من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب التاسع والستون: ذكر من هجي بالفرار من اللقاء
والجزع من مواقعة الأعداء وأول بابه
قال حسان بن ثابت يعير الحارث بن هشام بفراره وتسليمه من معه:
إن كنت كاذبة الَّذي حدثتنيفنجوتِ منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبَّةَ أن يُقاتل دونهمونجا برأس طِمرَّةٍ ولِجام
وقال الحارث بن هشام معتذراً من ذلك:
الله يعلمُ ما تركتُ قتالهمحتَّى علَوْا فرسي بأشقرَ مُزبِدِ
وعلمتُ أنِّي إنْ أُقاتلُ واحداًأُقتلْ ولا يضرُرْ عدوِّي مشهدي
فصددتُ عنهمْ والأحبَّةُ فيهمُرَصداً لهمْ بعقاب يوم مَرصدِ
ومن العجائب أن يُعير حسان أحداً بالفرار من اللقاء، ومكانه من الجُبن المكان الَّذي لا يجهله من روى الأشعار، وعلم طرفاً من الأخبار.
وبلغني أنَّه كان يهاجي قيس بن الخطيم وكان فيما هجاه به قوله:
فلا تجزعنّ يا قيس وأربعْ فإنَّماقُصاراك أن تلقَى فألقى محمدا
فلما بلغ هذا البيت قيساً قال: هذا حسان بن ثابت. قالوا: نعم، قال: لم يكن هذا كلامه يوم انهزم من أول السطح إلى آخره، ومن آخره إلى أوله.
وقال جرير يعير الفرزدق بنبوّ السَّيف عن قطع العلج الَّذي ضربه:
بسيف أبي رعوان سيف مُجاشعٍضربتَ ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربتَ به عند الأمام فأرعَشَتْيَداك وقالوا مُرهف غير صارم
فقال الفرزدق يجيبه ويعتذر من ذلك:
فهل ضربةُ الرُّومي جاعلة لكمأباً عن كليب أو أباً مثل دارمِ
فلا نقتل الأسرى ولكن نفكُّهمإذا أثقلَ الأعناق حملُ المغارم
وقال أيضاً:
وما نَبَا السيفُ من جُبن ولا دَهشٍعند الأمام ولكنْ أُخِّرَ القَدَرُ
ولو ضربتُ علَى عَمْدٍ مقلَّدُهلخرَّ جُثمانه ما فوقهُ شَعَرُ
وما يعجِّل نفساً قبلَ مِيتتِهاجمعُ اليدين ولا الصّمصامةُ الذكرُ
وقال أيضاً:
فإن يكُ سيفٌ خان أوْ قَدَرٌ أبىلتأخير نفس حتفها غيرُ شاهدِ
وقال الطرماح:
لا عزَّ نصرُ امرئ أمسى له فرسٌعلَى تميمٍ يريدُ النَّصرَ من أحدِ
لو كانَ وَرد تميم ثمَّ قيل لهاحوض النَّبيّ عليه الأزد لم ترِدِ
لو أنزلَ اللهُ وحياً أن يُعذّبهاإن لم تَعد لقتالِ الأزد لم تعدِ
وقال أيضاً:
نُبئت تيماً محتذي حرب طيئٍتَباركت يا ربَّ الخطوب الأوائلِ
وما خلقتْ تيمٌ وزيدُ مناتهاوضبَّةَ إلاَّ بعد خَلق القبائلِ
لقد زادني حبّاً إليَّ تقبّضيبغيضٍ إلى كلِّ امرئ غير طائلِ
إذا ما رآني قطّع الطّرف بينهوبيني فعل العارف المتجاهلِ
ملأتُ عليه الأرض حتَّى كأنَّهامن الضّيق في عينيه كِفةُ حابلِ
وقال آخر:
لحا اللهُ أهزلنا جارهُوأسمننا حين نشتو فصالا
والأمنا عند غِبِّ اللّقاء إذا ما دعوتُك عَمّاً وخالا
وأجبنا أسوةً في اللّقاء إذا ما السُّيوف عَلوْن القلالا
وقال الفرزدق:
كأني علَى ذي الطبي عينٌ بَصيرةمُفَقّدة أوْ منظر هو ناظره
يحاذرُ حتَّى يحسب النَّاس كلّهممن الظنّ لا تخفى عليهم سرائره
وقال آخر:
كأنَّ بلادَ الله وهي عريضةٌعلَى الخائف المطلوب كفّة حابلِ
يؤدي إليه أن كلَّ ثنيَّةٍتيمَّمَها ترميه منها بقاتلِ
وقال آخر:
أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌرَبداء تفزعُ من صَفيرِ الصَّافرِ
هلاَّ برزت إلى الغزالة في الوغىبل كانَ قلبُك في جَناحي طائرِ
صدعت غزالة قلبه بفوارستركت مناظره كأمس الدَّابرِ
وقال آخر:
جهلاً علينا وجُبْناً عن عدوّكملبئستِ الخلّتانِ الجهلُ والجُبُنُ
إذا رأوا خلّة طاروا بها فرحاًمنِّي وما علموا من صالحٍ دَفنوا
وقال أبو تمام:
لو لم تراجعهم لراجعهمما في صدورهم من الأوجالِ
قد أترعتْ منها الجوانح رهبةًبَطَلت لديها سورةُ الأبطالِ
لم يُكسَ شخصٌ فيئه حتَّى رمىوقت الزَّوال نعيمهم بزوالِ
برزت بهم هفوات علمهمُ وقديُردي الجمال تعسُّف الجمَّالِ
وكأنَّما احتالت عليه نفسُهُإذْ لم تنلْهُ حيلةُ المحتالِ
ترك الأحبَّة سالياً لا ناسياًعذرُ النسيِّ خلافُ عذر السَّالي
ما زالَ مغلوبَ العزيمة سادراًحتَّى غدا في القيد والأغلالِ
لا كعبَ أسفلُ موضعاً من كعبهمع أنَّه عن كلِّ كعب عالِ
سامٍ كأنَّ العزّ يجذبُ ضيعَهُوسُمُوُّه من ذلَّة وسفالِ
مُتفرغ أبداً وليس بفارغٍمن لا سبيل له إلى الأشغالِ
وقال أيضاً:
أعطى بكلتا يديه ثمَّ قيل لههذا أبو دُلف العجلي قد دَلَفا
جيران تحسب أن النَّقع من دهشٍ... طوراً...
تركت أجفانه مغموضة أبداًذُلاً يمكن عينيه ولا وَطَفا
برقٌ إذا رقّ غيثٌ باتَ مختطفاًللطرف أصبح للهامات مختطفا
وللبحتري:
وقد شاغبَ الإسلام خمسين حجَّةًفلا الخوفُ ناهيه ولا الحُلمُ زاجرُه
ولمَّا التقى الجمعان لم تجتمع لهُيَداه ولم ينبت علَى البيض أطرُه
فجاءَ مجيء العير قادتْهُ حَيرةٌإلى أهرت الشّدقين تُدمَى أظافرُه
ومن كانَ في استسلامه لائماً لهُفإنِّي علَى ما كانَ من ذاكَ عاذرُه
وكيفَ يفوتُ اللَّيثَ في قيد لحظهِوكانَ علَى شهرين همٌّ يُحاصرُه
فإن أدركتْهُ بالعراق نيَّةٌفقاتلهُ عند الخليفةِ آسرُه
بتدبيرك الميمون أعلى مكيدةوكلَّتْ عليه سمرُهُ وبواترُه
وظنّك سرٌّ لو تكلف ظنّهُدجا اللَّيل عنَّا لم تسعْه ضمائرُه
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع