من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السادس والستون: ذكر من أسدى المعروف إليه فشكره وأظهر ما عليه
ذكروا أن القطامي كان يهجو قيساً فأسره زفر بن الحارث فامتن عليه وأمر له بمائة من الإبل فامتدحه بعد ذلك بأشعار كثيرة منها قوله:
منْ مُبلغ زفر القيسي مَدحتهعن القطامي قولاً غيرَ إفنادِ
إنِّي وإنْ كان قومي ليس بينهموبين قومك إلاَّ ضربةُ الهادي
مُثنٍ عليك بما استبقيت معرفهوقد تعرض منّي مُقبل بادي
إذْ يعتريك رجال يبتغون دميولو أطعتهُم أبكيت عوادي
وقال ذو الرُّمَّة:
لولا اختياري أبا حفصٍ وطاعتهكادَ الهَوَى من غداة البين يعتزمُ
له عليَّ أيادٍ لستُ أكفرهافإنما الكفرُ أن لا تشكر النعمُ
إذا هبطت بلاداً لا أراك بهاتجهمتني وحالت دوننا الظلمُ
أغرّ أروع بهلول أخي ثقةٍحلاحل من يراه اللين والكرمُ
يُريد ذا الشَّيْب منه شيبه كرماًويستبين فتاهم حين يحتلمُ
وقال محمد بن سعيد السعدي:
سأشكر عمرواً إن تراخت منيتيأياديَ لم تُمنَن وإنْ هي جلَّت
فتى غيرُ محجوب النَّدَى عن صديقهولا مظهرَ الشكوى إذا النعل زُلَّت
رأى خلة من حيث يُخفى مكانُهاوكانت قذى عينيه حتَّى تجلَّت
وقال آخر:
شكرتك إن الشكر حظُّ من التُّقىوما كلُّ من أوليْتهُ نعمةً يقضي
فأحييتَ لي ذكرى ومن كان خاملاًولكن بعض الذكر أنبهُ من بعضِ
وقال آخر:
فلو كان للشكر شخصٌ يبينإذا ما تأمَّلَهُ النَّاظرُ
لمثَّلتُهُ لكَ حتَّى تراهُفتعلم أنِّي امرؤ شاكر
وهذا الكلام حسن إن ترك على جملته، وقبيح إن كشف عن حقيقته، وذلك أن صاحبه لم يقصد بشكره، وإلى أن يؤدي الحق الَّذي لزمه في نفسه وإنَّما قصد إلى أن ولي النعمة يشكره وفي إظهار الشكر خلال كثيرة كل واحدة منها أجلَّ من هذه الخلة قدراً، وأجمل منها ذكراً، على أن هذه وإن كان غيرها أحسن في الحقيقة منها فإنَّه لاعناً بالمنعم عليه عنها لئلا يقع عنده. أن إمساكه قصدٌ منه إلى كفران نعمته، فيمنعه ذلك من معاودة الأنعام عليه، وعلى مثله كما قال عنترة العبسي:
نبئت عمرو غير شاكر نعمتيوالكفر مجنية لشكر المنعم
وقد غلط قوم من المتفلسفين غلطاً دخلوا به في جملة جهال المتكبرين فزعموا أن إظهار الشكر وتلقيه بالقبول قبيحان وأنهما جميعاً يدلان من الشاكر والمشكور على صغر النفس، ونقصان الهمة. وليس الأمر كذلك بل تركه يدل على كفران النعمة، والاستكبار عن قبوله يدل على قلة الفهم، وضعف الروية، إذْ الله جلّ ثناؤه وهو خالق الخلق بتفضله وموفق من شاء منهم لطاعته ويسمي نفسه تبارك وتعالى شاكراً فإذا جاز أن يكون الله تبارك وتعالى شاكراً لمن أطاعه على طاعته إياه وهو الموفق لها وخالق القدرة على فعلها فكيف ينكر على من ابتدأه مخلوق مثله بنعمه أن يظهرها وأن يشكر لموليه إياها على فعلها وإذا كان الله جلّ ثناؤه يحض على شكر نفسه ويقبله من خلقه فكيف ينساغ للمخلوق أن يأباه ويترفع عن قبوله ولقد أحسن الَّذي يقول:
ولو كان يستغني عن الشكر ماجدٌلِعزة مُلك أوْ عُلوِّ مكان
لما ندبَ الله العِبادَ لشكرهفقال اشكروني أيها الثقلان
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع