من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الخامس والسبعون: ذكر من افتخر لنفسه بالإغضاء عن خصمه
قال المتلمّس:
تحلَّمْ عن الأدنين واستبقِ منهُمُولن تستطيعَ الحلمَ حتَّى تحلَّما
وكنَّا إذا الجبار صعَّر خدَّهأقمنا له من مَيله فتقوَّما
فلو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتيجعلتُ لهم فوقَ العرانين ميسما
وهلْ كنت إلاَّ مثل قاطع كفّهبكفٍّ له أُخرى فأصبح أجذما
يداه أصابتْ هذه حتفَ هذهفلم تجدِ الأُخرى عليها مُقدَّما
فلمَّا أقاد الكفّ بالكفّ لم يكنْله دركٌ في أن تَبينا فأحجما
فأطرقَ إطراق الشُّجاع ولو رأَىمَساغاً لنابيه الشُّجاعُ لصمّما
وقال آخر:
قومي هُمُ قتلوا أميم أخيفإذا رَمَيْتُ أصابني سهمي
فلئن عفوتُ لأعفوَنْ جَلَلاًولئن ضربتُ لأُوهننْ عظمي
وقال آخر:
وذي خَطَل في القولِ يَحسب أنَّهمُصيبٌ فما يُلممْ به فهو قائله
عَبأت له حلماً وأكرمتُ غيرَهُوأعرضت عنه وهو بادٍ مقاتله
وقال وعلة بن الحرث الجرمي:
ما بالُ من أسعى لأجبر عظمهحفاظاً وينوي من سَفَاهته كسرِي
أعودُ علَى ذي الجهل والذّنب منهمُبحلمي ولو عاقبتُ غرَّقهم بحرِي
أناةً وحلماً وانتظاراً لهم غداًفما أنا بالواني ولا الضّرعَ الغمرِ
ألم تعلموا أنِّي تُخافُ غَرامتيوأنَّ قناتي لا تلينُ علَى الكسرِ
وقال ابن صريم الجرمي:
أردُّ الكتيبةَ مغلولةًوقد تركت ليَ أحسابَها
ولستُ إذا كنت في جانبأذمُّ العشيرة مُغتابها
ولكن أُطاوع ساداتهاولا أتعلَّمُ ألقابَها
وقال آخر:
وإنا لنعطي الضَّيم من لا نضيمُهُيُقرُّ ونأبى نخوة المتظلّم
أناةً وحلماً ثمَّ كانَ لقاؤهارهيناً بيومٍ كاسف الشَّمس مظلم
وقال آخر:
إن كنتَ لا ترهبُ ذمِّي لماتعلمُ من صَفْحي عن الجاهلِ
فاخشَ سُكوتي إذْ أنا منصتٌفيك لمسموعِ خنَا القائلِ
فسامعُ السُّوء مشيرٌ بهومُطعمُ المأكولِ كالآكلِ
مقالة السّوء إلى أهلِهأسرعُ من مُنحدرٍ سائلِ
ومن دعا النَّاس إلى ذمّهذمُّوهُ بالحقِّ وبالباطلِ
وفي نحوه:
فإن أنا لم آمُرْ ولم أنْهَ قائلاًضحكت له كيما يلجُّ ويستشري
وفي نحوه:
بني تميم ألا كفُّوا سفيهكُمُإنَّ السَّفيه إذا لم يُنْهَ مأمور
وفي نحوه يقول عمار بن ياسر:
توخَّ من الطُّرق أوساطهاوعَدِّ عن الجانبِ المشتبَه
وسمعَكَ صُنْ عن سماع القبيح كصون اللّسان عن اللّفظ به
فإنَّكَ عند استماع القبيحشريك لقائله فانتبه
قال لقيط بن زراة:
أغرَّكُمُ أنِّي بأحسن شيمةٍبصير وأنِّي بالفواحش أخرقُ
وإنك قد شاتمتني فقهرتنيهنيئاً مريئاً أنت بالشرِّ أحذقُ
وقال طرفة:
وكلام سيّئٍ قد وَقَرتْأُذني عنه وما بي من صَمَم
فتصافحت لكيما لا يرىجاهلٌ أنِّي كما كانَ زَعَم
قال لبيد، وهذه تعرف للكميت:
ستذكرنا منكم نفوسٌ وأعينذوارف لم تَضنن بدمع غُروبُها
وهل يعدُوَنْ بين الحبيب فراقُهُنَعَمْ داءُ نفسٍ أن يبينَ حبيبُها
رأيتُ عذاب الماء أن حِيلَ دونهاكفاك لما لا بدَّ منه شريبُها
وإن لم تكن إلاَّ الأسنَّة مركبٌفلا رأي للمحمول إلاَّ ركوبُها
تعاتبني في النُّصح فهرُ بن مالكٍولم تدرِ ما يُخفي الضَّميرُ عيوبها
ولو ماتَ من نُصحٍ لقوم أخوهُمُلقد لقيتني بالمنايا شعوبُها
أُطيِّبُ نفسي عن لؤي بن غالبٍوهيهاتَ منِّي ثمَّ هيهاتَ طيبُها
أبوها أبي الأدنى وأُمِّي أُمُّهافمن أين رابتني وكيفَ أريبها
ألا بأبي فهرٌ وأُمي ومالكوإن كثُرتْ عندي وفيَّ ذنوبها
قال معاوية بن أبي سفيان:
إذا لم أعدْ بالحلم منّي عليكُمفمن ذا الَّذي بعْدي يُؤمَّلُ للحلم
خُذيها هنيئاً واذكري فعل ماجدٍحباك علَى حرب العداوة بالسَّلم
ولبعض الأعراب:
وأغضي عن العوراء حتَّى يُقال ليبأذنيَ وقرٌ عندها حين أطرقُ
وعندي جوابٌ حاضرٌ لو أردتُهُمن الصّاب في فيه أمرُّ وأعلقُ
حياءً وإكراماً لعرضي أصونُهُوما خيرُ عرضٍ لا يزال يُمزَّقُ
إذا بعتُ عرضي لم يُذمَّ مُهذَّباًوآخذُ مذموماً به اللؤمُ مُلصقُ
إذا بعتهُ منه أخذتُ ندامةًوخسرانَ بيعٍ إذْ علَى الكفِّ يُصفقُ
وقال آخر:
وإنِّي لأُعطي المالَ من ليسَ سائلاًوأصفحُ عن بادي السَّفاه سليمِ
وأحمي ذمامَ المرء أعلمُ أنَّنيعليه بظهر الغيب غير كريمِ
وقال آخر:
فلو بي بدأتُمْ قبلَ من قد دعوتُمُلفرَّجْتُها وحدي ولو بلغت جهدي
إذا المرءُ ذو القربى وذو الرّحم أجحفتبه سُنَّةٌ سلَّت مصيبته حقدي
ولبعض الأعراب:
قومي إذا فرطت منهم بوادرهُمْلا يقرعون عليها السنَّ من نَدمِ
منّا العفافُ ومنّا العفو عائدةًإنّا كذلك عوَّادون بالنعمِ
إنّا إذا ما قدرنا واستعيد لنافالعفوُ فيما نرى أدني إلى الكرمِ
ولأبي هلال الأسدي:
دع عنك مولى السوء والدَّهر إنَّهسيكفيكهُ أيامهُ ونوائبُه
ويلقى عدوّاً من سواك يردُّهُإليك فتلقاه وقد لانَ جانبُه
وقال آخر:
وتجزعُ نفسُ المرء من سَبِّ مُرَّةٍفيسمعُ ألفاً مثلها ثمَّ يصبرُ
فلا تعذراني أن أُسيء فإنَّماشِرارُ الرّجال من يُسيء ويُعذرُ
وقال آخر:
يا أيُّهاذا الشاتمي ظالماًوالظُّلمُ مردودٌ علَى الشَّاتمِ
أرحمُ من يبكي بشتمي ومنأولى بأن يُرحمَ من آثمِ
ولمحمود الورّاق:
إنِّي شكرتُ لظالمي ظُلميوغفرتُ ذاك له علَى علمي
ورأيتهُ أسدى إليَّ يداًلمّا أبانَ بجهله حلمي
ما زال يظلمني وأنصفُهحتَّى بكيتُ له من الظُّلمِ
وقال آخر:
وليس يتمُّ الحلمُ للمرء راضياًإذا هو عند السُّخطِ لم يتحلَّمِ
كما لا يتمُّ الجودُ للمرء موسراًإذا هو عند العُسر لم يتجشَّمِ
وقال معن بن أوس المُزني:
لعمرُكَ ما أدري وإنِّي لأوْجَلُعلَى أيّنا تغدُو المنيَّةُ أوَّلُ
وإنِّي أخوكَ الدائمُ العهد لم أحُلْإن آذاك خصمٌ أوْ نبا بك منزلُ
أُحاربُ من حاربتَ من ذي قرابةٍوأحبسُ مالي إن غرمتَ فأعقلُ
وإن سُؤتني يوماً صفحتُ إلى غدٍليُعْقِبَ يوماً منك آخرُ مقبلُ
ستقطعُ في الدُّنيا إذا ما قطعتنييمينك فانظر أيَّ كفّ تبدَّلُ
إذا أنت لم تُنصفْ أخاكَ وجدتَهُعلَى طرف الهجران إنْ كانَ يعقلُ
ويركبُ حدّ السَّيف من أن تضيمَهُإذا لم يكنْ عن شفرةِ السَّيف مَزْحَلُ
وفي النَّاسِ إن رثَّتْ حبالُكَ واصلٌوفي الأرض عن دار القلى مُتحوّلُ
إذا انصرفتْ نفسي عن الشَّيء لم تكدْإليه بشيءٍ آخرَ الدَّهر تُقبلُ
وقال آخر:
بلاءٌ ليس يُشبههُ بلاءعداوةُ غير ذي حسبٍ ودينِ
يُبيحُكَ منهُ عِرْضاً لم يصنْهُويرتعُ منك في عِرض مَصونِ
وقال أبو الدّلف:
إذا نطق السفيه فلا تُجبْهُفخير من إجابتهِ السُّكوتُ
سكتُ عن السفيه وظنَّ أنِّيعييتُ عن الجواب وما عَييتُ
سفيهُ القوم يشتمني فيحظىولو دمَهُ سفكت لما حظيتُ
أنشدني البحتري لنفسه:
دعاني إلى قول الخنى واستماعهأبو نَهْشلٍ بعد المودَّة والحلفِ
وأخطرني للشّاتمين ولم أكُنْلأُشتم إلاَّ بالتكذّب والعَرفِ
فما ثلموا مجدي ولا فتلوا يديولا ضعضعوا عزّي ولا زعزعوا كهفي
ولما تبارينا فررت من الخنىبأشياخِ صدق لم يفرّوا من الزحفِ
وإنَّ جديراً أن تبيت ركائبيبديمومةٍ تسفي بها الريح ما تسفي
وأجبُنُ عن تعريض عرضي لجاهلٍوإن كنت في الإقدام أطعنُ في الصّفِّ
وإنِّي لئيمٌ إن تركتُ لأسرتيأوابدَ تبقى في القراطيسِ والصّحفِ
وقال آخر:
وإنِّي لأُقصي المرءَ عن غير بِغْضةٍوأُدني أخا البغضاء منّي علَى عَمْدِ
ليُحدثَ ودّاً بعد بغْضاءَ أوْ أَرَىله مصرعاً يُردي به الله من يُردي
وقائل هذه الأبيات غير داخل في باب الصفح عن المجرمين بل هو داخل في باب انتظار الفرصة لمعاقبة المذنبين، وليس ذلك لعيب في كل الحالان إذْ في الأحوال ما يكون الصفح عن المجرم جرماً عظيماً، وفساداً كثيراً، لأن العقاب على ثلاثة أضرب، فعقاب يدخل في باب التشفي، وعقاب يدخل في باب التأديب، وعقاب يدخل في باب الحدود. وإنَّما يصلح الصفح فيما يدخل في باب التّشفي وحده. نحو ما قدمنا في صدر هذا الباب ذكره، ولا يصلح في النوعين المذكورين بعده. فأمَّا ترك العقاب الداخل في باب التأديب فداعٍ إلى فساد التدبير، وعائد بالضرر على المعفو عنه وفي نحو ذلك يقول أبو تمام:
كانت لكم أخلاقُهُ معسولةًفتركتموها وهي ملحٌ علقَمُ
فقسا لتزدجروا ومن يكُ حازماًفليقس أحياناً علَى من يرحمُ
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكمإن الدمَّ المغترَّ يحبُسهُ الدمُ
وندمْتُم ولو استطاع علَى جوىأحشائكم لوقاكم أن تندموا
على أنَّه ينبغي للمعاقب التأديب ألا يزيد على مقدار الاستحقاق فيدخل في باب الظلم كما قال أشجع:
منعت مهابتك النفوس حديثهابالأمر تكرهُهُ وإن لم تعلم
لا يُصلحُ السلطانَ إلاَّ شدَّةتغشى البريء بفضل ذنب المجرم
وأمَّا ترك العقاب الَّذي يدخل في باب الحدود فمعصية لله عز وجل، ومن أعظم الجهل طلب المكارم بالدخول في باب المحارم كما بلغنا عن عبد الملك بن مروان أنَّه أراد قطع يد رجل سرق فكتب إليه من الحبس:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذهابعفوكَ أنْ تلقى مكاناً يَشينُها
ولا خير في الدُّنيا وكانت حبيبةًإذا ما شمالي فارقتها يمينُها
فأبى إلاَّ قطعها، فدخلت عليه أمُّه فقالت يا أمير المؤمنين: واحدي وكاسبي. فقال: بئس الكاسب كاسبُك، وهذا حدٌّ من حدود الله لا أُعطّله. فقالت: يا أمير المؤمنين: اجعله من الذنوب الَّتي يستغفر الله منها، فعفا عنه. وهذا الفعل لا يُسمى عفوا، لأن العفو إنَّما هو ترك المرء ماله وترك مال غيره ممَّا قد جُعل هو القيّم عليه باستيفائه. فهو بباب التصنيع والإثم أشبه منه بباب العفو والحلم.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع