من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثامن والستون: ذكر من هجي بفعله وعير ببخله
البخلاء على ضروب فبعضهم أقبح من بعض فمنهم من يبخل على غيره بما هو محتاج إليه لمصلحة نفسه، ومنهم من يبخل بما هو مستغن عنه، ومنهم من يبخل بمال غيره وقد جرى على البحتري نوع من البخل طريف.
بلغني أن بعض الكتاب عاتبه على احتشامه فاستقرض منه عشرين ديناراً فمنعه فقال في ذلك:
إن انبسطنا ردنا عن رادتناأوْ احتشمنا فعدلٌ موشكٌ المَضَضِ
ما ضر ملتمس الجدوى إذا لحظتعيناه عندكم إخفاقَ مقترضِ
وحدثني أبو بكر بن أبي خيثمة قال: حدثني سليمان بن أبي صالح بن مسلم قال: كان شريك بن عبد الله على قضاء الكوفة فخرج يتلقى الخيزران فبلغ قرية يقال لها شاهي وأبطأت الخيزران فأقام ثلاثاً ينتظرها فيبس خبزه فجعل يبلَّهُ بالماء ويأكل فقال العلاء بن المنهال الغنوي:
فما لك موضعاً في كل يومٍتلقّى من يحجُّ من النّساءِ
مقيمٌ في قرى شاهي ثلاثاًبلا زادٍ سوى كِسرٍ وماءِ
قال سليمان فعزله يعني شريكاً موسى بن المهدي، فقال موسى بن عيسى لشريك: يا أبا عبد الله عزلوك عن القضاء ما رأينا قاضياً عزل قال: هم الملوك يعزلون ويخلفون.
وقال أيضاً:
في كلّ يوم وقفةٌ بفنائهِتخزي الشريفَ وردَّةٌ عن بابهِ
أسمع لغضبانٍ تثبت ساعةفبَداك قبل هجائه بعتابهِ
تالله يسهرُ في مديحك ليلهُمتململاً وتنامُ دونَ ثوابهِ
يعرض أن أباه خلع. وقال أوس بن حجر:
هَممتَ بباعٍ ثمَّ قصرت دونهُكما تنهض الرجزاء شُدَّ عِقالُها
وإن كثيراً أن تكلف مفرقاًمن القول أعلا سورة لا تنالها
وقال الأعشى:
أعَلقمُ قد حكَّمتني فوجدْتَنيبكم عالماً علَى الخصومةِ غائصا
كلا أبوَيكم كان فرعاً دِعامةًولكنهمْ زادوا وأصبحْتَ ناقصا
تبيتون في المشتى ملاءً بطونكموجاراتُكُمْ شعثاً يُبِتْنَ خمائصا
وقال الخليل بن أحمد:
كفّاك لن تُخلقا للنَّدىولم يكُ بخلُهما بدعَهْ
فكفُّ ثلاثة آلافِهاوتِسعمئيها لها شِرعه
وكفُّ عن الخير مقبوضةٌكما قبضت مائة تِسعَه
وأنشدنا أبو العباس:
فتًى لرغيفهِ شَنْفٌ وقرطومرسلتان من خَزَرٍ وشَذْر
ودون رغيفه لمس الثُّريَّاوحربٌ مثل وقعة يوم بدر
وإن ذكر الرَّغيف بكى عليهبُكا الخنساء إذْ فُجعت بصخر
وأنشدنا أيضاً:
أَرَى ضيفك في الدَّاروكربُ الموت يغشاهُ
علَى خبزك مكتوبٌسيكفيكهم اللهُ
وقال دعبل:
يا تارك الدَّار على الضَّيفِوهارباً منها من الخوفِ
ضيفك قد جاءَ بزادٍ لهُفارجعْ وكن ضيفاً علَى الضَّيفِ
وقال آخر:
قد كنت أحسبُ أنَّ الخبز فاكهةحتَّى مررت علَى أوفى بن منصور
يا حابس الرَّوث في أعفاج بغلتهخوفاً علَى الحبّ من لقطِ العصافير
وقال أبو الشمقمق:
طعامك في السَّحاب إذا التقيناوماؤك عند منقطع التُّرابِ
وما روَّحتنا لتذبَّ عنَّاولكنْ خفت مَرْزئَةِ الذُّبابِ
وقال آخر:
نوالك دونه خرطُ القتادوخبزك كالثُّريَّا في البعادِ
ترى الإصلاح صومك لا لنسكٍوكسرك للرَّغيف من الفسادِ
ولو أبصرت ضيفكَ في منامٍلحرَّمتَ المنام إلى التنادِ
وما أهجوكَ أنَّك كفء شعريولكنِّي هجوتكَ للكسادِ
وبلغني أن علي بن العباس الرومي مدح ابن المدبر بأبيات فلما طال تردده في اقتضاء ثوابها دفع لحاجب إليه الأبيات وقال: يقول لك امتدح بها من شئت فاعتزل عن الباب فكتب إليه هذه الأبيات وأنفذها إليه:
رَدَدتَ عليَّ شعري بعد مطلٍوقد دنَّستَ مَلبهُ الجديدا
