تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)

الباب الخامس والثمانون: ذكر ما قيل في ذم الإخوان وشكاية الزَّمان

حدَّثنا محمد بن سلمة الواسطي قال: حدَّثنا يزيد بن هارون ومحمد بن حرب قالا: حدَّثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عروة عن عائشة قال: كانت عائشة من أفصح النَّاس وأقولهم لشعر لبيد. قالت: قال لبيد في الجاهلية:

ذهبَ الَّذين يُعاش في أكنافهموبقيتُ في خَلَفٍ كجلد الأجربِ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طرب الفؤاد وليته لم يطرب»
يتأكَّلون ملاذةً وخيانةًويُعاب قائلهم وإن لم يَشغبِ

قالت عائشة: وكيف بلبيد لو أدرك زماننا هذا، قال عروة: فكيف بعائشة لو أدركت ما نحن فيه اليوم. قال هشام: كيف بأبي لو أدرك ما نحن فيه اليوم.

حدَّثنا أبو البحتري عبد الله بن محمد بن شاكر قال: حدَّثنا محمد بن جعفر الأحمر قال: كنَّا يوماً عند أبي نُعيم فتذاكرنا حديث عائشة حيثُ ذكرت شعر لبيد:

ذهب الذين يُعاش في أكنافهم

قال: فأنشدنا أبو نُعيم:

ذهب الناسُ فاستقلُّوا وصرناخَلَفاً في أراذل النسناسِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ذهب الناس فاستقلوا وصرنا»
في أُناسٍ تعدُّهمْ في عديدفإذا فُتشوا فليسَ بناسِ
كلَّما جئتُ أبتغي النَّيل منهمْبدروني قبل السُّؤال بياسِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ذهب الناس فاستقلوا وصرنا»
وبكوا لي حتَّى تمنَّيت أنِّيمُفلت عند ذاك رأسٌ براسِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ذهب الناس فاستقلوا وصرنا»

قال آخر:

ذهبَ الرِّجالُ المُقتدى بفعالهمْوالمُنكّرون لكلِّ أمرٍ مُنكر
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «ذهب الرجال المقتدى بفعالهم»
وبقيتُ في خَلف يزين بعضَهمبعضاً ليدفع معورٌ عن مِعْور
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

ولطفيل بن أسود المحاربي:

أشاقك ربعٌ بالسّتار قديمُأقامَ وما مَن حلَّ فيه مُقيمُ
لإقحاط أعوامٍ كأنَّ وليدَهاوإن كانَ حيّ الوالدين يتيمُ

قال آخر:

أخٌ بيني وبين الدَّهرصاحب أيِّنا غَلَبا
صديقي ما استقامَ فإنْنبا دهرٌ عليَّ نبا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وثبتُ علَى الزَّمان بهِفعادَ بهِ وقدْ وثبا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
ولو عادَ الزَّمان أخاًلعادَ بهِ أخاً حَدِبا

قال ابن طوعة الفزاري:

فلو أنَّ قومي أكرموني وأتأقُواسجالاً بها أسقي الَّذين أُساجلُ
كَفَفتُ الأذى ما عشتُ عن حلمائهموناضلتُ عن أحسابهم مَنْ يناضلُ
ولكنَّ قومي عَزّهم سفهاؤهمعن الأمرِ حتَّى ليسَ للأمرِ حاملُ
تُظوهرَ بالعُدوان واختيل بالغِنَىوشوركَ في الرَّأي الرِّجالُ الأماثلُ

قال آخر:

إنِّي ابتليتُ بمعشرنَوْكى أخفُّهمُ ثقيلُ
قومٌ إذا جالستَهمصَدِئت لقربهم العُقولُ
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «ولقد بليت بمعشر»
قومٌ حضورٌ غُيّبُ الأذهان ليس لها قبولُ
لا يفهمون حديثهمويحلُّ عنهم ما أقولُ
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
فهم كثيرٌ بي وأعلمُ أنَّني بهم قليلُ
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «ولقد بليت بمعشر»

قال عمرو بن قميئة:

رمتني بناتُ الدَّهر من حيث لا أَرَىفكيف بمن يُرمى وليس يرامِ
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، من قصيدة «إنْ أكُ قد أقْصرْتُ عن طولِ رحلة ٍ»
فلو أنَّها نبلٌ إذاً لاتَّقَيْتهاولكنّما أُرمى بغير سهامِ
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة
وأفنى وما أفني من الدَّهر ليلةًولم يُغنِ ما أفنيتُ سلك نظامِ
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة
وأهلكني تأميلُ يومٍ وليلةٍوتأميلُ عامٍ بعد ذاك وعامِ
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

وللبحتري:

لنا في كلِّ يوم أصدقاءتعود عِدًى وحالاتُ تجولُ
وما فقدُ الجميل لقرب عهْدٍفيسأل عنه بل نُسيَ الجميلُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بمثل لقائها شفي الغليل»

ولإبراهيم بن العباس:

وكنتَ أخي بإخاءِ الزمان فلما نَبا صرتَ حرباً عوانا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وكنتُ أعدُّك للنّائبات فقد صرتُ أطلب منه الأمانا
وكنتُ أذمُّ إليك الزمان فقد صرت أحمد فيك الزَّمانا

وقال إبراهيم بن العباس أيضاً:

أخٌ كنت أوى منه عند ادّكارهإلى ظلِّ أيام من العزِّ باذخِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
جَرتْ نُوَبُ الأيَّام بيني وبينهفأقلعن منّا عن ظلوم وصارخِ
فإنِّي وإعدادي لدهري محمداًكملتمسٍ إطفاء نارٍ بنافخِ

وذكر لنا عن نُعيم بن حماد أنَّه قال: بلغنا أن سهماً وجد على عهد تُبَّع مُلقًى في وادٍ مكتوب عليه بيتان من شعر، فترجم فإذا هو:

ألا هل إلى أبيات شيخٍ بذي اللِّوىلوى الرمل فاصدقني النُّفوس تعادُ
بلادٌ بها كنّا وكنّا نحلُّهاإذا النَّاس ناس والبلاد بلادُ

قال فنظرنا، فإذا السهم منذ سقط إلى أن وجد ألف عام.

قال إبراهيم بن العباس:

نِعْمَ الزَّمانُ زمانيالشأن في الخُلاّنِ
ممَّن رمانيَ لمّارأى الزَّمان رماني
ومن ذخرت لنفسيفعادَ ذخرَ الزَّمانِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وقيل لي خذ أماناًمن أعظم الحدثانِ
لما التمستُ أماناًإلاَّ من الإخوانِ

وأنشدنا أبو طاهر الدمشقي:

إذا مجلس الأنصار خفّ من أهلهوأقفر من أهل الصفاءِ المُثلَّمُ
فما النَّاس بالناس الذين عهدتهمولا الدَّار بالدار الَّتي كنت تعلمُ

ولآخر:

جرت رحمٌ بيني وبين منازلٍسواءً كما يستنزلُ الدَّين طالبُهْ
للشاعر جعفر زوين، اقرأ القصيدة
فربَّيتُه حتَّى إذا كان شيظماًيكادُ يساوي غارب الفحل غاربُهْ
تعمَّدَ حقي ظالماً ولوى يديلوى يده الله الَّذي هو غالبُهْ

قال علي بن جبلة:

جمعتُ له جمع امرئ ذي مودَّةٍوحُطتُ عليه الودّ من كل جانب
وأصفيته منّي هوًى لا يشوبُهخلافٌ ولا يبليه طولُ التجارب
فلما زهاه الفضل وامتدَّ شأوه... وأصبح في الإخوان جمّ...
رماني بسهم كنت قبل أريشهوودَّع منّي صاحباً أيَّ صاحب

قال أبو هشام:

لولا القديمُ وحرمةٌ مرعيَّةٌلقطعتُ ما بيني وبين هشام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لولا القديم وحرمة مرعية»
لا حرمة الأدب القديم يصونُهاوأراه يدفع حرمةَ الإسلام
فكأنما كانت مودّتنا لهوإخاؤنا حلماً من الأحلام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لولا القديم وحرمة مرعية»

قال آخر:

تعالى الله ما قرَّببعض النَّاس من بعضِ

قال آخر:

همومُ أناسٍ في أمور كثيرةٍوهمّي من الدُّنيا خليل مساعدُ
نكونُ كروحٍ بين جسمين فُرّقافجسماً هما جسمان والروح واحدُ

وقال آخر:

رَبِّ قد ملَّني من كنتُ أحسبُهُإن مُتُّ ماتَ معي صبراً وإسعادا
فراحةً بخلاصٍ أوْ بعاجلةٍمن المنايا نغير العمر إنفادا

أنشدني أحمد بن أبي طاهر:

وصديقٍ لا عيب فيه إذافُتّشَ إلاَّ اغتيابُهُ للصديق
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
إن يلاحظْكَ فالشفيق وإنغبتَ فسبعٌ عليك غيرُ شفيق
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

قال آخر:

يا صاح في قلبه البغضاء راكدةًفالنَّفس تكتمها والعين تُبديها
والعين تُعرف في عيني مُحدِّثِهاإن كان من حزبها أوْ من أعاديها

قال آخر:

إنِّي وإن بني بكرٍ علَى خُلقٍعما قليل أراه سوف ينكشفُ
يُزمِّلون جَنين الضِّغن بينهموالضّغنُ أشوهُ أوْ في وجهه كلفُ
إن كاتموا بالقِلى عمّت عيونهُمُوالعين تُظهر ما في القلب أوْ تَصِفُ

قال آخر:

تخذْتُكم درعاً وتُرساً لتدفعوانبالَ العِدى عنّي فكنتم نِصالَها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وقد كنت أرجو منكمُ خيرَ ناصرٍعلَى حين خِذلان اليمين شِمالَها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا»
فإن أنتم لم تحفظوا لمودتيذِماماً فكونوا لا عليها ولا لها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا»
قِفوا وقفة المعذور عنّي بمعزلٍوخلُّوا نِبالي والعِدى ونبالها

قال آخر:

ألا أيُّها الدَّهر الَّذي قد مللتهلتخليطه هلاّ مللت حياتي
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «ألا أيها الدهر الذي قد مللته»
فقدْ وجلال الله حُيِّيْتَ دائباًإليَّ علَى حبِّ الحياة وفاتي

قال آخر:

كُسالى إذا لاقيتهم غير منطقيُعَلُّ بها المحزون وهو عناءُ
وإنِّي لأرجوكم علَى بطئ سعيكمكما في بطون الحاملات رجاءُ
أخبّر من لاقيت إنْ قد وفيتُمُولو شئت قال المخبرون أساءوا
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة
فهلاّ سعيتم أسرة مازنٍوهل كلُّ حي في الوفاء سواءُ

قال آخر:

من الأخلاّء من أمست مودتهمع الزَّمان إذا ما خافَ أوْ عتبا
إذا وترْتَ امرءاً فاحذرْ عداوتهمن يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

قال آخر:

ومواربٍ يخفي ضغائنهحسن الثياب وعرضهُ خَلِق
فتوقَ خلة كل ذي مَلقٍمتلونٍ وانظر بمن تثِق

قال آخر:

لكل امرئ شكل من النَّاس مثلهفأكثرهمْ شكلاً أقلُّهمُ عقلا
وكلُّ أناس آلفون لشكلهمْفأكثرهم عقلاً أقلُّهمُ شكلا
لأنَّ الكثير العقل ليس بواحدٍله في شريح حين تعقده عدلا
وكلُّ سفيهٍ طائش إن فقدتَهُوجدت له في كل ناحيةٍ مثلا

قال آخر:

وصاحب كان لي وكنتُ لهأشفق من والدٍ علَى ولدِ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
كنا كساقٍ سعت بنا قدمأو كذراعٍ نيطت إلى عَضُدِ
حتَّى إذا استرفدت يدي يدهكنت كمسترفدٍ يد الأسدِ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

قال آخر:

فأنت أخي ما لم تكن لي حاجةٌفإن أعرضت أيقنت أن لا أخا ليا
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فلا زاد ما بيني وبينك بعدماعرفتُك في الحاجات إلاَّ تنائيا
فعين الرّضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌولكن عيب السخط تبدي المساويا
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

وهذا لعمري من أحسن الكلام لفظاً وأجوده معنًى، وأنَّه لسهل المأخذ قريب من الحق وقد ذكرنا في هذا الباب والَّذي قبله من مدح الزمان، وذمه، ومساوئ الإخوان ومحاسنهم، ومن وصف وفائهم وتغيّرهم ما يدل ذوي الخواطر الصحيحة على أن الفريقين جميعاً معاً غير مصيبين للحقيقة إذْ الزَّمان لم يعر من سداد وفساد، ولم يخل من أهل وفاءٍ ورعاية، ومن أهل غدر وخيانة. فمن سامحه الزَّمان بما يهواه ويثبت له الإخوان على الخلق الَّذي يرضاه، مدح زمانه، وحمد إخوانه. ومن جرى عليه الأمر بخلاف ذلك، صرف الأمر فيه إلى فساد الزمان، وغدر الإخوان، على أن منهم من يذم إخوانه، ويعذر زمانه. ألم تسمع الَّذي يقول:

أَرَى حُلَلاً تُصانُ علَى رجالٍوأعراضاً تُهان فلا تُصانُ
يقولون الزَّمان به فسادٌوهم فسدوا وما فسد الزَّمان

قال آخر:

إن الجديدين في طول اختلافهمالا يفسدان ولكن يفسد الناسُ
للشاعر الخنساء، من قصيدة «إن الزمان وما يفنى له عجب»
فلا يغرنك أضغانٌ مُزَمَّلةٌقد يضربُ الدّبر الرّامي بإحلاسُ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
من يفعل الخير لا يُعدم جوازيَهُلا يذهب العرف بين الله والنَّاس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

وأنصف من هؤلاء كلهم الَّذي يقول:

وأعيب العيب بعد الشرك تعرفهفي كل نفس عماها عن مساويها
عرفانها بعيوب النَّاس تبصرُهُفيهم وليس ترى العيب الَّذي فيها
يا عائب النَّاس قد أصبحت متهماًإذْ عِبْتَ منهم أموراً أنت آتيها
كالمُلبسِ النَّاس من عُري وعورتهللناس باديةٌ ما إن يواريها

النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كتاب الزهرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.