تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)

الباب السابع والسبعون: ذكر ما للشعراء في التحذير والإغراء

حدثني إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدثنا سفيان بن عمر بن دينار، وأبو أيوب عن عكرمة وداود بن سابور وابن جريج عن مجاهد قالا: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلّم حلف من خزاعة فذكر صدراً من خبر فتح مكة فيه، ودخل النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم من كداء، وقال: اللهم اضرب على أسماعهم وعلى أبصارهم فلا يشعرون بنا حتَّى نهجم عليهم. فأنشأ حسان بن ثابت الأنصاري يقول:

عدمتم خيلنا إن لم تروهاتثير النقع موعدُها كداءُ
تظلُّ جيادنا مُتمطراتٍتُلطمهُنَّ بالخمر النّساءُ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

قال سفيان: فلقد كانت المرأة تردُّ وجه الفرس بخمارها عن بابها.

قال عدي بن زيد العبادي يحرض ابنه على من حبسه:

ألا هبلتك أمُّك عمرو بعديأتقعد لا تريم ولا تصولُ
ألم يحزُنكَ أن أباك عانٍوأنتَ مُغيَّبٌ غالتك غولُ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
تُغنيك ابنة القين بن جسرٍوفي كلب وتُضحكك الشمولُ
فلو كنت الأسير ولا تكنهإذاً علمتْ معدٌّ ما أقولُ
فإن أهلك فقد أبليت قوميبلاءً كله حسنٌ جميلُ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

وقال لقيط بن معبد الأيادي:

يا قومُ إن لكم من إرث والدكممجداً قد أشفقت أن يودي وينقطعا
ما لي أراكم نياماً في بُلهنيةٍوقد ترون شهابَ الحرب قد لمعا
للشاعر لَقيطِ بنِ يَعمُر الإيادي، اقرأ القصيدة
ألا تخافون قوماً لا أبا لكمأمسوا لديكم كأرسال الدّبا شرعا
لا تجمعوا المال للأعداء إنهمإن يظهروا يحتووكم والتّلاد معا
ماذا يردُّ عليكم عزُّ أولكمإن ضاعَ آخره أوْ ذلَّ فاتضعا
للشاعر لَقيطِ بنِ يَعمُر الإيادي، اقرأ القصيدة

قال أبو طالب:

خذوا حظّكم من سلمنا إن حربناإذا ضرَّستنا الحرب نارٌ تسعَّرُ
وإنّا وإياكم علَى كل حالةٍكمثلان بل أنتم إلى الصلح أفقرُ

وله أيضاً:

كذبتم وبيت الله يُقتل أحمدُولما نناضل دونه ونُقاتِلُ
ونُسلمه حتَّى نُصرّعَ حولهونذهل عن أبنائنا والحلائلُ
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «خليلي ما أذني لأول عاذل»

قال النابغة الجعدي:

فأبلغ عِقالاً إنَّ غاية داحسٍبكفيك فاستأخر بها أو تقدَّمِ
تجيرُ علينا وائل بدمائناكأنك ممَّا نال أشياعنا عمي
فإن كليباً كان أكثر ناظراًوأيسر جرماً منك ضُرّج بالدّمِ
رمى ضرع نابٍ فاستمر بطعنةٍكحاشية البُرد اليماني المُسهمِ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

وقال زُفر بن الحارث:

أفي الحكم إمّا بحدل وابن بحدلفيحيا وأمَّا ابنُ الزبير فيُقتلُ
كذبتم وبيت الله لا تقتلونهولما يكنْ يومٌ أغرُّ مُحَجَّلُ
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
ولمّا يكن للمشرفيّة فوقكمشعاع كقرن الشَّمس حين ترحّلُ
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة

وقال الأشتر:

بقّيتُ وفري وانحرفت عن العلىولقيت أضيافي بوجه عبوسِ
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «بقيت وفري وانحرفت عن العلى»
إن لم أشنّ علَى ابن حربٍ غارةًلم تخلُ يوماً من نهاب نفوسِ
خيلاً دِراكاً كالسعالى شزّباًتعدو ببيض في الكريهة شوسِ
حَمِيَ الحديد عليهمُ فكأنهملمعانُ برقٍ أوْ بريق شموسِ

وقال الفضل بن العباس:

مهلاً بني عمّنا عن نحت أثلتنامهلاً بني عمّنا مهلاً موالينا
الله يعلم أنّا لا نُحبُّكمُولا نلومكمُ ألاّ تحبّونا
للشاعر الأخضر اللهبي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

لا تنصروا اللات إن الله مُهلكهاوكيف ينصركم من ليس ينتصر
للشاعر شداد بن عارض الجشمي، اقرأ القصيدة
إن الرسول مَتَى يَحْلُلْ بساحتكميظعن وليس بها من أهلها بشر

قال يزيد بن الحكم ليزيد بن المهلب:

أبا خالدٍ قد هجت حرباً مريرةًوقد شمّرت حربٌ عوان فشمّر
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
فإن بني مروان قد زال ملكهمفإن كنت لم تشعر بذلك فأشعر
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

فقال: ما شعرت. فقال:

فعش ملكاً أوْ مت كريماً وإن تمتْوسيفك مشهورٌ بكفِّك تُعْذَرِ

قال الأخطل:

بني أميَّةَ إنِّي ناصح لكمُفلا يبيتنَّ فيكم آمناً زُفَرُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خف القطين فراحوا منك أو بكروا»
مفترشاً كافتراش الكلب كلكلهلشدة كائن فيها له جزرُ

قال عطيَّة الكلبي:

يا ثابتَ بن نعيم هل بكم ثورأم بعد عامك هذا تُطلبُ الإحنُ
كم من أخٍ لك أوْ مولى فجعتُ بهمن الوقيعةِ لم يُنشر له كفنُ
للشاعر عطية بن الأَسود، اقرأ القصيدة
ومن يمانية بيضاء موجعةٍما إن يسوغ لها ماءٌ ولا لبنُ
للشاعر عطية بن الأَسود، اقرأ القصيدة
أنائم أنت أم مغضٍ علَى مضضٍكلا وأنت علَى الأحساب تُؤتمَنُ
للشاعر عطية بن الأَسود، اقرأ القصيدة

قال مُحرز بن المكعبر:

أبلغ عديّاً حيث صارت بها النَّوىفليس لدهر الطالبين فناءُ
كسالى إذا لاقيتهم غير مَنْطِقٍيُلهَّى به المحروب وهو عناءُ
وإنِّي لأرجوكم علَى بطء سعيكمكما في بطون الحاملات رجاءُ
أخبِّرُ من لاقيتُ إن قد وفيتمُولو شئت قال المخبرون أساءوا
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة
فهلاّ سعيتم سعي أسرة مازنٍوهل كفلائي في الحروب سواءُ
لهمْ أذرُع بادٍ نواشر لحمهاوبعض الرِّجال في الحروب غُثاءُ
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة
كأنَّ دنانيراً علَى قسماتِهموإن كان قد شفَّ الوجوه لقاءُ
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة

قال أوس بن بكر:

عصانيَ قومي والرّشاد الَّذي بهأمرتُ ومن يعصِ المحرّب يندم
فصبراً بني بكر علَى الموت إنَّنيأَرَى عارضاً ينهلُّ بالموت والدّم
ولا تجزعوا ممَّا جنته أكفكمولا تندموا ماذا يحين التندّم
أقيموا صدور الخيل للموت ساعةًوموتوا كراماً لا تبوؤا بمأثم

قال إسماعيل بن عبد الله أبو مريم يحذر بني أمية من بني العباس:

أَرَى خلل الرّماد وميض جمرٍأحاذر أن يكون له ضَرامُ
فإن النّار بالعودين تذكىوإن الحرب أولها الكلامُ
فإن لم تطفئوها تجنِ حرباًمُشمّرة يشيب لها الغلامُ
نأيتم عن بلادٍ عزَّ فيهالئام النَّاس واهتضم الكرامُ
أقول من التعجب ليت شعريأأيقاظ أميَّة أم نيام

قال سديف يُحرّض المنصور:

اقصهم أيُّها الخليفة واقطععنك بالسيف شأفة الأرجاسِ
خوفُها أظهر المودة منهموبها منكم كحد المواسي
فلقد ساءني وساء سوائيقربهم من نمارقٍ وكراسي
للشاعر سديف بن ميمون، من قصيدة «أصبح الملك ثابت الأثاث»

قال أبو عاصم الأسلمي يحرّض بني العباس علَى بني أميّة:

إيّاكم أن يقول النَّاس قد قدرواعليهمُ ثمَّ ما ضرّوا ولا نفعوا
إياكم أن تلينوا عند ذُلِّهمُفذلك الذل فيه الصّابُ والسلعُ
كانوا عُداةً فلما شبَّ جمعهممنّوا إليك بالأرحام الَّتي قطعوا
أليس في مائتي عام لكم عبرٌيسقونكم جُرعاً من بعدها جُرَعُ
هيهات لا بدّ أن يوفوا بصاعِهمُصاعاً وأن يحصدوا غير الَّذي زرعوا

وقال آخر:

لا تقبلوا عقلاً وأمّوا بغارةٍإلى عبد شمسٍ بين دَوْمَة فالهضَبِ
وهزّوا صدور المشرفيّ كأنّمايقَعْنَ بهام القوم في حنظلٍ رطبِ

قال طريح بن إسماعيل:

لا تأمننَّ امرءاً أسلمت مهجتهغيظاً وإنْ قلتَ أن الجرحَ يندملُ
واقبلْ جميل الَّذي يبدي وجازيهوليحرسنَّك من أفعاله الوجلُ

وقال آخر:

لا أصلح الله حالي إن أمرتكُمُبالصلح حتَّى تُصيبوا آل شدّادِ
قوم أصابوكُم في غير مظلمةٍإلاَّ لقيلٍ وقال الظّالم العادي
أوْ تجعلوا مضر الحمراء دونهُمأوْ تخرجوهم من أحداد وأحدادِ
حتَّى يُقالَ لوادٍ كان مسكنُهمْقد كنت تُسْكَنُ حيناً أيها الوادي

وقال آخر:

ظلمتم فاصبروا للظُّلم إنّاسنصبر إنَّها الحسبُ الكريمُ
وشرُّ الجازعين إذا أصيبتْقوادمُ ريشه الجزعُ الظلومُ
وكنّا قاعدين أقمتموناعلَى حقدٍ فقد قُمنا فقوموا

قال آخر:

أتظن يا إدريسُ أنك مفلتٌكيدَ ابن أغلب أوْ يَقيكَ فرارُ
فليدركنَّك أوْ تحلّ ببلدةٍلا يهتدي فيها إليك نهارُ
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
إن السيوف إذا انتضاها سُخطهُطالت وتقصرُ دونها الأعمارُ
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
ملك كأن الموت يتبع قولهحتَّى يقالَ تطيعه الأقدارُ
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

قال آخر:

وأقدِمْ علَى الأمر الَّذي إن تُلاقِهِيرحْكَ بموت أو يُدانيك من ظفرْ
فما قدّم الأقدام موتاً مؤخراًولا يدفع التأخير ما قدّم الحذرْ

قال رويشد الطائي:

يا أيُّها الرَّاكب المُزجي مطيَّتَهُسائل بني أسدٍ ما هذه الصوتُ
وقلْ لهمْ بادروا بالعذر والتمسواأمراً ينجيكُمُ إنِّي أنا الموتُ
إنْ تُذنبوا ثمَّ لا يعتب سَراتِكمُفما عليَّ بذنبٍ منكمُ فوتُ

قال البحتري:

نهيتك عن تعرّضٍ عرض حرٍّفإن الذّم من شأنِ الذّميمِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «رأيت البحبحاني استقلت»
وقلت توَقَّ محتملاً بوديعلَى الأضعانِ بالحلم الكريمِ
فما خرق السفيه وإن تعدّىبأبلغ فيك من رفق الحليمِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «رأيت البحبحاني استقلت»
مَتَى أخرجت ذا كرمٍ تخطّىإليك ببعض أخلاق اللئيمِ

وممَّا يدخل في باب التهاون بالتوعيد والاحتقار بالإنذار والتهدد ما بلغنا أن عبد الله بن العباس كان يتمثل إذا رأى عبد الله بن الزبير به:

أطلْ حمل الشناءة لي وبغضيبجهدك وانظرَنْ من ذا تضيرُ
فما بيديك خيرٌ أرتجيهوغيرُ صدودك الخطبُ الكبيرُ
إذا أبصرتني أعرضتَ عنّيكأنَّ الشَّمس من قلبي تدورُ
للشاعر عنترة الطائي، اقرأ القصيدة

قال الأعشى في نحو ذلك:

يزيد بغض الطرف دوني كأنَّمازوى بين عينيه عليَّ المحاجمُ
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوىولا تلقني إلاَّ وأنفك راغمُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «هريرة ودعها وإن لام لائم»

قال آخر:

وإذا قلتُ ويك للكلب وأخسألحظتني عيناك لحظة تُهمَه
أترى أنَّني حسبتك كلباًأنت عندي من أبعد النَّاس همه

وفي نحوه يقول جرير:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاًأبشر بطول سلامة يا مِربعُ
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط برامتين فودعوا»

وفي مثله:

أوْ كلّما طنَّ الذبابُ زجرتُهُإن الذباب إذاً علَى كريمُ

وفي مثله:

نبئتُ كلباً هاب شتمي لهيَنْبَحُني من موضع نائي
لو كنتَ من شيء هجوناك أوْنثبت للسامع والرائي
فعَدِّ عن شتمي فإنِّي امرؤٌحلَّمني قِلَّةُ أكفائي
للشاعر يزيد المهلبي، اقرأ القصيدة

قال آخر:

عادات طيٍ في بني أسدٍريِّ القنا وخضاب كل حسام
لا تكثرن جزعاً فإنِّي واثقبرماحنا وعواقب الأيَّام

فلو لم نعرف قبيلة هذا القائل، ومقصده من غير شعره لم ندرِ أطيئ المهجوّون أم هم الممدحون، وكذلك الحال في بني أسد.

قال آخر:

وما لي ذنب عند قيس علمتهُسوى أنَّني من رهط بكر بن وائل
من الوائليين الذين سيوفُهمْمجرَّدةُ في كل حق وباطل

قال آخر:

رويدَ بني شيبانِ بعضَ وعيدكمتُلاقوا غداً خيلي علَى سَفَوانِ
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة
تُلاقوا جياداً لا تحيدُ عن الوغىإذا الخيل جالت في القنا المتداني
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة
تلاقوا جياداً تعرفوا كيف صبركمعلَى ما جنت فيكم يدُ الحدثانِ
مقاديم وصَّالون في الرّوع خطوهُمبكل رقيق الشَّفرتين يمانِ
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة
إذا استُنجدوا لم يسألوا من دعاهُمُلأيَّةِ حربِ أم بأي مكانِ
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة

قال أبو علي البصير:

لعمرُ أبيكَ ما نُسبَ المُعَلَّىإلى كرمٍ وفي الدُّنيا كريمُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لعمر أبيك ما نسب المعلى»
ولكنَّ البلادَ إذا اقشعرَّتْوصوَّحَ نبتُها رُعي الهشيمُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لعمر أبيك ما نسب المعلى»

وفي نحو ذلك:

خلت الديارُ فسدتُ غير مُسوّدِومن الشقاءِ تفردي بالسؤدد
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

قال الأخطل لشقيق بن ثور:

وما جذْعُ سوءٍ خرَّق السوس جوفهلما حمَّلتهُ وائلٌ بمُطيقِ

فقال شقيق: يا أبا مالك ما تُحسنْ أن تهجو، ولا تمدح. أردت أن تهجوني فمدحتني، وزدتني ما لم أطمع فيه من بني تغلب خاصة فجعلت وائل كلها.

قال مفروق بن عمرو الشيباني:

ولرُبَّ أبطال لقيت بمثلهمفسقيتُهم كأسَ الرَّدى وسُقيتُ
للشاعر مفروق بن عمرو الأصم، اقرأ القصيدة
فلأطلبنَّ المجد غيرَ مُقصِّرٍإن متُّ متُّ وإن حييتُ حييتُ
للشاعر مفروق بن عمرو الأصم، اقرأ القصيدة

قال زُفر بن الحارث:

وكنّا حسبنا كلّ سوداء تمرةًلياليَ لاقينا جُذامَ وحمْيرا
فلما قرعنا النّبع بالنّبع بعضهببعضٍ أبت عيدانهُ أن تكسَّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «تذكرت والذكرى تهيج للفتى»
سقيناهمُ كأساً سقونا بمثلهاولكنهم كانوا علَى الموت أصبرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «تذكرت والذكرى تهيج للفتى»

قال عبد الوهاب بن الصّباح:

أراك في العُسر تجزيني وفي العَدمِوفي الحديث من الأيَّام والقدمِ
وقست حالك في الفقر القديم بماأصبحت في ظلمه من واسع النعمِ
فما رأيتك في حال تكون بهاأدنى إلى كل خير منك في العدمِ
فلا عدمت وإن لم تهوَ منزلةًتدنيكَ حالتها من صالح الشيمِ

وبلغنا أن الزبرقان بن بدر استعدى عمر بن الخطاب على الحطيئة فقال: إنَّه قد هجاني. قال: وما قال لك؟ قال:

دعْ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتهاواقعدْ فإنَّك أنت الطاعم الكاسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

فقال عمر: أما ترضى أن تكون طاعماً كاسياً؟ قال: لا والله لولا الإسلام لأنكرتني. قال: ما أعلمه هجاك، ولكن أدعو ابن القُريعة. فلما جاءه حسّان. قال له عمر: أهجاه؟ قال: لا. ولكنه سلح عليه.. فقال عمر للحطيئة: لأحبسنَّك أوْ لتكفنَّ عن إعراض المسلمين. قال أمير المؤمنين: لكل مقامٍ مقال. قال: وإنك لتهددني فحبسه. فكتب إليه من الحبس:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍزغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ
ألقيتَ كاسبَهم في قعر مُظلمةٍفارحم عليك سلامُ الله يا عمرُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»
نفسي فداؤك كم بيني وبينهممن عرض داويّة يعمى لها الخبرُ

فلما قرأها عمر رقَّ له، فخلَّى سبيله. وبيت الحطيئة وإن كان غيره أشدَّ إفصاحاً بالهجاء منه فإن معه ما يوضّح عن مراد صاحبه ويزيل توهم المدح فيه وهو:

ما كان ذنب بغيضٍ أن رأى رجلاًذا حاجةٍ عاش في مستوعر شاسِ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ما كان ذَنْبُ بَغِيضٍ أنْ رأى رَجُلاً»
ملّوا قراه وهزَّته كلابهُموجرَّحوه بأنيابٍ وأضراسِ
لما بدا لي منكم خبثُ أنفسكمولم يكن لجراحي فيكم آسي
أزمعتُ يأساً مبيناً من نوالكمُولن ترى طارداً للحرِّ كالياسِ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

وروي أن عمر بن الخطاب رحمه الله، أنَّه لما سمع قول النجاشي في بني العجلان:

إذا الله عادى أهل لؤمٍ ودقَّةٍفعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
قُبيَّلَةٌ لا يغدرون بذمةٍولا يظلمون النَّاس حبةَ خردل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

قال: يسرني أن ابن الخطاب كذلك، فلما سمع:

ولا يردون الماء إلاَّ عشيَّةًإذا صدر الوراد عن كل منهل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

قال: ما أحبّ كل هذه الذلة.

ومع هذين البيتين ما يوضح أنَّها هجاء صحيح غير مشبه لشيء من المديح مع البيت الأول وهو قوله:

أولئك أخوال اليتيم وأسرةُالهجين ورهط الخائن المتبدلِ
تعافُ الكلابُ الضاريات لُحومَهُمْويأكُلْنَ من كلب وعوف ونهشلِ
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
وما سمّي العجلان إلاَّ لقولِهمْخُذْ القعب واحلُبْ أيها العبدُ واعجلِ

قال رجل من بني العنبر:

لو كنتُ من مازنٍ لم تستبِح إبليبنو اللقيطة من ذُهل بن شيبانا
للشاعر محمد المهدي المجذوب، من قصيدة «رقصة الحمامة»
إذاً لقام بنصري معشرٌ خُشنٌعند الحفيظة أنْ ذو لوثةٍ لانا
قومٌ إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهمْلم يرهبوه زرافاتٍ ووحدانا
لا يسألون أخاهُم حين يندبُهمْفي النائبات علَى ما قال بُرهانا
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «يا للحماسة ضاقت بينكم حيلي»
لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍليسوا من الشرِّ في شيء وإن هانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةًومن إساءة أهل السوء إحسانا
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وفى السحاب لمغناه وإن خانا»
كأن ربَّكَ لم يخلق لخشيتهسواهمُ من جميع الناسِ إنسانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»

قال آخر:

عند الملوك مصائر ومنافعُوأَرَى البرامك لا تضرُّ وتنفع
وإذْ نكرتَ من امرئ أعرافَهُوطباعهُ فانظر إلى ما يصنع

قال المُثلَّم بن رياح بن ظالم:

تصيحُ الرُّدينيات فينا وفيكمُصياحَ بنات الماء أصبحْنَ جُوَّعا
للشاعر المثلم المري، من قصيدة «من مبلغ عني سنانا رسالة»
خلطنا البيوت بالبيوت فأصبحوابني عمّنا من يرمهم يرمنا معا
للشاعر المثلم المري، من قصيدة «من مبلغ عني سنانا رسالة»

قال آخر:

بكُرهِ سراتنا يا آلَ عمرٍونعاديكُمْ بمرهفةِ النصالِ
لها لونٌ من الهامات كابٍوإن كانتْ تُحادثُ بالصّقالِ
نُعدِّيهنَّ يوم الرَّوع عنكمْوإن كانتْ مُثلَّمةَ النِّصالِ
ونبكي حين نذكركم عليكمونقتلكُمْ كأنّا لا نبالي

قال القتّال الكلابي:

نشدتُ زياداً والمقامة بينناوذكرتهُ أرحام سعد وهيثمِ
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
فلما رأيتُ أنَّه غير مُنتهٍأملت له كفّي بلدنٍ مقوَّمِ
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
فلما رأيت أنَّني قد قتلتهندمتُ عليه أيَّ ساعة مندمِ

قال قيس بن زهير:

شفيتُ النَّفس من حمل بن بدرٍوسيفي من حُذيفةَ قد شفاني
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «شفيت النفس من حمل بن بدر»
فإنْ أكُ قد بردتُ بهم غليليفلم أقطع بهم إلاَّ بناني
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «شفيت النفس من حمل بن بدر»

قال الشميذر الحارثي:

بني عمّنا لا تذكروا الشعر بعدمادفنتم بصحراء الغُمير القوافيا
فليس كمن كنتم تُصيبون سلمةفيقبلَ ضيمٌ أوْ يحكّم قاضيا
ولكنّ حكم السَّيف فيكم مُسلَّطٌفيرضى إذا ما أصبح السَّيف راضيا
وقد ساءني ما جرَّت الحربُ بيننابني عمّنا لو كان أمراً مُدانيا
فإن قُلتم أنّا ظلمنا فلم نكُنْظلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وعدتم وأعطيتم مدى المطل حقه»

قال البحتري:

أسأتُ لأخوالي ربيعة إذْ عفَتْمصانعها منها وأقوتْ ربوعُها
بكُرهيَ إن كانت خلاءً ديارهاووحشاً مغانيها وشتى جميعها
إذا اقترفوا عن وقعة جَمَعتهمُلأخرى دماءً ما يُطلُّ نجيعُها
تذمُّ الفتاةُ الرود شيمة زوجهاإذا بات دون الثأر وهو ضجيعها
حميَّةَ شغب جاهليّ وعزَّةٍكليبيّة أعيا الرِّجال خُضوعُها
للشاعر البحتري، من قصيدة «منى النفس في أسماء لو تستطيعها»
وفرسان هيجاء تجيش صدورهابأحقادها حتَّى تضيق ذروعها
للشاعر البحتري، من قصيدة «منى النفس في أسماء لو تستطيعها»
نُقتّل من وترٍ أعزَّ نفوسهاعليها بأيدي ما تكاد تُطيعُها
إذا احتربت يوماً تعاصت دماؤهاتذكّرت القربى ففاضتْ دموعُها
شواجرُ أرماحٍ تُقطَّعُ بينهمشواجر أرواحٍ كلومٍ قطوعُها

قال أيضاً:

فضلُ الخلائف بالخلافة واقفٌفي الرُّتبة العليا وفضلك أفضلُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لولا تعنفني لقلت المنزل»
أوفيت عاشرهم فإن نُدبوا إلىكرم وإحسان فأنت الأولُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لولا تعنفني لقلت المنزل»

فهذا إن شاء إنسانٌ يصير به إلى نهاية المدح، وشاء آخر أن يصرفه إلى غاية الذم، وجد كلُّ امرئ منهم مقالا. أي مديح أبلغ من أن يكون ماضي من الخلفاء دون الممدوح بهذا القول. وأي ذم أوكد حجةً على المرء من تشريفه على آبائه وأجداده والأخبار بأنه نجم من بينهم، مخالف في السؤدد لجماعتهم. وهذا النوع من الحلم غير مشاكل لما قدمناه في الباب المتقدم، لأن ذلك الحلم إنَّما وقع من فاعله رغبة منه في المكارم. وهذا الحلم إنَّما وقع احتقاراً للمخاصم، وكلاهما جميل من فاعله إذا كان ذلك يدل على كرم الطبع، وهذا يدل على جلالة القدر.

النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كتاب الزهرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.