وقلتَ امدح به من شئتَ غيريومن ذا يقبل المِدَ الرديدا
ولا سيما إذا أعبقت فيهفحازيك اللواتي لن تبيدا
وهل للحيِّ في أثواب مَيْتٍلبوس بعدما امتلأتْ صَديدا
وقال علي بن الجهم:
جمعت أمرين ضلّ الحزم بينهماتِيه الملوك وأفعال المماليك
أردت شكراً بِلا مَنٍّ ومرزأةٍلقد سلكت سبيلاً غير مسلوك
وقال أبو تمام:
عياش إنك للئيمٌ وإنَّنيإذْ صرت موضعَ مطلبي للئيم
السحتُ أعذبُ من نوالك مطمعاًوالمهل والغسلين والزقّوم
لما بدا لي في صميمك ما بدابل لم يصب لك لا أصيب صميم
جددتُ في ذَمِّيك حبلَ قصائدجالت به الدُّنيا وأنتَ مقيم
وقال أيضاً:
ليُسوِّدنَّ بقاعَ وَجهك منطقيأضعافَ ما سوَّدتَ وجهَ قصيدي
وليفضحنَّك في المحافل كلِّهاصَدري كما فضحتْ يداكَ ورودي
وله أيضاً:
توهُّمُ آجلِ الطمع المُغيتيتيقنُ عاجلِ اليأس المنيل
فأجدى مَوقفي بنداك جَدوَىوقوفِ الصَّبِّ في الطلل المُحيل
وكنتُ أعزُّ عزّاً من قنوعٍيعوِّضه صفوح من ملول
فصرت أذلّ من معنَى دقيقبه فَقْر إلى ذهن جليل
فما أدري عَمَاي عن ارتياديدَهاني أم عَمَاك عن الجَميل
ذخرتك للجزيلِ وأنت لغوٌظلمتُك لستَ من أهلِ الجزيل
رُويدَك إن لؤمكَ سوف يجلولك الظّلماء عن حُزن طويل
وأقلل إن كبركَ سوف يَصلىبنيراني أقلُّ من القَليل
مَراراتُ المُقامِ عليكَ تعفوفتذهب في حلاوات الرَّحيل
وله أيضاً:
أضحَوْا بمُستنِّ سيل الذمّ وارتفعتْأموالهم في هضاب المَطل والعِلل
من كلِّ أظمى الثرى والأرض قد نهلتْومقشعرّ الذّرى والشَّمس في الحمل
وأخرسِ الجود تلقَى الدَّهرَ سائلهكأنَّهُ واقف منه علَى طَلَل
وله أيضاً:
ستعلم يا عياش إن كنت تعلمُفتندمُ إن خلاَّك جهلُكَ تندمُ
وقفتُ عليكَ الذمّ حتَّى كأنّمالديك الغنَى أوْ ليسَ في الأرضِ درهمُ
وكفكفتُ عنكَ الذمّ حتَّى كأنّماأجاركَ مجدٌ أوْ كأني مفحَمُ
فلمَّا بدا لي منكَ لؤمٌ تحفّهُحرَّ ميَّةٌ ينشقُّ عنها التَّبظْرُمُ
تركتكَ ما إنْ في أديمكَ ظاهرٌولا باطن إلاَّ ولي فيه ميسمُ
وأيسَرُ من تَسآلكَ العيُّ والعمَىوأعذبُ من إحسانكَ القيحُ والدمُ
رأيتكَ من مالٍ وجود ومحتِدٍلأعدمُ من أن يسْتَريشك مُعدَمُ
وما ليَ أهجو حضرموت كأنَّهمْأضاعوا ذمامي أوْ كأنَّك منهُمُ
وقال البحتري:
خطب المديح فقلتُ خلِّ طريقَهُليجوز عنك فلستَ من أكفائه
وقد انتمَى فانظُرْ إلى أخلاقهصفحاً ولا تنظرْ إلى آبائه
أعطى القليلَ وذاك مبلغُ قدرِهِثمَّ استردَّ وذاك مبلغُ رائه
ولبعض بني أسد:
وما جاءني من خالد غير خمسةٍوما خمسة من خالد بقليل
ثقيل علَى ظهر الجواد إذا غداوليس علَى أعدائه بثقيل
وقال الأخطل:
ما زالَ فينا رباطُ الخيل مُعلمةًوفي كُليب رباطُ الذلِّ والعارِ
قومٌ إذا استنبحَ الأضياف كلبهُمُقالوا لأُمِّهم بولي علَى النَّارِ
وقال أبو تمام الطائي:
أتطمعَ أن تُعَدَّ كريم قومٍوبابُكَ لا يطيفُ به كريمُ
كمن جعلَ الحضيض له مهاداًويزعمُ أن أخوته النُّجومُ
فما أنت اللَّئيمُ أباً ولكنزمانٌ سُدتَ فيه هو اللَّئيمُ
وقال البحتري:
وأكثر ما لسائلهم لديهمإذا ما جاءَ قولهُمُ تعودُ
ووعد ليس يُعرفُ من عُبوس انقباضِهم أوعدٌ أمْ وَعيدُ
وقال أيضاً:
لو صافحوا المُزن ما ابتلتْ أناملهمولو يَخوضونَ بحر الصِّين ما غَرِقوا
جَفُّوا من اللّؤم حتَّى لو بَدا لهمُضوءُ السَّنا في سواد اللَّيل لاحترقوا
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع