تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)

الباب الثامن والثمانون: ذكر ما جاء من الأشعار محتملاً للهجاء والافتخار

أخبرنا الحارث بن أسامة عن زيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الملك بن قدامة قال عمر بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: كانت أم عبد الله بن عمرو بن العاص وأمه ريطة بنت منبه بن الحجاج وكانت تلطف برسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأتاها ذات يوم فقال لها كيف أنتِ يا أم عبد الله قالت بخير وعبد الله رجل قد ترك الدُّنيا فقال له أبوه يوم صفين اخرج فقاتل فقال يا أبتي كيف تأمرني أن أخرج فأقاتل وكان من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما قد سمعت. فقال: نشدتك الله أتعلم أن آخر ما كان من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليك أخذ بيدك فوضعها في يدي فقال: أطع عمرو بن العاص، قال فإنِّي آمرك أن تقاتل فخرج فقاتل فلما وضعت الحرب أوزارها أنشأ عمرو بن العاص يقول فذكر أبياتاً بعدها، وقال عبد الله بن عمر:

ولو شهدت جمل مقامي ومشهديبصفّين يوما شاب منها الذوائب
وعشية جا أهلُ العراق كأنهمسحاب ربيع رفّعته الجنائب
وجئناهم تردى كأن خيولنامن البحر مدٌّ موجه متراكب
فدارت رحانا فاستدارت رحاهمشداة النهار ما تزل المناكب
إذا قلت قد ولّوا سراعا بدت لناكتائب منهم وارجحنّت كتائب
فقالوا لنا إنّا نرى أن تبايعواعليّاً فقالوا بل نرى أن نضارب

قال أبو بكر قائل هذا الشعر قد أجاد تأليفه وأحكم ترصيفه غير أنَّه لم يعلمنا بقوله أقصد إلى ذم أعدائه أم مدحهم وكذلك لم يتبين أمر الضَّيف الذين هو منهم لأنه لم يحرز ذماً ولا مدحاً لهم ولغيرهم وقال:

فلم أرَ حيّاً صابروا مثل صبرناولا كافحوا مثل الذين نكافحُ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «طربت وهاجتك الظباء السوارح»
إذا شئت لاقاني كميٌّ مدججٌعلَى أعوجي بالطعان مسامحُ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «طربت وهاجتك الظباء السوارح»
وأقبل صفّانا وفي عارضيهماجنيّ تُرى فيه البروق اللوامحُ
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة
إذا أقبلوا في السابغات حسبتهمسيولاً إذا جاشت بهنَّ الأباطحُ
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة
كأن القنا الخطِّي فينا وفيهمُشواطن بئرٍ هيجتها المواتحُ
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة
وثم فرقنا بالرّماح ولم يكنهنالك في جمع الفريقين رامحُ
ودرنا كما دارت علَى قطبها الرحىودارت علَى هام الرِّجال الصفائحُ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «طربت وهاجتك الظباء السوارح»
فقلت عيون حين دارت رحاهُمُلما قطرت من خشية الموت طامح

وقال زفر بن الحارث:

وكُنّا حسبْنا كلَّ بيضاءَ شحمةًليالي لاقينا جُذامَ وحمْيَرا
فلما قرعنا النَّبْعَ بالنَّبع بعضهُببعضٍ أبتْ عيدانهُ أن تكسَّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «تذكرت والذكرى تهيج للفتى»
سقيناهمُ كأساً سقونا بمثلهاولكنهمْ كانوا علَى الموت أصبرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «تذكرت والذكرى تهيج للفتى»

وبلغنا أن الزبرقان بن بدر استعدى عمر بن الخطاب على الحطيئة فقال أنَّه هجاني. قال وما قال لك؟ قال: قال:

دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتهاواقعدْ فإنك أنتَ الطاعِمُ الكاسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

قال له عمر: ما ترضى أن تكون طاعماً كاسياً. قال له: والله لولا الإسلام لأنكرتني، قال ما أعلمه هجاك ولكن ادع ابن الفريعة بعني حساناً. فلما جاءه حسان قال له عمر أهجاه قال لا يا أمير المؤمنين ولكنه سلح عليه. قال فقال عمر للحطيئة: لأحسبنَّك أوْ لتكفنَّ عن أعراض المسلمين قال يا أمير المؤمنين لكل مقام مقال. قال وإنك لتهددني فحبسه فلما حبسه كتب إليه:

ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍزُغب الشوارب لا ماءٌ ولا شجرُ
ألقيتَ كاسبهُمْ في قعْرِ مُظْلمةٍفارحمْ عليك سلامُ الله يا عمرُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»
نفسي فداؤك كم بيني وبينهمُمن عرض داوية يعمى بها الخبرُ

قال: فلما قرأها عمر رقَّ له وخلَّى سبيله. وبيت الحطيئة وإن كان غيره أشدّ إيضاحاً بالهجاء منه، فإن معه ما يوضح عن مراد صاحبه ويزيل توهم المديح فيه عن سامعه وهو:

ما كان ذنبُ بَغيضٍ لا أبا لكمُفي يابس جاء يحدو آخر النَّاس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
ملّوا قِراهُ وهرَّتْهُ كلابهمُوقطَّعوهُ بأنيابٍ وأضراسِ
لمّا بدا ليَ منكمْ خبثُ أنفسكمولم يكنْ لجراحي منكمُ آسي
أزمعتُ يأساً مُبيناً من نوالكمُولن ترى طارداً للمرءِ كالياسِ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

ويُرى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع:

وقبيلةٍ لا يغدرون بجارهمولا يظلمون النَّاس حبة جرولِ

قال وما تستوي أن ابن الخطاب كذلك فلما سمع:

ولا يردون الماء إلاَّ عشيّةًإذا صدروا الورّاد عن كل منهلِ
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

قال ما أحبّ كل هذه الذلة، ومع هذين البيتين ما يوضح على أنهما هجاء صحيح غير مشبَّه بشيء من المديح وهو:

أولئك أخوال اللئيم وأسرة الهجين ورهط الخائن المتبدّلِ
إذا الله عادى أهل لؤم وشرّةٍفعادى بني القعقاع رهط ابن مقبلِ

وقال رجلٌ من بني العنبر:

لو كنت من مازنٍ لم تستبحْ إبليبنو اللَّقيطة من ذُهْلِ بنِ شَيْبانا
للشاعر محمد المهدي المجذوب، من قصيدة «رقصة الحمامة»
إذاً لقام بنصري معشرٌ خُشنٌعند الحفيظةِ إنْ ذو لوثةٍ لانا
قومٌ إذا الشرّ أبدى ناجذيهِ لهمْطاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»
لا يسألون أخاهُم حين يندبُهمْفي النائبات علَى ما قال بُرهانا
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «يا للحماسة ضاقت بينكم حيلي»
لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍليسوا من الشرِّ في شيءٍ وإنْ هانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»
يجزونَ من ظلمِ أهل الظُّلم مغفرةًومن إساءةِ أهلِ السُّوء إحسانا
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وفى السحاب لمغناه وإن خانا»
كأن ربَّكَ لم يخلقْ بخشيتهِسواهُمُ من جميع الناسِ إنسانا

وقال البحتري:

فضلُ الخلائفِ في الخلائف واقفٌفي الرُّتبة العُليا وفضلُك أفضلُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لولا تعنفني لقلت المنزل»
أوفيتَ عاشرهمْ فإن يدنوا إلىكرم وإحسانٍ فأنتَ الأولُ

فهذا إن شاء إنسانٌ يصير به إلى غاية المدح، وإن شاء آخر أن يصرفه إلى غاية الذم، وجد كلُّ امرئ منهم مقالا. أي مدح أبلغ من أن يكون كل ما دين من الخلفاء دون الممدوح بهذا القول. وأي ذنب أوكد حجةً على المرء من تشريفه على آبائه وأجداده والأخيار بأنه نجم من بينهم، مخالفاً لسؤددهم كما قال لجماعتهم.

وقال آخر:

عادات طيٍّ في بني أسدٍريِّ القنا وخضاب كل حسام
لا تكثري جزعاً فإنِّي واثقيوم جنا وعواقب الأيَّام

فمن لم يعرف قبيلة هذا القائل، ومقصده من غير شعره لم يدرِ أطيئ المهجوّون أم هم الممدحون، وذلك الحال في بني أسد أيضاً. وقال أبو علي البصير:

لعمرُ أبيكَ ما نُسبَ المُعَلَّىإلى كرمٍ وفي الدُّنيا كريمُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لعمر أبيك ما نسب المعلى»
ولكنَّ البلادَ إذا اقشعرَّتْوصوَّحَ نبتُها رُعي الهشيمُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لعمر أبيك ما نسب المعلى»

قال آخر:

رويدَ بني شيبانَ بعضَ وعيدكمْتُلاقوا غداً خَيلي علَى صَفَوانِ
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة
تُلاقوا جياداً لا تحيدُ عن الوغىإذا الخيل جالت في القنا مُتدانِ
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة
تُلاقوهُمُ فتعرفوا كيف صبرهُمُإذا ما جنت منه يدُ الحدثانِ
مقاديمُ وصَّالون في الرّوع خطوهُمبكلِّ رقيق الشَّفرتين يمانِ
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة
إذا استُنجدوا لم يسألوا من دعاهُمُلأيَّةِ حربِ أم بأي مكانِ
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة

وفي نحو ذلك قال الأخطل لشقيق بن ثور:

خلتْ الديارُ فسدتَ غير مُسوّدٍومن العناءِ تفردي بالسؤدد
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وما جذْعُ سوءٍ خرَّق السُّوس جوفهلما حمَّلتهُ وائلٌ بمُطيقِ

فقال شقيق: يا أبا مالك: ما تُحسنْ أن تهجو، ولا تمدح، أردت أن تهجوني، فجعلت وائلاً كلها تحملني أمرها فسكت.

النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كتاب الزهرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.