تجاوز إلى المحتوى

من «نور الطرف ونور الظرف» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

جملة من النظم والنثر فقي وصف النَّوْر والزهر

كتب علي بن العباس الرومي إلى علي بن عبد الله بن المسيب:

أدركْ ثقاتكَ إنَّهم وقعوافي نرجس معه ابنةُ العنب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ابن المسيب عشت في نعم»
ريحانهم ذهبٌ على دررٍوشرابهم درٌّ على ذهب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ابن المسيب عشت في نعم»
فهم بحالٍ لو بصرت بهاسبَّحتَ من عجبٍ ومن عجب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ابن المسيب عشت في نعم»
في روضةٍ شتويةٍ رضعتدرَّ الحيا حلباً على حلب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ابن المسيب عشت في نعم»
واليوم مدجونٌ فحرَّتهُفيهِ بمطَّلعٍ ومحتجبِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ابن المسيب عشت في نعم»
ظلَّت تسايرنا وقد بعثتْضوءاً يلاحظنا بلا لهب

هذا في وصف الشمس كما قال ابن المعتز بالله:

تظلًّ الشمسُ ترمقنا بطرفٍخفيٍّ لحظهُ من خلف ستر
تحاولُ فتقَ غيمٍ وهو يأبىكعنينٍ يحاول فتقَ بكرِ

وكان ابن الرمي لهجاً بالنرجس، مفضلاً له على الورد، وله في ذلك شعر كثير وقد عارضه وناقضه [في ذلك] جماعة من البغداديين وغيرهم فما شقوا غباره، ولا لحقوا آثاره.

وصنّف بعض الظرفاء كتاباً في الترجيح بينه وبني معارضيه، فحكم له على مناقضيه.

وكان كسرى أنوشروان يقول: "النرجس ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر"، أخذه بعض المحدثين فقال:

وياقوتهٍ صفراءَ في رأس درَّةٍمركَّبةٍ في قائم من زبرجدِ
كأنَّ بهيَّ الدُرِّ عقدُ نظامهابغير فريدٍ قد أطافَ بعسجدِ
كأنَّ بقايا الطلِّ في جنباتهابقيةُ رشحٍ فوق خدٍّ مورَّدِ

وإنما ذهب أنوشروان إلى معارضة أردشير بن بابك في قوله: "الورد در أبيض، وياقوت أحمر، على كراسي زبرجد أخضر، بوسطه شذر من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر".

أخذه محمد بن عبد الله بن طاهر فقال:

كأنَّهنَّ يواقيتُ يطيفُ بهازمرُّدٌ وسطهُ شذرٌ من الذَّهبِ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
فاشرب على منظرٍ مستظرفٍ حسنٍمن خمرةٍ موةٍ كالجمر في اللَّهبِ

وقال ابن بسام:

أما ترى الوردَ يدعو للورودِ علىحمراءَ صافيةٍ في لونها صهبُ
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
مداهنٌ من يواقيتٍ مركَّبةٍعلى الزبرجدِ في أجوافها ذهبُ
خاف الملالَ إذا طالت إقامتهفصار يظهر أحياناً ويحتجبِ
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «خاف الملال إذا طالت إقامته»

وقال ابن الرومي:

خجلتْ خدودُ الوردِ من تفضيلهِخجلاً تورُّدها عليه شاهد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خجلت خدود الورد من تفضيله»
لم يخجلِ الوردُ المورَّدُ لونهإلاّ وفاخرهُ الفضيلة عائد
للنرجسِ الفضلُ المبينُ إذا بداللناظرين طريفهُ والتالدُ
?فصلُ القضيّة أنّ هذا قائدٌزهر الربيعِ وإنَّ هذا طاردُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خجلت خدود الورد من تفضيله»
شتّان بين اثنين هذا موعدٌيتسلُّب الدُّنيا وهذا واعدُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خجلت خدود الورد من تفضيله»
وإذا احتفظتَ به فأمتع صاحبٍبحياتهِ لو أنَّ حيّاً خالدُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خجلت خدود الورد من تفضيله»
ينهى النديمَ عن القبيحِ بلحظهِوعلى المدامةِ والسَّماعِ مساعدُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خجلت خدود الورد من تفضيله»
اطلبْ بعفوك في الملاح سميَّهُأبداً فإنك لا محالةَ واجدُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خجلت خدود الورد من تفضيله»
والوردُ إن فتَّشت فردٌ في اسمهما في الملاحِ له سميٌّ واحد
هذي النجومُ هي التي ربتهمابحيا السحابِ كما يربَّي الوالدُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خجلت خدود الورد من تفضيله»
فانظر إلى الولدين من أدناهماشبهاً بوالدهِ فذاك الماجدُ
أين العيونُ في الخدود نفاسةًورياسةً لولا القياسُ الفاسدُ

وقال أحمد بن يونس الكاتب رداً عليه:

يا من يشبِّهُ نرجساً بنواظردعجٍ تنبَّه إنّ فهمك راقدُ
إنَّ القياسَ لمن يصحُّ قياسهبين العيونِ وبينه متباعدُ
والورد أشبهُ بالخدود حكايةفعلامَ نجحد فضله يا جاحدُ
ملكٌ قصير عمره مستأهلٌتخليده لو أنَّ حياً خالدُ
إن قلت أنّ الورد فردٌ في اسمهما في الملاح له سميٌّ واحد

فالشمس تفرد باسمها والمشتري والبدر يشرك في اسمه وعطارد

أو قلتَ: إنَّ كوكباً ربتهمابحيا السَّحابِ كما يربي الوالدُ
قلنا: أحقُّهما بطبعِ أبيه في الج?دوى هو الزَّاكي النَّجيب الراشدُ
زهر النجومِ تروقنا بضيائِهاولنا منافعُ بعد ذا وعوائدُ
وكذلك الوردُ الأنيقُ يروقناوله فضائلُ جمّةٌ وفوائد
وخليفهُ إذا غاب ناب بنفحهِوبنفعه أبداً مقيم راكد
إنْ كنتَ تنكرُ ما ذكرنا بعدماوضحتْ عليه دلائلٌ وشواهد
فانظر إلى المصفَرِّ لوناً منهماوافطن فما يصفَّرُ إلاّ الحاسد

هذا ومن غيره ما اختير، وإنما ألمع هنا باليسير.

وقال ابن الرومي في جملة الروض:

أصبحتْ الدُّنيا تسرُّ من نظربمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصر
أثنت على الله بآلاء المطرواهاً لها مصطنعاً لقد شكر
فالأرض في روضٍ كأفوفا الحبرْتبرَّجتْ بعد حياءٍ وخفرْ

تبرُّجَ الأنثى تصدَّت للذَّكر

وقال ابن المعتز:

جلا لنا وجهَ الدُّجى عن منظرٍكالعصبِ أو كالوشي أو كالجوهرِ
من أبيضٍ وأصفرٍ وأحمرٍوطارفٍ أجفانه لم ينظر
تخاله العينُ فماً لم يفغرِوفاتقٍ كاد ولم يُنوَّر
كأنَّه مبتسمٌ لم يكشِرِوأدمع الغدرانِ لم تكدَّرِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قد أغتدي على الجياد الضمر»
كأنَّها دراهمٌ في معثرأو كعشور المصحف المعشرِ
والأرضُ ريّا ذات عودٍ أخضرٍفيه النَّدى مستوقفٌ لم يقطرِ

كدمعةٍ حائرةٍ في محجر

وقال أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان:

وجلَّنارٍ مشرقٍعلى أعالي شجره
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «وجلنار مشرق»
كأنَّ في رؤوسهأحمره وأصفره
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
قراضةً من ذهبٍفي خرقٍ معصفره
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة

وقال أبو القاسم محمد بن هانئ يصف نوارة رمان قطعت ولم تتفتح:

وبنتِ أيكٍ كالشَّباب النَّضرِكأنَّها بين الغصونِ الخضرِ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «وبنت أيك كالشباب النضر»
جنان بازٍ أو جنانُ صقرِقد خلقته لقوةٌ بوكرِ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «وبنت أيك كالشباب النضر»
كأنَّما مجَّت دماً من نحرأو سقيت بجدول من خمرِ
أو نبتتْ في تربةٍ من جمرِلو كفَّ عنها الدّهرُ صرفَ الدَّهرِ
جاءت بمثلِ النَّهدِ فوق الصَّدرِتفترُّ عن مثل اللّثات الحمرِ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «وبنت أيك كالشباب النضر»

في مثلِ طعم الوصلِ بعد الهجر

وقال الأمير أبو الفضل عبيد الله الميكالي في حديقة ريحان:

أعددت محتفلاً ليومِ فراغيروضاً غدا إنسانَ عينِ الباغي
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أعددت محتفلا ليوم فراغي»
روضٌ يروضُ همومَ قلبي حسنُهُفيه لكأسِ اللَّهو أيُّ مساغِ
وإذا بدت قضبانُ ريحانٍ بهحيَّت بمثل سلاسل الأصداغ
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أعددت محتفلا ليوم فراغي»

وقال في النرجس:

وما ضمَّ شملَ اللهو يوماً كنرجسٍيقومُ بعذرِ اللَّهو عن خالع العذرِ
فأحداقهُ أقداحُ تبرٍ وساقهُكقامةِ ساقٍ في غلائله الخضرِ

وقال الوكيعي في المشمش:

بدا مشمشُ الشجارِ يذكو شهابهُعلى خضر أغصانٍ من الريِّ ميَّدِ
حكى وحكت أشجارهُ في اخضرارهاجلاجلَ تبرٍ في قبابِ زبرجدِ

وقال في الباقلاء:

كأنَّ أوراق وردٍللباقلاء بهيَّه
خواتمٌ من لجينٍفصوصها حبشيّه
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

وقال فيه أيضاً:

نوَّرَ الباقلاء نوراً ظريفاً ...

جلَّ في حسنهِ عن الإشكال

قد حكى وردهُ لنا إذ تبدَّىشررَ الرُّوم ضمِّخاْ بغوالِ

وقال في الطلع:

وطلعٍ هتكنا عنه جيبَ قميصهفيا حسنه من منظرٍ حين هُتِّكا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، من قصيدة «وطلع هتكنا عنه جيب قميصه»
حكى صدرَ خودٍ من بني الرُّومِ هزَّهاسماعٌ فقدَّتْ عنه ثوباً ممسكاً
للشاعر ابن وكيع التنيسي، من قصيدة «وطلع هتكنا عنه جيب قميصه»

وقال في الخشخاش:

وخشخاشٍ كأنّا منه نفريقميصَ زبرجدٍ على جسمِ درِّ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
كأقداحٍ من البلُّورِ صينتْبأغشيةٍ من الدِّيباجِ خضر

ومن ألفاظهم في هذا النحو: إذا ورد الورد، صدر البرد، مرحباً بأشرف الزهر، في أظرف الدهر، كأنه عين النرجس عين، وورقه ورق. النرجس نزهة الطرف وظرف الظرف، شقائق كأصداغ المسك على الوجنات المورّدة، كأن الشقيق جام أحمر ملئت قرارته بمسك أذفر.

ولهم في تشبيه الربيع بمحاسن الأشراف: غيث الربيع مشبه بخلقك، وزهره مواز لبشرك، كأنما استعار حلله من شمائلك وشيمك، وحليه من سجيتك، واقتبس أنواره من محاسن أيامك، وأمطاره من جودك وأنعامك، قدم الربيع منتسباً إلى خلقك، مكتسباً محاسنه من طبعك، متوشحاً بأنوار لفظك، متوضحاً بآثار يدك. أنا في بستان كأنه من شمائلك سرق، ومن خلقك خلق، وقد قابلتني أشجار تتميل فتذكر ترنح الأحباب، إذا تداولتهم أيدي الشراب.

ومن ظريف أخبار القيان: اجتمع أربعة عشاق لقينةٍ، وكلهم يوري عن صاحبه بسره، ويطوي دونه خبره ويومئ إليها بحاجته، ويناجيها بلحظته، وكان أحدهم غائباً فقدم، والآخر مقيماً قد عزم على السفر، والثالث قد سلفت أيامه، والرابع مستأنفة مودته، فضحكت بعينها إلى الأول، وبكت إلى الثاني، وآيست الثالث، وأطعمت الرابع. واقترح كل واحد منهم ما يشاكل بثه وشأنه، فأجابته، فقال القادم: جعلت فداك أتحسنين:

ومن ينأ عن دار الهوى يُكثرُ البكاوقولاً: لعلِّي أو عسى ويكون
وما اخترتُ نأيَ الدّار عنكِ لسلوةٍولكنْ مقادير لهنَّ شجونُ

فقالت أحسنه، وما أقيم لحنه، وقد كان مطارحه لي لا يخليه من عقيب يقرنه به، أنا به أحذق، ثم غنت:

وما زلتُ مذْ شطَّت بكَ الدَّار باكياًأؤملُ منك العطفَ حين تؤوبُ
فأضعفت ما بي حين أُبتَ وزدتنيسقاماً وإعراضاً وأنت قريبُ

فقال الظاعن: جعلت فداكِ، أتحسنين:

أوفَ الفراقُ فأعلني جزعاًودعي العتابَ فإننا سفرُ
إن المحبَّ يصدُّ مقترباًفإذا تباعد شفَّهُ الذّكرُ

فقالت: نعم، وأحسن من شكله في إيقاعه:

لأقيمنَّ مأتماً من قريبِليس بعد الفراقِ غيرُ النحيب
ربِّ ما أوجعَ النَّوى للقلوبثم لاسيّما فراقُ الحبيب

فقال السالف [جعلت فداكِ] أتحسنين:

كنّا نعاتبكم ليالي عودكمْحلو المذاقِ وفيكم مستعتبُ
فالآن حين بدا التنكُّر منكمذهب العتابُ وليس عنكم مذهب

فقالت: لا، ولكن أحسن منه في معناه [حيث أقول]:

وصلتكَ لمَّا كانَ ودُكَ خالصاًوأعرضتُ لما صرتَ نهباً مقسما
ولن يلبث الحوضُ الجديدُ بناؤهُعلى كثرة الوُرَّاد أن يتهدما

فقال المستأنف: أتحسنين [جعلت فداكِ] أن تغني:

إني لأعظمُ أنْ أفوهَ بحاجتيفإذا قرأتِ صحيفتي فتفهَّمي
وعليكِ عهد الله إن نبأتهِأحداً وإن آذنتِهِ بتكلُّم

فقالت: نعم قدِّمت قبلك، ومن غناء صاحبه:

لعمركَ ما استودعتُ سرّي وسرِّهاسوانا حذاراً أن تذيعَ السَّرائر
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «لعمرك ما استودعت سري وسرها»
ولا خاطبتها مقلتاي بنظرةٍفتعلم نجوانا العيون النواظرُ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا»
ولكن جعلتُ الوهمَ بيني وبينهارسولاً فأدَّى ما تجنُّ الضّمائر
للشاعر أبو الحسين النوري، اقرأ القصيدة
أكاتمُ ما في القلبِ بقيا على الهوىمخافةَ أن يغرى بذكرك ذاكرُ

فتفرقوا وكلّهم قد أومأ بحاجته، وأجابته بجوابه.

وكتب البديع إلى أبي عامر عدنان بن محمد الضبي يعزيه عن وفاة بعض أقاربه:

إذا ما الدَّهرُ جرّ على أناسٍكلاكلهُ أناخَ بآخرينا
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
فقل للشامتينَ بنا: أفيقواسيلقى الشامتون كما لقينا
للشاعر أبو الفيض الكتاني، من قصيدة «فقل للشامتين بنا أفيقوا»

أحسن ما في الدهر عمومه النوائب، وخصوصه بالرغائب، فهو يدعو الجفلى إذا أساء، ويختص بالنعمة الرؤساء، فليفكر الشامت، فإن أفلت فله أن يشمت، ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه، والموت وصنوفه، ومن فاتحة أمره، إلى خاتمة عمره، أيجد لنفسه أثراً في نفسه؟ أو لتدبيره عوناً على تصويره؟ أم لعمله تقديماً لأمله، أم لحيله تأخيراً لأجله؟ كلا! بل هو العبد ﴿لم يكن شيئاً مذكوراً﴾، خلق مقهوراً، ورزق مقدوراً، فهو يحيا جبراً، ويهلك صبراً، وليتأمل المرء كيف كان قبلاً، وإن كان العدم أصلاً، والوجود فضلاً، فليطم الموت عدلاً، فالعاقل من رقع جوانب الدهر ما أساء بما سر، ليذهب ما نفع بما ضر فإن أحب ألا يحزن فلينظر يمنة، فهل يرى إلا محنة ثم ليعطف يسرة، فهل يرى إلا حسرة؟ ومثل سيدي أطال الله بقاءه من نظر هذه الأسرار وعرف هذه الدار، فأعد لنعيمها صدراً لا يملؤه فرحاً، ولبؤسها قلباً لا يطير ترحاً، وصحب الدهر برأي من يرى أن للمتعة رداً، وللأمور مدى، ولقد نعي إليّ أبو قبيصة قدس الله روحه، ونور ضريحه فعرضت علي آمالي قعوداً، وأمانيّ سوداً، وبكيت [ولكن] السخي جوده بما يملك، وضحكت، وشر الشدائد ما يضحك، وعضضت الإصبع حتى أفنيته. وذممت الموت حتى تمنيته، والموت أطال الله بقاء الشيخ الرئيس خطب عظم حتى هان، وقد خشن حتى لان، ونكر حتى قد عمَّ وعاد عرفاً، والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وخبثت حتى صار أقلَّ عيوبها، ولعل هذا السهم آخر ما في كنانتها، وأنكى ما في خزانتها، ونحن معاشر التبع نتعلم الأدب من أخلاقه، والفضل من أفعاله، فلا نحدوه على الجميل وهو الصبر، ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر، فلير فيهما رأيه إن شاء الله تعالى.

وله إلى بعض إخوانه جواباً عن كتاب يهنئه بمرض أبي بكر الخوارزمي: الحر أطال الله بقاءك، لا سيما إذا عرف الدهر معرفتي، ووصف أحواله صفتي إذا نظر علم أن نعم الدهر ما دامت معدومة فهي أماني، فإن وجدت فهي عواري، وأن محن الأيام وإن مطلت تستنقد، وإن لم تصب فكأن قد، فكيف يشمت بالمحنة من لا يأمنها في نفسه، ولا يعدمها في جنسه، فالشامت إن أفلت فليس يفوت، وإن لم يمت فسيموت، وما أقبح الشماتة، بمن أمن الإماتة، فكيف بمن يتوقعها بعد كل لفظة، وعقيب كل لحظة?! والدهر غرثان طعمه الأخيار، وظمآن شربه الأعمار، فهل يشمت المرء بأنياب آكله؟ أم يسر العاقل بسلاح قاتله؟ هذا الفاضل شفاه الله وإن ظاهرنا بالعداوة قليلاً، فقد باطناه وداً جميلاً والحر عند الحمية لا يصطاد، لكنه عند الكرم ينقاد، وعند الشدائد تذهب الأحقاد، فلا يتصور حالي إلا بصورتها من التوجع لعلته، والتفجع لمرضته وقاه الله المكروه، ووقاني سماع المحذور فيه، بمنه وحوله ولطفه وكرمه.

وهذا ضد قول الخوارزمي، وقد بلغه موت بعض أعدائه: فلان قبض، وأستغفر الله فإنما يقبض الأقوام، بل نفق كما تنفق الأنعام، فالحمد لله الذي قصر خطوة أجله، وختم عمره بسوء عمله، وأبقى بعده من كان يرجو أن يموت قبله: (شعر):

وإنَّ بقاءَ المرءِ بعد عدوِّهولو ساعةً من عمره لكثير

وكانت بين الخوارزمي والبديع منافرة ومناظرة بكته فيها وأسكته البديع، وقد ذكر جميع ما جرى بينهما فقال: أول الأمر مع الخوارزمي أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور داراً، والأجواد السادة جواراً، لا جرم أنا حططنا بها الرحل، ومددنا عليها الطنب، وقديماً كنا نسمع بحديث هذا الفاضل منتشوقه، ونخبره على الغيب فنتعشقه، ونقدر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، أخرج لنا في العشرة عن القشرة، [وفي المودة عن الجلدة]، فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا، ولحمة الآداب نظمتنا، وقد قال شاعر القوم غير مدافع:

أجارتنا إنّا غريبان هاهناوكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ
للشاعر القاضي أبو العلاء القزويني، اقرأ القصيدة

فأخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف، وقد كان اتفق علينا في الطريق اتفاق، ولا يوجبه استحقاق، من بزة بزوها، وفضة فضوها، وذهب ذهبوا به، ووردنا نيسابور براحة أنقى من الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار، وزي أوحش من طلعة المعلم، بل إطلاعه الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره، هذا بعد رقعة قدمناها، وأحوال أنس نظمناها.

ونسخة الرقعة: أنا بالقرب من دار سيدي الأستاذ أطال الله بقاءه:

كما طربَ النشوان مالت بهِ الخمر

ومن الارتياح إلى لقائه:

كما انتقضَ العصفورُ بلَّله القطرُ

ومن الامتزاج بولائه

كما التقت الصَّهباء والباردُ العذبُ

ومن الابتهاج لصفائه

كما اهتز تحت البارح الغصن الرَّطبُ

فكيف نشاطك الأستاذ سيدي لصديق طوى إليه ما بين قصبتي العراق وخراسان، بل ما بين عتبتي نيسابور وجرجان؟ وكيف اهتزازه لضيف:

رثُّ الشَّمائلِ منهجُ الأثوابِبكرتْ عليه مغيرةُ الأعرابِ

وهو أيده الله ولي إنعامه، بإنفاذ غلامه [إلى مستقري] لأفضي إليه بسري إن شاء الله.

فلما أخذتنا عينه سقانا الدردي من أول دنه، وسوء العشرة من أول فنه، من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره، لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، ووليناه خطة رأيه، ووصلناه إذ جاذب، وقاربناه إذ جانب، وشربناه على كدرته، ولبسناه على خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستمد وداده، ونستلين قياده، ونستميل فؤاده، ونستقيم منآده، بما هذه نسخته: الأستاذ أبو بكر والله يطيل بقاءه أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط القلة، في أطمار الغربة، فأعمل في تربيته أنواع المصارفة، [و] في الاهتزاز له أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلف لرد السلام، وقد قبلت ترتيبه صغراً، واحتملته وزراً، واحتضنته نكراً، وتأبطته شراً، ولم آله عذراً، فإن المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال، أتقزر [من] صف النعال، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت: إن بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناس يجرون المطارف، ولا يمنعون العارف، (شعر):

وفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوههُمْوأنديةٌ ينتابها القولُ والفعلُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»

فلو طرحت بأبي بكر إليهم طوارح الغربة، لوجد منال البشر قريباً، ومحط الرحل رحيباً، ووجه المضيف خصيباً، ورأي الأستاذ أبي بكر أيده الله في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله.

فأجاب بما نسخته: وصلت رقعة سيدي ورئيسي أطال الله بقاءه إلى آخر السكباج، وعرفت ما تضمنه من خشن خطابه، ومؤلم عتبه وعتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجرة التي لا يخلو منها من مسه عسر، ونبا به دهر، والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنة مشتكى ما في نفسه، فأما ما شكاه سيدي ورئيسي من مضايقتي إياه رغم في القيام، فقد وفيته حقه أيده الله سلاماً وقياماً، على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبا البركات أدام الله عزه، وما كنت لأرفع أحداً على من أبوه الرسول، وأمه البتول، وشاهده التوراة والإنجيل، وناصره التأويل والتنزيل، والمبشر به جبريل وميكائيل، فأما القوم الذين صدر سيدي عنهم، فكما وصف: حسن عشرة، وسداد طريقة، وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، [ونلت المراد]:

فإنْ ألُ قد فارقتُ نجداً وأهلهُفما عهدُ نجدٍ عندنا بذميمِ

والله يعلم نيتي للإخوان كافة، ولسيدي من بينهم خاصة، فإن أعانني على ما في نفسي بلغت له ما في الفكرة، وجاوزت به مسافة القدرة، وإن قطع علي طريق عزمي بالمعارضة وسوء المؤاخذة، صرفت عناني عن طريق الاختيار بيد الاضطرار. (شعر):

وما النَّفس إلاّ نطفةٌ بقرارةٍإذا لم تكدَّرْ كان صفواً غديرها
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

وبعد فحبذا كتاب سيدي، إذا استوجبنا عتباً، واقترفنا ذنباً، فأما أن يسلفنا العربدة، فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله عليه، ولست أسومه أن يقول: ﴿أستغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين﴾، ولكني أسأله أن يقول: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾.

فحين ورد الجواب، وغير العذر رائده، تركناه بعره، وطويناه على غرة، وعمدنا إلى ذكره فسحوناه ومحوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وتنكبنا خطته، وتجنبنا خطته، فلا طرنا إليه، ولا طرنا به، ومضى على ذلك الأسبوع، ودبَّت الأيام ودرجت الليالي، وتطاولت المدة، وتصرم الشهر، وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدور حديثه، وجعل هذا الفاضل يستزيد ويستعيد، بألفاظ تقطفها السماع من لسانه، وتردها إلي، وكلمات تحفظها اللسنة من فمه، وتعيدها عليّ، فكاتبناه بما نسخته: أنا أرد من الأستاذ سيدي أطال الله بقاءه شرعة وده، وإن لم تصف، وألبس خلعة بره، وإن لم تضف، فإني، وإن كنت دعي النسب في الأدب، ضعيف السبب، ضيق المضطرب، سيء المنقلب، أمت إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليط منصفاً في الود، إن زرت زار، وإن عدت عاد، وسيدي أيده الله ناقشني في القبول أولاً، وصارفني على الإقبال ثانياً، فأما الحديث الإفضال، وأمر الإنزال، فنطاق الطمع ضيق عنه، [غير] متسع لتوقعه منه، وبعد فكلفة الفضل هينة، وقروض الود متعينة، وارض العشرة لينة، وطرقها بينة، فلم اختار قعود التعالي مركباً، وصعود التقالي مذهباً، وهلا ذاد الطير عن شجر قد ذاق الحلو من ثمرها، فقد علم الله أن شوقي إليه قد كد الفؤاد، برحاً على برح، ونكأه قرحاً على قرح، ولكنها مرة مرة، ونفس حرة، لم تغذ إلا بالإعظام، ولم تلق إلا بالإكرام، وإذا استعفاني من معاتبته، وأعفى نفسه من كلف الفضل بتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرعها، وحلل الصبر أتدرعها، وكم أعزه من نفسي، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما طرت إلا إليه، ولا رففت إلا عليه:

أحبُّكَ يا شمسَ المعالي وبدرهاوإن لامني فيك السُّها والفراقدُ
وذاك لأنَّ الفضلَ عندكَ باهرٌوليس لأنَّ العيشَ عندك باردُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

فلما وردت عليه هذه الرقعة حشر تلاميذه وخدمه، وزم عن الجواب قلمه، وجشم للإيجاف قدمه، وطلع مع الفجر علينا طلوعه، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير الإمام أبي الطيب، فقلت: الآن تشرق الحشمة وتثور، وننجد في العشرة ونغور، وقصدناه شاكرين لما أتاه من فعله، وانتظرنا عادة بره، [وتوقعنا] مادة فضلة، فكان خلباَ شمناه، وآلاً وردناه، وصرفناه في تأخره، وتأخرنا عنه إلى ما قاله عبد الله بن المعتز بالله:

إنّا على البعادِ والتفرُّقِلنلتقي بالذّكرِ إن لم نلتقِ

وأنشدناه قول ابن عصرنا:

أحبُّكَ في البتول وفي أبيهاولكنّي أحبُّكَ من بعيد

وبقينا نلتقي خيالاً، ونقنع بالذكر وصالاً، حتى جعلت عواصفه تهب، وعقاربه تدب.

والمجلس طويل، والإفراط ثقيل، فلذاك وقفت عن الغاية، وقطعت دون النهاية.

وقال بعض الظرفاء:

أنتَ الذي تشبهُ منْ أهوىيا بدرُ قد أبطلتَ في الدعوى
بلى عسى يشبههُ كلَّماصدَّ ولم يستمعِ الشَّكوى

ولابن وكيع في هذا النحو:

إنْ قلتُ إنكَ بدرٌغلطتُ بابَ السَّدادِ
أنى يقاسُ لبيبٌمميَّزٌ بجمادِ

وقال الأمير تميم فيه:

سألتهُ قبلةً من على عجلِفاحمرَّ من خجلٍ واصفرَّ من وجلِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «سألته قبلة يوما على عجل»

واعتلَّ من بينِ إسعافٍ يرقّقهُ ...

وبين منعٍ تمادى فيه بالعللِ

وقال: وجهي بدرٌ لا خفاءَ بهومبصر البدرِ لا يدعوه للقبلِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «سألته قبلة يوما على عجل»

وقال:

صادفتْ لامَ صدغها صادُ لثميفأرتها المرآةُ في الخدِّ لصَّا
فاستشاطتْ ممّا رأت ثم قالت:أكتاباً أرى ولم أرَ شخصا

وهذا ينظر إلى قوله:

أباحَ لمقلتي السَّهراوجارَ عليَّ إذ قدرا
غزالٌ لو جرى نفسيعليه لذابَ وانفطرا
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «أتاح لمقلتي السهرا»
ولكن عينهُ حشدتْعليّ الغنجَ والحورا
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «أتاح لمقلتي السهرا»
ومن أودى به قمرٌفكيف يعاتب القمرا

كأنه ذهب إلى طريقة أبي نواس في قوله:

كأنّ ثيابهُ أطلع??ن في أزرارهِ قمرا
يزيدك وجههُ حسناًإذا ما زدتَهُ نظرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الرسم الذي دثرا»
بعينٍ خالط التفتي??رُ من أجفانها الحورا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الرسم الذي دثرا»
ووجهٍ سابريِّ لوتصوَّبَ ماؤهُ قطرا

وقيل للجاحظ: من أشعر المحدثين؟ فقال: الذي يقول: وأنشد هذه الأبيات. وقال تميم [بن المعز]:

ما هجرتُ المدامَ والوردَ والبدْرَ بطوعٍ لكن برغمٍ وكرهِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ما هجرت المدام والورد والبدر»
منعتني من الثَّلاثةِ من لوقتلتني لمْ أحكِ والله من هي
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ما هجرت المدام والورد والبدر»
قالت: الوردً والمدامةُ والبدرُ رُضابي ولونُ خدّي ووجهي
قلت: بخلاً بكلِّ شيءٍ؟ فقالت:لا ولكن بخلتُ بي وبشبهي
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ما هجرت المدام والورد والبدر»
قلت: يا ليتني شبيهك ِقالت:إنما يقتلُ المحبَّ التشهيّ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ما هجرت المدام والورد والبدر»

وقال [عمر بن أبي ربيعة] فيما يتعلق بالبيت الأخير:

أصبح القلبً مستهاماً مُعَنّىبفتاةٍ من أسوأ النَّاس ظنّا
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «أصبحَ القلبُ مستهاماً معنى»
قلت يوماً لها وحرَّكتِ العودَ بمضرابها فغنَّتْ وغنَّى
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أصبح القلب مستهاما معنى»
ليتني كنتُ ظهرَ عودكِ يبوماًفإذا ما احتضنتني صرت بطنا
فبكتْ ثم أعرضت ثم قالتْ:من بهذا أتاكَ في اليومِ عنّا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أصبح القلب مستهاما معنى»
لو تخوفتَ جفوةً أو صدوداًما تطلَّبت ذا لعمرك منّا
قلتُ لما رأيتُ ذلك منهابأبي ما عليكِ أن أتمنّى
للشاعر عمرو الخاركي، اقرأ القصيدة

وقال أبو الفتح كشاجم فيه:

تمنَّيتُ من خدِّها قبلةًوما كنتُ أطمعُ في قبلته
وكأساً أناولها ملأهافتبدا وأشربُ من فضلته
فأبلغها ذاك عنّي الرسولُ في بعضِ ما نصَّ من قصته
للشاعر كشاجم، من قصيدة «تمنينت من خدها قبلة»
فقالتْ لأقرب أترابها:ألا تنظرينَ إلى همَّته
للشاعر كشاجم، من قصيدة «تمنينت من خدها قبلة»
فقالت: أنجمعُ هجرانهُوبخلاً عليه بأمنيته

وكان تميم بن المعز يقتفي طريق ابن المعتز في التشبيهات، وبدائع الصفات، ويتابعه في سلوك ألفاظ الملوك، وكانت يد فكره قاصرة عن مرماه، فيما عنَّ له معناه، ولكنه أدمن فأحسن، في كثير مما اعتمده وقصده، وشعره بمصر مع استحكام السن، في غاية الحسن كقوله:

سقّياني فلستُ أصغي لعذلِليس إلاّ تعِلَّةُ النَّفس شغلي
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «سقياني فلست أصغي لعذل»
أأطيعُ العذول في ترك ما أه??وى كأنّي اتَّهمت رأيي وعقلي
علّلاني بها فقد أقبلَ اللّي??ل كلونِ الصُّدود من بعد وصل
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «سقياني فلست أصغي لعذل»
وانجلى الغيم بعد ما أضحكَ الرَّوض بكاءُ السَّحاب فيه بوبلِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «سقياني فلست أصغي لعذل»
عن هلالٍ كصولجانِ نضارٍفي سماءٍ كأنَّها جامُ ذبلِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «سقياني فلست أصغي لعذل»

وله أيضاً:

رُبَّ صفراءَ علَّلتني بصفراء وجنحُ الظَّلامِ مرخى الإزارِ
بين ماءٍ وروضةٍ وكرومٍوروابٍ منيفةٍ وصحاري
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «رب صفراء عللتني بصفرا»
تتثنّى بها الغصونُ عليناوتجيب القيانُ فيها القماري
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «رب صفراء عللتني بصفرا»
وكأنّ الدُّجى غدائر شعرٍوكأنّ النُّجومَ فيها مداري
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «رب صفراء عللتني بصفرا»
وانجلى الغيمُ عن هلالٍ تبدّىفي يدِ الأفقِ مثلَ نصفِ سوارِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «رب صفراء عللتني بصفرا»

وله أيضاً:

إذا حذرتَ زماناً لم تسَرَّ بهكم قد أتى سهل أمرٍ دون أصعبه
فأقبل الدَّهر ما أعطاك مختلطاًلعلَّ مرَّك يحلو في تقلبه
خذها إليك ودع لومي مشعشعةمن كفِّ أقنى أسيل الخدِّ مذهبه
في كلِّ مقعد حسنٍ منه معترضٌعليه يحميهِ من أن يستبدَّ به
فكحل عينيه ممنوعٌ بخنجرهوورد خدَّيه محميٌّ بعقربه
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «إذا حذرت زمانا لم تستر به»
لا تتركِ القدحَ المملوءَ في يدهإنّي أخافُ عليه من تلهّبه
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «إذا حذرت زمانا لم تستر به»
وصنهُ عن سقينا إنّي أغار بهوسقِّهِ واسقني من فضلِ مشربهِ
وانظر إلى اللّيل كالزِّنجي منهزماًوالصُّبح في أثره يعدو بأشهبه
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «إذا حذرت زمانا لم تستر به»
والبدرُ منتصبٌ ما بين أنجمهكأنّه ملكٌ في صدر موكبه

وقوله أيضاً:

عقرب الصُّدغِ فوق تفاحةِ الخ?دِّ نعميٌ مطرزٌ بعذابِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «عقرب الصدغ فوق تفاحة الخد»
وسيوف الألحاظِ في كلِّ حينٍمانعات جنة الثَّنايا العِذابِ
وعيون الوشاةِ يفسدنَ بالرّق?بة والمنع رؤية الأحبابِ
فمتى يظفرُ المحبُّ ويشفيبالتّداني مضاضة الاكتئاب

وقوله:

ترى عذاريهِ قد قاما بمعذرتيعند العذول فأضحى وهو يعذرني
ريمٌ كأنَّ له في كل جارحةٍعقداً من الحسنِ أو نوعاً من الفتنِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ترى عذاريه ما قاما بمعذرتي»
كأنَّ جوهرهُ من لطفهِ عرضٌفليس تحويهِ إلاّ أعينُ الفطنِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ترى عذاريه ما قاما بمعذرتي»
أخفى من السِّرّ لكنْ حسنُ صورتهإذا تأملّته أبدى من العلنِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ترى عذاريه ما قاما بمعذرتي»
والله ما فتنت عيني محاسنهُإلاّ وقد سحرت ألفاظه أذني
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ترى عذاريه ما قاما بمعذرتي»
ما تصدر العينُ عنه لحظها مللاًكأنّه كلُّ شيءٍ مرتضىً حسن
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ترى عذاريه ما قاما بمعذرتي»
يا منتهى أملي لا تُدنِ لي أجليولا تعذّب ظنوني فيكَ بالظننِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ترى عذاريه ما قاما بمعذرتي»
إن كان وجهكَ وجهاً صيغَ من قمرٍفإنَّ قدَّك قدٌّ قُدَّ من غصن
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ترى عذاريه ما قاما بمعذرتي»

وقوله أيضاً:

أأعذرُ قلبي وهو لي غيرُ عاذرٍوأعصي غرمي وهو ما بين أضلعي
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «أأعذر قلبي وهو لي غير عاذر»
نأوا والأسى عنّي بهم غير مُنتأٍوودَّعتهم والقلب غير مودعِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «أأعذر قلبي وهو لي غير عاذر»
فأوَّل شوقي كانَ آخر سلوتيوآخر صبري كان أول أدمعي
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «أأعذر قلبي وهو لي غير عاذر»

وقوله أيضاً:

إن كانتِ الألحاظُ رسل القلوبْفينا فما أهونَ كيدَ الرَّقيبْ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «إن كانت الألحاظ رسل القلوب»
قبَّلتُ من أهوى بعيني ولميشعر بتقبيلي خدُّ الحبيبِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «إن كانت الألحاظ رسل القلوب»
لكنَّه قد فطنت عينهُلسرِّ عيني فطنةَ المستريبِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «إن كانت الألحاظ رسل القلوب»
إن كان علمُ الغيبِ مستخفياًعنّا فعندَ اللَّحظ علمُ الغيوبِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «إن كانت الألحاظ رسل القلوب»

وقوله أيضاً:

ألا يا نسيمَ الرّيح عرِّجْ مُسلِّماًعلى ذلك الشخصِ البعيدِ المودِّع
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ألا يا نسيم الريح عرج مسلما»
وهُبَّ على من شفَّ جسمي بعادُهُسموماً بما استمليت من نار أضلعي
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ألا يا نسيم الريح عرج مسلما»
فإن قال ما هذا الحرورُ فقل له:تنفُّس مشتاقٍ لوجهك موجَعِ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ألا يا نسيم الريح عرج مسلما»

وكان أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله رقيق حاشية اللسان، أنيق ديباجة البيان، وكان كما قال ابن المرزبان: إذا انصرف عن بديع الشعر إلى رفيع النثر، أتى بحلال السحر، وهو أبدع الناس استعارات، وأحلاهم إشارات، وليس بعد ذي الرمة أقصد منه للتشبيهات، وكان ذو الرمة يقول: "إذا قلت: كأن، فلم أجد مخرجاً فقطع الله لساني".

وسأريك قطعة من منثوره الظريف، ومنظومه الشريف: قال أحمد بن سعيد الدمشقي: كنت أؤدبه، فتحمل البلاذري على قبيحة أم المعتز بقول سألوها أن تأذن له في الدخول عليه لتأديبه وقتاً من النهار معي فأجابت أو كادت أن تجيب، فلما اتصل الخبر بي جلست في منزلي غضباً لما بلغني عنها، فكتب إلي وهو ابن ثلاث عشرة سنة يقول:

أصبحت يا بن سعيدٍ حُزتَ مكرمةًعنها يقصِّرُ من يحفى وينتعلُ
سربلتني حكمةً قد هذَّبت شيميوأجَّجت نار ذهني فهي تشتعل
أكون إن شئت قُساً في خطابتهأو حارثا وهو يوم الحفلِ مرتجلُ
وإن أشأْ فكزيدٍ في فرائضهأو مثل نعمان لما ضاقت الحيلُ
أو الخليل عروضياً أخا فطنٍأو الكسائي نحوياً له عللُ
تعلو بداهة ذهني في مركَّبهاكمثل ما عُرفتْ آبائي الأُوَلُ
وفي فمي صارمٌ ما سلَّهُ أحدٌمن غمدهِ فدرى ما العيش والجذلُ

عُقباك شكرٌ طويلٌ لا نفاد له=تبقى معالمهُ ما أطَّتِ الإبلُ قس الذي ذكره: هو قس بن ساعدة الإيادي، وحارث: هو الحارث بن حلزة اليشكري، ووصف ارتجاله يوم حفله في إنشاده عمرو بن هند قصيدته التي أولها:

آذنتنا ببينها أسماءُرُبَّ ثاوٍ يملُّ منه الثَّواءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

وزيد هو زيد بن ثابت الأنصاري، وغليه انتهى علم الفرائض، ونعمان هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت رئيس أهل العراق في الفقه، والخليل بن أحمد الفرهودي منسوب إلى الفراهيد بطنٌ من اليحمد من الأزد، وعلي بن حمزة الكسائي الكوفي.

وقال ابن المعتز:

سلي بي إذا ما الحربُ ثارتْ بأهلهاولم يكُ فيها للجبان قرار
وعمَّ السّماءَ النقعُ حتى كأنَّهدخانٌ وأطرافُ الرِّماح شرارُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «شجتك لهند دمنة وديار»
ولي كلُّ خوّارِ العنان مُجرَّبٌكميْتٌ عناه الجري فهو مُطارُ
كأنَّ الرياحَ الهوجَ يحملن سرجهإذا ابتلَّ منه محزَمٌ وعذارُ
وعضبٌ حسامُ الحد ماضٍ كأنّهإذا لاح في نقع الكتيبةِ نارُ
وقمصُ حديدٍ ضافيات ذيولهالها حدقٌ خزر العيون صغار
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «شجتك لهند دمنة وديار»

وقال يمدح الموفق:

إليك امتطينا العيس تنفخُ في البُرىوللصبحِ طرفٌ بالظَّلام كحيل
فبتنا ضيوفاً للفلاةِ، قراهمُعنيقٌ ونصٌّ دائمٌ وذميلُ
يهزُّ ثيابَ العصْبِ فوق متونهانسيمٌ كنفث الراقيات عليلُ

ولمَّا طغى فعلُ الدعيِّ رميته=بعزمٍ يردُّ العضبَ وهو فليل

وجرِّد من أغمادهِ كلَّ مرهفٍإذا ما انتضته الكفُّ كاد يسيلُ
جرى فوق متنيهِ الفرندُ كأنّماتنفِّس فيه القينُ وهو صقيلُ

وقال أيضاً في سيف يصفه:

ولي صارمٌ فيه المنايا كوامنٌفما يُنتضى إلاّ لسفك دماءِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ولي صارم فيه المنايا كوامن»
ترى فوق متنيه الفرندَ كأنَّهبقيَّةُ غيمٍ رقَّ دون سماءِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ولي صارم فيه المنايا كوامن»

وقال "مقصورة":

وكأسٍ سبقتُ إلى شربهاعذولي كذوبِ عقيقٍ جرى
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وسارية لا تمل البكا»
يسيرُ بها غصنٌ ناعمٌمن البانِ مغرسهُ في نقا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وسارية لا تمل البكا»
إذا شئتُ كلَّمني بالجفونِ من مقلةٍ كُحِّلتْ بالهوى
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وسارية لا تمل البكا»
له شعرٌ مثلُ نسج الدُّروعِوطرفٌ سقيمٌ إذا ما رنا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وسارية لا تمل البكا»
ويضحك عن أقحوان الرِّياضِ يغسلهُ بالعشيِّ النَّدى
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وسارية لا تمل البكا»
ومصباحنا قمرٌ مشرقٌكترسِ اللُّجين يشقُّ الدُّجى
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وسارية لا تمل البكا»

وقال أيضاً:

وفتيةٍ كسيوفِ الهند قلت لهم:سيروا فما فثؤوا رأيي ولا خرقوا
ساروا وقد خضعت شمسُ الأصيلِ لهمحتى توقَّد من ذيل الدُّجى الشَّفق

وقال أيضاً:

لبسنا إلى الخمّار والنَّجم غائرٌغلالةَ ليلٍ طرِّزت بصباح
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لبسنا إلى الخمار والنجم غائر»
وظلَّت تدير الرّاح أيدي جآذرٍعتاقٍ دنانير الوجوه ملاح
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لبسنا إلى الخمار والنجم غائر»

وقال:

وعاقدِ زُنَّارٍ على غصنِ الآسمليح المعاني مخطفِ الخصر ميَّاس
سقاني عُقاراً صُبَّ فيها مزاجهافأضحك عن ثغرِ الحبابِ فمَ الكاس

[وقال:

يقول العاذلون: تسلَّ عنهاوداوِ لهيبَ قلبك بالسُّلوِّ
وكيف وقبلةٌ منها اختلاساًألذُّ من الشماتة بالعدوِّ]

وقال:

وآثار وصلٍ في هواك حفظتهاتحيّاتُ ريحانٍ وعضّاتُ تفاحِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وآثار وصل في هواك حفظتها»
وكتبٍ لطافٍ تربها المسكُ أدرجتْعلى وصفِ أشجانٍ وتعذيب أرواحِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وآثار وصل في هواك حفظتها»
يخلنَ تعاويذاً بجنبي كأنّنيأمسُّ بخيلٍ في مسائي وإصباحي
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وآثار وصل في هواك حفظتها»

ومن نثره المستندر قوله: وسار فلان في جنود عليهم أردية السيوف، وقمصان الحديد، وكأنّ دروعهم زبد السيول، وكأن رماحهم قرون الوعول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، ويمتد بالنقع سرادقها، قد نثرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرق، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللجين، وقرطت عذراً كأنها الشنوف، تتلقف الأعداء أوائله، ولما تنهض أواخره، قد صب عليهم وقار الصبر وهب معهم ريح النصر. وهذا في صفة الجيش بديع كله.

وله في النظم مثله مما رمى فيه بالتشبيهات، على مراقي الاستعارات. فجاء مفرغاً في قالب الكمال، مطلعاً في طالع الجمال، وهو قوله يمدح المكتفي بالله لما قدم من الرقة بعد القبض على القرمطي، وهاك الكلمة بجملتها:

لا رمَّانِ النُّهودفوق أغصانِ القدود
وعناقيد من أصداغٍ وورودٍ من خدود
ووجوهٍ من بدورٍطالعاتٍ بالسعودِ
ورسولٍ جاء بالميعادمن بعد الوعيد
ونعمي من وصالٍفي قفا طول الصُّدود
ما رأت عيني كظبيزارني في يوم عيد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا ورمان النهود»
في قباءٍ فاختيِّ الل?ون من لبس الحديد
كلما قاتل جندي بسيف وعمود
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا ورمان النهود»
قاتل الناس بعيني?ن وخدين وجيد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا ورمان النهود»
قد سقاني الرَّاح من في??هـ على رغم الحسود
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا ورمان النهود»
وتعانقنا كأنّيوهو في عقدٍ شديد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا ورمان النهود»
نقرع الثغر بثغرٍطيّبٍ وعذب الورود
[مثلما عاجل بردٌقطر مزنٍ بجمود]
مرحباً بالملك القادمِ بالجدِّ السعيد
للشاعر أبو بكر بن مغاور، من قصيدة «مرحباً بالبدر يسري»
يا مُذلَّ البغي يا قاتل حيَّات الحقود
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا ورمان النهود»
عش ودم في ظلِّ عيشٍخالدٍ باقٍ جديد
فلقد أصبح أعداؤك كالزرع الحصيد
للشاعر أبو بكر بن مغاور، من قصيدة «مرحباً بالبدر يسري»
ثم قد صاروا حديثاًمثل عادٍ وثمودِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا ورمان النهود»
جاءهم بحر حديدتحت أجبال بنود
فيه عقبان خيولٍفوقها أسدُ جنود
وردوا الحرب فمدّواكلَّ خطيّ مديد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا ورمان النهود»
وحسامٍ شرهِ الحَ?دِّ إلى قطع الوريد
ما لهاذ الفتح يا خي??ر إمامٍ من نديد
فاحمد الله فإن ال?حمدَ مفتاحُ المزيدِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا ورمان النهود»

كتبت هذه القصيدة لأنها فريدة، تجري على النفس مجرى الطبع، والكلام الجيد الطبع مقبول في السمع، قريب المتناول، بعيد المنال، أنيق الديباجة، رقيق الزجاجة، يدنو من فهم سامعه دنوه من وهم صانعه، والمصنوع مثقف الكعوب، معتدل الأنبوب، يطرد ماء البديع على جنباته، ويجول رونق الحسن في صفحاته، كما يجول السَّحر في الطرف الكحيل، والأثر في السيف الصقيل، وحمل الصانع شعره على الإكراه في التعمل لتنقيح المباني دون تصحيح المعاني يعفي آثار صنعته، ويطفئ أنوار صيغته، ويخرجه إلى فساد التعسف وقبح التكلف، فإلقاء المطبوع [بيده] إلى قبول ما يبعثه هاجسه، وتنفثه وساوسه، من غير إعمال النظر، ولا تدقيق الفكر، ويخرجه إلى حد المستهدم الرث، وحيز المستوخم الغث، وأحسن ما أجري إليه، وعول عليه، التوسط بين الحالين، والمنزلة بين المنزلتين في الطبع والصنعة.

وقد قال أعرابي للحسن البصري: علمين ديناً وسطاً، لا ساقطاً سقوطاً، ولا ذاهباً فروطاً، قال: أحسنت، (خير الأمور أوساطها). والله قد جعل البيان مقسماً في خلقه، وأجل حظ البحتري، إذ كان عن هذه القوس ينزع، وإلى هذا النحو يرجع.

ومن كلام ابن المعتز في صوف الكتاب والقلم قوله: الكتاب والج للأبواب، جريء على الحجاب، مفعم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق إذا أقعده الفراق، والقلم مجهز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، ويسكت واقفاً، وينطق سائراً، على أرض بياضها مظلم، وسادها مضيْ، كأنه يقبل بساط سلطان أو يفتح نوار بستان.

وهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله، قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لمات عرض القاسم على المعتضد بالله ليخلف أباه: فقال ابن المعتز:

قلم ما أراه أم فلك يج?ري كما شاء قاسم ويسير
خاشع في يديه يلثم قرطاساً كما قبل البساط شكور
مرسل لا تراه يحبسه الش?ك إذا ما جرى ولا التفكير
ولطيف المعنى جليل نحيفوكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكم حت?ف وعيش تضم تلك السطور
نقشت بالدجى نهاراً فما أدري أخط فيهن أم تصوير

وقال بعض البلغاء: صورة الخط في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض.

وقال أبو الطيب المتنبي:

دعاني إليك العلم والحلم والحجىوهذا الكلام النظم والنائل النثر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»
وما قلت من شعر تكاد بيوتهإذا كتبت يبيض من نورها الحبر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

وصف أحمد بن صالح بن شيرزاد جارية كاتبة فقال: كأنّ خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها [سواد] شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بيانها سحر مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها، وكأن مقطعها قلب عاشقها.

ومن ألفاظ أهل العصر في وصف الخط وسرعة يد الكاتب: الكلام الفائق، بالخط الرائق، نزهة القلب، وفاكهة النفس، وريحانة الروح، خط كأنه يواقيت في نظام، وصفحات نور عليها سطور الظلام. خط أحسن من عطفة الأصداغ، وبلاغة تميل بالآمل أوذن بالبلاغ. خط كما تفتح الزهر غب المطر، كأنه خطوط الغوالي في خدود الغواني. خط أملح من بنفسج الخط، وأحسن من الدر في السمط. خط أحسن من بدور الغرر، في ليالي الطرر. فلان يغرس في ارض القراطيس، وينشر عليها أجنحة الطواويس. خط كأن القلب يشعر منه نوراً، [وتجنى العين منه نورا]. خطه خطة الحسن، ويده ضرة البرق، وقلمه فلكي الجري، ويده ظئر البلاغة، وأم الكتابة، وضرة الريح، وينبوع الفضل.

قطعة من مقطعات تجري في شعرهم في التمثيل والمحاضرات في معانٍ مختلفة: أبو فراس الحمداني:

ونحن أناس لا توسط بيننالنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسناومن خطب الحسناء لم يغله المهر
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»

أبو الحسن بن لنكك البصري:

جار الزمان علينا في تصرفهوأي دهر على الأحرار لم يجر؟
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «جار الزمان علينا في تصرفه»
عندي من الدهر ما لو أن أيسرهيلقى على الفلك الدوار لم يدر
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «جار الزمان علينا في تصرفه»

وقال:

عدنا من زمانناعن حديث المكارم
من كفى الناس شرهفهو في جود حاتم
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة

أبو عبد الله بن الحجاج:

دعوت نداك من ظمأٍ إليهفعناني بقيعتك السراب
سراب لاح يلمع في سباخولا ماء لديه ولا تراب
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «دعوت نداك من ظمئي إليه»

وقال أيضاً:

لحى الله امرءاً أعطاك سراًفبحت به وفض الله فاه
فإنك بالذي استودعت منهأنم من الزجاج بما وعاه

وهذا كقول السري الموصلي:

وإنك كلما استودعت سراًأنم من النسيم على الرياض
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ثنتني عنك فاستشعرت هجرا»

ولابن وكيع [في هذا المعنى]:

صديق قد ندمت على اختياريله لما تأمله اختباري
ينم بسر مسترعيه سراًكما نم الظلام بسر نار
أنم من النصول على مشيبومن صافي الزجاج على عقار
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

أبو الحسن الموسوي النقيب:

ما السؤدد المكسوب إلا دون مايومي إليه السؤدد المولود
فإذا هما اتفقا تكسرت القناإن غولبا وتضعضع الجلمود
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أنظر إلى الأيام كيف تعود»

وقال:

أمسيت أرحم من قد كنت أغبطهلقد تقارب بني العز والهوان
ومنظر كان بالسراء يضحكنييا قرب ما عاد بالضراء يبكيني
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لواعج الشوق تخطيهم وتصميني»

وقال:

أنت الكرى مؤنساً طرفي وبعضهممثل القذى مانعاً عيني من الوسن
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «دع من دموعك بعد البين للدمن»
لقد تمازج قلبانا كأنهماتراضعا بدم الأحشاء لا اللبن

وقال:

اشتر العز بما بي?ع فما العز بغال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «اشتر العز بما بيع»
بالقصار الصفر إن شئ?ت أو السمر الطوال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «اشتر العز بما بيع»
ليس بالمغبون حظاًمشترٍ عزاً بمال
إنما يدخر المال لحاجات الرجال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «اشتر العز بما بيع»
والفتى من جعل المعروف أثمان المعالي

أبو الفضل بن العميد:

لن يصرف الدهر عن سجيتهإرب أريب وحول ذي حيل
أي معين صفا على كدر الددهر وأي النعيم لم يزل

وقال:

آخ الرجال من الأباعد والأقارب لا تقارب
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
إن الأقارب كالعقارب أو أشد من العقارب
للشاعر أم السعد بنت عصام الحميري ، اقرأ القصيدة

وقال الكندي: الأب رب، والأخ فخ، والعم غم، والخال وبال، والولد كمد، والأقارب عقارب. وإنما المرء بصديقه.

[وقال] الصاحب أبو القاسم بن عباد:

حفظ اللسان راحة الإنسانفاحفظه حفظ الشكر للإحسان
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «حفظ اللسان راحة الانسان»

فآفة الإنسان في اللسان

وقال:

مرادي من الدنيا صديق مساعدوليس يريد الدهر لي ما أريده
ومن يكن القاضي خصيماً له فقدأضر به إقراره وجحوده
فمهما ادعى حقاً له عاد باطلاًولو أن كل العالمين شهوده
وعز على الإنسان إثبات حجةإذا كان حكاماً عليه عميده

[وقال] علي بن عبد العزيز القاضي:

يقولون لي: فيك انقباض، وإنمارأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
إذا قيل: هذا مورد قلت: قد أرىولكن نفس الحر تحتمل الظما
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة
ولم ابتذل في خدمة العلم مهجتيلأخدم من لاقيت إلا لأخدما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
أأغرسه عزاً فأجنيه ذلةإذن فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهمولو عظموه في النفوس لعظما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوامحياه بالإعراض حتى تجهما
للشاعر علي نقي الأحسائي، اقرأ القصيدة

[وقال] أبو بكر الخوارزمي:

علق غدا بياعهمبتاعه لهوانه
كالفرج لم يخطب فصار أخوه من أختانه

[وقال] إسماعيل الشاشي:

وجود المنى ألا تكاثر في المنىونيل الغنى ألا تفكر في الغنى
ومن كان للدنيا أشد تضوراًتجده عن الدنيا أشد تصونا

عبرة:

لا يؤيسنك من عثمان حدتهوإن تطاير من أثوابه الشرر
فإن حدته والله يكلؤهكالبرق والرعد يأتي بعده المطر

[وقال] أبو الفتح البستي:

إذا أحسست في لفظي فتوراًوخطي والبلاغة والبيان
فلا تعجب لذاك فإن رقصيعلى مقدار إيقاع الزمان

وقال أيضاً:

بقية العمر عندي ما لها ثمنوإن غدا خير محبوب من الثمن
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «بقية العمر ما عندي لها ثمن»
يستدرك المرء فيها ما أفات ويح?يي ما أمات ويمحو السوء بالحسن
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «بقية العمر ما عندي لها ثمن»

ونثر هذا النظم لعلي بن أبي طالب ﵁ [وقال] الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي:

كم والد يحرم أولادهوخيره يحظى به الأبعد
للشاعر الميكالي، من قصيدة «كم والد يحرم أولاده»
كالعين لا تبصر ما حولهاولحظها يدرك ما يبعد
للشاعر الميكالي، من قصيدة «كم والد يحرم أولاده»

وقال:

أطالب أيامي بإنجاز موعديوها هي تلوي بالوفاء وتجمح
أقول عساها أن تلين لمطلبيقليلاً فبعض الشوط بالتمر يسمح

أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي:

تعلم من الأفعى أمالي طبعهافآنس إذا أوحشت تعف من الذم
لئن كان سم كامن تحت نابهاففي لحمها ترياق غائلة السم

وقال:

الله يعلم أني لست ذا بخلٍولست ملتمساً في البخل لي عللا
لكن طاقة مثلي غير خافيةوالذر يعذر في القدر الذي حملا

[وقال] أبو بكر الخالدي:

وأخ رخصت عليه حتى ملنيوالشيء مملول إذا ما يرخص
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
ما في زمانك ما يعز وجودهإن رمته إلا صديق مخلص
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

[وقال] أخوه أبو عثمان:

يا هذه إن رحت فيخلق فما في ذاك عار
للشاعر كشاجم، من قصيدة «صَدَّتْ مخاشَنة ً نوارُ»
هذي المدام هي الحياة قميصها خزف وقار
للشاعر أبو عثمان الخالدي، اقرأ القصيدة

أبو نصر بن نباتة:

ولا تحقرن عدواً رماكوإن كان في ساعديه قصر
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
فإن السيوف تجذ الرقابوتعجز عما تنال الإبر

وله:

أرى همم المرء اكتئاباً وحسرةعليه إذا لم يسعد الله جده
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
وما لامرئٍ في حادث الدهر حيلةإذا نحسه في الأمر وافق سعده

وله:

وعنفني في مركب الهول معشروقالوا: أيهوى الجدب من هو في الخصب
وإني لأدري أن في العجز راحةوأعلم أن السهل أوطا من الصعب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
ولو طلب الناس المكارم كلهملكان الغنى كالفقر والعبد كالرب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
ولكن أشخاص المعالي خفيةعلى كل عين ليس تبصر باللب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

يقول في هذه القصيدة يمدح علي بن المزربان:

ومن كعلي للفوارس تدعيوللخيل سامتها القوائم للوثب
ترى الشمس أماً والكواكب إخوةوتنظر من بدر السماء إلى ترب
رأى الفلك الدوار تربة بابلأحق وأولى منه بالأنجم الشهب
يدب ويسري نشركم في نسيمهاويعبق منكم في المياه وفي الترب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
وما بشروق الشمس منها تشرفتبكم شرفت شرق البلاد على الغرب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

ابن وكيع:

لئيم لا يزال يلم وفراًلوارثه ويدفع عن حماه
ككلب صيد يمسك وهو طاوفريسته ليأكلها سواه

وقال:

تعمدني بنصحك في انفراديوجنبني النصيحة في الجماعة
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «تعمدني بنصحك في انفرادي»
فإن خالفتني لتريد نقصيفلا تغضب إذا لم تعط طاعة

وقال:

امزح بمقدار الطلاقة واجتنبمزحاً تضاف به إلى سوء الأدب
لا تغضبن أخاك إن مازحتهإن المزاح على مقدمة الغضب

[وقال] أبو إسحاق الصابي:

وأحق من نكستهبالصغر من درجاته
من مجده من غيرهوسفاله من ذاته
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

وكتب إلى صديق له من السجن بقوله:

نحن في الصحبة كالنسرين لكني واقع

وعلى الطائر أن يغشى أخاه ويراجع

وكان سبب سجنه أنه في أيام عز الدولة بختيار بن معزها أحمد بن بويه الديلمي كان على ديوان الإنشاء، وكانت بين بختيار وعضد الدولة فنا خسرو منافسة في الرئاسة، فلما خلع الفضل بن جعفر المقتدر [وهو المطيع] وأقيم مكانه ابنه أبو الفضل عبد الكريم الطائع سنة أربع وستين وثلاثمئة، استولى على جميع الأمر عضد الدولة، وقتل بختيار وأمحى أثره، فأحضر الصابي، وقال: قد علمت ما كنت تعاملني به من قبيح المخاطبة في المكاتبة، وقد أحفظني ذلك، فأوجب حلفي على قتلك إذا ظفرت بك، وقد رأيت ذلك من الفساد إذ كنت مقدماً في صناعتك، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً.

واستصفى أمواله وحبسه، وولى ديوان الإنشاء أبا منصور المرزبان الشيرازي، وكان غاية في البلاغة والفصاحة وحسن آلات الكتابة. وزارة أبا إسحاق الصابي في السجن أبو الفرج الببغاء الشاعر زورة ثم قطعه فكتب إليه:

أبا الفرج أسلم وابق وانعم ولا تزليزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص
مضت مدة أستام ودك غالياًفأرخصته والبيع غال ومرتخص
وآنستني في محبسي بزيارةشفت كمداً من صاحب لك قد خلص
ولكنها كانت كحسوة طائرفواقاً كما يستفرض السارق الفرص
وأحسبك استوحشت من ضيق محبسيوعادك عيد من تذكرك القفص
فعوفيت يا قس الطيور فصاحةإذا سرد المنظوم أو تلي القصص
من المنسر الأشغى ومن حزة المدىومن بندق الرامي ومن قصة المقص
ومن صعدة فيها من الدبق لهذملفرسانكم عند اللقاء بها قعص
فهذي دواهي الطير وقيت شرهاإذا الدهر من أحداثه جرع الغصص

فأجابه أبو الفرج الببغاء:

أيا ماجداً في حلبة المجد ما نكصويا كاملاً في رتبة الفضل ما نقص
ستخلص من هذا السرار وأيماهلال توارى في السرار فما خلص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
بدولة تاج الملة الملك الذيله في أعالي قبة المشتري خصص
تقنصت إنصافي وما كنت قبل ذاأظن بأن المرء بالبر يقتنص
فأصبحت لا أخشى أذية جارحورأيك لي وكر وقلبك لي قفص

ولعضد الدولة:

طربت إلى الصبوح مع الصباحوشرب الراح والغرر الملاح
للشاعر عضد الدولة البويهي، اقرأ القصيدة
وكان الثلج كالكافور نثراًوناري بين نارنجي وراحي
فمشمومي ومشروبي وناريوثلجي والصبوح مع الصباح
لهيب في لهيب في لهيبصباح في صباح في صباح

تنازع إبراهيم بن المهدي ويختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن أبي دؤاد [في مجلس الحكم] في عقار بناحية السواد، فأربى عليه إبراهيم وأغلظ له، وأغضب ذلك ابن أبي داؤد، فقال: يا إبراهيم إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا امرءاً فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتاً ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أمماً، وطريقك نهجاً، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلاً، وورف مجالس الخليفة حقوقها من التوقير والتعظيم والاستكانة والتوجه إلى الحق، فإن هذا أشكل بك، وأجمل بمذهبك في محتدك، وعظيم خطرك، ولا تعجلن، فرب عجلة تهب ريثاً، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل.. إن ربك عليم حكيم.

فقال إبراهيم: أمرت أصلحك الله بسداد، وحضضت على رشاد، ولست عائد لما يثلم قدري عندك، ويسقطني من عينك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فها أنا ذا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه، باخع بجرمه، لأن الغضب لا يزال يستفز بمواده، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا منك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقد جعلت حقي في هذا العقار ليختيشوع، فليت ذلك يكون وافياً بأرش الجناية عليه، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق.

وفضل إبراهيم بن المهدي أشهر من أن يذكر، وكانت أخته عليه تعدل بكثير من أفاضل الرجال، في فضل العقل وحسن المقال، ولها شعر رائق وغناء رائع، وهي القائلة:

اشرب على ذكر الغزال الأغيد الحلو الدلال
اشرب عليه وقل لهيا غل ألباب الرجال
أبقيت جسمي ناحلاًوسكنت في ظل الحجال
وبلغت مني غايةلم أدر فيها ما احتيالي
للشاعر علية بنت المهدي، من قصيدة «سَلِمْ على ذكْرِ الغزَا»

وقالت، ولها فيه لحن:

يا عاذلي قد كنت قبلك عاذلاًحتى بليت فصرت صباً ذاهلاً
الحب أول ما يكون جهالةفإذا تفرع صار شغلاً شاغلا

وقالت:

وضع الحب على الجور فلوأنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في وصف الهوىعاشق يحسن تأليف الحجج
وقليل الحب صرفاً خالصاًلك خير من كثير قد مزج
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

كأنها ذهبت في البيت الأول إلى قول العباس بن الأحنف:

وأحسن أيام الهوى يومك الذيتروع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضىفأين حلاوات الرسائل والكتب
للشاعر عبد القادر الجزائري، من قصيدة «خليلي لا تندم على العتب للحب»

وزاد منصور بن سلمة النمري في هذا فقال:

راحتي في ملامة العذالوشفائي سؤالهم عن حالي
لا يطيب الهوى ولا يحسن الح?ب لخلق إلا بخمس خصال
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
بسماع الأذى وعذل نصيحوعتاب وهجرة وتقال
للشاعر النميري، اقرأ القصيدة

وأنشد كشاجم لابن الرومي:

لولا اطراد الصيد لم تك لذةفتطاردي لي بالوصال قليلا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «لولا اطّرادُ الصّيدِ لم تَكُ لذّة ٌ»

هذاالشراب أخو الحياة وماله ...

من لذة حتى يصيب غليلا

وأنشد الأصمعي:

لا خير في الحب وقفاً لا تحركهعوارض اليأس أو يرتاحه الطمع
لو كان لي قلبها أو عندها جزعيلكنت أملك ما آتي وما أدع
إذا دعا باسمها داع ليحزننيكادت له شعبة في مهجتي تقع
لا أحمل اللوم فيها والغرام بهاما حمل الله نفساً فوق ما تسع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

وسمعت أم جعفر، زبيدة بنت جعفر، علية تغني في شعر العباس بن الأحنف:

عندي مثالك لعبة عاجيةلو كان يقنع بالشبيه متيم
فإذا فقدتك ساعة كلمتهالكنها خرساء لا تتكلم
وإذا بكيت حسبتها تبكي معيوإذا ضحكت حسبتها تتبسم

فأمرت أم جعفر فصنعت لها لعبة من عاج، وكتبت على صدرها أبيات العباس، وأهدتها إلى الرشيد، فما زال يشرب عليها بقية ليلته، فلما أصبح سألها عن القصة، فأخبرته، فأحضر علية فغنته بالشعر فجدد صبوحاً، ولم يمر له يوماً أطيب من يومه.

وخرج الرشيد إلى الري ومعه علية، فلما صرا بالمرج عملت شعراً وغنته وهو:

ومغترب بالمرج يبكي لشجوهوقد غاب عنه المسعدون على الحب
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
إذا ما أتاه الركب منن نحو أرضهتنشق يستشفي برائحة الركب

فلما سمع الصوت بكى ورق لها، وعلم أنها اشتاقت إلى بغداد، فأمر بردها.

قال إسحاق الموصلي: كانت علية إذا طهرت لزمت المحراب، وقرأت القرآن، وإذا لم تصل غنت، وكانت قليلة الشغف بالشراب، إلا أنها تتناول منه، وكانت تكاتب بالأشعار خادمين يقال لأحدهما: طلا، وتكني عنه بظل، والآخر رشأ، وتكني عنه بزينب على أنهما جاريتان.

فمن شعرها في طل:

يا رب إني غرضت بحبهافإليك أشكو ذاك يا رباه
ظل ولكني حرمت نعيمهوهواءه إن لم يغثني الله
للشاعر علية بنت المهدي، من قصيدة «يا ربّ إنّي قد حرضت بهجرها»

وأقامت أياماً فلم تره، فمشت على ميزاب حتى رأته وحدثته وقالت له:

قد كان ما كلفته زمناًيا ظل من وجدي بكم يكفي
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
حتى أتيتك زائراً عجلاًأمشي إلى حتفي على حتفي

فبلغ ذلك الرشيد، فحلف عليها ألا تكلم طلاً ولا تذكر اسمه، فدخل عليها على غفلة، وهي تقرأ في المصحف: ﴿فإن لم يصبها وابل..﴾ فما نهى عنه أمير المؤمنين، فضحك وقبل رأسها، وقال: ولا كل هذا، وقد وهبت لك طلاً.

وقيل: أنه كان قتله.

وحجب طل عنها عند أول ما أحس الرشيد بما بينهما فقالت:

أيا سروة البستان طال تشوقيفهل لي إلى ظل إليك سبيل
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
متى يلتقي من ليس يرجى خروجهوليس لمن يهوى إليه دخول

ومن قولها في رشأ:

وجد الفؤاد بزينباوجداً شديداً متعبا
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
أصبحت من وجدي بهاأدعى شقياً منصبا
ولقد كنيت عن اسمهاعمداً لكي لا تغضبا
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
وجعلت زينب سترةوكتمت أمراً معجبا
قالت: وقد عز والوصال ولم أجد لي مذهبا
والله لا نلت المودة أو تنال الكوكبا

وقالت: لأكنين عنه كناية خفية فقالت:

القلب مشتاق إلى ريبيا رب ما هذا من العيب
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
قد تيمت قلبي فلم أستطعإلا البكا يا عالم الغيب
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
خبأت في شعري ذكر الذيأحببته كالخبء في الجيب
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

[لأن في قولها في آخر القسم الأول وأول الثاني: "ريب يا" تصحيف رشأ] ولها في الأمين وغنته:

أطلت عاذلتي لومي وتفنيديفأنت جاهلة شوقي وتسهيدي
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
لا تشرب الراح بين المسمعات وزرظبياً غريراً نقي الخد والجيد
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
قد رنحته شمول فهو منجدليحكي بوجنته ماء العناقيد
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
قام الأمين فأغنى الناس كلهمفما فقير على حال بموجود
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

دخل يوماً إسماعيل بن الهادي على المأمون طائش العقل، فقال له المأمون: ما لك؟ قال: يا أمير المؤمنين كنت أكذب بأرغن الروم بأنه يقتل طرباً، وقد صدقت الآن بذلك، قال: وما تدري ما هو؟ قال: لا والله، [قال]: هذه عمتك علية تلقي على عمك إبراهيم صوتاً من شعرها، وهو:

ودعت من أهوى ورحت بحسرةعجباً لقلبي كيف لم يتصدعا
للشاعر علية بنت المهدي، من قصيدة «لا حزنَ إلاّ دون حزنٍ نالني»
لا وجد إلا دون وجد نالنييوم الفراق وقد خرجت مشيعا
فإذا الأحبة قد تولت عيسهموبقيت فرداً والهاً متفجعا

من شعرها:

طالت علي ليالي الصوم واتصلتحتى لقد خلتها أربت على العدد
للشاعر علية بنت المهدي، من قصيدة «طالت عليّ ليالي الصّومِ واتّصلتْ»
شوقاً إلى مجلس يزهى بساحتهأعيذه بجلال الواحد الصمد

كتب أبو الفضل محمد بن أحمد بن الحسين بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري: سألتني عمن شفني وجدي به، وشغفني حبي له، وزعمت أني لو شئت لذهلت عنه، واعتضت منه، زعماً، لعمرو أبيك، ليس بمزعم، كيف أسلو عنه، وأنا أراه، وأنساه وهو لي تجاه، هيهات هو أغلب علي، وأقرب إلي، من أن يرخي لي عناني، أو أن يخليني واختياري، بعد اختلاطي بملكه، وانخراطي في سلكه، وبعد أن ناط حبه بقلبي نائط وشاطه بدمي شائط، فهو جار مجرى الروح في الأعضاء، متنسم تنسم روح الهواء، إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقعت عليه، وما أحب السلو عنه مع هناته، ولا الخلو منه مع ملاته، وهذا على أني إن قابلني لم يهنني إقباله، وإن أعرض عني لم يطرقني خياله، يبعد علي مناله، ويقرب من غيري نواله، ويرد عيني خاسئة، ويدي خالية، وصله ينذر بصده، وقربه يؤذن ببعده، يدنو عندما ينزح، ويأسو مثلما يجرح، مخالته أحوال، وخلته خلال، وحكمه سجال والحسن في عوارفه والجمال في معاطفه والبهاء في فضوله وصفاته، والسناء من نعوته وسماته، اسمه مطابق لمعناه، وفحواه موافق لنجواه، يتشابه قطراه، وتتضارع حالات، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تنساه يستدير.

وكتب إليه وصل كتابك فصادفني قريب عهد بانطلاق، من حيث عنت الوثاق، ووافقني مستريح الجوانح والأعضاء من حر الاشتياق، فإن الدهر جرى على حكمه المألوف في تحويل الأحوال، ورسمه المعروف في تبديل الأبدال، وأعتقني من مخالبك عتقاً لا تستحق معه ولاء، وابرأني من عهدة مودتك براءة لا تستوجب معها دركاً ولا استثناء، ونزع من عنقي ربقة الذل من إخائك، بيدي جفائك، ورش [على] ما كان يحتدم في ضميري من نيران الشوق ماء السلو، وشن على ما كان يتلهب في صدري من الوجد روح اليأس ومسح أعشار قلبي فلأم فطورها بجميل الصبر، وشعب أفلاذ كبدي فلاحم صدوعها بحسن العزاء، وتغلغل في مسالك أنفاسي، فعوضني من النزاع إليك نزوعاً عنك، ومن الذهاب فيك رجوعاً دونك، وكشف عن عيني ضبابات ما ألقاه الهوى على بصري، ورفع عنها غيابات ما سدله الشك دون نظري، حتى حدر النقاب عن صفحات طريقتك وسفر عن وجوه خليقتك، فلم أجد إلا منكراً، ولم ألق إلا مستكبراً، فوليت منهما فراراً، وملئت منهما رعباً، فاذهب فقد ألقيت على غاربك حبلك، ورددت إليك ذميماً عهدك.

وفي فصل من هذه الرسالة: وأما عذرك الذي رمت بسطه فانقبض، وحاولت تمهيده وتقريره فاستوفز [وأعرض]، ورفعت بضبعه فانخفض، فقد ورد فلقيته بوجه من يؤثر قبوله على رده، وتزكيته على جرحه، فلم يف بما يذله لك عن نفسه، ولم يقم عند ظنك به، أنى؟ وقد غطى التذمم وجهه فلم يقدر على إيقافه، ومضى [يعثر] في فضول ما تغشاه من كذب حتى سقط، فقلنا: لليدين وللفم.

وقوله هذا محلول من عقود نظمه إذ يقول:

وسألتك العتبى فلم ترني لهاأهلاً فجدت بعذرة شوهاء
وردت مموهة فلم يرفع لهاطرف ولم ترزق من الإصغاء
وأعار منطقها التذمم سكتةفتراجعت تمشي على استحياء
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
لم تشف من كمد ولم تبرد علىكبد ولم تمسح جوانب داء
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة

سئل إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن المجيدين من المغنين فقال: من لطف معناه في اختلاسه، وتمكن في أنفاسه، وتفرع في أجناسه، فكاد يعلم ضمائر معاشرين، وشهوات مجالسيه، فقرع كل واحد منهم بالنوع الذي يطابق هواه، ويوافق معناه، فأطرب جميعهم، وأخذ بقلب كافتهم، حتى اتفقت عليه أهواؤهم، واجتمعت على تفضيله كلمتهم، والتأمت على مدحه ألسنتهم.

قال جعفر بن مهلهل: فحدثت بهذا الحديث إبراهيم بن المهدي وعجبته منه، فقال: أيجوز هذا عليك!.. ابن الموصلي في قدره وصناعته ومحله من الخلفاء قد علم أنه مسؤول عن هذا، فتقدم في إعداد الجواب.

وقال كشاجم:

وجارية مثل شمس النهارأو البدر إذ لاح بين الدراري
أتتك تميس بقد القضيبوترنو بعين مهاة القفار
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وجارية ٍ مثلُ شَمسِ النهارِ»
وترفل في مصمت أبيضتلون من خدها جلناري
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وجارية مثل شمس النهار»
وتحمل عوداً فصيح اللسانيشارك أرواحنا في المجاري
له عنق كذراع الفتاةودستانة بمكان السوار
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وجارية مثل شمس النهار»
فجارت عليه وجادت لهبعسف اليمين ولطف اليسار
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وجارية مثل شمس النهار»
ولا أمهلته ولا نهنهتهمن الظهر حتى تقضى نهاري
فلما تغنت غناء الوداعبكيت وقلت لبعض الجواري:
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وجارية ٍ مثلُ شَمسِ النهارِ»
لئن عاشت عند هزار اللقاءلقد مت عند هزار الإزار

قال ثمامة بن أشري: كنت عند المأمون في مجلس أنس إذ جاءه الحاجب يستأذن لعمير المأموني، فكرهت ذلك، فقال: يا ثمامة ما بك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إذا غنى عمير كرت مواطن الإبل وكثبان الرمل، وإذا غنتنا عريب انبسط أملي، وقوي جذلي، وذكرت الجنان والولدان، كم بين يا أمير المؤمنين أن تغني غادة كأنها غصن بان ترنو بمقلة وسنان، كأنما خرطت من ياقوتة، أو صورت من فضة، بشعر عكاشة العمي حيث تقول:

من كف جارية كأن بنانهامن فضة قد طرفت عنابا
كأن يمناها إذا ضربن بهاتلقى على يدها لشمال حسابا

وبين أن يغنيك رجل ملتف اللحية، غليظ الصابع، ششن الكف بشعر ورقاء ابن زهير العبسي:

رأيت زهيراً تحت كلكل خالدٍفأقبلت أسعى كالعجول أبادر
للشاعر ورقاء بن زهير، من قصيدة «رأيت زهيراً تحت كلكل خالد»

فضحك وقال: إن الرق لبين، يا غلام لا تأذن له!.. وأحضر قيانه، فظللنا في أطيب يوم.

وكان ابن الرومي يقول: "لو أدركت ملحن ها الشعر قتلته، وهو:

كليب لعمري كان أكثر ناصراًوأيسر جرماً منك ضرج بالدم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنةكحاشية البرد اليماني المسهم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

.. ما الذي يشبه من معاطاة الندمان، ومؤانسة الخلان من ذكر الدم والقتل؟! ... " وذكر أحمد بن الطيب السرخسي أن النعمان بن المنذر أهدى إلى كسرة جارية تغني غناء العرب، اشتراها [له] بمائة ألف درهم، فغنته شعر عنترة العبسي:

فشككت بالرمح الطويل إهابهليس الكريم على القنا بمحرم

ففسر له ما يقول فقال: الحرب بلية، والندام مسرة، وما معنى ذكر البلية مع حصول المسرة؟ ولم يسمعها بعد.

قلت أنا: وليت شعري إذا كان الغناء داعية الأنس، وعشيق النفس، الذي يفكها إذا أسرها الهم، ويبسطها إذا قبضها الغم، وهو المستأذن على القلب، والمنقذ من الكرب، الداخل عليه بغير بعث، والوالج إليه بغير نصب، ما باله لا تستخرج له الأشعار الرقيقة، ذات المعاني الأنيقة، والألفاظ الناعمة الشكلة، في اللطائف الظريفة الغزلة، التي تطرب بالتكلم قبل الترنم، ويتجنب ما كان من صفات الجيوش والمقانب، وذكر الغارات والكتائب، ووصف الأحزان والمصائب، فلأن يسمع من كان ثملاً جذلاً:

سكرت من لحظه لا من مدامتهومال بالنوم عن عيني تمايله
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «سكرت من لحظه لا من مدامته»
وما السلاف دهتني بل سوالفهولا الشمول ازدهتني بل شمائله
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «سكرت من لحظه لا من مدامته»
ألوى بصبري أصداغ لوين لهوغل صدري ما تحوي غلائله

أحب إليه من أن يسمع:

أسمعاني الصياح بالإمليسوصياح العيرانة العيطموس
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
ودعاني من قرع مزهر رياواختلاف الكؤوس بالخندريس

عزفت [عن] تلكم اللبانات نفسي=وسمعت نحو غير ذاك حدوسي أو يسمع:

ما تغطي عساكر الليل منيما تجلي مضاحك الصبح عني
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
جسم سيف في جوف غمد ثيابصدر أنس من تحته قلب جني
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
ما ينال الكرى سويداه إلاحسوة الطائر الذي لا يثني
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
كم ظلامٍ جعلته طيلسانيصاحبي همتي وقلبي مجني
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة

إلا أن يكون كالمهلهل، وربيعة بن مكدم، وعتيبة بن الحارث بن شهاب.

ولأبي عثمان الناجم في وصف الغناء قطع مستملحة، بكل طريقة موشحة، كقوله:

لقد جاد من عاتب ضربهاوزاد كما جاد تغريدها
إذا نوت الصوت قبل الغناءأنشدنا شعرها عودها

وله:

تأتي أغاني عاتبأبداً بأفراح النفوس
تشدو فنزمر بالكؤوس لها ويرقص بالرؤوس

وهذا كقوله:

سلامة بن سعيديجيد حث الراح
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
إذا تغنى زمرناعليه بالأقداح
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

وقال:

ما صدحت عاتب ومزهرهاإلا وثقنا باللهو الفرح
لها غناء كالبرء في جسدأضناه طول السقام والترح
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
تعبده الراح فهي ما صدحتإبريقنا ساجد إلى القدح

وقال:

ما حضرتنا قتول إلاأذكت بنظراتها جوانا
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
تصدع بالصوت قبل تأتيكأن في نايها لسانا
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

وقال:

إذا أنت ميزت بين الغناء ميزتها الأحذق الأطيبا
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
تهز القريض بألحانهاكما هزت الغصن ريح الصبا
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

وقال:

ما تغنت إلا تقشع همعن الفؤاد وأقلعت أحزان
تفضل المسمعين طيباً وحذقاًمثلما يفضل السماع العيان

وقال:

ما نطقت عاتب ومزهرهاإلا ظللنا للراح نعملها
تطلب أوتارها الهموم بأوتار تستفيق تقتلها
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

وقال:

شدو ألذ من ابتداء العين في لإغفائها
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
أشهى وأحلى من منىنفس وصدق رجائها

وقال أيضاً:

لها غناء مطرب معجبيفعل ما لا تفعل الخمرة
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
تشوق الأذن إلى شدوهاتشوق العين إلى الحضرة
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
كأنما بهجة من زارهابهجة من طارت له القمرة
لو أن إسحاق شدا بعدهالخلت من يسمع في سخرة
مندرة في كل ألحانهالا كالتي تحسن في الندرة
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

وقال:

لقد برعت في الغناءوزادت وأربت على البارع
يسبح سامعها معجباًفأصواتها سبحة السامع
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

[وقال أيضاً:

يا صاحبي قم فقد أطلناأنحن طول المدى هجود؟
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
فقال لي: لن نقوم منهاما دام من فوقنا الصعيد
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
تذكر كم ليلة نعمنافي ظلها والزمان عيد
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
ظل كأن لم يكن تقضىوشره حاضر عتيد]
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

وقال يرثي عجائب جارية ابن مروان:

أضحى الثرى بجوارهاعطر المسالك والمسارب
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
حلت حفيرتها حلول المسك في سرر الكواعب
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
يا درة كانت تضيء لناظر من كل جانب
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

تبع فيه أستاذه ابن الرومي، يرثي جارية أم علي بنت الرسي:

واهاً لذاك الفناء من طبقعلى جميع الأنام مقتدر
أضحت من الساكني حفائرهمسكنى الغوالي مداهن السرر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا هل من الحادثات من وزر»
يا مشرباً كان لي بلا كدريا سمراً كان لي بلا سهر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا هل من الحادثات من وزر»
أصبحت بالترب غير راجحةعنه وقد ترجحين بالبدر

ومن ألفاظ أهل العصر في الغناء والمغنين: غناؤه كالغنى بعد الفقر، وهو عذر للسكر، غناء يبسط أسرة الوجه، ويرفع حجاب الأذن، ويأخذ بمجامع القلب، ويمتزج بأجزاء النفس، غناء يحرك النفوس ويرقص الرؤوس، ويحرض [على الكؤوس]، فلان طبيب القلوب والأسماع، ومحيي الخواطر والطباع، يطعم الآذان سروراً، ويقدح في القلب نوراً، القلوب من غنائه على خطر، فكيف الجيوب! السكر على صوته شهادة، نعمة نغمته تطرب وضروب ضربه لا تضطرب.

ولهم في ضد هذا: يغني فيتعب ولا يطرب، إذا غنى عنى، وإذا أدى أذى، يميت الطرب، ويحيي الكرب، ضربه يوجب ضربه، من عجائب غنائه أنه يورد الشتاء في الصيف، [ولا يقدر على سماعه الضيف].

وقال كشاجم:

ومغن بارد النغمة مختل اليدين
ما رآه أحد فيدار قوم مرتين
للشاعر كشاجم، من قصيدة «ومغن بارد النغمة»
قربه أقطع للذات من صبحة بين
للشاعر كشاجم، من قصيدة «ومغنٍّ باردُ النّـ»

وقال أيضاً يذم عوادة:

جاءت بعود مثلها نافركأنه نقنق الضفدع
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جاءت بعود مثلها نافر»
مضطرب الأوتار منقوصهامستقبح المبدإ والمقطع
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جاءت بعود مثلها نافر»
يود من يسمع أصواتهلو فقد السمع ولم يسمع
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جاءَتْ بعودٍ مثلِهَا نافرٍ»
فأقبلت تضرب غير الذيتحسب والنغمة لم تتبع
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جاءت بعود مثلها نافر»
كأنما قسمة تأليهامثلث مختلف الأضلع

وهذا ضد قوله لبعض إخوانه:

عندي معتقة كودك صافيةونديمك الدمث الرقيق الحاشية
للشاعر كشاجم، من قصيدة «عِنْدِي معتّقَة ٌ كودّكَ صافِيهْ»
إذا كربت إلى السماع ترنمتبيضاء زاهية تسمى زاهية
تصل الغناء يمينها بشمالهاكمثلث أضلاعه متساوية
للشاعر كشاجم، من قصيدة «عندي معتقة تودك صافيه»

وله في هذا المعنى:

صحت مقادر ضربها وحسابهاوغنائها وتوازنت في الأنفس
للشاعر كشاجم، من قصيدة «صحت مقادر ضربها وحسابها»
فكأن أشكال المثلث إنمايؤخذن عنها ليس عن إقليدس
للشاعر كشاجم، من قصيدة «صَحَّتْ مَقَادِرُ ضَرِبْهَا وغِيَابِها»

وقال أبو فراس الحمداني: كان سيف الدولة لا يشرب النبيذ ولا يسمع القيان، ويحظرهما علي، فوافت من بغداد ظلوم الشهرامية، وكانت من المحسنات، وكان بحضرته ابن المنجم، فاضل [أهل] زمانه. فتاقت نفسي إلى سماعها، فسألنه أن يحضرهما، فوعدني بذلك في يومنا، فانصرفت عنه، وأنا غير واثق [به]، لعلمي بضعف نيته في ذلك، ووجهت إلى ظلوم وابن المنجم فحصلتهما، وأقمت أنتظر رسوله إلى غروب الشمس فكتبت له:

محلك الجوزاء بل ارفعوصدرك الدهناء بل أوسع
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «محلك الجوزاء بل أرفع»
وقلبك القلب الذي لم يزلللجد والهزل به موضع
رفه بقرع العود سمعاً غداًقرع العوالي جل ما يسمع
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «محلك الجوزاء بل أرفع»

فبلغت الأبيات الوزير أبا محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلبي، فأمر بها فلحنت، وغني بها، فلم يزل يشرب عليها بقية يومه.

وكان أبو فراس حسن الشعر جيد النمط، لقوله من الحلاوة، وعليه من الطلاوة ما يشهد به ما أنشد له: وكان أبو القاسم الصاحب يقول: بدئ الشعر بملك، وختم بملك، بدئ بامرئ القيس وختم بأبي فراس.

كتب إلى سيف الدولة وقد قفل من غزاة: كتابي أطال الله بقاء مولاي الأمير من منزلي وقد وردته ورود السالم الغانم موقر الظهر والظهر وقراً وشكراً. فاستحسن سيف الدولة بلاغته، فقال أبو فراس:

هل للسماحة والفصاحة والعلا عني محيد
إذ كنت والدي الذيخرجتني وأبي سعيد
في كل يوم أستفي?د من العلاء وأستعيد
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «هل للفصاحة والسماحة»
ويزيد فيّ إذا رأي?تك في الندى خلق جديد
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «هل للفصاحة والسماحة»

وقال: ?لنا بيت على طنب الثريا=بعيد مذاهب الأكناف سام

تظلله الفوارس بالعواليوتفرشه الولائد بالطعام
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «لنا بيت على عنق الثريا»

وقال:

ما كنت مذ كنت إلا طوع خلانيليست مؤاخذة الخلان من شاني
يجني الصديق فأستحلي جنايتهحتى أدل على عفوي وإحساني
ويتبع الذنب ذنباً حين يعرفنيعمداً فأتبع غفراناً بغفران
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «ماكنت مذ كنت إلا طوع خلاني»
يجني علي فأحنو صافحاً أبداًلا شيء أحسن من حانٍ على جانِ

وقال:

فوالله ما أضمرت في الحب سلوةووالله ما حدثت نفسي بالصبر
وإنك في عيني لأبهى من الغنىوإنك في قلبي لأحلى من النصر
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «ووالله ما أضمرت في الحب سلوة»
فيا حكمي المأمول ملت مع الهوىويا ثقتي المأمون خنت مع الدهر

وقال:

لبسنا رداء الليل والليل راضعإلى أن تردى رأسه بمشيب
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «لبسنا رداء الليل والليل راضع»
وبتنا كغصني بانة عطفتهمامع الصبح ريحا شمأل وجنوب
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنهمبادي نصول في عذار خضيب
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «لبسنا رداء الليل والليل راضع»
فيا ليل قد فارقت غير مذممويا صبح قد أقبلت غير حبيب
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «لبسنا رداء الليل والليل راضع»

وقال:

لا غرو إن فتنتك باللحظات فاترة الجفون
فمصارع العشاق مابين الفتور إلى الفتون
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «لاغرو إن فتنتك بال»
فاصبر فمن شيم الهوىصبر الضنين على الظنين

كتب شمس المعالي إلى وكيل له بالري يعرف بأبي الفرج عبد السلام بن محمد كتاباً دعاه الإعجاب به إلى أن أوقف عليه كافي الكفاة وتاج الولاة أبا القاسم بن إسماعيل بن عباد الصاحب، فأطنب الصاحب في وصفه وتقريظه، فكتب عبد السلام إلى شمس المعالي بذلك فأجاب: أما إعجاب الفاضل بالفصول التي عرضتها عليه، ورفعتها إليه، فلم يكن ذلك مما يحسبه إلا لخلة واحدة، وهي أنه وجد فناً في غير أهله فاستبدعه، وفرعاً في غير أصله فاستشنعه، فقد يستعذب الشريب من منبع الزعاق ويستطاب النحيب من مخرج النهاق، ولكنك فيما أقدمت عليه، من بسط اللسان بحضرته وإرخاء العنان بمشهده، كمن حاسن بقباحته القمر، وخاشن بوقاحته الحجر، ولا كلام فيما مضى، ولا عتب فيما اتفق وجرى.

فأجاب الصاحب: قرأت الفصل الذي تجشمه جامع هزة العرب إلى عزة العجم، وناظم صليل السيف إلى صرير القلم، فحرت في محاسن خط، لا البرد الوشيع معتلق ذيلها، ولا الروض المريع نائل نيلها، وعقائل لفظ إن نعتها فقد غبنتها، وإن وصفتها فما أنصفتها، والله يمتعه بالفضل الذي استعلى على عاتقه وغاربه، واستولى على مشارقه ومغاربه، ولم يكن استحساني مما رأيت، وإعجابي بما رويت، استغراباً لمنبعه، ولا استبداعاً لمطلعه، بل لأنه شريف في جنسه، نفيس في نفسه، وقد حفظت ذلك الفضل، حيث سواد الناظر وأعز، وبسويداء القلب وأحرز، وعسى أن ينجز الدهر وعداً، فيعود التعارف وداً، فقد سمعت بالبعيد القريب، وفرحة الأديب بالأديب، وما إلى ذلك على الله بعزيز.

فأجاب شمس المعالي وكيله عن هذا الجواب: قد أهديت إلي أعزك الله محاسن الدنيا مجموعة في ورقة، ومباهج الحلل والحلي محصورة في طبقة، وهو ما خطه ذلك الفاضل بيده، وباشره بقلمه [و] ما كنت أحسب أن جماع البديع يأخذ منه، ولا نور الربيع يفتر عنه، حتى عاينته فسميته لرقته برد الشراب، ولإعجابي به من دقته برد الشباب، ولفتوني بطلعته محير الألباب، ولوقوفي عند جزالته معيار الكتاب، فرصانة الطبع والعذوبة من جنى روضته، ومتانة المعنى والبراعة في ضمان قبضته، وأظنه لو جعل دعاء يدعى به النيران لأقبلا إلى الأرض منخفضين، أو حول حداء يحدى به الجبلان لمشيا مسرعين، أو صير جلاء يجلى به الناظران لأبصرا ما بين الخافقين، فمن لاطم أمواج بحره مساجلاً أصبح صريع صدماتها، ومن زاحم أفواج فكره مكاثراً أمسى أسير حملاتها، فلله جامع أفراد هذه الفضائل، وناظم آحاد هذه العقائل، فقد حاز من العلم الذرى والغوارب، وخلف لغيره الشوى والمخالب، وكذا النجيب إذا جرى لم يشق غباره، والشهاب إذا سرى لم تلحق آثاره، وأنا أرى قضاء حقه بالاعتراف بفضله، دون الإغراق في وصف فعله، فلذلك وقفت حيث بلغت، وأمسكت حيث انتهيت.

وكتب الصاحب إلى أبي القاسم علي بن القاسم من قاشان: إذا أقبلت عقد البعد تتحلل، وبدت وجوه القرب تتهلل، وطويت من مسافة البين أرض، وقطع من جادة الفراق بعض، ترجح كوكب الوحشة للأفول وتزحزح موكب الأنس للقفول.

وهذه حالي، فإني لما وردت موضع كذا [وكذا] خلفت ورائيب أرضاً كانت تبعد عن مولاي رحلي، ووطئت أخرى طالما قربت منه ربعي، طارت دواعي المسرة من نفسي، وانتشرت بواعث الغبطة في صدري، وولى الهم مفلولاً عني وأقبل الارتياح مستأمناً نحوي، ونادى الالتقاء بأن هذا صدر أمل إليَّ ينتهي وينتظم، وبي يستكمل ويختتم، فقلت: لبيك إلفاً، وكأن قد ...

وله يمازح بعض إخوانه: خبر سيدي عندي وإن كتمه عني، واستأثر به دوني، فقد عرفت أمره في أمسه من شربه وأنسه، وغناء الضيف الطارق وعرسه، وكان ما كان مما لست أذكره وجرى [ما جرى مما] لست أنشره، وأقول أن مولاي امتطى الأشهب، فكيف عاين ظهره؟ وركب الطائر، فكيف شاهد جريه؟ هل سلم من حزونة الطريق؟ وكيف تصرف: أفي سعة أم [في] ضيق؟ وهل أفرد الحج أم تمتع بالعمرة؟ وهل قال في الحملة بالكرة؟ ليتفضل مولاي بتعريفي الخبر، فما ينفعه الإنكار، ولا يغني عنه إلا الإقرار، وأرجو أن يساعدنا الشيخ أبو مرة، كما ساعده مرة، فنصلي إلى القبلة التي صلى إليها، ونتمكن من الدرجة التي خطب عليها، وله فضل السبق إلى ذلك الميدان، الكثير الفرسان.

وله أيضاً: تصفحت أوطار النفوس، فلم أعتز بأكرم من قربه، وتأملت أشخاص الخطوب، فلم أرع بأقطع من بعده، محاسنه أنوار لم تحتجب بسجوف ومناقبه شموس لم تتصل بكسوف، وألفاظه تذكرني بلباس الشباب وريعانه، بل بأفنان الصبا وفينانه، أيام من عود النوى خور، وليالي من باع الدجى قصر، ولولا أن عادتي أن أطأطئ [ناظري] للصديق تسليماً، وأصبر له على الملام [وإن كان] مليماً لقلت في ظلمه، وقد تظلم، قولاً على غرة الدهر، ويشدخ في جبهة الشمس والبدر إذ لم يرضى بحقي أن يلويه، حتى عطف على عهدي يستبطئه، ولكن أقول: يا نفس صبراً، فما كل طالب حق يعطاه، ولا كل شائم برق يسقاه، وأعود فأسأل الله أن يعيد:

عيشاً لنا بالأبرقين تأبدتأيامه وتجددت ذكراه
والعيش ما فارقته فذكرتهلهفاً وليس العيش ما تنساه
للشاعر البحتري، من قصيدة «أَرَج ٌَ لِرَيَّا طَلَّةٌ رَيَّاهُ»

وهذا كقول الحسن بن سهل: حد الطرب ما بقي سروره يتخيل في النفس، ويتردد في الفكر.

ومن شعر الصاحب:

لقد صدقوا والراقصات إلى منىبأن مودات العدا ليس تنفع
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «لقد صدقوا والراقصات إلى منى»
ولو أنني داريت دهري حيةإذا استمكنت يوماً من اللسع تلسع
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «لقد صدقوا والراقصات إلى منى»

وقال [أيضاً]:

وقائلة: لم عرتك الهموموأمرك ممتثل في الأمم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وقائلة لم عرتك الهموم»
فقلت: ذريني لما أشتكيفإن الهموم بقدر الهمم

وقال [أيضاً]:

دعتني عيناك نحو الصبادعاء يكرر في كل ساعة
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
فلولا وحقك عذر المشيبلقلت لعينيك سمعاً وطاعة

هذا من قول إبراهيم بن المهدي، وتمثل به إسماعيل بن إسحاق القاضي، [وقد كان] رأى غلاماً جميلاً:

لولا الحياء وأنني مشهوروالعيب يعلق بالكبير كبير
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
لحللك منزلك الذي تحتلهولكان منزلنا هو المهجور

وقال الصاحب:

قال لي: إن رقيبيسيء الخلق فداره
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «قال لي ان رقيبي»
قلت: دعني، وجهك الجنة حفت بالمكاره
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «قال لي ان رقيبي»

وقال ابن الرومي في حسن الحبيب، وقبح الرقيب، [فأحسن]:

ما بالها قد حسنت ورقيبهامستقبح، لا كانت الرقباء
ما ذاك إلا لأنها شمس الضحىأبداً يكون رقيبها الحرباء

وقال الصاحب أيضاً، وكان من الغلاة في الاعتزال:

ولما تناءت بالحبيب ديارهوصيرت منه في عياني على وهم
تمكن مني الشوق غير مخالسكمعتزلي قد تمكن من خصم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «ولما تناءت بالحبيب دياره»

وقال:

كنت دهراً أقول بالاستطاعةوأرى الجبر ضلة وشناعة
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «كنت دهرا أقول بالاستطاعه»
ففقدت استطاعتي من هوى ظبيفسمعاً للمجبرين وطاعة

أخذه من قول سعيد بن حميد:

قالت: أكتم هواي وأكن عن اسميبالعزيز المهيمن الجبار
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
قلت: لا أستطيع ذلك قالت:صرت بعدي تقول بالإجبار
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
وتخليت عن مقالة بشر ب?ن غياث لمذهب النجار
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

وقال الصاحب لغلام تركي قبل يده:

أبا شجاع يا شجاع الورىومن لنا في وجهه قبله
قبل فمي إن كنت آثرتنيفاليد لا تعرف ما القبلة

وهذا كقول الشريف أبي قاسم الرسي:

يا بدر بادر إلي بالكاسفرب خير أتى على ياسي
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «يا بدر بادر إلي بالكاس»
ولا تقبل يدي فإن فميأولى بها من يدي ومن راسي
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «يا بدر بادر إلي بالكاس»

وكان أبو القاسم الرسي حلو الغناء، فكه الخلق، جميل الخلق. ومن قوله، وله فيه لحن:

إذا التحف الجو بالأدكنوغنى الحمائم كالأرغن
وهبت رياح الصبا سحرةبريح البنفسج والسوسن
وحن إلى القصف ألافهفبادر إلى شيخك المنحني
فنفس عن الزق أوداجهوسق الندامى ولا تنسني

وشرب عنده كوفان المغني، فلما أصبح افتقد رداءه، فقال: قد سرق ردائي أيها الشريف، قال: ويحك، من تتهم منا، أما علمت أن النبيذ بساط يطوى بما عليه، فقال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائي، واطووه إلى يوم القيامة.

كان جعفر بن حذار كاتب العباس بن أحمد بن طولون ينقل أخبار أبي حفص عمر بن أيوب، كاتب أحمد بن طولون على الشراب إلى العباس، فصار إليه أبو حفص، وقال: يا أبا القاسم، إنما مجلس المدام مجلس حرمة، وداعية أنس، ومسرح لبانة، ومذاد همٍّ، ومرتع لهو، ومعهد سرور، وإنما توسطته عند من لا يتهم غيبه، ولا يخشى عيبه، وقد اتصل بي ما تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل أعزه الله من أخبار مجالستي فلا تفعل، وأنشده [قول أبي العباس الناشيء:

ولقد قلت للأخلاء يوماًقول ساع بالنصح لو سمعوه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
إنما مجلس الشراب بساطللمودات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوامن نعيم ولذة رفعوه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
وهم أحرياء إن كان منهمحافظ ما أتوه أن يمنعوه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة

فاعتذر ابن حذار، وحلف أنه ما فعل، ثم قام عن مجلسه، فأنشد أبو حفص:

كم من أخ أوجست منه سجيةفأنست بعد وداده بفراقه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
لم أحمد الأيام منه خليقةفتركته مستمتعاً بخلاقه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة

عول أبو حفص في أكثر كلامه على كلام ابن العباس عبد الله بن محمد الناشئ في الشراب، والأبيات التي أنشد أولاً له.

قال بعض الظرفاء: شرط المنادمة قلة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف والمسامحة بالشرابي، والتغافل عن الجواب، وإدمان الرضى، وإطراح ما مضى وإسقاط التحيات، واجتناب اقتراح الأصوات، وأكل ما حضر، وإحضار ما تيسر، وحفظ الغيب، وستر العيب.

وقال الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة لشراعة بن الزند بوذ: من أمتع الجلساء؟ قال: الذي إذا عجب عجب، وإذا غنى طرب، وإذا سقي شرب، وإذا أمسكت حدثك، وإذا حدثت أنصت لك. قال: فأي أوقات الشراب أطيب؟ قال: وقت نشاط على غب السماء. قال: فأي المجالس أحسن؟ قال: إذا لم يكن مطر مغرق، ولا حر محرق، فالشرب على وجه السماء. قال الوليد: أفيلومونني يا شراعة على حبك، وأنا إذا سألتك شيء لقيتني بمثل هذا الجواب، خذ من بيت المال ألفي دينار: وأنشدوا في نحو قول شراعة:

لا خير في الشرب إلا مع أخي ثقةإن سر غنى وإن غنيته طربا
يعطيك صمتاً إذا غنيته وإذاشربت حيا وإن حييته شربا
عف اللسان عفيف الفرج تحمدهفي كل حال إذات أثرى وإن تربا
يزيده الراح حلماً والغنا طرباًوالسكر تقوى واستماع الأذى أدبا
فاشدد يديك بهذا إن ظفرت بهواكنز مودته، ولا تكنز الذهبا

وقال الحسن بن وهب شربت البارحة على وجه الجوزاء فلما انتبه الفجر نمت، فما عقلت حتى لحفني قميص الشمس.

وقال أبو القاسم الصاحب: قد حملت أوزار السكر على ظهر الخمر، وطوي بساط الشراب، على ما فيه من خطأ وصواب.

وكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم دجن: أما ترى تكافؤ هذا الطمع واليأس من يومنا بقرب المطر وبعده، فكأنه قول كثير عزة:

وإني وتهيامي بعزة بعدماتخليت عما بيننا وتخلت
للشاعر عدنان الصائغ، من قصيدة «كل شيء هادئ تماماً في ظهيرة البصرة»

لكالمرتجى ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت

وما أصبحت أمنيتي إلا في لقائك، فليت النأي هتك بيني وبينك، ورقعتي هذه وقد دارت زجاجات أوقعت بعقلي ولم تتحيفه، وبعثت نشاطاً حركني للكتاب إليك، فرأيك في إمطاري سروراً بسار خبرك إذ حرمت السرور بمطر هذا اليون، موفقاً إن شاء الله.

فكتب إليه الحسن بن وهب: وصل كتابي الأمير أيده الله وفمي طاعم ويدي عاملة، فلذلك تأخر الجواب قليلاً، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما استحق ذماً لأنه إذا أشمس حكى حسنك وضياءك، وإذا أمطر حكى جودك وسخاؤك، وإذا غام أشبه ظلك وفناءك، وسؤال الأمير عني نعمة من نعم الله ﷿ علي. يعفي بها آثار الزمان الشيء عندي، وأنا كما يحب الأمير صرف الله الحوادث عنه، وعن حظي منه.

وقال علي بن الجهم:

أما ترى اليوم ما أحلى شمائلهصحو وغيم وإبراق وإرعاد
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
كأنه أنت يا من لا شبيه لهوصل وهجر وتقريب وإبعاد
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وكتب بعض أهل العصر، وهو السري الموصلي إلى بعض إخوانه بقوله:

يوم رذاذ ممسك الحجبيضحك فيه السرور من كثب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «يوم رذاذ ممسك الحجب»
ومجلس أسبلت ستائرهعلى شموس البهاء والحسب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «يوم رذاذ ممسك الحجب»
وقد جرت خيل راحنا خببافي حلبها أو هممت بالخبب
والتهبت نارنا فمنظرهايغنيك عن كل منظر عجب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «يوم رذاذ ممسك الحجب»
إذا ارتمت بالشرار واطردتعلى ذارها مطارد اللهب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «يوم رذاذ ممسك الحجب»
رأيت ياقوتة ممسكةتطير عليها قراضة الذهب
فانهض إلى المجلس الذي ابتسمتعنه رياض الجمال والأدب

ومن ملح ما قيل في النار قول أبي الفرج الببغاء:

فحم قدم الغلام فأدلىمن كونينه حياة النفوس
كان كالأبنوس غير محلىفغدا وهو مذهب الأبنوس
للشاعر الببغاء، من قصيدة «فحما قدم الغلام فأهدى»
لقي النار في ثياب حدادفكسته مصبغات عروس
للشاعر الببغاء، من قصيدة «فحما قدم الغلام فأهدى»

وقال ابن وكيع:

وقر قد طردت بنار راحعضدت جنودها بوقود نار
لها شرر كأن الريح منهمبددة نثاراً من بهار

وقال الأمير الميكالي:

كأن الشرار على نارناوقد راق منظرها كل عين
للشاعر الميكالي، من قصيدة «كأن الشرار على نارنا»
سحالة تبر إذا ما علافإما هوى ففتات اللجين
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

ومن ألفاظ أهل العصر في الاستدعاء إلى الأنس: نحن في مجلس أبت راحته أن تصفو أو تتناولها يمناك، وأقسم غناؤه لا طاب أو تعيه أذناك، فأما خدود نارنجه فقد احمرت خجلاً لإبطائك، وأما عيون نرجسه، فقد حدقت تأميلاً للقائك، [و] نحن لغيبتك كعقد قد ذهبت واسطته، وشباب قد أخذت جدته، وإذا غابت شمس السماء عنا، فلا بد أن تدنو شمس الأرض منا، فإن رأيت أن تحضر لتتصل الواسطة بالعقد، ونحصل بقربك في جنة الخلد، وتسهم لنا في لقائك الذي هو قوت النفس، ومادة الأنس فعلت، فأنت ممن ينظم به شمل الطرب، ويبلغ بلقائه كل أرب، فكن إلينا أسرع من السهم إلى ممره، والماء إلى مقره، وجشمن إلينا قدمك، واخلع علينا كرمك.

وقال أبو الفتح البستي:

رب يوم للعيش فيه رفاغولكأس السرور فيه مساغ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «رب يوم للعيش فيه رفاغ»
قد فرغنا للهو فيه وللشرب وما للكؤوس فيه فراغ
وعند حر له قلائد في الأعناقمن جوهر الأيادي تصاغ
عندنا للبخور غيم وللماورد طش وللغوالي رداغ

وقال أيضاً: قد نظمنا السرور في عقد أنس=وجعلنا الزمان للهو سلكا

وفضضنا الدنان في يوم ثلجعزل الغي فيه رشداً ونكسا
فكأن السماء تنخل كافوراً ونحن نفتق مسكا

وأبو الفتح [البستي] القائل:

أفد بطبعم المكدود بالهم راحة=براح وعلله بشيء من المزح

ولكن إذا أعطيته المزح فليكنبمقدار ما تعطي الطعام من الملح
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «أفد طبعك المكدود بالجد راحة»

وشعر أبي الفتح ينم عن تصرفه في العلم، كقوله: ?لئن عجزت عن شكر برك قوتي=وأوى الورى عن شكر برك عاجز

فإن ثنائي واعتقادي وطاعتيلأفلاك ما أوليتنيه مراكز
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لئن عجزت عن شكر برك قوتي»

وقاله أيضاً:

إذا غدا ملك باللهو مشتغلاًفاحكم على ملكة بالويل والحرب
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إذا غدا ملك باللهو مشتغلا»
أما ترى الشمس في الميزان هابطةلما غدا وهو برج اللهو الطرب

وقال أيضاً:

شرف الوغد بوغد مثلهمثل ما فيه زيغ وخلل
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «شرف الوغد بوغد مثله»
ودليل الصدق فيما قلتهشرف المريخ في بيت زحل
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «شرف الوغد بوغد مثله»

وقال أيضاً:

لئن كسفونا بلا علةوفازت قداحهم بالظفر
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لئن كسفونا بلا علة»
فقد يكسف المرء من دونهكما يكسف الشمس جرم القمر
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لئن كسفونا بلا علة»

وقال أيضاً:

لا يغرنك أنني لين اللم?س فعزمي إذا انتضيت حسام
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لا يغرنك أنني لين اللم»
أنا كالورد فيه راحة قومٍثم للأخرين فيه زكام

وقال أيضاً:

وقد يلبس المرء خز الثيابومن تحتها حالة مضنية
كمن يكتسي خده حمرةوعلتها ورم في الرية
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «رأوا بزتي فقضوا أنني»

وشعره في هذه الأسباب وغيرها من الأبواب، يخرج عن حد الكتاب. وله في الفن الذي كثر في أهل العصر من تجنيس الشعر كقوله:

إن أسيافنا الغضاب الدواميصيرت ملكنا قرين الدوام
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إن أسيافنا الغضاب الدوامي»
باقتسام الأموال من وقت سامواقتحام الأهوال من وقت حام

وله فيه أيضاً:

إن هز أقلامه يوماً ليعملهاأنساك كل كمي هو عامله
وإن أقر على رق أناملهأقر بالرق كتاب الأنام له
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إن سل أقلامه يوما ليعملها»

ولأبي الفضل الميكالي في هذا النوع قوله:

أفدي غزالاً حماه قصركجنة قد حوت نعيما
طرقته لا أهاب سوءاًأباحني حبه الحريما
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أهلا بظبي حماه قصر»
فجاد من فيه لي براحشفى حريقاً به مقيما
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أهلا بظبي حماه قصر»
أفدي حريقاً أباح ريقاًلا بل حريماً أباح ريما
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أهلا بظبي حماه قصر»

قال مسلم بن عبد الله بن جندب الهذلي: خرجت أريد العقيق، ومعي زيان السواق، فلقينا نسوة لم أر أجمل منهن، فيهن امرأة فرعتهن طولاً [وكمالاً، وبرعتهن ظرفاً وجمالاً] فأنشد ريان بيني أبي، وهما:

ألا ياعباد الله هذا أخوكمقتيل فهل منكم له اليوم ثائر
خذوا بدمي إن مت كل خريدةمريضة جفن العين، والطرف ساحر
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «خذوا بدمي إن مت كل خريدة»

ثم قال لي: شأنك بها يا بن الكرام، فالطلاق لي لازم إن لم يكن دم أبيك في نقابها، فأقبلت علي، وقالت: أأبوك ابن جندب؟ قلت: نعم، فقالت: إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم نفسك، واحتسب أباك.

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قال رجل من [بني] فزارة لرجل من [بني] عذرة: تعدون موتكم في الحب مزية، وإنما ذلك من ضعف البنية، ووهن العقل، وعجز الروية. فقال العذري: أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج، ترشق بالأعين الدعج، من فوقها الحواجب الزج، والشفاه السمر، تفتر عن الثنايا الغر، كأنها سرد الدر، لجعلتموها اللات والعزى ورفضتم الإسلام وراء ظهوركم.

وقال أعرابي: دخلت بغداد فرأيت بها عيوناً دعجاً، وحوجب زجاً، يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب.

وقال أعرابي في امرأة ودعها:" والله ما رأيت دمعة ترقرق من عين بإثمد على ديباجة خد، أحسن من عبرة أمطرتها عينها، فأعشب لها قلبي.

وذكر أعرابي امرأة فقال: تلك شمس باهت الأرض بها شمس سمائها، وليس لي شفيع إلى اقتضائها، ولي نفس كتوم لدائها، ولكنها تفيض على امتلائها أخذه [أبو تمام] الطائي فقال:

شكوت وما الشكوى لمثلي بعادةولكن تفيض النفس عند امتلائها

ووصف أعرابي نساء فقال: ظعائن في سوالفهن طول، غير قبيحات العطول، إذا مشين انتعلن الذيول، وإذا ركبن أثقلن الحمول.

وقال أبو العباس بن الحسن العلوي:

صادتك من عين القصوربيض أوانس في الخدور
حور تحور إلى صباك لأعين منهن حور
وكأنما برضابهن جنى الرحيق من الخمور
يصبغن تفاح الخدود بماء رمان النحور

وقال بعض البغداديين:

لو ذقت صيد ظباء القصورلأنسيت صيد ظباء الفلاة
ظباء مراتعها في القلوبومشربها من لذيذ الحياة

وقال ابن الرومي:

تعنت بالمسواك أبيض صافياًتكاد عذارى الدر منه تحدر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعنت بالمسواك أبيض صافيا»
وما سر عيدان الراك بريقهاتأودها في أيكها تتهصر
لئن عدمت سقيا الثرى إن ريقهالأعذب من هاتيك سقياً وأخصر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تُعنِّتُ بالمسواكِ أبيضَ صافياً»
وما ذقته إلا بشيم ابتسامهاوكم مخبر يبديه للعين منظر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعنت بالمسواك أبيض صافيا»
بدا لي وميض شاهد أن صوبهغريض وما عندي سوى ذاك مخبر
ولا عيب فيها غير أن ضجيعهاإن لم تصبه الساهرية يسهر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعنت بالمسواك أبيض صافيا»
تذود الكرى عنه بنشر كأنماتضوعه مسك ذكي وعنبر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعنت بالمسواك أبيض صافيا»
وما تعتريها آفة بشريةمن النوم إلا أنها تتحير
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعنت بالمسواك أبيض صافيا»
وغير عجيب طيب أنفاس روضةمنورة باتت تراح وتمطر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعنت بالمسواك أبيض صافيا»
كذلك أنفاس الرياض بسحرةتطيب وأنفاس الورى تتغير

وقال:

ألا ربما سؤت الغيور وساءنيوبات كلانا من أخيه على وحر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا ربما سؤت الغيور وساءني»
وقبلت أفواهاً عذاباً كأنهاينابيع خمر حصبت لؤلؤ النحر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا ربما سؤت الغيور وساءني»

وقال أيضاً

تعلك ريقاً يطرد النوم بردهويشفي القلوب الحائمات الصواديا
وهل ثغب حصباؤه مثل ثغرهايصادف إلا طيب الطعم صافيا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعللت ريقا يطرد النوم برده»

وقال ابن المعتز بالله:

بأبي خليلاً كنت أعهده[لي] واصلاً فأزور جانبه
عبق الكلام بمسكةٍ نفحتمن فيه ترضي من يعاتبه
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «زار الخيال وصد صاحبه»

وقال ابن الرومي:

يا رب ريق بات بدر الدجىيمجه بين ثناياكا
يروي ولا ينهاك عن شربهوالماء يرويك وينهاكا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا طيب ريق بات بدر الدجى»

وقال ابن وكيع:

ريق إذا ما ازددت من شربهرياً ثناني الري ظمآنا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
كالخمر أروى ما يكون الفتىمن شربها أعطش ما كانا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

وقال ابن الرومي يصف نساء:

إذا لبسن خلاخلاًأكذبن أسماء الخلاخل
تأبى تخلخلهن سوق مرجحنات خوادل

وقال غيره:

استكتمت خلخالها ومشتتحت الظلام به فما نطقا
حتى إذا ريح الصبا نسمتملأ العبير بسرها الطرقا

وأنشد أبو الحسين أحمد بن فارس في مثل هذا [المعنى]:

رب قول من سعاد لناقد حفظناه وقد نفعا
أملي لا تأت في قمرلحديث وراقب الدرعا
وتوق الطيب ليلتناإنه واش إذا سطعا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي لا تأت في قمر»

وقال ابن الرومي:

صدورهن فوقهن حقاق عاجودر زانه حسن اتساق
يقول القائلون إذا رأوهاأهذا الدر من هذي الحقاق
[وما تلك الحقاق سوى ثديقدرن من الحقاق على وفاق]
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «صدور فوقهن حقاق عاج»
[نواهد لا يعد لهن عيبسوى بعد المحب من العناق]
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «صدور فوقهن حقاق عاج»

أخذه من قول عبد الله بن أبي السمط:

كأن الثدي إذا ما بدتوزان العقود بهن النحورا
حقاق من العاج مكنونةحملن من الدر شيئاً يسيرا

ولأهل العصر في أوصاف النساء: هي روضة الحسن، وضرة الشمس، وبدر الأرض، بدر التم يضيء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها، لها ثغر كالدر يجمع الضريب والضرب. أعلاها كالغصن ميال، وأسفلها كالدعص منهال، لها عنق كإبريق اللجين، وسرة كمدهن العاج. نطاقها مجدب، وإزارها مخصب، مطلع الشمس من وجهها، [ومنبت الدر من فيها، وملتقط الورد من خدها]، ومنبع السحر من طرفها، ومبادئ الليل من شعرها، ومغرس الغصن في قدها، ومهيل الرمل في ردفها.

وكتب الأمير عبيد الله بن أحمد الميكالي إلى أبي القاسم الداودي جواباً عن كتاب ورد عليه، منه:

وقفت على ما أتحفني به الشيخ: من نظمه الرائق البديع، وخطه المزري بزهر الربيع، موشحاً بغرر ألفاظه التي لو أعيرت حليها لعطلت قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسمت حلاوتها لأعذبت موارد البحور، فسرحت طرفي منها في رياض جلتها سحائب العلوم والحكم، وهب عليها نسيم الفضل والكرم، وابتسمت عنها ثغور المعالي والهمم، ولم أدر وقد حيرتني أصنافها، وبهرتني نعومتها وأوصافها، حتى كستني اهتزازاً وإعجاباً، فأنشأت بيني وبني التماسك ستراً وحجاباً، أدهتني بها نشوة راح؟ أم ازدهتني لها نخوة ارتياح؟ وانتظم عندي منها عقد ثناء وقريض؟ أم قرع سمعي بها غناء "معبد" و"غريض" وكيفما كان فقد حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب والأسماع، فما من جارحة [إلا] وهي تود لو كانت أذناً تلتقط درره وجواهره، أو عيناً تجتلي مطالعه ومناظره أو لساناً يدرس محاسنه ومفاخره.

وله إلى أبي منصور بن عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي كتابي وأنا أشكو إليك شوقاً لو عالجه الأعرابي لما صبا إلى رمل عالج، أو كابده الخلي لانثنى على كبد ذات حرق ولواعج، وأذم زماناً يفرق فلا يحسن جمعاً، ويخرق ولا ينوي رقعاً، ويوجع القلوب بتفريق شمل ذوي الوداد، ثم يبخل عليها بما يشفي غليل الصدر والأكباد، قاسي القلب فلا يلين لاستعطاف، جائر الحكم فلا يميل إلى إنصاف، وكم استعدي على صرفه وأستنجد، وأتلظى غيظاً عليه وانشد:

متى وعسى يثني الزمان عنانهبعثرة حال والزمان عثور
فتدرك آمال وتقضي مآربوتحدث من بعد الأمور أمور
للشاعر أبو زيد الفازازي، من قصيدة «أغيب وعندي بالوفاء حضور»

وكلا، فما على الدهر عتب، ولا له إلى أهله ذنب، وإنما هي أقدار تجري كما شاء مجريها، وتنفذ كالسهام إلى مراميها، فهي تدور بالمكروه والمحبوب، على الحكم المقدور [و] المكتوب، لا على شهوات النفوس، وإرادات القلوب، وإذا أراد الله تعالى أذن في تقريب النازح وتسهيل الصعب الجامح، فيعود الأنس بلقاء الإخوان كأتم ما لم يزل معهوداً، ويجدد للمذاكرة والمؤانسة رسوماً وعهوداً، إنه لقادر عليه، والملي به.

وزار أبا منصور الثعالبي، فكتب إليه أبو منصور بقوله:

لا زال مجدك للسماك رسيلاًوعلو جدك بالخلود كفيلا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
يا غرة الزمن البهيم إذا غداهذا الورى لزمانهم تحجيلا
يا زائراً مدت بدائع فضلهظلاً علي من الجمال ظليلا
وأتت بصوب جواهر من لفظهحتى انتظمن لمفرقي إكليلا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
بأبي وغير أبي هلال نورهيستعجل التسبيح والتهليلا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
نقشت حوافر طرفه في عرصتينقشاً محوت رسومه تقبيلا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
ولو استطعت فرشت مسقط خطوهبعيون عين لا ترى التكحيلا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
ونثرت روحي بعد ما ملكت يديوخررت بين يدي هواه قتيلا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

وأبو منصور قريع دهره، وفريد عصره، وله مصنفات كتب في العلم والأدب، تشهد له بأعلى الرتب، وكل ما أحكيه من ألفاظ أهل العصر غير منسوب إلى قائله، فمستخرج من تأليفه، مأخوذ من تصنيفه، وفيه يقول [أبوالفتح] البستي:

قلبي رهين بنيسابور عند أخما مثله حين تستقرى البلاد أخ
للشاعر أبو سليمان الخطابي، من قصيدة «قلبي رهين بنيسابور عند أخ»
له صحائف أخلاق مهذبةمنها الحجى والعلا والظرف ينتسخ

ومن مليح شعر [أبي الفضل] الميكالي قوله:

أقول لشادن في الحسن فرديصيد بلحظه قلب الكمي
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»
ملكت الحسن أجمع في نظامفأد زكاة منظرك البهي
وذلك أن تجود لمستهامبرشف من مقبلك الشهي
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»
فقال أبو حنيفة لي إماموعندي لا زكاة على الصبي
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»
[فإن تك مالكي الرأي أو منيرى رأي الإمام الشافعي]
[فلا تك طالباً مني زكاةفإخراج الزكاة على الولي]

ومن أشعاره الفقهية قوله:

بنفسي غزال صار للحسن قبلةتحج من الفج العميق وتقصد
دعاني الهوى فيه فلبيت طائعاًوأهللت بالإخلاص والسعي يشهد
للشاعر الميكالي، من قصيدة «بنفسي غزال صار للحسن كعبة»
فطرفي بالتسهيد والدمع قارنوقلبي فيه بالصبابة مفرد

وقال أبو الفتح كشاجم:

فديت زائرة في العيد واصلةوالهجر في غفلة عن ذلك الخبر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «فديتِ زائرة ً في العيدِ واصلة ً»
فلم يزل خدها ركناً أطوف بهوالخال في خدها في موضع الحجر

وقال عمر بن علي المطوعي: أراد الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله بن أحمد، أدام الله فضله، أيام مقامه "بجوين" أن يطلع إلى قرية من قرى ضياعه تدعى "تجاب"، على سبيل التنزه والتفرج، وكنت من جملة من استصحبه إليها، واتفق أنا وصلنا والسماء مصحية، والجو صاف، ولم يطرز ثوبه بعلم الغمام، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب، فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع، متسقة الأوراق والغصون، قد سترت ما حولها من الأرض طولاً وعرضاً، فنزلنا تحتها مستظلين بسماوة أفنانها، مستترين من وهج الشمس بستارة أغصانها، وأقبلنا نتجاذب أذيال المذاكرة، ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة، فما شعرنا إلا بالسماء قد أرعدت وأبرقت، وأظلمت بعدما أشرقت، وجادت بمطر كأفواه القرب، فأجادت، وحكت أنامل الأجواد وأعين العشاق، بل أربت عليها وزادت، حتى كاد غيثها أن يعود عيثا، وهم وبلها [أن] يستحيل وبالاً، فصبرنا على أذاها، وقلنا: "سحابة صيف عن قريب تقشع"، فإذا نحن بها قد أمطرتنا برداً كالثغور، لكنها ثغور العذاب، لا من ثغور العذاب، فأيقنا البلاء وسلمنا لأسباب القضاء، فما مرت غلا ساعة من النهار حتى سمعنا خرير الأنهار، ورأينا السيل قد بلغ الزبى، والماء قد بلغ القيعان والربا. فملنا إلى حصن القرية لائذين من السيل بأفنيتها، عائذين من القطر بأبنيتها، وأثوابنا قد صندل كافوريها ماء الوبل، وغلف طرازيها طين الوحل، ونحن نحمد الله على سلامة الأبدان، وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان، ونشكره على نجاة الأنفس والرواح، شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح، فبتنا تلك الليلة في سماء تكف ولا تكف، وتبكي إلى الصباح بأدمع هوام، وأربعة سجام، فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام، وصرف بوالي الصحو عامل الغمام، رأينا صواب الرأي أن نوسع الإقامة [بها] رفضاً ونتخذ الارتحال فرضاً، فما زلنا نطوي الصحاري أرضاً فأرضاً، إلى أن وافينا المستقر ركضاً، فلما نفضنا غبار ذلك المسير، الذي جمعنا في ربقة الأسير، وأفضينا معه إلى ساعة التيسير، بعدما صلينا منه [بالأمس] بالأمر [الصعب] العسير، وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقة، وفي قطع ذلك الطريق، وطي تلك الشقة، أخذ [مولانا] الأمير القلم فعلق [هذه الأبيات] ارتجالاً:

دهتنا السحاب غداة التجاببغيم على أفقه مسبل
فجاء برعد له رنةكرنة ثكلى ولم يثكل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
وثنى بوبل عدا طورهفعاد وبالاً على الممحل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
وأشرف أصحابنا من أذاهعلى خطر هائل معضل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
فمن لائذ بفناء الجداروآو إلى نفق مهمل
ومن مستجير ينادي: الغريقهناك، ومن صارخ معول
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
وجادت علينا سماء السقوفبدمع من الوجد لم يهمل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
كأن حراماً لها أن ترىيبيساً من الأرض لم يبلل
وأقبل سيل له روعةفأدبر كل من المقبل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
يقلع ما شاء من دوحةوما يلق من صخرة يحمل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
كأن بأحشائه إذ بداأجنة حمل ولم يحبل
فمن عامر رده غامراًومن معلم عاد كالمجهل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
كفانا بليته ربناوقد وجب الشكر للمفضل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
فقل للسماء ارعدي وابرقيفإنا رجعنا إلى المنزل

أخذ المطوعي قوله: "فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام" من قول أبي الفتح البستي:

رب ليل أغمد الأنوار إلانور ثغر أو مدام أو ندام
قد نعمنا بدياجيه إلى أنسل سيف الصبح من غمد الظلام
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «رب ليل أغمد الأنوار إلا نور»

وقوله "كاد غيثها يعود عيثا" من قوله [أيضاً]:

لا ترج شيئاً خالصاً نفعهفالغيث لا يخلو من العيث
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لا ترج شيئا خالصا نفعه»

وقال الميكالي في بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته على بهو مطل عليها:

أما ترى البركة الغراء قد لبستنوراً من الشمس في حافاتها سطعا
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أما ترى البركة الغراء قد لبست»
والبهو من فوقها يلهيك منظرهكأنه ملك في دسته ارتفعا
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أما ترى البركة الغراء قد لبست»
والماء من تحتها ألقى الشعاع علىأعلى سماوته فارتج ملتمعا
كأنه السيف مصقولاً تقلبهكف الكمي إلى ضرب الكمي سعى
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أما ترى البركة الغراء قد لبست»

ومن ظريف ما [في] وصف الماء قول ابن المعتز بالله، وذكر إبلاً:

فتبدى لهن بالنجف المقفر ماء صافي الجمام عري

يتمشى على حصى يسلب الماء قذاه فمتنه مجلي
وإذا ضاحكته ذرة شمسخلته كسرت عليه الحلي

وقال يصف منزلاً:

لا مثل منزلة الدويرة منزليا دار جادك وابل وسقاك
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «بخلا بهذا الدهر لست أراك»
بؤساً لدهر غيرتك صروفهلم يمح في قلبي الهوى ومحاك
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «بخلا بهذا الدهر لست أراك»
لم يحل للعينين بعدك منظرذم المنازل كلهن سواك
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «بخلا بهذا الدهر لست أراك»
أي المعاهد منك أندبل طيبهممساك ذا الآصال أم مغداك
أم برد ظلك ذي الغصون ذوي الندىأم أرضك الميثاء أم رياك
وكأنما سطعت مجامر عنبرأوفت فأر المسك فوق ثراك
وكأنما أيدي الربيع ضحيةنشرت ثياب الوشي فوق رباك
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «بخلا بهذا الدهر لست أراك»
كأن درعاً مفرغاً من فضةماء الغدير جرت عليه صباك

وقال ابن الرومي:

وماء جلت عن حر صفحته القذىمن الريح معطار الأصائل والبكر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وماء جلت عن حر صفحته القذى»
به عبق مما تسحب فوقهنسيم الصبا يجري على النور والزهر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وماء جلت عن حر صفحته القذى»

وقال أبو بكر أحمد بن محمد الضبي الصنوبري:

سقى حلباً سافك دمعهبطيء الرقوء إذا ما سفك
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
ميادينها بسطهن الرياضوساحاتها وسطهن البرك
ترى الريح تنسج من مائهادروعاً مضاعفة أو شبك
كأن الزجاج عليها أذيبوماء اللجين بها قد سبك
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
هي الجو في رقة غير أنمكان الطيور تطير السمك
وقد نظم الزهر نظم النجومفمفترق النظم أو مشتبك
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
كما درج الماء مر الصباودبج وجه السماء الحبك
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
يباهين أعلام قمص القيانونقش عصائبها والتكك
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً:

ولقد طربت إلى الفرات بكل ذي كرم ومجد
والشمس عند غروبهاصفراء مذهبة الفرند
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
والماء حاشيتاه خض?راوان من آس ورند
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
تحبوه أيدي الريح إنهبت على قرب وبعد
للشاعر البحتري، من قصيدة «والماء حاشيتاه خضــ»
بطرائق من فضةوطرائق من لازورد
للشاعر البحتري، من قصيدة «والماء حاشيتاه خضــ»
والسفن كالطير انبرتفي الجو من مثنى وفرد
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
حتى إذا جزر الفرات مضى وأعقبه بمد
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
ألفيته وكأنهملقى عليه رداء ورد
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
متململاً كالصب أوذن من أحبته بصد
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
وكأن ما يخشاه مابحشاي من قلق ووجد

وقال يصف دجلة، وقد طرحت النجوم والبدر أجرامها عليها:

ولما تعالى البدر وامتد ضوؤهبدجلة في تشرين بالطول والعرض
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
وقد قابل الماء المفضض نورهوبعض نجوم الليل يقفو سنى بعض
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
توهم ذو العين البصيرة أنهيرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

ولأهل العصر في هذه المعاني: قال ابن وكيع التنيسي:

خذها بكفي فاتر الجفونمدامة كدمعة المحزون
على غدير أملس المتونمثل فرند الصارم المسنون
أمواجه كعكن البطونذي زردٍ كالؤلؤ الموضون

كسلخ إيم أو كمسك نون

وقال [أيضاً]

غدير يدرج أمواهههبوب الشمال ومر الصبا
إذا الشمس من فوقه أشرقتتوهمته جوشناً مذهبا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «غدير يرجرج أمواجه»

وقال أيضاً:

سقاني كأس الراح شاطئ جدولتداريجه يحكين بطنا معكنا
إذا صافحته راحة الريح خلتهبتكسيرها إياه ثوباً معينا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، من قصيدة «سقاني كأس الراح شاطيء جدول»

وقال علي بن محمد الإيادي التونسي يصف دار البحر:

ولما استطال المجد واستولت البنىعلى النجم وامتد الرواق المروق
بنى قبة للملك في وسط جنةلها منظر يزهي به الطرف موتق
بمعشوقة الساحات أما غراسهافحضر وأما طيرها فهي نطق
تحف بقصر ذي قصور كأنماترى البحر في أحشائه وهو متأق
لها بركة للماء ملء فضائهتخب بقطريها العيون وتعنق
لها جدول فيها كأنهحسام جلاه القين بالأرض ملتصق
لها مجلس قد قام وسط مائهاكما قام في فيض الفرات الخورنق
كأن صفاء الماء فيها وحسنهزجاج صفت أحشاؤه فهو أزرق
إذا بث الليل أشخاص نجمهرأيت وجوه الماء بالنار تحرق
وإن صافحتها الشمس لاحت كأنهافرند على تاج المعز رونق
كأن شرافات المقاصير حولهاعذارى عليهن الملاء المنطق
يذوب الجفاء الجعد عن وجه مائهاكما ذاب آل الصحصحان المرقرق

وقال عبد الكريم ابن إبراهيم النهشلي:

يا رب فتيان صدق رحت بينهموالشمس كالدنف المشغوف في الأفق
للشاعر عبد الكريم النهشلي، اقرأ القصيدة
ومرضة أصائلها حسرى شمائلهاتروح الغصن الممطور في الورق
معاطياً شمس إبريق إذا مزجتتقلدت عقد مرجان من النزق
للشاعر عبد الكريم النهشلي، اقرأ القصيدة
عن ماحل طافح بالماء معتلجكأن نقيته صيغت من الحدق
تضمه الريح أحياناً وتفرقهفالماء ما بين محبوس ومنطلق
للشاعر عبد الكريم النهشلي، اقرأ القصيدة
من أخضر ناضر والطل يلحقهوأبيض تحت قبطي الضحى يقق
للشاعر عبد الكريم النهشلي، اقرأ القصيدة
تهزه الريح أحياناً فيمنحهاللزجر خفق الفؤاد العاشق القلق
للشاعر عبد الكريم النهشلي، اقرأ القصيدة
كأن حافاته نطقن من زبدمناطقاً رصعت من لؤلؤ نسق
للشاعر عبد الكريم النهشلي، اقرأ القصيدة
كأن قبته في سندس نمطحسناء مجلوة اللبات والعنق
إذا تبلج فجر زرقتهاحسبته فرساً دهماء في بلق
أو لازورداً غدا في متنه ذهبفلاح في شارق مت مائه شرق
عشية كملت حسناً وأسعدهاليل يمدد أطناباً على الأفق
تجلى بغرة وضاح الجبين لهما شئت من حسب زاك ومن خلق
للشاعر عبد الكريم النهشلي، اقرأ القصيدة

قال محمد بن مخلد الكاتب: لزمت أبا الحسن علي بن محمد بن الفران، أغدوا وأروح إلى بابه لأحظى بطائل، ولا أصل إلى تصريف ولا نائل، حتى برمت نفسي، فرأيت هاتفاً في المنام يقول لي:

يا أيها المكثر في المطالباهجر تصاريف المنى الكواذب
إذا أتى وقت القضاء الغالببادرت الحاجات كف الطالب

فتركت المصير إليه، فلم يمض إلا أسبوع حتى تقلد أبو محمد حامد بن العباس الوزارة فقلدني خلافته، فتابت نفسي، وثابت حالي.

قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: أنشدني إسماعيل بن إسحاق القاضي هذه الأبيات:

لا تعتبن على النوائبفالدهر يرغم كل عاتب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
واصبر على حدثانهإن الأمور لها عواقب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
ولكل صافية قذىولكل خالصة شوائب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
والدهر أولى ما صبرت له على رنق المشارب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
كم فرحة مطويةلك بين أثناء النوائب
ومسرة قد أقبلتمن حيث تنتظر المصائب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

قال القاضي: ما عرض لي هم فادح، فذكرت هذه البيات إلا رجوت من روح الله ﷿ [من الفرج] ما يفك عقالي، وينعم بالي، ثم تزول عاقبة ما أحذره إلى فاتحة ما أوثره.

كتب بديع الزمان إلى شمس المعالي، وقد شاقه حضرته: لم تزل الآمال أطال الله بقاء مولاي الأمير السيد شمس المعالي وأدام سلطانه تعدني هذا اليوم، والأيام تمطلني بألسنة صروفها على اختلاف صنوفها، بين حلو استخفني، ومر أشرقني، وشر صار إلي، وخير صرت إليه، وأنا في خلال هذه الأحوال أرتع الآفاق، فأكون مشرقاً للمشرق الأقصى، وطوراً مغرباً للمغرب، ولا مطمع إلا في حضرته الرفيعة، وسدته المنيعة، ولا وسيلة إلا المنزع الشاسع، والأمل الواسع، وقد صرت أطال الله بقاء مولانا، بين أنياب النوائب، وتجشمت هول الموارد والمطالب، وركبت أكناف المكاره، ورضعت أخلاف العوائق، ومسحت أطراف المراحل، حتى حضرت الحضرة البهية أو كدت، وبلغت الأمنية أو زدت، وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبسط من عنان الفضل بتمكين خادمه من المجلس يلقاه بيده، والبساط يلثمه بفمه الرأي العالي إن شاء الله تعالى.

وله إلى سهل بن محمد بن سليمان يسأله عن حاجة بعد انقطاعه عنه: أنا إذا طويت اليوم عن خدمة مولاي أطال الله بقاءه لم أرفع بصري، ولم أعده من عمري، وكأني به إذا أغفلت عن مفروض خدمته، من قصد حضرته، والمثول في جملة حاشيته، وحملة غاشيته، يقول: إن هذا الجائع لما شبع وتمشيع، وتجلل وتبرقع، تربع وترفع، فما يطور بهذا الجناب، ولا يظهر بهذا الباب، وأنا الرجل الذي آواه من قفر، وأغناه من فقر، وآمنه من خوف، إذ لا حر بوادي عوف، حتى إذا وردت رقعتي عليه هذه، وأعارها طرف كرمه، وظرف شيمه، ونظر في عنوانها في اسمي، قال: بعداً وسحقاً، وسباً وتباً، وحتاً ونحتاً، وطعناً ولعناً، فما أكدر شراب أخلاقه، وأكثر سراب نفاقه، والآن انحل من عقدته، وانتبه إلى رقدته، وكاتبني يستعيدني، كلا لا أزوجه الرضى ولا كرامة، ولا أمنحه المنى ولا قلامة، سأدعه [يركب رأسه، فستأتيني به] الليالي والكيس الخالي، ثم أزنه بميزان قدره، وأذيقه وبال أمره، حتى إذا بلغ موضع الحاجة قال: مأربة به لا حفاوة، ووطر ساقه لا نزاع شاقه، وهذا هذاء، أنا لا أبعد عن تلك الهمم العالية، والأخلاق السامية، أن يقول: مرحباً بالرقعة وكاتبها، وأهلاً بالمخاطبة وصاحبها، وحاجتي الرقعة التي سالت إلى ما التمست، بما طلبت كما اقترحت، فرأيه فيها موفقاً إن شاء الله تعالى.

وكتب إلى مستمنح عاوده مراراً: مثل الإنسان في الإنسان مثل الأشجار في الإثمار، سبيل من أتى بالحسنة، أن يرفه إلى السنة وأنا كما ذكرت لا أملك غير عضوين من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما اليد فتولع بالجود، وأما الفؤاد فيعلق بالوفود، ولكن هذا الخلق النفيس لا يساعده الكيس، ولا قرابة بين الأدب والذهب، فلم جمعت بينهما [في النسب] ؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، ولي مع الأدب نادرة، قد جهدت بالطباخ، أن يطبخ [لي] جيمية الشماخ، لوناً فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع أدب الكتاب فلم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت ألفي ومئتي بيت من شعر الكميت، فلم تغن، ولو وقعت أرجوزة العجاج، في توابل السكباج، لم تنفع، وأنت لا تقنع، فما أصنع، فإن كنت تحسب اختلافك إلي، إفضالاً منك علي، فراحتي ألا تطرق ساحتي، وفرجي ألا تجي، والسلام.

ومن شعره قوله:

وأروع أهداه لي الليل والفلاوحمش تمس الأرض لكن كلا ولا
عرضت على نار المكارم عودهفكان معماً في السوابق مخولا
وخادعته عن ماله فخدعتهوساهلته في بره فتسهلا
ولما تخالينا وأحمد منطقيبلاني في نظم القريض بما بلا
فما هز إلا صارماً حين هزنيولم يلقني إلا إلى السبق أولا
فلم أره إلا أغر محجباًوما تحته إلا أغر محجلا

وله أيضاً:

لعمر الذي ألقى إلي ثيابهلقد ملئت تلك الثياب به مجدا
وقد قمرته راحة الجود بزةوما ضربت قدحاً ولا نصبت نردا
أعد نظراً يا من بناني بنانهولا تدع الأيام تهدمني هدا
وقل للألى إن أسفروا أسفروا ضحىوإن طلعوا في غمة طلعوا وردا
صلوا رحم العليا وبلوا لهاتهاوخير الندى ما سح وابله نقدا

وله يصف خاتماً:

وممنطق من نفسهبقلادة الجوزاء حسنا
متألف من غير أسرته على الأيام خدنا
كمتيم لقي الحبيسب فضمه شغفاً وحزنا
علق سني قدرهلكن من أهداه أسنى

قال وهب بن ناجية الرصافي: كنت أحد من وقعت عليه التهمة في مال مر أيام الواثق، فطلبني السلطان طلباً شديداً، حتى ضاقت علي الرصافة وغيرها فخرجت أريد البادية مرتاداً رجلاً عزيز الجار، منيع الدار، أعوذ به، وأنزل عليه، حتى انتهيت إلى بني شيبان، فدفعت إلى بيت مضروب، وبفنائه فرس مربوط، ورمح مركوز، فدنوت وسلمت، فرد علي نساء من وراء السجف، ثم قالت إحداهن: اطمئن يا حضري، نعم مناخ الضيفان بوأك القدر، ومهدك الصبر، قلت: وأنى يطمئن المطلوب، أو يأمن المرعوب [من] دون أن يأوي إلى جبل يعصمه أو مفزع يمنعه، وقليلاً ما يهجع من السلطان طالبه، والخوف غالبه، قالت: لقد ترجم لسانك عن ذنب كبير، وقلب صغير، وأيم الله لقد حللت بفناء بيت لا يضام فيه أحد، ولا تجوع فيه كبد، هذا الأسود بن قنان، أخواله كعب، وأعمامه شيبان، صعلوك الحي في ماله، وسيدهم في فعاله، له صدق الجوار، وطلب الثأر، ووقود النار، لا ينازع ولا يقارع، وبهذا وصفته أمامة بنت سعد حيث تقول:

إذا شئت أن تلقى فتى لو وزنتهبكل معدي وكل يمان
للشاعر أمامة بنت خزرج، اقرأ القصيدة
وفى بهما جوداً وبأساً وسؤدداًورأياً فهذا الأسود بن قنان
أعز ابن أنثى من معد ويعربوأكرمهم فعلاً بكل مكان
فتى لا ترى في ساحة الأرض مثلهليوم نزال أو ليوم طعان

قلت: لقد أذهبت اللوعة، وسكنت الروعة، فمن لي به، قالت: يا جارية مولاك، فلم تلبث أن عادت وهو معها في جماعة من قومه، فقال: أي المنعمين علينا أنت؟ فسبقت المرأة وقالت: يا أبا المرهف هذا الرجل نبت [به] أوطانه، وأزعجه زمانه، وأوحشه سلطانه، وقد ضمنا له عنك، ما يضمن لمثله عن مثلك، فقال: بل الله فاك، أشهدكم يا بني أبي أن هذا الرجل في جواري وذمتي، فمن أراده فقد أرادني، ومن كاده فقد كادني، ثم أمر ببيت، فضرب إلى جانبه، وقال: هذا بيتك، وهذا مالك، وأنا جارك، وهؤلاء رجالك، فلم أزل بينهم في أعز دار، وأحسن جوار، إلى أن سرت عنهم.

ومدح ألأعرابي قوماً فقال: أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم، فدلت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال وابتاعوا المحامد بالمال.

وقصد أعرابي من بني كلاب رجلاً منهم، يكنى أبا معاذ، فسئل عنه بعد انصرافه فقال: لقد رأيت أبا معاذ خير ملاذ، ولذت منه بأكرم معاذ، وأحمدت بلقائه عاقبة الإغذاذ.

ومن ألفاظ أهل العصر في المدح: فلان مسترضع ثدي المجد، مفترش حجر الفضل، له فضل يشير إليه النجم الثاقب، وتحفظ طرفيه المناقب، له صدر تضيق عنه الدهناء، وتفزع إليه الدهماء، له في كل مكرمة غرة الإيضاح والأوضاح، وفي كل فضيلة قادمة الجناح، له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح، وغرة يترقرق منها ماء الكرم الصريح، وتقرأ منها صحيفة حسن الشيم، يحيي القلوب بلقائه، قبل أن يميت الفقر بعطائه، له خلق لو مزج به [ماء] البحر لنقى ملوحته، وكفى كدورته، وهو غذاء الحياة، ونسيم العيس، ومادة الفضل، وآراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب، له همة تعزل السماك الأعزل، وتجر ذيلها على المجرة، وهو راجح في موازين العدل، سابق في ميادين الفضل، يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن، ينابيع الجود تنفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله، هو بيت القصيدة، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرة التاج، ونقش الفص، وهو ملح الأرض، ودرع الملة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة، هو غرة الزمان، وناظر الإنسان، أخلاق خلقن من الفضل، وشيم تشام بها، بوارق المجد، أرخ الرجال بفضله وعقم النساء عن مثله. البذل منه معتاد، والفضل منه مبدأ ومعاد، ماله للعفاة مباح، وفعاله في ظلمة الدهر مصباح، كأن قلبه عين، وكأن حسه سمع، جوهره من جواهر الشرف، لا من جواهر الصدف، وياقوته من يواقيت الأحرار، لا من يواقيت الأحجار.

ولهم في نقيض ذلك:

فلان عصارة لؤم في قرارة خبث، ألأم مهجة من أسقط جثة، قد ارتضع بلبان اللؤم، وربي في حجر الشر، وفطم عن ثدي الخير، ونشأ في عرصة الخبث، فوته غنيمة، والظفر به هزيمة، صغير القدر، ضيق الصدر، لا أمس ليومه ولا قديم لقومه، وجهه كهول المطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوء، وموت الفجاءة، وجه كقفا الصك، وظلم الشك، ما هو إلا قذى العين، وأذى القلب، وشجى الصدر، وحمى الروح، ريح صيف، وطارق ضيف، يغمض عن الذكر، ويضعف عن الفكر، أقل من تبنة في لبنة، ومن قلامة في قمامة، هو من الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، ومن الدينار صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته، هو تمثال الجهل، وصورة اللؤم، ومقر البخل، حسبانه أغاليط وفعاله تخاليط، سكيت الحلبة وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة، لسانه مقراض الأعراض، هو عيبة العيوب، وذنوب الذنوب.

وقال كشاجم:

صاحب لي ليس فيهفي الذي أشكر خله
وحش وجهاً ومخبوراًوتفصيلاً وجمله
كل من جاراه في مضمار لؤم جاء قبله
للشاعر كشاجم، من قصيدة «صاحب لي ليس فيه»
لابس كبراًَ على مافيه من غدر ومله
ومريد من أباهومهين من أجله
للشاعر كشاجم، من قصيدة «صاحب لي ليس فيه»
فهو كالدينار لا يكرم إلا من أذله
للشاعر كشاجم، من قصيدة «صًًَاحِبٌ لِي ليسَ فيهِ»

قال أحمد بن علي النوفلي: أنشدني أحمد بن أبي طاهر لمحمد بن وهيب الحميري يمدح المعتصم بن رشيد:

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهمشمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
فالشمس تحكيه في الإشراق طالعةإذا تقطع عن إدراكها النظر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
والبدر يحكيه في الظلماء منبلجاًإذا استنارت لياليه به الغرر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
تحكي أفاعيله في كل نائبةالغيث والليث والصمصامة الذكر
فالغيث يحكي ندى كفيه منهمراًإذا استهل بصوب الديمة المطر
وربما صال أحياناً على حنقشبيه صولته الضرغامة الهصر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
والهندواني يحكي عن عزائمهصريمة الرأي منه النقض والمرر
وكلها مشبة شيئاً على حدةوقد تخالف فيها العقل والصور
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
وأنت جامع ما فيهن من حسنفقد تكامل فيك النفع والضرر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
فالخلق جسم له رأس يدبرهوأنت جارحتاه السمع والبصر

ثم قال: ألا أنشدك ما هو أخصر وأيسر في المعنى والوزن والقافية، قلت: بلى، فأنشدني لنفسه، يمدح أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب:

إذا أبو قاسم جادت لنا يدهلم يحمد الأجودان: البحر والمطر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا أبو قاسم جادت لنا يده»
وإن أضاءت لنا أنوار غرتهتضاءل الأنوران: الشمس والقمر
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
وإن أمضى رأيه أو حد عزمتهتأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذراً من خوف سطوتهلم يدر ما المزعجان: الخوف والخطر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا أبو قاسم جادت لنا يده»
كأنه الدهر في نعمى وفي نقمإذا تعاقب منه النفع والضرر
كأنه وزمام الدهر في يدهيرى العواقب ما يأتي وما يذر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا أبو قاسم جادت لنا يده»

ومن قول ابن وهيب: "ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم.. " أخذ أبو القاسم [محمد] بن هانئ قوله يمدح جعفر بن علي:

المدنفان في البرية كلهاجسمي وطرف بابلي أحور
والمشرقات النيرات ثلاثةالشمس والقمر المنير وجعفر
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «المدنفان من البرية كلها»

وبيت ابن هانئ الأول من قول ابن الرومي:

يا عليلاً جعل العللة مفتاحاً لسقمي
شهدت وجنتك الحمراء أن الرغم رغمي
ليس في الأرض عليلغير جفنيك وجسمي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا عليلا جعل العلة»
لك سقم في جفونسقمها أكذب سقم

[و] قال بعض الرواة: أنشدت أعرابياً قول جرير بن عطية الخطفي:

أبدل الليل لا تسري كواكبهأم طال حتى حسبت النجم حيرانا
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط ولو طوعت ما بانا»

فقال: هذا حسن في معناه، وأعوذ بالله من مثله، ولكني أنشدك في ضده من قولي، فأنشدني قوله:

وليل لم يقصره رقادوقصر طوله وصل الحبيب
نعيم الحب أورق فيه حتىتناولنا جناه من قريب
بمجلس لذة لم نقو فيهعلى شكوى ولا عد الذنوب
بخلنا أن نقطعه بلفظفترجمت العيون عن القلوب

قلت: زدني فما رأيت أظرف منك شعراً، فقال: أما من هذا فحسبك، ولكني أنشدك من غيره، فأنشدني:

وكنت إذا علقت حبال قومصحبتهم وشيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهموأجتنب الإساءة إن أساءوا
أشاء سوى مشيئتهم فآتيمشيئتهم وأترك ما أشاء

ومن أقصر ما قيل في الليل قول إبراهيم بن العباس:

وليلة من الليالي الغرقابلت فيها بدرها ببدري
لم تك غير شفقِ وفجرحتى تقضت وهي بكر الدهر
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وقال بعض أهل العصر، وهو أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي:

يا رب ليل سرور خلته قصراًكعارض البرق في أفق الدجى برقا
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
قد كاد يعثر أولاه بآخرهوكاد يسبق منه فجره الشفقا
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
كأنما طرفاه طرف اتفق ال?جفنان منه على الإطراق وافترقا
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة

ومن أطول ما قيل في الليل قول ابن الرومي:

رب ليل كأنه دهر طولاًقد تناهى فليس فيه مزيد
ذي نجوم كأنهن نجوم الش?يب ليست تزول لكن تزيد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رب ليلي كأنه الدهر طولاً»

ومن أجود ما وصف به الليل في الطول والقصر قول سيدوك الواسطي:

عهدي بنا ورداء الوصل يجمعناوالليل أطوله كاللمح بالبصر
فالآن ليلي مذ غابوا فديتهمليل الضرير فصبحي غير منتظر
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

ومن ألفاظ أهل العصر في وصف ليالي الأنس: ليلة من حسنات الدهر، هواؤها صحيح، ونسيمها عليل، ليلة كبرد الشباب، فضية الأديم، مسكية النسيم، ليلة هي لمعة الدهر، وغرة العمر، كالمسك منظراً ومخبراً، ليلة هي باكورة العمر وبكر الدهر، ظلماتها أنوار، وطوال أوقاتها قصار وقال الصنوبري:

وليلة كالرفرف المعلممحفوفة الظلماء بالأنجم
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
تعلق الفجر بأرجائهاتعلق الشقر بالأدهم
جمعت فيها بين خمرين منخمر العناقيد وخمر الفم
تناول الجام يدي من يدموشية الراحة والمعصم
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
شبهت ذوب الراح في جامهاكذوب دينار على درهم

وقال [أيضاً]:

قم فاسقني والظلام منهزموالصبح باد كأنه علم
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
والطير قد طربت فأفصحت الألحان طراً وكلها عجم
وميلت رأسها الثريا لإسرار إلى الغرب وهي تحتشم
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
في الشرق كأس وفي مغاربهاقرط وفي أواسط السما قدم
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

ومن أجمع ما قيل في وصف الثريا وأحسنه قول الحاتمي، وطرف:

وليل أقمنا فيه نعمل كأسناإلى أن بدا للصبح في الليل عسكر
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
ونجم الثريا في السماء كأنهعلى حلة زرقاء جيب مدنر
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة

ومن أبدع ما جاء في وصف النجوم وذكر الليل مع حسن تصرف وقلة تكلف، قول علي بن محمد العلوي:

متى أرتجي يوماً شفاءً من الضنىإذا كان جانيه علي طبيبي
ولي عائدات ضفتهن فجئن فيلباس سواد في الظلام قشيب
نجوم أراعي طول ليلي بروجهاوهن لبعد السير ذات لغوب
خوافق في جنح الظلام كأنهاقلوب معناة بطول وجيب
ترى حوتها في الشرق ذات سباحةوعقربها في الغرب ذات دبيب
إذا ما هوى الإكليل منها حسبتهتهدل غصن في الرياض رطيب
كأن الذي حول المجرة أوردتلتكرع في ماء هناك صبيب
كأن رسول الصبح يخلط في الدجىشجاعة مقدام بجبن هيوب
كأن اخضرار الفجر صرح ممردوفيه لآل لم تشن بثقوب
كأن سواد الليل في ضوء صبحهسواد شباب في بياض مشيب
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
كأن نذير الشمس يحكي ببشرهعلي بن داود أخي ونسيبي
ولولا اتقائي عتبة قلت: سيديولكن يراها من أجل ذنوبي
جواد بما تحوي يداه مهذبأريب غدا خلا لكل أريب
نسيب إخاء وهو غير مناسبقريب صفاء وهو غير قريب
ونسبة أجسام الأقارب وحشةإذا لم يؤنسها انتساب قلوب

وقد أنشدها الصولي لمحمد بن أحمد الأصبهاني في علي بن داؤد بن الجعد، ولما سمع أبو بكر بن دريد خروجه، قال: "والله ما سمعت مثل هذا الخروج قط"، وإنما أخذه من قول مسلم بن الوليد في يحيى بن خالد وجعفر ابنه:

أجدّك ما تدرين أن رب ليلةكأن دجاها من قرونك ينشر
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجدك ما تدرين أن رب ليلة»
نصبت لها حتى تجلت بغرةكغرة يحيى حين يذكر جعفر

والشيء يذكر بما يدانيه في جهة معانيه.

قال كشاجم يذكر سواد الشعر وبياض الفرق:

رنت فأصابت سر قلبي بلحظةلها في الحشا لذع وليس لها جرح
للشاعر كشاجم، من قصيدة «رنت فأصابت سر قلبي بلحظة»
وقد حسرت عن واضح الفرق فاحمكخطي ظلام خط بينهما صبح
للشاعر كشاجم، من قصيدة «رنت فأصابت سر قلبي بلحظة»

وقد ملح بعض أهل العصر، وهو أبو محمد بن مطران، في وصف تمام الشعر، مع ما أضاف إليه من حسن المشي، وملاحة النظر بقوله:

ظباء أعارتها المها حسن مشيهاكما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبلتمواطئ من أقدامهن الضفائر

ومن ألفاظ أهل العصر في وصف الليل والنجوم وما يقارب ذلك ويتعلق به: ليلة قص جناحها، وضل صباحها، ليال ليست لها أسحار، وظلمات لا تتخللها أنوار، ليل اكتحل بمراود الرق، وتقلب على مراقد القلق، النجوم شهود سهوده. طرف برعي النجوم مطروف، وفراش بشعار الهم محفوف، كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نقيب، توقد الشفق في ثوب الغسق، تفتحت أزاهير النجوم، ونورت حدائق الجو، فأذكى الفلك مصابيحه، وطفت النجوم في بحر الدجى، ليلة كغراب الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى.

ليلة كأنها في لباس بني العباس، ليلة قد حلك إهابها، كأن الفجر يهابها، هرم الليل، وشمطت ذوائبه، تقوس ظهره وتصرم عمره. باح الصباح بسره، وخلع الليل ثيابه. وحدر الصبح نقابه. ولت مواكب الكواكب، وتناثرت عقود النجوم. ووهى نطاق الجوزاء. وانطفأ قنديل الثريا.

قال بعض الرواة: خرجت في بعض أسفاري، فوردت على ماء من مياه طيئ، وقد انتجعه قوم حلول بجنباته، فبينا أنا أدور به، إذا بامرأة ورجل، قد تخليا، فعلمت أنهما في عتاب، فوقفت عليهما، وسلمت، فردا علي السلام، وأمسكا عن حديثهما، فقلت: خذا في شأنكما فإني رجل ذو علاقة، ولعل بعض ما يمر يصادف بعض ما أجد، فيسلي قليلاً، فقال لها: بالله أنشديه بعض ما تفاوضنا في يومنا، فأنشدتني:

إذا قربت داري كلفت وإن نأتأسفت فلا للقرب أسلى ولا البعد
وإن وعدت زاد الهوى بانتظارهاوإن بخلت بالوعد مت من الوجد
ففي كل حب لا محالة فرجةوحبك ما فيه سوى محكم الجهد
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «خليلي مرا بي على الأبرق الفرد»

فقلت: أحسن والله ما شاء، فهل أجبت عن قوله، قالت: نعم [والله] وأنشدت:

إذا كان لا يسليك عمن تحبهفراق ولا يشفيك طول تلاق
فهل أنت إلا مستعير حشاشةلمهجة صب آذنت بفراق

فقلت: أسعدكما لله بالألفة، وأمتعكما بالمحبة، وحباكما بجميل الصحبة وانصرفت.

قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وعنده جماعة يتذاكرون رقيق الشعر، فأحسن مجلسي، ثم قال: يا أصمعي ما ترى في شعر فتى من أهل بغداد، يزعم الناس أنه من أرق شعرائنا شعراً، وهو الذي يقول:

تاهت علينا لأن تمت محاسنهاخود تكلم في أعطافها الفتن
همت بإيناسنا حتى إذا نظرتإلى المراة نهاها وجهها الحسن
ما كان هذا جزائي من محاسنهاأغرت بي السوق حتى شفني الشجن

فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه شاعر فطن، أراد معنى فأصابه، ولقد أنشدني ابن الخياط أبياتاً استحسنتها في الغزل، وهي:

يا خود أسهرني ذكرى خيالكمبعد الهدوء فأشجاني وما طرقا
وحارب الشوق ماء العين فانهزمتعساكر الدمع حتى حلت الحدقا
فالدمع مستوفز مني على وجلإذا تهب له ريح الهوى استبقا
كسوت قلبي من الأحزان أجنحةفإن دعاه هواكم دعوة خفقا

قال [الرشيد]: أحسن، فما فعل؟ قلت: هو حي، فأمر له بعشرة آلاف درهم، والأول للعباس بن الأحنف.

وقال علي بن يحيى المنجم:

ومن طاعتي إياه يمطر ناظريإذا هو أبدى من ثناياه لي برقا
كأن جفوني تبصر الوصل هارباًفمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا
للشاعر علي بن يحيى المنجم، اقرأ القصيدة

قال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح، وما زلنا في سمر نصول فصوله بتشوقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر، فقال القاسم: مثلك من ذكر وليه فأطراه، واعتذر إليه فأرضاه، ولو آذنتموني لكنت كأحدكم مسروراً بما به سررتم، مفيضاً فيما أنتم أفضتم.

وذم رجل رجلاً فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكؤوسه محابر، ونوادره بوادر.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نور الطرف ونور الظرف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.