تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)

الباب الثاني والثمانون: ذكر آداب المجالسات وحسن المنادات

حدَّثنا العباس بن أحمد الدوري قال: حدَّثنا يحيى بن معين قال: حدَّثنا حجاج بن محمد الأعور قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي زياد عن هشام بن عروة قال: رأيت ربيعة بن عباد وهو يحدث أبي، وأبي يسأله قال: إن ابن عفان رضي الله عنه كان أغزانا في غزوة، فمررنا فيها على معاوية، وقد كان وجد علينا في شيء بلغه من أمرنا في غزاتنا تلك، فدخلنا إليه، فجعلنا نعتذر إليه، ونكذِّب ما بلغه، وجعل يوافقنا على بعض ذلك، ويؤنبنا فيه، ثمَّ قام رجل فقال: أصلح الله الأمير، إنا مكذوبٌ علينا، فلينظر الأمير في أمرنا، فإن كنَّا أبرياء غفر لنا ذلك، وإن كان لنا ذنب عفاه عنَّا. فقال معاوية: فكذاك إذاً، ثمَّ قال الرَّجُل: إن كنتُ لم أذنب فلا تظلمنَّني، وإن كنت ذا ذنبٍ فسوف أتوب، ثمَّ أقبل في وجوه القوم حيث جلس معاوية فقال:

ولا تنس قربان الأمير شفاعةًلكلِّ امرئ فيما أفادَ نصيبُ

قال: فقبل منَّا معاوية، وصنع إلينا معروفاً.

ومن جيد ما قيل في حسن المساعدة قول دريد بن الصمة وقد أغار وأخوه في نفر من قومهم على نِعمٍ لقيس، فاستاقوها، فلمَّا كانوا في بعض الطريق، ترك عبد الله بن الصمة فقال له أخوه دريد: ليس هذا منزلنا، إن قيساً غير نائمة عن أموالها. فقال: والله لا أبرح حتَّى آكل وأعلف وأشرب، فبينا هم كذلك إذْ رأوا غبرة، فقالوا لرقيبهم: ما ترى؟ فقال: أَرَى خيلاً كالعقبان، عليها فوارس كالصبيان، فقال: تلك فزارة ولا بأس. ثمَّ رأوا غبرة فقالوا: ما ترى؟ فقال: أَرَى خيلاً كأنَّ قوائمها تنقلع من الصخر، قال: تلك عبس والموت. فلم يلبثوا أن خالطتهم الخيل، فصاح صائح: أودى فارس، فنظروا فإذا هو عبد الله بن الصمة، فقال دريد في ذلك شعراً طويلاً، قد ذكرنا طرفاً منه في بعض أبواب المراثي، ومع ذلك يقول في مساعدته أخاه على الرَّأي الَّذي لا يرضاه:

أمرتهُمُ أمري بمُنقطع اللِّوىفلم يسْتبينوا النُّصحَ إلاَّ ضُحى الغدِ
فلما عصوني كنتُ منهم وقد أرىضلالتهم وأنَّني غيرُ مُهْتدِي
وهل أنا إلاَّ من غزيّة إن غَوتْغويتُ وإن ترشُدْ غزيّةَ أرشُدِ
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

قال آخر:

أخوك الَّذي إن قمت بالسَّيف عامداًلتضربَهُ لم يستغشّك في غدِ
ولو جئتَ تبغي كفَّه لتبينَهالبادَرَ إشفاقاً عليك من الرَّدي
يرى أنَّه في الودِّ وانٍ مقصرٌعلَى أنَّه قد زادَ فيه علَى الجهدِ

وفيما بلغنا أن العباس بن عبد المطلب أوصى ابنه عبد الله حين اصطفاه عمر بن الخطاب أن قال له: يا بني. إن هذا الرَّجل قد قدَّمك على غيرك، فاحفظ عنِّي ثلاثاً: لا تُجري عليك كذباً، ولا تغتابنَّ عنده أحداً، ولا تفشينَّ له سرّاً.

ومن جيد ما قيل في السِّرّ قول النابغة:

لعمرُك إن وشاة الرِّجالِ لا يتركونَ أديماً صَحيحا
فلا تُفشِ سرَّك إلاَّ إليكفإن لكلّ نَصيح نصيحا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «فلا تفش سرك إلا إليك»

قال آخر:

وفتيان صدق لستُ أطلِعُ بعضَهمعلَى سرِّ بعض غير أنِّي جماعُها
يبيتونَ شتَّى في البلادِ وسرّهمإلى صخرةٍ صمَّاء أعيا انصداعها

قال آخر:

سأكتمه سرِّي وأحفظُ سرَّهولا غرَّني أنِّي عليه كريمُ
حلين فينسى أوْ جهول يضيعُهوما الناسُ إلاَّ جاهل وحليمُ

قال آخر:

لا تسألي النَّاس ما مالي وما ورقيوسائلي الناسَ ما وقعي وما خُلُقي
أُعطي السّنانَ غداة الرَّوع حصَّتهُوعامل الرُّمح أرويه من العَلَقِ
وأطعن الطَّعنة النَّجلاء عن عُرُضٍوأحفظُ السرَّ فيه ضَرْبة العُنُقِ

قال قيس بن الخطيم:

وإن ضيَّعَ الأقوامُ سرّاً فإنَّنيكتومٌ لأسرارِ العَشير أمين
يكونُ لهم عندي إذا ما ضمنتُهُمكانٌ بسَوداء الفؤاد كمين
سَلي مَن نديمي في النّدامَى ومألفيومنْ هو لي عند الصَّفاء خدين
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

قال آخر:

خير إخوانك المشاركُ في المرّوأين الشَّريك في المرِّ أينا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خيرُ إخوانكَ المشاركُ في المرِّ»
ذاك مثل العقبان إن مسَّه النَّارُ جلاه لغلامٍ وازداد زينا
لا يني شاهداً بسرّك مادمت وإن غبتَ كانَ أُذْناً وعَيْنا

وقال:

وكنت إذا الصديق أراد غيظيوأشرقني علَى حَنَق بريقي
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
غَفَرت ذنوبَهُ وكظمتُ غيظيمخافة أن أكونَ بلا صديقِ

وقال آخر:

وأخوك الَّذي إن سرَّك الآمر سرّهُوإن نابَ أمرٌ ظلَّ وهو حزينُ
يُقرِّب من قرَّبت من ذي مودَّةويُقصي الَّذي أقصيتهُ ويُهينُ

وقال آخر:

عليَّ لإخواني رقيبٌ من الصّفاتبيد الليالي وهو ليس يبيدُ
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
يُذكرنيهم في مغيب ومسهدِفسيَّان منهم غائب وشهيدُ
وإنِّي لأستحيي أخي أن أبرَّهُقريباً وأن أجفوه وهو بعيدُ

قال إبراهيم ابن العباس:

أميلُ مع الصديق علَى ابن أُمِّيوأحذر للصَّديق من الشَّقيقِ
وإنْ أبصرتني حرّاً مطاعاًفإنَّك واجدي عبدَ الصَّديقِ
أُفرِّق بين معروفي ومَنِّيوأجمع بين مالي والحقوقِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وقال الصلتان العبدي:

إذا ما أخي يوماً تولَّى بودِّهوأنكرتُ منه بعض ما كنتُ أعرفُ
للشاعر الصَحاري بن شبيب، من قصيدة «إذا ما أخي يوماً تولّى بِوُدِّه»
عطفت عليه بالمودَّة إنَّنيعلَى مدبر الإخوانِ بالبرِّ أعطفُ
للشاعر الصَحاري بن شبيب، من قصيدة «إذا ما أخي يوماً تولّى بِوُدِّه»
ولستُ وإنْ ولَّى بودّ علَى الَّذيبذلتُ له من صفو ودِّي آسفُ
للشاعر الصَحاري بن شبيب، من قصيدة «إذا ما أخي يوماً تولّى بِوُدِّه»
فأغفرُ منه ذنبَهُ لاصطناعِهِوأسترُ منه بعض ما يتكشفُ
للشاعر الصَحاري بن شبيب، من قصيدة «إذا ما أخي يوماً تولّى بِوُدِّه»
فإغضاؤك العينين عن عيب صاحبٍلعمرك أبقى للإخاء وأشرفُ
للشاعر الصَحاري بن شبيب، من قصيدة «إذا ما أخي يوماً تولّى بِوُدِّه»

قال الطائي:

ذو الودِّ منِّي وذو القُربى بمنزلةٍوأخوتي أسوةٌ عندي وإخواني
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن الأمير حمام الجارع الجاني»
عصابة جاورت آدابَهم أدبيفهم وإنْ فُرِّقوا في الأرض جيراني
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن الأمير حمام الجارع الجاني»
أرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدتْأبدانُنا بشآمٍ أوْ خراسانِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن الأمير حمام الجارع الجاني»

قال معن بن أوس المزني:

إذا أنتَ لم تنصفْ أخاكَ وجدتَهُعلَى طَرَف الهِجران إنْ كانَ يعقلُ
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
وتركبُ حدَّ السَّيف من أن تضمهُإذا لم يكن عن شفرةِ السَّيف معدلُ
ستُقطع في الدُّنيا إذا ما قطعتنييمينُك فانظرْ أيَّ كفٍّ تبدّلُ
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

قال أبو نهشل حميد بن عبد الحميد الطوسي:

عدلتُ عن الرحاب إلى المضيقوزرتُ البيت من غير الطَّريقِ
وتظلم عند طاعتك المواليوليس الظلم من فعل الصديقِ
تجود بفضل عفوك للأقاصيوتمنعه من الخلّ الشَّفيقِ
وتحملني وأنت شقيق نفسيعلَى هول الصَّواعق والحريقِ
وتعرضُ حاجتي فتُعدُّ فيهاشفيعاً غير منطقك الرَّقيقِ
تقدمُ سوءَ ظنّك بي وتنسَىمحافظتي علَى وَجب الحقوقِ
أما والرَّاقصات بذات عرقوربّ الرُّكن والبيتِ العتيقِ
لقد أطلعتَ لي تُهماً أراهاستحملني علَى مضض العقوقِ
وأحسبُ ها هنا عتباً وسخطاًولست لسخط عبدك بالمطيقِ

قال محمد بن حازم:

مَن يخبرك بسبٍّ عن أخٍفهو الشَّاتمُ لا مَن شَتَمك
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ذاك أمرٌ لم يواجهك بهإنَّما اللَّومُ علَى مَن أعلَمَك
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
إن ذا اللؤمِ إذا أكرمتَهُحسب الإكرام حقّاً لزمك
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

قال آخر:

إذا كنت لا يُرضيك عن من تودُّهُسوى جمع ما تهوى فأنت المُفنَّدُ
خذ العفو ممَّن قد رضيت إخاءَهُوحسبك منه أن يصُحَّ التَّودُّدُ

قال آخر:

فيَّ انقباضٌ وحشمةٌ فإذالاقيتُ أهلَ الوفاءِ والكرمِ
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة
أرسلتُ نفسي على سجيَّتهاوقلتُ ما شئتُ غيرَ محتشمِ
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة

قال آخر:

خذي العفو منِّي تستديمي مودَّتيولا تنطقي في سورتي حينَ أغضَبُ
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «خذي العفو مني تستديمي مودتي»
فإنِّي رأيتُ الحبّ في القلبِ والأذَىإذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهبُ
للشاعر شريح بن الحارث القاضي، اقرأ القصيدة

قال الحسين بن مطير:

ونفسك أكرم عن نفوس كثيرةفما بك نفس بعدها تستعيرها
وما الجود عن فقر الرِّجال ولا الغِنَىولكنَّه خيمُ الرِّجال وخيرها

قال زهير:

وليس لمن يركب الهول بغيةٌوليس لأمرٍ حطَّهُ الله حاملُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «وليسَ لِمَنْ يَرْكَبِ الهَوْلَ بُغْية»
إذا أنت لم تعرض عن الجهلِ والخناأصبت حليماً أوْ أصابك جاهلُ
للشاعر أوس بن حجر، اقرأ القصيدة

قال عدي بن زيد:

كفى زاجراً للمرء أيَّام دهرهتروح له بالواعظات وتغتدي
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
فنفسك فاحفظها من الغيّ والرَّدَىمَتَى تغوها تغو الَّذي بك يقتدي
وإن كانت النعماء عندك لامرئٍكفاك بها فاحدُ المطالب وازددِ
وللبَخلة الأولى لمن كانَ باخلاًأعفُّ ومن يبخل يُلَمْ ويزهَّدِ
إذا ما امرؤ لم يرجُ منك هوادةًفلا ترجُها منه ولا دفع مشهدِ
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أتعرِف رسم الدار من أم معبد»
وعَدِّ سواهُ القوم واعلم بأنَّهمَتَى ما يبُنْ في اليومِ يصرمك في الغدِ
إذا أنت فاكهتَ الرِّجال فلا تَلَعْوقلْ مثل ما قالوا ولا تتزيَّدِ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
عن المرءِ لا تسأل وابصر قرينهفإنَّ القرين بالمقارن يقتدي
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ»
وظلم ذوي القُربى أشدُّ مضاضةعلَى المرءِ من وقع الحسامِ المُهنَّدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»
وفي كثرة الأيدي عن الظّلم زاجرٌإذا حضرتْ أيدي الرِّجال المُشهّدِ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

قال آخر:

إذا أنتَ أعطيتَ القليلَ فلا تكنل مستقلاً عن طريقِ التجبّرِ
ولا من طريق المنِّ مستكثراً لمافعلت وأنت المرءُ غير مُقصّرِ
وعُد للَّذي أوليته العُرف مرَّةًبعائد فضلٍ منك غير مكدَّرِ
ولا تستعض منه ثناءً فترجعاسواءٌ ويبقَى الفضل كالمتحيّرِ

قال آخر:

دار الصُّديق إذا استشاط تغيّظاًفالغيظ يُخرجُ كامن الأحقادِ
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة
ولربَّما كانَ التغضّبُ باحثاًلمثالب الآباء والأجدادِ

قال سعيد بن وهب:

لا خير في الشّرب إلاَّ مع أخي ثقةٍإن سُرَّ غنَّى وإن غنيته طربا
يعطيك صمتاً إذا حدثته وإذا ماشربتَ حيّاً وإن خالطته شَرِبا

قال آخر:

أَرَى للخمر حقّاً لا أراهلغير الرَّاح إلاَّ للنَّديم
هو القطب الَّذي دارتْ عليهرحى اللَّذّات في الزَّمن القديم
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «أرى للكأس حقا لا أراه»

قال آخر:

ألم تعلمي يا سلمُ أنِّي موكلٌبما سرَّ ندمانيّ في العسرِ واليُسر
وأنيَ لم أبسط لساني ولا يديلوجه نديمي حين فنَّدني سكري

قال آخر:

ليس من شأنه إذا دارت الكأسُ فأزرى إدمانها بالحُلُومِ
قول ما يسخط النَّديم وإنأسخطَهُ عند ذاك قول النَّديمِ

قال آخر:

ورضيع راضعتُ في كبر السَّنِّ وأضحَى أخاً لديَّ مُطاعا
لم يكن بيننا رضاعٌ ولكنصيَّرت بيننا المُدام رضاعا

قال يحيى بن زياد:

ولستُ له في فضلة الكأسِ قائلاًلأصرفَهُ عنها تحسُّ وقد آبى
ولكن أحييه وأكرمُ وجهَهُوأشربُ ما أبقى وأسقيه ما اشتهى
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «هلم اسقني كأسي ودع عنك من أبى»

قال حميد بن عبد الحميد الطوسي لبعض من استأذن عليه وهو في النبيذ:

إن كنت ترضَى بالسّواءِ وبالَّتيتدع الصَّحيح من الرِّجال سقيما
فادخلْ علَى حجرِ الحداق ترَى لهافضلاً أبانَ خلائقاً وجُسوما
مُتفضِّلينَ مقددين قد أسندوازقّاً أمقّ وبَربَطاً مختوما

قال آخر:

أُعيذك من رَكبةٍ بالعشيّتحطُّ وتهدمُ قدر النَّبيلِ
فإما رجعت بذلِّ الحجاب وإما حللتَ محلَّ الثَّقيلِ

النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كتاب الزهرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.