تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)

الباب السابع والثمانون: ذكر الشعر الَّذي يستظرف لخروجه عن حد ما يعرف

هذا شعرٌ لا يعجم منه شيء البتَّة.

احمد إلهك واعلم ما دعاك لهوسارع الدَّهر واعمل أوْ دع العملا
المرءُ للأمل الممدود مأكلهوالله مدَّ لأهل المدة الأملا
عدّ العداوة للإسلام وارم لهدار المهالك واعمد مُعمداً سهلا
واعدل لدى الحكم عدلاً لا مردَّ لهودم دوام هُداة كلهم عدلا

ومثله:

أسلُ هماً وأحمد الله ودَعْكل ما أوردَ همّاً وأرح
ودع الحرص لأهل الحرص لاعدّ للحرص ولا أهل المرح
وعدو عاد سلماً مُصلحاًصلْ ودعْ ما كرَّ دهر أوْ رمح
واسمحْ الدَّهر واكرمْ مسلماًحصَّل السرّ له كل المدح
طمع المرء حِمامٌ مُهلكٌكلما أطعمه أمرٌ ألَح
أصلح الله لك المال من الحالِ ما أصلحه الله صلح

ومثله:

ارعَ الوداد لأهل ودِّك كلّهموأودهم رأس الصلاح مُحَدّدُ
واحملْ لأهل الود كلّ مُلمَّةٍواعمل كما عمل الودود الأسعدُ
والله مورد ما أرادَ محلَّهُملك له كرم العلا والسؤددُ
ملك هو المحمود طهَّر ملكهكرم وحلم وهو عالٍ أوحدُ

ولبعض أهل هذا العصر:

لو سامح الدَّهر أوْ لو ساعد العمرُلم أرعَ عهداً سواك الدَّهر يا عُمرُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «لو سامح الدهر أو لو ساعد العمر»
أصدر هموماً أطال الورد موردهالولا مواردها لم أدرِ ما السَّهرُ

وهذا شعر يعجم كله:

غشيت جفني قذًى في بيت ضيف بنيشيخٍ فشيبني تشبيبُ نبتينِ
يشفني بين ظبي ينثني غنجاًغذى بخفض غذى تفنين شيخينِ
ظبيٌ غضيض نظيف ينثني خَنثٌيفتنُّ في جبتي خزٍ بخفين

ومثله:

خضبتُ شيبي بشبٍّفي بيت بنت شبيبِ
وزينتني غضيضٌبثني خزٍّ قشيبِ

ومثله:

في بيت ذي نشبٍ فتنتُ بزينبفبقيت في شغفٍ فضنتْ زينب
زينبْ بذي شنبٍ يضيء فشفّنيفجننتُ في شغفي فزينب تغضبُ

وهذا شعر تعجم صدور أبياته، ولا تعجم أعجازها:

يُبيتُني في شغفٍ شفّنيصدوده أحور حلو الكلام
تبيتُ في بثِّ شجى تبتغيمرام وصلٍ ساهر للمرام
ضنَّت بشيئين ببينٍ شجىوهامل سحّ كسحِّ الرّهام
بين خفيٌ قذفت زينبأسرارها ما صاح داعٍ حمام

وهذا شعر تعجم منه كلمة ولا تعجم منه كلمة:

ظبيٌ له غنجٌ ودِلُّ شجىمطوّح بين هموم تشيب
يبيتُ معموداً ببثٍّ لهفي الصدر تشفيفٌ وهمُّ يذيب
تضيَّفتْ رحلك في مدرعثني ومُرط ذي احمرار قشيب
فبتُّ مسروراً بضيفٍ لهغنجٌ وملح ذي دلال خضيب

وهذا شعر يعجم منه حرف ولا يعجم منه حرف:

ريمٌ يُميسُ شويدنٌليلي إذا يدنو قصيرْ
قد زانه ضعفُ أخلَّ بهفليس به نكير

ومثله:

قد فاز عندي رجلٌ قد يرىدجاجة يا فوز مشويّه

ومثله:

يَهيمُ بقلبك شوق سَنحْفلجّ لشوقكِ غربٌ سَفحْ

وهذا شعر يعجم منه حرفان، ولا يعجم منه حرفان:

مرَّ زيد وغزال بي إلى شهرين مَرْفتعرفناه فيما يزدرينا من خطر

وهذا شعر تعجم منه ثلاثة أحرف ولا تعجم منه ثلاثة أحرف:

ما رُزينا كعبُ شيئا كان فيدار زنباع اختيار ويقف

وهذا شعر أوائل أبياته مثل قوافيه منقلبة:

رازَ بالهجران صبريظالماً بالهجر زار
راع قلبي فهو ساهٍمن رداء الحب عار
راش بالهجران نبلاًفرماني حين شار
راح باللَّوم فقُلنابعض هذا اللّوم حار

وهذا شعر يُقرأ من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله:

أُراهنَّ نادمْنَه ليلَ لهوٍوهل ليلهُنَّ مُدانٍ نهارا

ومثله:

هارون حمَّالٌ لأعبائِهِهيَّابُ عالٍ لامح نوره

وهذا بيت قد جمع الحروف كلها:

صف خلق خَودٍ كمثل الشَّمس إذْ بزغتْيحظى الضجيعُ بها نجلاء معطار
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

ومثله:

هلاّ سكنت بذي ضغثٍ فقد رَغمواشخصتَ تطلبُ ظبياً راح مجتازا

ومثله:

اصبرْ علَى حفظ خضرٍ واستشر فَطِناًوزُجَّ همّك في بغداذ مُنثملا

وهذا شعر ليس فيه حرف منفرد:

كنتُ في مجلس عيشمنعم ثمَّ مُقيم
فيه قصفٌ معجبٌثم بخفض ابن حكيم

وفيما ليس منه حرف موصول لبعض أهل هذا العصر:

أزورُ زرزوراً زواراً وردزوراً وزرزوراً إذا سارا
أراد زاداً وأَرَى زادهأراده داود إذا زارا
دع زورةً إن زرت زارت إذاواردع إذا أزرت إزرارا

هذا شعر إن شئت جعلته قصيدة، وإن شئت جعلته ثلاث قصائد:

يا فتى الجود والنَّدايا عمادي يا ابنَ ليثِ يا ذا الجناب المريعِ
أنجزن منك موعدالا تكن صاحب ريثِ فداك كلّ الجميعِ
ولقد قال لي النَّداأنت يا ذا الجود غيث معاً لحسن الصنيعِ
اعتمد لي محمداحين تكدي كلّ غيث أعنيك يا ابن الربيعِ

وهذا شعر مُضمَّنٌ بعضه ببعض وإن أدرجته كان كلاماً:

يا ذا الَّذي في الحبِّ يلحى أماوالله لو حمَّلت منه كما
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
حملت من حب رخيم لمالمت علَى الحب فدعني وما
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ذا الذي في الحب يلحى أما»
أطلبُ أنِّي لست أدري لماقُتلتُ إلاَّ أنَّني بينما
أنا ببعض القصر في بعض ماأطلبُ في قصرهم إذْ رمى
قلبي غزال بسهام فماأخطأ بالسهم ولكنما
عيناه سهمان له كلماأراد قتلي بهما تسلما
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ذا الذي في الحب يلحى أما»

وهذه أبيات تصلح أن تكون كل كلمة منها متقدمة لصواحبها، وهذا مثالها:

علَى الفضل من الجود علاماتٌ مبيناتُ

مبينات علامات من الجود علَى الفضل

من الجود علَى الفضل مبينات علامات

علامات مبينات علَى الفضل من الجود

بسعود لا بنحس خير طير ليزيد

خير طير ليزيد بسعود لا بنحس

لا بنحس خير طير ليزيد بسعود

ليزيد بسعود لا بنحس خير طير

وكتب بعض أهل هذا العصر إلى أخ له رسالة في حشو كلامها بيتين من شعر قد بينّا حروف الشعر ليسهل استخراجه: بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك وأدام عزك ونعماك وجعلني من المحذور دونك يا سيدي جُعلتُ فداك لا ترضى لأخيك بل لعبدك أن يبقى أبداً على حال قد أيست منه أولياءه وأشمتّ به أعداءه. وبعد ذا فأنا معترف بذنبي وحق مؤثر الإقرار على الإنكار، وأن لا يعاقب لذنب جناه، ولو عرفت ما تنكره لم أعذر والله ما تأمره فيّ كلما يعود عليَّ ضرره فضلاً عما يعود عليَّ نفعه، فقد برّح والله بي هجرك، وأنا لا أكون لعفوك أهلاً لكثرة جناياتي، فأضفه إلى قديم صفحك عن إساءتي هذا نالني على أنِّي والله ما أسخطك قطّ إلاَّ مبتغياً رضاك ولا أظهرت الجفاء إلاَّ وأنا ملتمسٌ منه موافقة هواك، وقد أزال إعراضك اصطباري، وأفنى تجنبك اعتذاري، فلا ضرر الآن عما كان، فقد - وعزيز حياتك - عيل والصبر، فما لفظي إلاَّ بذكرك، ولا أجزع إلاَّ من هجرك، فانظر لعبدك الصبر والجلدا، ضعف من أن يقوم بجفائك أوْ يعتاض بها وصلك. فاصفح جُعلتُ فداك عن عبدك، فإنَّه أولى بك والسلام.

وهذا شعر فيه اسم يستخرج من أوائل الأبيات:

آهٌ من البارق الَّذي لمعالم يدرِ ماذا بمهجتي صنعا
حكّم فيها البلى فها أنذامكتئبٌ ما أفارق الجزعا
مذ لاح لي في السحاب أذكرنيتوريد خدٍّ من الجبا لمعا
دلَّ علَى كنهه كذي فِطنٍتفريقُه فانتهره مجتمعا

وقال:

فآخر الترس له أولوثالث الدرع له آخرُ
وخامس الساعد ثانٍ لهورابع السَّيف له دابر

وهذا بيت فيه أحد عشر صاداً:

صافِ الصديقَ وأصفه صفوَ الصَّفاواخصص صديقك بالصداقة تخصصِ

وهذا بيت فيه إحدى عشرة حاءً:

تنحنحَ رَوْحٌ حين حاد بحاجبوزحزح روح حاجياً فتزحزحا

وبلغني أن رجلاً أنشد الرياشي أوْ غيره:

ما للنَّوى جُدّ النَّوى قطع النَّوىبالبين بين ميامني وشمالي

فقال: هو لعمري بيت حسن، غير أنَّه لو طرح بين يدي الشاة لأكلته، لأن فيه كَيْلجة نوى.

وهذه أبيات مرجعة:

يا بدني للفراق مُت كمداًمُتْ كمداً للفراق يا بدني
فارقني من هويت واحزناواحزنا من هويت فارقني
كلمني بالشهيق من جَزَعٍمن جزع بالشهيق كلَّمني
عانقني كالقضيب معتدلاًمعتدلاً كالقضيب عانقني
تتركني كالغريب يا سكنييا سكني كالغريب تتركني
يحفظني الله فيك قلت لهقلت له الله فيك يحفظني

وبلغني أن محمداً بن زبيدة قال لأبي نواس: قد أكثرت عليَّ وأنا مُلق عليك شيئاً، فنفيت من هارون، لئن لم تجزه لأقتلنك وأستريح.. قال: وما هو يا أمير المؤمنين، قال: قل شعراً بلا قافية فقال:

ولقد قلت للمليحة قوليمن بعيد لمن يحبك مَهْ حكاية قبله
فأشارت بمعصم ثمَّ قالتمن بعيد خلاف قولي ماه حكاية لا
فتنفست ساعة ثمَّ إنِّيقلت للبغل عند ذلك راه حكاية عد

وهذا شعر فيه بالزنجية: حدثني أبو الحسن محمد بن الخطاب الكلابي، عن محمد بن مزرّع البصري، قال: مررت ببطن مكة، ومعي صاحب لي، فرأيت على ركيّة ينشد شعراً بعضه أعجمي، وبعضه عربي، فقلت: يا أسود ما تقول؟ فأنشد:

ألا يا لائمي في حب ريمأفق من بعض لومك لا اهتديتا
أتأمرني بهجري بعض نفسيمعاذ الله أفعل ما اشتهيتا
أحبُّ لحبها الثقلين طُرّاًوبكعة والبلين ودمعَ ليتا
فكائن والبكان ودوّعيناوشكعة والندفت وعرريتا

فقلت يا حبشي ما هذه الأسماء، قال: دِمنٌ لنا بالحبشة كنا نعتادها لنزهتنا. قال: قلت أحسبك كَلِفاً، قال: نعم، قلت: بمن، قال: بمن إن وقفت رأيته، قال: فطلعتْ سوداء على عُنقها جرَّة، فمتح لها فيها، وقال: ها هي، قال: قلت: أراك عاقلاً فما تصنع ها هنا. قال: أنا وقفت على قبر فلان وقد سمّاه، وهو يعرف بعض الملوك، أرشُّ عليه الماء، فأنا أبرّدُ من فوق، وربُّك يسخن من أسفل، أرأيت أحمق من هؤلاء يغالبون ربهم.

وهذا شعر فيه بالفارسية:

وقائل قال لي فأفحمنييا هائم القلب ما ترى رشدك
قلبك هذا كم أنت تاركهعند الَّذي ليس قلبه عَتَدك
يا كور شنيئم وكور دل وشوحروي بُنا اندكا تدك

وهذا شعر فيه بالرومية وهو لأبي نواس:

حبَّذا قولها وقد لحظتنيمن وراء السرير بو سانيس
قلت ما قول أيِّ شيئين والأعز شك فإنَّني قاقوسي
فإذا ما فعلت ذاك فعنديلقطينا نعم ومليار يس

النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كتاب الزهرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.