من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السادس والسبعون: ذكر الافتخار بالشجاعة والانتصار
أخبرنا الحارث بن أبي أسامة: أن العباس بن الفضل حدثهم قال: حدثنا محمد بن عبد الله التميمي قال: حدثنا الحسين بن عبد الله. قال: حدثني من سمع النابغة الجعدي يقول: أتيت النَّبيّ صلى الله عليه فأنشدته قولي:
وإنّا لقومٌ لا نُعوّدُ خيلناإذا ما التقينا أنْ نُحيدَ ونَنْفرا
وتُنكرُ يوم الرَّوع ألوانَ خيلنامن الطَّعن حتَّى نحسُبَ الجون أشقرا
فليس بمعروف لنا أنْ نردَّهاصِحاحاً ولا مُستنكراً أن تُعقّرا
وقال عنترة:
لمّا رآني قد نزلتُ أُريدُهُأبدى نواجذَهُ لغير تَبسُّمِ
فطعنتُهُ بالرُّمح ثمَّ علوتُهُبمُهنَّدٍ صافي الحديدةِ مُخْذمِ
فشككتُ بالرمح الطويل ثيابَهُليس الكريمُ علَى القنا بمُحرَّمِ
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمُهاقيل الفوارسِ ويك عنترَ أقدمِ
إذْ يتَّقونَ بي الأسنَّةَ لم أصحْعنها ولكني تضايقَ مقدمِ
يدعون عنترَ والرّماحُ كأنهاأشطانُ بئرٍ في لَبانِ الأدهمِ
وله أيضاً:
بكرتْ تخوّفي الحتوفَ كأننيأمسيتُ عن غرضِ الحُتوفِ بمعزلِ
فأجبتُها أنَّ المنيَّةَ منهلٌلا بدَّ أنْ أُسْقى بذاك المنهلِ
فاقني حياءك لا أبا لك واعلميأنِّي امرؤ سأموتُ إن لم أُقْتلِ
وقال خُفاف حين قتل مالك بن حُباب الشمخي معاوية بن عمرو السلمي:
إن تكُ خيلي قد أُصيبَ صميمهافعمداً علَى عيني تيمَّمت مالكا
وقفتُ علَى علوى وقد خام صُحبتيلأبني مجداً أوْ لأثأر هالكا
أقول له والرمحُ يأطُرُ متْنهُتأمَّلْ خفافاً إنَّني أنا ذلكا
وقال العباس بن عبد المطلب:
أبا طالب لا ترضَ بالنصف منهُمُوإنْ أنصفوا حتَّى تَعُقّ وتظْلَما
أبى قومنا أن يُنْصفونا فأنصفَتْقواطعُ في أيماننا تقطرُ الدّما
إذا خالطت هام الرّجال رأيتهاكبيضِ نعام في الوغى قد تحطَّما
تركناهمُ لا يستحلّونَ بعدنالذي رحمٍ يوماً من النَّاس مَحْرما
وقال آخر:
إذا ظلمتْ حكّامُنا وولاتناخصمناهُمُ بالمُرهفات الصّوارمِ
سيوف كأنَّ الموتَ حالف حدَّهامشطبةٌ تفري متون الجماجمِ
إذا ما انتضيناها ليومِ كريهةٍضربنا بها ما استمسكتْ في القوائمِ
وقال أبو سفيان بن الحارث:
نحن وردنا بطن سلعٍ عليكمُبأسيافنا والخيل تدمى نُحورُها
تركنا بني النّجار تعوي كلابهمغداة تولت واستمرَّ مريرُها
ونحن تركنا الخزرجي مُجدّلاًتمجُّ حياة النَّفس منه زفيرُها
تركناهُ لما غادرَتْه رماحُناولم يبقَ منه غير عين يُديرها
وقال قيس بن الخطيم:
ثأرت عديّاً والخطيمَ فلم أُضِعْوصيَّةَ أشياخٍ جُعلتُ إزاءها
طعنتُ ابن عبد القيس طعنةَ ثائرٍلها نَفذٌ لولا الشَّعاعُ أضاءها
ملكتُ بها كفَّي فانهرتُ فَتْقهايُرى قائماً من دونها ما وراءها
يهونُ عليَّ أن تردَّ جراحُهاعيونَ الأواسي إذْ حَمِدتُ بلاءها
وكنتُ امرءاً لا أسمعُ الدَّهرَ سُبَّةًأُسَبُّ بها إلاَّ كشفتُ غطاءها
مَتَى يأتِ هذا الدَّهرَ لا يُبقَ حاجةٌلنفسيَ إلاَّ قد قضيت قضاءها
وذكروا أن معاوية ركب فرسه عازماً للهرب. قال: فذكرت أبياتاً لعمرو ابن الإطنابة فوقفت وهي قوله:
أبت لي عفتي وأبى بلائيوأخذي الحمدَ بالثمن الربيحِ
وإجشامي علَى المكروه نفسيوضربي هامةَ البطلِ المشيحِ
وقولي كلما جشأت وجاشتمكانك تحمدي أوْ تستريحي
وقال كعب بن مالك:
نصل السيوف إذا قصرْنَ بخطوناقُدُماً ونُلْحقها إذا لم تلحقِ
ما حلَّ بالأعداء مثل لقائنايوم النجاح ويومنا بالخندقِ
وقال مالك بن عوف النصري:
وإذا شكا مُهري إليَّ حرارةًعند اختلاف الطعن قُلتُ له اقدم
إنِّي بنفسي في الحروب لتاجرُتلك التجارةُ لا انتقادُ الدرهم
وقال ربيعة بن مقروم الضبّي:
ولقد شهدت الخيل يوم طرادهابسليم أوظفةِ القوائم هيكل
ودَعَوا نزالِ فكنتُ أوّل نازلٍوعلامَ أركبهُ إذا لم أنزل
وقال سعد بن ناشب:
سأغسلُ عنّي العارَ بالسيف جالباعليَّ قضاء الله ما كان جالبا
وأذهلُ عن داري وأجعلُ هدمهالعرضيَ من نطق المذمة حاجبا
ويصغُر في عيني تلادي إذا انثنتيميني بإدراك الَّذي كنت طالبا
فإن تهدموا بالغدر داري فإنهاتراثُ كريم ما يبالي العواقبا
أخي غمراتٍ لا يزيد علَى الَّذييهمُّ به من مقطع الأمر صاحبا
إذا همّ لم تُردع عزيمةَ همهولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمهُونكّب عن ذكر العواقب جانبا
وقال أيضاً:
وإن أسيافنا بيضٌ مُهنَّدةٌبتر لآثارها في هامهم جُددُ
وإن هويتم سللناها وقد غبَرتْدهراً وهامُ بني بكر لها غُمدُ
وقال علي بن محمد العلوي:
وإنّا لتُصبحُ أسيافناإذا ما انتصبنَ بيوم سفوك
منابرُهنَّ بطونُ الأكفِّوإغمادُهنَّ رؤوس الملوك
وقال جعفر بن علبه الحارثي:
إذا ما ابْتَدرنا مأزقاً فرجت لنابأيماننا بيضٌ جلتها الصَّياقلُ
لهمْ صدرُ سيفي يوم صحراء سحبلٍولي منهُ ما ضُمَّتْ عليه الأناملُ
ولم ندْرِ إن جضْنا من الموت جَيْضَةًمَتَى العُمرُ باقٍ والمدى متطاولُ
وقال أيضاً:
ولا يكشف الغمَّاء إلاَّ ابن حُرَّةٍيرى غمرات الموت ثمَّ يزورها
نُقاسمهم أسيافنا شرَّ قسمةٍففينا غواشيها وفيهم صدورُها
وقال موسى بن جابر الحنفي:
ولما نأت عنّا العشيرةُ كلُّهاأنخْنا فحالفنا السُّيوفَ علَى الدَّهرِ
فما أسْلمتنا عند يوم كريهةٍولا نحن أغضبنا الجُفونَ علَى وتْرِ
وقال أيضاً:
وإنّا لوقَّافون بالثغرةِ الَّتييخاف رداها والنّفوس تطَلّعُ
وإنّا لنُعطي المشرفيَّة حقَّهافتقطع في أيماننا وتقطَّعُ
وقال الراعي:
وللحق فينا خصلتان فمنهماذلولٌ وأخرى صعبةٌ للمظالم
وإنّا لقوم نشتري بنفوسناديار المنايا رغبةً في المكارم
وقال الراعي:
يمسي ضجيعَ خريدةٍ ومضاجعيعضبٌ رقيق الشَّفرتين حُسامُ
والحربُ حرفتنا وبئست حرفةٌإلاَّ لمن هو في الوغى مقدامُ
نعري السيوف فلا تزال عريَّةًحتَّى تكون جفونهن إلهامُ
والموت يسبقنا إلى أعدائناتهفو به الرّايات والأعلامُ
وقال آخر:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجدْلنفسي بقاءً مثل أن أتقدَّما
إذا المرء لم يخشَ المكاره أوشكتْحبال الهوينى بالقنا أن تجذَّما
وقال آخر:
فلا توعدونا بالمناصل إنناحظينا وأدركنا المُنى بالمناصلِ
قديماً ضربنا الدَّارعين وأنتمُمشاغيل في تصريف ماء الجداولِ
وقال معبد بن علقمة:
فقُل لزهير إنْ شتمتَ سَراتَنافلسنا بشتَّامين للمُتَشتِّمِ
ولكنَّنا نأبى الظَّلامَ ونعتصيبكلِّ رقيق الشَّفرتين مُصمّمِ
وتجهلُ أيدينا ويحلمُ رأيُناونشتمُ بالأفعالِ لا بالتشتّمِ
وقال أبو عطاء السِّنْدي:
وفارس في غمار الموت مُنغمسٍإذا تألَّى علَى مكروههِ صدقا
غشيتُهُ وهو في جأواء باسلةٍعضباً أصابَ سوادَ القلب فانفلقا
بضربةٍ لم تكن منّي مخالسةًولا تعجلتُها جبناً ولا فرقا
وقال آخر:
يقول أخي لا تنتضي السيفَ واغتنمْمن اللَّيث عنَّا بالطَّريق تعرُّضا
فقلتُ وقد سدَّ الطَّريق بوجههوقابلني وجهاً من اللَّيث أعرضا
أموتُ وسيفي مُغْمدٌ في قرابهويوجد بعدي مغمداً غير مُنتضى
فلم طال حملي نصله وقرابهإذا أنا لم أضرب به من تعرَّضا
وقال عبد العزيز بن أرطاة الكلابي:
فلم ولدتني أمُّ عمرو وشدّدتْعليَّ حِذار الموت خيط التمائمِ
إذا أنا لم أخلف لها من رجالهارجالاً ولم أدفع ظلامة ظالمِ
قال علي بن يحيى الأميني:
لقد طال حملي الرمح حتَّى كأنهعلَى فرسي غصن من الدوح نابتُ
يطول لساني في العشيرة مصلحاًعلَى أنَّه يوم الكريهةِ صامتُ
أنشدني محمد بن الخطاب الكلابي:
دع الهَوَى والهجر في النَّاروكلَّ بكَّاءٍ علَى الدَّارِ
ما الفخر إلاَّ للكريم الوفيفي جحفلٍ للموت جرّارِ
والنَّار لا العار فكنْ سيّداًفرَّ من العار إلى النّارِ
قال أبو الحسن يحيى بن عمر العلوي يوم قتل:
هوان الحياة وهول المماتوكُلاًّ أراه طعاماً وبيلا
فألاَّ يكن غير إحداهمافسيروا إلى الموت سيراً جميلا
ولا تهلكوا وبكم مِنَّةٌكفى بالحوادثِ للمرءِ غولا
قال علي بن محمد العلوي:
إذا اللَّئيم مطَّ حاجبيهوذاد عن حريم درهميه
فأقذف عنان اللؤم في يديهوأغدُ إلى السَّيف وشفرتيه
فاستنزل الرزق بمضربيهإنْ قعدَ الدَّهرُ فقم عليه
ولعلي أيضاً:
قلبي نظيرُ الجبل الصعبوهمتي أوسعُ من قلبي
فاستخر الله وخذ مُرهفاًوافتك بأهل الشرق والغربِ
ولا تمت إن حضرت ميتةٌحتَّى تميتَ السَّيف بالضّربِ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع