من «التشبيهات» لابن أبي عون (ت ٣٢٢هـ)
باب ٨٩ في تشبيهات باستثناء شيء أو نقصان شيء
ومن التشبيهات باستثناء شيءٍ أو نقصان شيء قول الأخطل يصف زقاقاً
أناخوا فجروا شاصياتٍ كأنهارجالٌ من السودانِ لم يتسربلوا
الشاصي الرافع لرجليه والشاغر الرافع إحداهما وقال أبو الهندي
أتلفُ المال وما جمعتهُطلبَ اللذاتِ من ماء العنبْ
واستباءَ الزق من حانوتهشائل الرجلين معصوبَ الركبْ
وقال ابن المعتز
ودنانٍ كمثلِ صفِ رجالٍقد أقيموا ليرقصوا الدستبندا
وله أيضاً
خلتها في البيتِ جنداًصففوا حولي قياما
وتراها وهيَ صرعىفرغاً بين الندامَى
مثلَ أبطالِ حروبٍقتلوا فيها كراما
وقال الناجم
ومدامةٍ كالبرقِ إلا أنهاتبغي على الأوقاتِ باللالاء
وقال عوف بن محلم الخزاعي
وصغيرةٍ علقتهاكانتْ من الفتنِ الكبارِ
كالبدرِ إلا أنهاتبغي على ضوءِ النهارِ
وقال أبو نواس
كأنَّ في كأسها سراباًتخيلهُ المهمهُ القفارُ
كأنها ذاك حين يزهىلو لم يشب لونها اصفرارُ
لا ينزلُ الليلُ حيثُ حلتْفدهرُ شرابها نهارُ
وقال أيضاً المنسرح
تلعبُ لعبَ السرابِ في قدحِ القومِ إذا ما حبابها اتصلا
وقال النابغة في صفة الصدر
ترائبُ يستضيءُ الحليُ فيهاكجمرِ النارِ بذرَ في الظلامِ
وقال امرؤ القيس
كأنَّ عيونَ الوحشِ حولَ خبائناوأرحلنا الجزعُ الذي لم يثقبِ
وقال الطائي
جودٍ كجودِ السيلِ إلا أنهُكدرٌ وأنَّ نداكَ غيرُ مكدرِ
وقال الطائي
بمخضبٍ رخصٍ كأنَّ بنانهُعنمٌ على أغصانهِ لم يعقد
وقال أبو نواس يهجو جعفر بن يحيى
قالوا امتدحتَ فماذا اعتضتَ قلتُ لهمخرقَ النعالِ وإخلاقَ السراويلِ
قالوا فسمِ لنا هذا فقلتُ لهمبلْ وصفهُ يعدلُ التصريحَ في القيلِ
ذاك الأميرُ الذي طالتْ علاوتهُكأنه ناظرٌ في السيفِ بالطولِ
وقال الناجم
إذا ما تلاقتْ للجدالِ عصابةٌرأيتَ أناساً لا يحلونَ مستورا
إذا قلَّ هذا تارةً فلَّ تارةًوقاهرُ ذا يمسي لآخرَ مقهورا
لقد أصبحوا مثل الزجاجِ جمعتهُبطحٍ فأضحى الكلُّ بالجمعِ مكسورا
وقال المصيصي
أف لقاضٍ لنا وقاحِأمسَى برياً من الصلاحِ
كأنَّ دنيةً عليهِغرابُ بينٍ بلا جناحِ
وليس في الرأسِ منه شيءٌيدورُ إلا أبو رياحِ
وقال الطائي وقد خلع عليه الحسن بن وهب رداء
قد كساني من كسوةِ الصيفِ خرقٌمكتسٍ من فضائلٍ ومساعِ
كالسرابِ اللموعِ في القاعِ إلاأنهُ ليسَ مثلهُ في الخداعِ
وتراهُ تسترجفُ الريحُ متنيهِ بأمرٍ من الهبوبِ مطاعِ
رجفاناً كأنه الدهرُ منهكبدُ الصبِ أو حشا المرتاعِ
وقال ابن الرومي
ألا يا هندُ هل لك في قمدٍغليظٍ تفرحينَ به متينِ
يشدُّ به حشاكِ غلامُ نيكٍمن الفتيانِ منقطعُ القرينِ
يذكرُ بالقمدِ العردِ حتىتأنثَ نعتهُ قبلَ اليقين
فمنْ يره يبولُ يخلهُ أنثىبدا من فرجها ثلثا جنين
وقال راشد الكاتب
إني بليتُ بقسٍ لي أمرضهُيبكي لمصرعهِ الناقوسُ والديرُ
كأنَّ قطريهِ في قربِ التقائهماسيرُ الركابِ إذا ما ركبَ السيرُ
وله
أيرٍ تعقف واسترخت مفاصلهُمثل العجوزِ حناها شدةُ الكبرِ
يقومُ حينَ يريدُ البولَ منحنياًكأنه قوسُ ندافٍ بلا وترِ
وله
كأنه ويدُ الحسناء تغمزهُسيرُ الإداوةِ لما مسهُ البلل
وله المنسرح
كأنَّ أيري من لين مقبضهخريطةٌ قد خلتْ من الكتبِ
أو حيةٌ نضوةٌ مطوقةٌقد قلبتْ رأسها على الذنبِ
وقال ابن الرومي
شددتُ منها نظرةٌ على عجلْآخرها أولها من العجل
كالشمسِ عامتْ يومها إلى الطفلْثم انجلتْ والشطرُ منها قد أفلْ
وقال صاحب الكتاب التشبيه، وإن كان في الشعر أحسنَ وعلى الشاعر أصعب لأنه يتعمدُ إصابة التشبيه ويتخير الألفاظ ويحترس من اللحن والإحالة ويزين الكلام ويحصره بالقافية فإن للأدباء والظرفاء والحكماء والمتأملين والمجان والمخنثين تشبيهاتٍ صحيحاتٍ ومعاني رائعاتٍ ونحن نذكر منها جملةً مختارة ثم نعود إلى الشعر وبالله التوفيق والقوة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع