: كان أفضلهم عندهم أسلمهم صدرا وأقلهم غيبة.
الأحنف: في خلقان، لا اغتاب جليسي إذا غاب عني، ولا أدخل لي أمر قوم لا يدخلونني فيه.
قيل لرجل من العرب: من السيد فيكم؟ قال: الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه.
كان ابن عون إذا ذكر عنده الرجل بعيب قال: إن الله رحيم.
القاضي أحمد بن أبي دؤاد في محمد بن عبد الملك بن الزيات.
أحسن من خمسين بيتا سدىجمعك معناهن في بيت
ما أحوج الملك إلى مطرةتغسل عنه وضر الزيت
خالد الزبيدي:
إذا نمري طالب الوتر كفهعن الوتر أن يلقى طعاما فيشبعا
إذا نمري ضاق بيتك فاقرهمع الكلب زاد الكلب وازجرهما معا
قيل للربيع بن خثيم: ما نراك تعيب أحدا، قال: لست عن نفسي راضيا فأتفرغ لذم الناس، وأنشد:
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرهالنفسي في نفسي عن الناس شاغل
عبد الله المبارك: قلت لسفيان: ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة؟ ما سمعته يغتاب أحدا قط قال؛ هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها.
محمد بن سوقة: ما أحسب رجلا يفرغ لعيوب الناس إلّا من غفلة غفلها عن نفسه.
سئل فضيل عن غيبة الغاسق المعلن، أله غيبة؟ فقال: لا تشتغل بذكره، ولا تعود لسانك الغيبة، عليك بذكر الله، وإياك وذكر الناس، فإن ذكر الناس داء، وذكر الله شفاء.
خزاعي بن عوف:
ولست بذي ثرب في الصديقمناع خير وسبابها
ولا من إذا في كان في مجلسأضاع العشيرة واغتابها
ولكن أطاوع ساداتهاولا أتعلم ألقابها
زياد الأعجم:
إنّي لأكرم نفسي أن أكلفهاهجاء جرم ولما يهجهم أحد
ماذا يقول لهم من كان هاجيهملا يبلغ الناس ما فيهم وإن جهدوا
فضيل: الغيبة فاكهة القراء، وكان يقول: ما لعنت إبليس قط، وكان يكره إذا كان عالمان في قبيلة أن يفضل أحدهما على الآخر.
ومر بابن سيرين طبيبان ذميان، فقيل له أيهما أطلب ؟ فقال أخاف أن تكون غيبة.
الأوزاعي: عدنا مكحولا فقال: اللحوق بمن يرجى خيره خير من البقاء مع من لا يؤمن شره.
ما نار في اليبس بأسرع من الغيبة في الحسنات.
إغتاب رجل رجلا عند معروف الكرخي فقال: اذكر القطن إذا وضعوه على عينك.
رأت أم البهلول ابن سيابة فقالت: قبح الله هذا، لو كان داء لما برىء منه.
كان بين سعد بن مالك وبين خالد بن الوليد كلام، فذهب رجل يقع في خالد عند سعد، فقال: له، إن ما بيننا لا يبلغ ديننا.
لقمان: يا بني، قد دحرجت الحجارة، وقطعت الصخور، فلم أجد شيئا أثقل من كلمة السوء ترسخ في القلب كما يرسخ الحديد في الماء.
قال حماد عجرد في بشار:
والله ما الخنزير في نتنهبربعه في النتن أو خمسه
بل ريحه أطيب من ريحهومسه ألين من مسه
ووجهه أحسن من وجههونفسه أفضل من نفسه
وعوده أكرم من عودهوجنسه أكرم من جنسه
فقال بشار: ويلي على الزنديق لقد نفث ما في صدره، قيل: وكيف ذاك أبا معاذ، قال: ما أراد إلا قول الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
فأخرج الجحودية مخرج هجائي.
روي أنه لم يجزع جزعه من قوله فيه:
ويا أقبح من قردإذا ما عمي القرد
وإنه بكى لمّا سمعه، وقال: يراني فيصفني، ولا أراه فأصفه.
جرى في الغواية إلى الغاية، وفي مخالفة النهى إلى النهاية.
مضغوه بالألسنة الجاذبة، ولا كوه في الأحناك الكاذبة.
كثير:
وسعى إليّ بغيب عزة نسوةجعل الإله خدودهن نعالها
فلان ما يرتاح للمدح، ولا يرتاح للذم.
قال ابن مناذر لرجل: مالك أصل فاحفره، ولا فرع فاهصره.
آخر: لم أجد حسبا فأثلمه، ولا بناء فأهدمه.
توبة:
رماني وليلى الأخيلية قومهابأشياء لم تخلق ولم أدر ماهيا
فلان عناماه القذاع، عري من حلية التقوى، ومحي عنه طابع الهدى، لا تثنيه يد المراقبة، ولا تكفه خيفة المحاسبة.
قيل لإسماعيل بن حماد: أي اللحمان أطيب؟ قال: لحوم الناس، هي والله أطيب من لحوم الدجاج والدرّاج، يعني التفكه
بأعراضهم واغتيابهم.
مر المسيح في الحواريين على جيفة كلب، فقال بعضهم:
ما أشد نتن ريحه! فقال: هلا قلت: ما أشد بياض أسنانه.
حسل بن عرفطة:
ليهنك بغضن في الصديق وطنةوتحديثك الشيء الذي أنت كاذبه
وأنك مشنوءا إلى كل صاحببلاك ومثل الشر يكره جانبه
وأنك مهداء الخنا نطف الثناشديد السباب رافع الصوت غالبه
فلم أر مثل الجهل أدنى إلى الردىولا مثل بعض الناس غمص صاحبه
ابن المعتز: لا تذكر الميت بسوء فتكون الأرض أكتم منك عليه.
وكان محمد عبد الملك بن صالح إذا ذكر الميت عند سوء يقول: كفّوا عن أسارى الثرى.
الريبة عار والغيبة نار، ومن عن الريبة كفّ، كفّ عن الغيبة.
محمد بن حرب: أول من عمل الصابون سليمان، وأول من عمل القراطيس يوسف، وأول من عمل السويق ذو القرنين
وأول من خبز الجرادق نمرود، وأول لمن كتب في القراطيس الحجاج، وأول من بنى مدينة في الإسلام الحجاج، وأول من اغتاب إبليس، اغتاب آدم.
سامع الغيبة أحد المغتابين.
أبو نواس:
ما حطّك الواشون عن رتبةعندي ولا ضرك مغتاب
كأنما أثنوا ولم يعلنواعليك عندي بالذي عابوا
[آخر]:
أبا حسن يكفيك ما فيك شاتمالعرضك من شتم الرجال ومن شتمي
أوحى الله إلى موسى أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة، وإن أصر فهو أول من يدخل النار.
إشكاب: لا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ومن اغتاب عندك غيرك أن يغتابك عند غيرك.
كان أبو الطيب الطاهري يهجو ابني سامان فقال له نصر بن
أحمد يوما: يا أبا الطيب إلى متى تأكل خبزك بلحوم الناس ؟ فخجل ولم يعد.
بزرجمهر، قال لولده: لا تكونوا عيابين فتكونوا عند الناس إذا أذنبتم أشد عيبا وأقل عذرا.
علي ﵁: من نظر في عيوب الناس فأنكرها، ثم رضيها لنفسه فذلك الأحمق بعينه.
الحسن: ذم الرجل لنفسه في العلانية مدح لها في السر.
قال الحجاج لابن القرية: من شر الناس؟ قال: الذي يطلب عثرات الناس وهو مصر على الذنوب.
هجا الفرزدق سنان بن سنان الحرامي، فأخذه قومه فربطوه وجاؤوا به إلى الفرزدق، وقالوا: هذا أسيرك فافعل به ما شئت، وإنّا قد برّئنا إليك من جرمه، وإياك وأعراضنا. فقال له: ما دعاك إلى هجائي؟
قال: الحين، قال: أفتعود؟ قال: لا، قال: فاذهب. وقال:
ومن يك خائفا فرطات شعريفقد أمن الهجاء بنو الحرام
هم قادوا سفيههم وخافواقلائد مثل أطواق الحمام
مبارك العلوي:
آبى فلا أمدح اللئام معاذا الله مدح اللئام لي دنس
لكن سأهجوهم وإن رغمتمما أقول المناخر الفطس
العباس بن يزيد الكندي:
لو اطلع الغراب على تميموما فيهم من السوءات شابا
أتى ابن فسوة عبد الله بن عباس يستوصله، فلم يصله، فقال:
أتيت ابن عباس أرجيّ نوالهفلم يرج معروفي ولم يخش منكري
فليت قلوصي عريت أو رحلتهاإلى حسن في داره وابن جعفر
فقال له عبد الله بن جعفر: أنا اشتري منك عرض ابن عمي، فقال:
اشتر ولا تؤخّر. فوصله حتى كفّ.
سمع أعرابي قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً
فامتعض، ثم سمع: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
: فقال: الله أكبر! هجانا الله ثم مدحنا، وكذلك فعل الشاعر حيث يقول:
هجوت زهيرا ثم إني مدحتهوما زالت الأشراف تهجى وتمدح
لما قام السفاح قال له أحمد بن يوسف: لو أمرت بلعن معاوية على المنابر كما سن اللعن على علي ﵇، فأبى وتمثل بقول لبيد:
فلما دعاني عامر لأسبهمأبيت وإن كان ابن عيساء ظالما
لو تأمل رجل أفعال فلان ثم اجتنبها لا ستغنى عن الآداب أن يطلبها.
لو أنّ رجلا تجنب أخلاقه لقيل قد مد المجد عليه رواقه.
دخل أبو الهندي على أسد بن عبد الله بن كرز البجلي، وعنده رجل من جرم على سريره: فتناول أبا الهندي، فقال له أسد: مهلا يا أخا جرم فإن له لسانا لا يطاق، فقال أبو الهندي: كم الكبائر؟ قال: بلغني أنهن أربع: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله،
واليأس من روح الله. قال أبو الهندي: بلغني أنهن خمس: تجفاف على بعير، وسراج في شمس، ولبن في باطية، وخمر في علبة، وجرمي على سرير. فبهت الجرمي.
سأل الفرزدق سيد غدانة عطية بن جعال أن يكف عن هجو قومه، فأجابه ثم قال:
أبني غدانة إنني حررتكمفوهبتكم لعطية بن جعال
لولا عطية لا جتدعت أنوفكممن بين ألأم آنف وسبال
فقال عطية: سبحان الله! ما أسرع ما رجعت في عطيتك! الفيض بن أبي صالح:
ليس في العير يوم عبر أبي سفيان تبا لتلكم من عير
لا ولا في النفير يوم قريشحين جدّت وأزمعت بالنفير
ذمّ أعرابي قوما فقال: هم أقلّ الناس ذنوبا إلى أعدائهم، وأكثرهم جرما إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على المنكر، ألسن عامرة من الوعد، وقلوب خربة من المجد.
آخر: إن فلانا يكاد يعدي بلؤمه من سمّي باسمه، ولئن خيبني فلرب قافية كريمة ضاعت في رجل لئيم.
الحسن: عاش المسلمون برهة من زمانهم وإن الرجل ليحرم غيبة أخيه ودرهمه وسوطه أن يجده ملقى في الأرض حتى يرده عليه، فبيناهم كذلك إذا طعن الشيطان طعنة فنفرت القلوب فصارت وحشا، فإذا هو يستحل دم أخيه ماله، وهو بالأمس يحرم غيبته ودرهمه وسوطه.
علي ﵇ رفعه: من بهت مؤمنا أو مؤمنة، أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله على تل من نار حتى يخرج مما قال فيه.
- علي ﵇: الغيبة جهد العاجز. ومنه أخذ المتنبي.
وأكبر نفسي عن جزاء بغيبةوكل اغتياب جهد من لا له جهد
أبو يزيد العبدي:
ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمتإن الكلاب طويلة الأعمار
وأراك تجنبني فتسرف جاهداكالكلب ينبح كامل الأقمار
وقف قوم بباب عدي بن الرقاع ليهاجوه فقالت لهم بنت له صغيرة:
تجمعتم من كل أوب ووجهةعلى واحد لازلتم قرن واحد
قال الكندي لرجل: أنت والله ثقيل الظل، مظلم الهواء، جامد النسيم.
كلثوم بن أوفى التميمي المعروف بابن قسيمة:
إذا لم يرج قومك منك خيراتجود به ولا خلقا رغيبا
وكنت عليهم أسدا مدلاوعن أعدائهم درعا هيوبا
وسبهم العدو فلم تكّسرعليه وكنت بعد لهم سبوبا
وإن منيتهم خيرا وعسراوفيت به وكنت به طبيبا
وإن منيتهم شرا وعسرالقومك كنت مخلافا كذوبا
وإن فسدوا رضيت وإن تراضواظللت لذاك محتزنا كئيبا
وإن أطعمت بعضهم طعامامننت به وكنت له طلوبا
فليت الحيّ قد حفروا بفأسقليبا ثم أعمرت القليبا
حكيم قال لرجل: مذكم لسعتك عقرب أو لدغتك حية؟
قال: ما أذكر شيئا من ذلك، قال: فمتى عهدك بمن أغتابك وسبك، وكتم محاسنك، ونشر مساوئك، وسعى في هلاكك؟ قال: أقرب عهد.
وقف جديّ على سطح، فمر به ذئب فشتمه، فقال له الذئب: أنت لا تشتمني إنما يشتمني المكان الذي أنت به.
[شاعر]:
توقّ ملاحاة الشيوخ وذمهمفإن لهم علما برد المثالب
ذكر خالد بن صفوان اليمانية فقال: ما منكم ألا ناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، وراكب عرد، غرقتهم فأرة، ودلكتهم امرأة، ودلّ عليهم الهدهد. قالوا العرد البغل.
هو سيد قريع، بتقديم الراء:
أبو الدرداء ﵁: احذروا الناس، فما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه، ولا ظهر جواد إلا عقروه، ولا قلب مؤمن إلا خربوه.
المخرق بن الممزق:
أنا المخرق أعراض اللئام كماكان الممزق أعراض اللئام أبي
مخلد بن علي السلامي الحوراني:
على أبوابه من كل وجهقصدت له أخو مر بن أد
أخو لحم أعارك منه ثوباهنيئا بالقميص لك الأجد
أبوك أراد أمك حين زفتفلم توجد لأمك بنت سعد
يعني أن أبوابه مضببة مغلقة، لأن أخا مر هو ضبة، وأخوكم جذام، أراد أنه مجذوم، وبنت سعد هي عذرة، أراد لم تكن عذراء.
قال رجل لابن سيرين: إني شتمتك فاجعلني في حل. قال:
ما كنت لأحل لك ما حرم الله عليك.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: بلغني أن قبلك قوم يسبون أبا بكر وعمر، فمن قامت عليه بيّنة عادلة فاضربه ضرب المستطيل في عرض أخيه وهو ساكت.
عامر بن عبد الله بن الزبير: ألا إن الدنيا لم تبن شيئا إلّا هدمته الآخرة، وإن الآخرة لم تبن شيئا فهدمته الدنيا، وإن بني أمية لعنوا عليا على منابرهم سبعين سنة فما زاده الله إلا رفعة ونبلا.
استبّ رجلان، فقال أحدهما: لو قطع زبك ثم علّق لم تبق زانية إلّا عرفته. وقال الآخر: ما ولدت زانية بالكوفة ولدا إلا وفيه شبه منك. فلم يوجبوا عليها حدا.
عن معاوية بن قرّة: كان أفضلهم عن السلف أسلمهم صدأ، وأقلهم غيبة.
سب عبيد الله بن عمر المقداد فقال عمر: علي نذر إن لم أقطع لسانه فلا يسب أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ.
أراد رجل تطليق امرأته، فقيل له: ما عيبها؟ فقال هل
يتكلم أحد بعيب امرأته؟ فلما طلقها قيل له: ما كان عيبها؟ قال هي امرأة غيري، مالي ومالها؟.
عن بعض الصالحين أنه سمع غيبة من امرأة فصاح: الحريق! فازدحم الناس على بابه فلم يروا شيئا، فقالوا له، فقال: وقع الحريق فيّ وفيها وفي أهلي، وما ملكت يدي حين اغتابت.
كان بعض الصلحاء يضع في كمه الفانيذ، فإذا رأى أحد يغتاب، يذكر أحدا بسوء لقمه الفانيذة، وقال: هذا أحلى مما تكلمت به فاتركه.
بلغ الحسن البصري أن فلانا قد اغتابك، فأهدى إليه طبقا من رطب. فأتاه الرجل وقال: أغتبتك، فأهديت إليّ؟ فقال: الحسن: قد أهديت إلى حسناتك فأردت أن أكافئك.
عن النبي ﷺ: ليلة أسري بي إلى السماء رأيت قوما يأكلون الجيف، فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس.
فضيل: لكل شيء ديباج، وديباج القرّاء ترك الغيبة.
مر عمرو بن العاص على بغل ميت، فقال لأصحابه: والله لئن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل لحكم أخيه.
النبي ﷺ: من اغتيب غيبة غفر الله نصف ذنوبه.
أبو هريرة: لئن أقوم إلى كوز ماء فأشربه في رمضان أحب إلي من أن أغتاب مسلما.
أحمد بن أبي الحواري: سمعت سفيان بن عيينة يقول: اسمعوا ما أقول لكم فإنه أنفع لكم من الحديث: لو أن رجلا أصاب من مال رجل شيئا فلم يرده عليه في حياته، فتاب بعد موته وجاء إلى ورثته حتّى جعلوه في حل لكنا نرى أن ذلك كفارة له، ولو أصاب من عرض رجل، فتاب بعد موته، وجاء إلى ورثته، وإلى جميع أهل الأرض فجعلوه في حلّ لم يصر في حل، ولم ينج من صاحبه، فافهموا ما يقال لكم، فعرض المؤمن أشدّ من ماله.
وعن طاووس أن رسول الله ﷺ مر بجعفر وهو يحجم في رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم. فقال جعفر للحجام: إمسح عني فو الله ما احتجمت حتى رأيت رسول الله يحتجم في شهر رمضان. قال جعفر: فلحقت رسول الله فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ما احتجمت حتى رأيتك تحتجم في رمضان فمررت آنفا فقلت أفطر الحاجم والمحجوم. فقال رسول الله ﷺ أنشدك الله يا جعفر هل كنت أنت والحجام تغتابان مسلما؟ فقال: اللهم نعم. فقال:
لغيبتكما إياه أفطرتما. إن الغيبة تفطر الصائم وتفسد الوضوء والصلاة.
النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع