من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثامن والسبعون: ذكر ما جاء في صفات البحر والفلوات
قال:
ألا هل للهموم من انفراجِوهل لي من ركوبِ البحر ناجِ
أكُلَّ عشية زوراء تهويبنا في مُظلم الغمرات ساجي
كأنَّ قواذفَ التيار منهانعاجٌ ترتمين إلى نعاجِ
يشُقُّ الماء كلكلها مُلِحّاًعلَى سحِّ من الملح الأجاجِ
قال أعرابيّ أغراه الأسود بن بلال في البحر:
أقول وقد راح السفين مُلجَّماًوقد بعدت بعد التقرّبِ صورُ
وقد عصفت للموج ريح اضطرابهوللبحر من تحت السفين هديرُ
ألا ليت أنِّي والعطاء صعالكوحظي حظوظ في الزمام وكورُ
فلله رأيٌ قادني لسفينةٍوأخضر موّار السراب يمورُ
ترى متنه سهلاً إذا الريح أقلعتوإن عصفَتْ فالسهل منه وعورُ
فيابن بلالٍ للضلال دعوتنيوما كان مثلي في الضلال يسيرُ
لئن وقعت رجلاي في الأرض مرةوكان لأصحاب السفين كرورُ
وسُلّمت من موج كأن متونهحراءٌ بدت أركانه وثبيرُ
ليعرض اسمي عند ذي العرض خلفةوذلك إن حاض الإياب يسيرُ
وقال أبو الشيص:
وبحر يحار الطرف فيه قطعتهُبمهنوءةٍ في غير عرّ ولا حربْ
مُقيلةٍ لا تشتكي الأين والوجاولا تشتكي عضَّ النُسوع ولا الدأبْ
يشقُّ حبابَ الماء سُرعةُ جريهاإذا ما تفرّى عن مناكبها الحبَبْ
إذا اعتلجت والريح في بطن لجةٍرأيت عجاج الموت من خوفها يثبْ
ترامى بها الخُلجانُ من كل جانبٍإلى متن مُغبرِّ المسافة منجذب
قال أحمد بن أبي طاهر:
إلى أبي أحمد أعملتُ راحلتيلا تشتكي الأين من حلٍّ ولا رحلِ
تسري بمُلتطم الأمواج تحسبُهمن هوله جبلاً يعلو علَى جبلِ
كأن راكبها إذْ جدَّ مُرْتحلاًبالسير منها مقيمٌ غيرُ مرتحلِ
لجامُها في يد النوتيِّ من دُبُرٍمُقوّم زَيْغُها والميلُ من قُبلِ
ما زال سائقها يجري علَى مهلٍجرياً يفوتُ اجتهادَ الخيل والإبلِ
حتَّى تناهت إلى حيثُ انتهى شرفالدُّنيا وأشرف باغيها علَى الأمل
وله أيضاً:
مخضرمة الجنبين صادقة السُّرىيُراقب فيها الركب من لا يراقبُهْ
تكادُ نفوسُ القوم تجري بجريهاإذا غالبت من موجها ما تغالبُه
نصفُّ حُبابَ الماءِ عن جنباتهاإذا البحر جاشت بالسفين غواربه
قال أبو بكر: هذه بُلغة فيما جاء في الشعر من صفات المراكب والبحار، ولم نمل في ذلك إلى الإطالة لئلا يضيق الباب عما يحتاج إليه وإلى ذكره من صفات المفاوز، لأن شعر العرب بصفات البوادي والقفار أحذق منهم بوصف البحار والسفائن. إذْ بالفلوات يولدون، وفي طرقها يسلكون ثمَّ نحن الآن مبتدئون بإتمام الباب بما يُحضر من صفات البوادي والفلوات يتهيأ ذلك إذا لم نتجاوز العدد الَّذي شرطناه إلاَّ قليلاً من كثير، ومن كان مقصده في هذا الباب التذكرة قنع بالسير.
قال المتلمس الضبعي:
كم دونَ ميَّة من داويّة قَذفٍومن فلاة بها تُستودعُ العيسُ
ومن ذُرى علمٍ ناءٍ مسافتهُكأنهُ في حَبابِ الماء مَغْموسُ
جاوزتهُ بأمونٍ ذات مَعْجمةٍتنجو بكلكلها والرأسُ معكوسُ
وقال امرؤ القيس:
وداويّة لا يُهتدى لفلاتهابعرفان أعلام ولا ضوء كوكبِ
تلافيتها والبومُ يدعو بها الصدىوقد أُلبستْ إفراطها ثنيَ غيهبِ
بمجفرةٍ جسرٍ كأن قتودَهاعلَى أبلقِ الكشحين ليس بمغربِ
وله أيضاً:
فدعها وسلِّ الهمَّ عنك بجسرةٍذمولٍ إذا صام النَّهارُ وهجّرا
تُقطَّعُ غيطاناً كأن متونهاإذا أظهرت تُكسى مُلاءً منشرا
قال الأعشى:
رُبَّ خرق من دونها يُخرسُ السَّفرُ وميلٍ يُفضي إلى أميالِ
وسقاءٍ يوَلي علَى تأقِ الملءِ وسيرٍ ومُستقى أوشالِ
وادّلاجٍ بعد المنام وتهجيرٍ وقُفٍّ وسبسب ورمالِ
وقليب آجنٍ كأنَّ من الريشِ بأرجائهِ سقوط نِصالِ
قد تعاللتُها علَى نَكظِ الميطِ وقد خَبَّ لامعات الآلِ
فوق ديمومةٍ تميّلُ بالسفر قفار إلاَّ من الآجالِ
وإذا ما الضلال خيف وكان الورَدُ خِمساً يرجونه عن ليالِ
واستحثَّ المغيرون من القومِ وكان النطافُ ما في العزالي
مرحَتْ حرَّةٌ كقنطرة الرُّوميِّ تَفْري الهجيرَ بالإرقالِ
تقطع الأمعز المكوكبَ وخداًبنواجٍ سريعة الإيغالِ
وله أيضاً:
وجَزور أيْسارٍ دعوتُ إلى النَّدَىونياط مُقْفرةٍ أخافُ ضِلالَها
يهماء مقفرةٍ رفعتُ لعرضهاطرفي لأقدرَ بينها أميالها
بجُلالةٍ سُرُحٍ كأن بغَرْزِهاهِرّاً إذا انتعلَ المطيُّ ظِلالَها
وله أيضاً:
ويهماءَ قَفْرٍ تخرجُ العينُ وسطهاوتلقى بها بيضَ النَّعام ترائكا
يقولُ بها ذو قوَّة القوم إذْ دنالصاحبه إذْ خاف منها المهالكا
لك الويلُ أفش الطرف بالعين حولناعلَى حذرٍ واستبقِ ما في سقائكا
وخرق مخوفٍ قد قطعتُ بجسرةٍإذا الجبس أعيي أن يرومَ المسالكا
قال المرار الفقعسي:
إذا نظر القوم ما ميلُهارأى القومُ دويَّةً كالسَّماءِ
كأن قلوب أدلائهامعلَّقة بقرون الظِّباءِ
يظلّ الشجاع الشديد الجنانمحافظةً معصماً بالدُّعاءِ
إذا هو أنكر أسماءهاوغنّى وحقّ له بالغناءِ
وخلَّى الركابَ وأهوالهاوأسلمهن بتيهٍ مواءِ
له نظرتان فمرفوعةوأخرى تلاحظ ما في السقاءِ
وثالثة بعد طول الصُّمات إليَّ وفي صوته كالبكاءِ
فقلتُ التزم عند ظهر القعودجزى الله مثلك شرُّ الجزاءِ
قال الرّاعي:
وكم جشمنا إليكم من مُؤدِّيةٍكأنَّ أعلامها في آلها القَزَعُ
حمّاء غبراء يخشى المدلجون بهازيغ الهُداة بأرض أهلها شِيَعُ
فإن تجودوا فقد حاولت جودكموإنْ تضنوا فلا لوم ولا قذعُ
قال ذو الرُّمَّة:
كم دون ميَّة من خرقٍ ومن عَلَمٍكأنه لامع عريانُ مسلوبُ
ومن مُلمعة غبراء مظلمةٍسرابُها بالشِّعاف الغُبْر معصوبُ
كأنَّ حرباءها في كلّ هاجرةٍذو شيبةٍ من رجال الهند مصلوبُ
قال ابن هرمة:
وهاجرة تنجي عن الصب جارهقطعتُ حشاها بالمغربدة الصهبِ
إليك ومسودُّ من اللَّيل دامسٌإذا انتزع النوم العميِّ من الركبِ
وممَّا يشاكل هذا في وصف غلبة النوم على السفار قول أبي نواس:
قوم تساقوا علَى الأكوار بينهمكأسَ الكرى فانتشى المشفيّ والساقي
كأنَّ هامهمُ والنَّوم واضعهاعلَى المناكب لم يعقد بأعناقِ
قال عمر بن أبي ربيعة:
وماءٍ بموماة دليل أنيسهبسابس لم يحدث بها الصيف محضرُ
به مبتنى للعنكبوت كأنَّهعلَى شرف الأرحام خامٌ مُنشّرُ
وردت وما أدري وما بعد مورديمن اللَّيل أوْ ما قد مضى منه أكثرُ
وطافت به مُقلاةُ أرضٍ كأنهاإذا التفتت مجنونة حين تنظرُ
تنازعُني حرصاً علَى الماء رأسهاومن دون ما تهوى قليبٌ مُعوّرُ
محاولة للورد لولا زمامُهاوجذبي لها كادت مراراً تكسَّرُ
فلما رأيت الصبر منها وأنَّنيببلدة أرض ليس فيها مُقصَّرُ
قصرتُ لها من جانب الحوض مستقىصغيراً كقيد الشبر بل هو أصغر
ولا دلو إلاَّ القعب كان رشاؤهإلى الماء نسعٌ والجديل المضفرُ
فسافت دماً عافت وما صدّ شربُهاعن الريّ مطروق من الماء أكدرُ
قال:
نأتْ دار ليلَى فشط المزارُ فعيناك لا تطعمان الكرى
وأضحت ببغداد في منزلٍله شُرفاتٌ دوين السّما
ومن دونها بلدٌ نازحٌيجيب بها البوم رجع الصدى
ومن منهل آجن ماؤهشدى لا يُعاج به قد طمى
وكم دون بيتك من صفصفومن أسد خادر في وغى
ومن حنشِ لا يجيب الرُّقاة أرقشَ ذي حِمَّةٍ كالرّشا
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع