من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الرابع والسبعون: ذكر من أظهر الجزع من الفقر وقنع به وافتخر بالصبر
قال حطَّان بن المعلَّى:
أنزلني الدَّهرُ علَى حكمهِمن شاهقٍ عالٍ إلى خفضِ
وغالني الدَّهرُ بوفرِ الغِنَىفليس لي مالٌ سوى عرضي
أبكاني الدَّهرُ ويا ربَّماأضحكني الدَّهرُ بما يُرضي
لولا بنيَّاتٌ كزغبِ القطارُددنَ من بعضٍ إلى بعضِ
لكانَ لي مضطربٌ واسعٌفي الأرض ذات الطولِ والعَرضِ
وإنما أولادنا بينناأكبادنا تمشي على الأرضِ
وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي:
والله لولا صبيةٌ صغاروجوههمْ كأنَّها أقمار
تجمعهمْ من العتيك دارٌدرادق ليس لهمْ دثار
باللَّيل إلاَّ أن تُشبّ نارلما رآني ملكٌ جبَّار
ببابهِ ما سطع النَّهار
وقال آخر:
لولا أُميمةُ لم أجْزع من العدمِولم أُقاسِ الدُّجَى في حِندس الظّلمِ
وزادني رغبةً في العيش معرفتيذلَّ اليتيمة يجْفوها ذوو الرَّحمِ
أحاذرُ الفقر يوماً أن يُلمّ بهافيكشفَ السترَ عن لحم علَى وضمِ
تهوى حياتي وأهوَى موتها شغفاًوالموتُ أكرمُ نزَّالٍ علَى الحُرَمِ
وأنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةًوبالشَّام أُخرى كيف تلتقيانِ
سأُعملُ نصّ العيس حتَّى يكُفنيغنَى المال يوماً أوْ غنَى الحدثانِ
وقال نهيك بن أُساف:
أَمّ نهيكٍ ارفعي الظنَّ صاعداًولا تيأسي أنْ يُثريَ اليومَ بائسُ
سيكفيك سيري في البلادِ وبُغيتيوبعلُ الَّتي لم يحظ في البيتِ جالسُ
سأكسبُ ملاً أوْ تبيتنَّ ليلةًلصدركَ من وجدٍ عليَّ وساوسُ
ومَن يكسبِ المالَ المُمنَّعَ بالقنايعشْ مثرياً أوْ يُودَ فيما يُمارسُ
وقال آخر:
فما طلب المعيشة بالتَّمنِّيولكنْ القِ دلوك في الدّلاءِ
تجيءُ بملئها يوماً ويوماًتجيءُ بحمأةٍ وقليل ماءِ
وقال آخر:
فسرْ في بلادِ الله والتمسْ الغِنَىتعشْ ذا يسار أوْ تموتَ فتُعذرا
ولا ترضَ من عيشٍ بدونٍ ولا تنمْوكيفَ ينامُ اللَّيل من كانَ مقترا
وأجود من هذه المعاني قول الآخر:
إذا ذهبت نفسي لدنيا أصبتُهافقد ذهبتْ نفسي وقد ذهب الثَّمنْ
لها تُطلبُ الدُّنيا فإن أنا بعتُهابشيءٍ من الدُّنيا فذلكمُ الغَبَنْ
قال محمود الوراق:
بَخلتُ وليس البخلُ منِّي سجيَّةًولكنْ رأيتُ الفقرَ شرَّ سبيلِ
لَموتُ الفَتَى خيرٌ من البخلِ للفتَىوللبخلُ خيرٌ من سؤالِ بخيلِ
وأحسن من ذا قولاً وهو في ضدّ معناه الَّذي يقول:
إنَّ القناعةَ عزٌّ دائم وغنًىوالذُّلُّ والفقرُ في ذي الحرص والطَّمعِ
لا يمنعنكَ من عَودٍ بعارفةٍخوف الخصاصة أوْ كفران مُصطنعِ
فهؤلاء الذين وصفنا حالهم في صدر هذا الباب إنَّما دعاهم إلى بذل أنفسهم في طلب المال الخوف على عيالهم، ولم يريدوا بذلك مباهاة لغيرهم، ولا مكاثرة لهم بأموالهم فهم لعمري أعذر ممَّن بذل نفسه، واستعمل جاهه، وانصب جسمه في طلب ما لم تدفعه الضرورة إلى طلبه، ويكسب مالاً فقرنه إلى كسب كما قال امرؤ القيس، وهو من جيد كلامه، وهو من الأمثال السائرة من شعره وإن كان غير محمود المعنى في حقيقته:
فلو أن ما أسعى لأدنَى معيشةٍكفاني ولم أطلب قليلاً من المالِ
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثَّلٍوقد يُدرك المجدَ المؤثل أمثالي
وما المرءُ ما دامت حُشاشة نفسهِبمُدرك أطراف الخطوب ولا آلِ
وكما قال أيضاً:
بكى صاحبي لمَّا رأى الدربَ دونَهُوأيقنَ أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلتُ لهُ لا تبكِ عينكَ إنَّمانحاولُ مُلكاً أوْ نموتُ فنُعذرا
وكما قال يزيد بن خذاق:
ذريني أسير في البلادِ لعلَّنيأُصيبُ غنًى فيه لذي الحقّ مَحْملُ
فإن نحنُ لم نملك دفاعاً لحادثٍتلِمُّ به الأيَّام فالصَّبر أجملُ
أليسَ كثيراً أن تلمّ مُلمَّةٌوليسَ علينا في الحقوقِ مُعوَّلُ
وكما قال أبو نواس:
تقول الَّتي من بيتها خفَّ مركبييعزّ علينا أن نراكَ تَسيرُ
أما دون مصرٍ للفتَى متطلّبٌبلَى إن أسباب الغِنَى لكثيرُ
فقلتُ لها واستعجلتْها بوادرٌجرتْ فجرى في جَريهن عَبيرُ
ذريني أكثر حاسديك برحلةٍإلى بلدٍ فيه الخصيبُ أميرُ
وقال آخر:
سأبغي الغِنَى إما جليسَ خليفةٍنقومُ سواءً أوْ مخيفَ سبيلِ
لنخمسَ مالَ الله من كلِّ فاجرٍوذي بِطنةٍ للطيّبات أكولِ
وكما قال الأحمر بن سالم:
مقِلٌّ رأى الإقلالَ عاراً فلم يزلْيجوبُ بلادَ الله حتَّى تَمَوَّلا
ولم ينهَهُ عما أرادَ مهابةولكنْ مضى قُدماً وما كانَ مُبْسلا
فلمَّا أفادَ المالَ جادَ بفضلِهِعلَى كلِّ مَن يرجو نداهُ مُؤمِّلا
فأعطى جزيلاً من أرادَ عطاءهُوذو البخل مذموم يرى البخلَ أفضلا
قال أبو بكر: وإن هذه الأشعار لفي غاية من جزالة اللفظ، وتوسط من جودة المعنى، ولم نُعب قائليها، لأنهم أساؤوا فيها، وإنَّما أردنا منهم أن تكون رغبتهم في بذلها للمكاسب تأميلاً للرفعة بها في العواقب، إذْ قد استسلفوا مذلَّة السؤال، وليسوا على ثقة ممَّا أمَّلوه من علوّ الحال، ونحن الآن نذكر إن شاء الله من أثر القناعة والصبر، وتجشم مضاضة الإقتار والفقر.
أنشدني بعض أهل الأدب عن الرياشي لعلي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه:
دليلك أن الفقرَ خيرٌ من الغِنَىوأن القليلَ المال خيرٌ من المثري
لقاؤك مخلوقاً عصَى الله بالغنَىولم ترَ مخلوقاً عصَى الله بالفقرِ
وأحسن الَّذي يقول:
ما اعتاضَ باذلُ وجههِ بسُؤالهِعِوضاً ولو نالَ الغِنَى بسؤالِ
وإذا النَّوالُ مع السؤالِ وزنْتَهُرجَحَ السؤالُ وخفَّ كلُّ نوالِ
وقال بشر الضبعي:
إذا قلَّ مالي لا ألومُ ذوي الغِنَىولا يتحنَّى للحوادثِ جانبي
ولستُ إذا ما أحدثَ الدَّهر نكبةبأخضع ولاّج بيوت الأقاربِ
وقال أيضاً:
إذا قلَّ مالي أوْ أُصبتُ بنكبةٍقَدحتُ حياتي عفَّةً وتكرُّما
وأعرضُ عن ذي المال حتَّى يُقال ليقد أحدث هذا نخوَةً وتبرُّما
وما بي جفاءٌ عن صديقٍ ولا أخٍولكنَّها حالٌ إذا كنتُ مُعدما
وقال ابن أذينة:
لقد علمت لو أن العلم ينفعنيأن الَّذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعَى له فيُعنِّيني تَطَلُّبُهُولو قعدتُ أتاني لا يُغنيني
وقال آخر:
وإنْ صفحةُ المعروف ضنَّتْ بوجههبدا لك من معروفنا وجهُهُ السَّهْلُ
وما زالَ مُذ كنَّا ملوكاً وسُوقةًيموت بنا جَوْرٌ ويحيا عَدْلُ
وقال آخر:
ملأتُ يَدي من الدُّنيا مراراًفما طَمعَ العواذلُ في اقتصادِي
ولا وجبت عليَّ زكاةُ مالٍوهل تجبُ الزَّكاةُ علَى جَوادِ
وقال آخر:
لقد علمَ السَّاري طروقاً برحلهوباغي النَّدَى ما اللّؤم لي بقرينِ
ومُختبطٍ يسعى إليَّ برحلهفلم أفدْ منه صرمتي بيميني
فنفسك ولِّ اللومَ عاذل وانطحيبرأسك أركانَ الصَّفا وذريني
وقال آخر:
وإنِّي امرؤ ما تستفيقُ دراهميعلَى الكفِّ إلاَّ عابرات سبيلِ
أحكّم فيها الحقّ حتَّى أذلّهاإذا ذاد عنه الحقّ كلُّ بخيلِ
وقال أبو دلف:
إن نفساً كريمة تألف الصَّبر إذا ما تغيَّرت حالاتي
لو دعتني إلى الدّناة حياتييا ابن عيسى هانتْ عليَّ حياتي
إنَّما يُحمّدُ السَّجايا من الأحرار عند النَّوائب المُعضلاتِ
كلُّ حيٍّ يقوى علَى الصبر في السّرِّ وصبرُ الكريم في النَّائباتِ
وأنشدني بعض أهل الأدب:
لا تكثري لم أُقصِّر وَيْك في الطَّلبأيّ البلاد وأيّ الأرض لم أجُبِ
هذا وفيَّ خِلالٌ كلُّها سببٌإلى الغِنَى غيرَ أن الرزقَ لم يُجبِ
لا أتهم الله في رزقي فما صَرَفتعنِّي المكاسبَ إلاَّ حرفةُ الأدبِ
قال أبو العبر:
ليس لي مالٌ سوى كرميفيه أمنٌ لي من العَدَم
لا أقول الله يظلمنيكيف أشكو غير متَّهم
قَنعت نفسي بما رُزقتْوتمطَّت في العُلى هممي
ولبستُ الصبر سابغةًفهي من قرني إلى قدمي
فإذا ما الدَّهر عاتبنيلم يجدني كافرَ النّعم
وقال آخر:
إذا سُدَّ بابٌ عنك من دون حاجةٍفدعْهُ لأُخرى ليّنٌ لك بابُها
فإن قرابَ البَطن يكفيك مِلؤُهُويكفيك سوءاتِ الأمور اجتنابُها
وقال آخر:
الدَّهر لا يبقى علَى حالةٍلكنَّه يُقبلُ أوْ يُدبرُ
فإن تلقاك بمكروهةٍفاصْبر فإن الدَّهر لا يصبرُ
وقال بعض الكلابيين:
فإنِّي لصوانٌ لنفسي وإنَّنيعلَى الهول أحياناً بها لرَجومُ
وفرَّق بين الحيِّ بلوي مُشتّتٌومحتملٌ من ظاعن ومقيمُ
وأقحاط أقوام كأنَّ وليدهاوإنْ كانَ حي الوالدين يتيمُ
قال بعض الأعراب:
إذا مِتُّ فابكيني بثنتين لا يُقَلْكذبت وشرُّ الباكيات كذوبُها
بعفَّة نفسٍ حين يُذكر مَطمعٌوعزَّتها إنْ كانَ أمرٌ يُريبُها
وإن قلتِ سِمْحٌ في النَّدَى لا تكذبيفأمَّا تُقى نفسي فربِّي حسيبُها
وأخبرني محمد بن الخطاب الكلابي أن فتى من الأعراب خطب ابنة عم له وكان معسراً، وأبى عمه أن يزوّجه فكتب إلى ابنة عمه هذه الأبيات:
يا هذه كم يكون اللّوم والفَندُلا تعذلي رجلاً أثوابُهُ قِدَدُ
إن يمسِ منفرداً فالبدرُ منفردٌواللَّيث منفردٌ والسَّيف منفردُ
أوْ كنتِ أنكرتِ طِمريه وقد خَلِقافالبحر من فوقه الأقذار والزَّبَدُ
إنْ كانَ صرفُ الليالي رثَّ بزّتهفبين ثوبيه منها ضيغم لُبَدُ
قال: فدخلت بالأبيات على أبيها فقال لها: ما أُريد لك صداقاً غيرها، فدعاه فزوَّجه إيَّاها.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع