من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الحادي والثمانون: ذكر ما جاء في الشعر من صفات الخمر
قال أبو بكر: قد أكثر الشعراء المتقدمون والمتأخرون في مدح الخمر وذمها، وفي وصف طيبها ورقتها، ولم يقل أحد في ذمها ولا في مدحها إلاَّ دون ما تستحقه هي في هذه الدَّار من الذم في الغاية، وهي في الدَّار الآخرة من المدح في النهاية، فأمَّا فضلها في تلك الدَّار فيغني عن الإطناب فيه ما ذكره الله جل وعلا في كتابه من تحبيب الجنة بها، وبما شاكلها إلى أوليائه، وأمَّا ذمها في هذه الدَّار فإنها توقع العداوة والبغضاء، وتدعو إلى الإثم والفحشاء، وتشغل عن أداء المفترضات، وتجرئ عن ارتكاب المحرمات. ولو لم يكن في ذمها غير نهي الله جل وعز عن شربها لكان مغنياً عن غيره. فكيف وقد بين الله جل وعلا من قبيح أفعالها ما يدعو ذوو التمييز، وإن لم تكن محرمة إلى اجتنابها فلعل بعض الخلفاء أن يغلب على عقله سكرة الأهواء. فيقول كيف تكون محرمة مذمومة وممدوحة، وعينها واحدة، ولم تأتي الشريعة بتحريمها. فيقال له: الخمر المذمومة في هذه الدَّار غير الخمر الممدوحة في تلك الدار، لأن أصحاب تلك الدَّار لا يصدعون عنها، ولا ينزفون منها، وتلك لا توقع العداوة والبغضاء، ولا تصدُّ عن ذكر الله وعن فرضه. وهذه الخمر تفعل جميع ذلك، فلهذه العلل صارت الخمر في الدُّنيا مذمومة، وفي الآخرة ممدوحة.
ولقد أحسن نصيب في قوله، وقد سامه بعض بني مروان شربها فقال: يا أمير المؤمنين. إنَّه لم يدنني منك جمالي، ولا نسبي، وإنَّما أدناني منك عقلي ولساني. فنشدتك الله أن تدخل عليَّ ما يسلبنيهما فأعفاه حينئذ من شربها. وممَّا في الخمر من المقابح الَّتي يعتدّ بها من لا يفهم من المدائح أنَّها تنفي الأحزان، وتشجّع الجبان، وتسهّل على البخلاء الدّخول في جملة الأسخياء. ولو لم يكن في الخمر عيب غير هذا لكفى، لأن الَّذي توجبه الخمر من هذا الفعل إنَّما هو بزوال التمييز، ونقصان العقل، فإن جاء في تلك العمرات فعل يشبه أفعال السادات لم يكن فاعله محموداً، ولا كان ذلك الفعل إليه منسوباً، لأنه يندم عليه، ويعتذر منه بأن عقله لو كان حاضراً لنهاه عنه، وإن جاء في تلك الحال ما يخرج عن حدّ الاعتدال، وكان ذلك ممَّا يتعذّر تلافيه، ويصعب طريق العذر فيه، كما أنَّها تشجّع الجبناء، وتسمّح البخلاء، فإنها تسفّه الحلماء، وتسخّف العقلاء، وقد كان صنف من القدماء يتركون الخمر والزنا تكرُّماً، وإن لم يكن ذلك في ملّتهم محرّماً. ولقد أحسن زهير حيث يقول:
غدوتُ عليه غُدوةً فوجدتهُقعوداً لديه بالصَّريم عواذلهْ
يُفدّينه طوراً وطوراً يلُمْنهُوأعيا فما يدرين أين مخاتلهْ
فاعرض منه عن كريم مُرزءٍغلوبٍ علَى الأمرِ الَّذي هو فاعلهْ
أخي ثقةٍ لا تهلك الخمر مالهولكنَّه قد يهلك المال نائلهْ
فهذا أحسن من قول طرفة:
أُسدُ غيل فإذا ما شربواوهبوا كلَّ أمونٍ وطمرْ
ثمَّ راحوا عَبَقُ المسك بهميُلحفون الأرض هُدَّاب الأزرْ
وفي هذا النحو يقول حسان بن ثابت:
نوليها الملامة والمناياإذا ما كانَ مغْثٌ أوْ لحاءُ
ونشربُها فتتركنا ملوكاًوأسداً ما يُنهنها اللّقاءُ
وهذا قبيح كله لأنهم صيروا سبب السماحة والشجاعة زوال التمييز والمعرفة. وصاحب هذه الحال والمجنون سواءٌ بمنزلة، لأنه يأتي الشيء بغير معرفة، وأمثل من هذا قول عنترة:
فإذا شربت فإنَّني مستهلكٌمالي وعرضي وافرٌ لم يُكلمِ
وإذا صحوتُ فما أقصّر عن ندىوكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي
وأحسن من هذا قول البحتري:
وما زلتُ خلاًّ للندامى إذا انتشواوراحوا بدوراً يستحثون أنجما
تكرَّمتُ من قبل الكؤوس عليهمُفما اسطعن أن يُحدثن فيك تكرّما
ولسنا مع ما ذكرنا من عيبها ندع أن نذكر طرفاً من الأشعار المستحسنة في وصفها فإنها وإن لم تكن موضعاً للمدح لما قدمناه من ذمها، فقد يحسن المصيب في وصفها ضرباً من الإحسان، إما لحسن تشبيه، أوْ لمعنى يخترعه ويعرف به كما قال الأعشى:
وكأسٍ شربتُ علَى لذّةٍوأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم النَّاس أنِّي امرؤأتيت المعيشة من بابها
قال أبو نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءوداوني بالتي كانت هي الدّاءُ
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتهالو مسَّها حجرٌ مسَّتهُ سرّاءُ
قال الأعشى:
إذا قلتُ غنّي الشَّرب قامت بمزهرٍيكادُ إذا دارت به الكف ينطقُ
وساق إذا شئنا كميشٌ بمسعروصفراء مرنان إذا ما تصعَّقُ
تريك القذى من دونها وهي فوقهإذا ذاقها من ذاقها يتمطقُ
وقال آخر:
وصرعة مخمور دفعت بقرقفٍوقد صرعتني قبل ذلك قُرقفُ
فقام يداوي صرعتي متعطفاًوكنت عليه قبلها أتعطَّفُ
نموت ونحيا تارة بعد تارةٍوتخلفنا أيدي المدام وتتلفُ
إذا ما تسلَّفنا من الكأس سكرةًتقاضى الكرى منّا الَّذي نتسلَّفُ
وقال:
وكأس يكون الماء حين يَمُسُّهاقذًى ثمَّ يعلوه بجثمان طائر
إذا دبَّ فيها الماء قارن صعبُهُجموحاً عليه سهلة في الحناجر
قال مسلم:
سلْ ليلة الخيف هل قصَّرتُ آخرهابالراح قرب نسيم الخُرّد الغيدِ
شججتها بلُعاب المُزْنِ فاعتدلتنسجين من بين محلول ومعقودِ
قال أبو نواس:
قامت بإبريقها واللَّيل معتكرٌفلاح من وجهها في البيت لألاءُ
فأفرغت من فم الإبريق صافيةًكأنَّما أخذُها للعين إغفاءُ
رقَّت من الماء حتَّى ما يلائمهالطافة وجفا عن شكلها الماءُ
فلو مزجت بها نوراً لمازجهاحتَّى تولد أنوارٌ وأضواءُ
وقد أكثر الشعراء في تفضيل رقة الخمر على رقة الماء، وليس الأمر على ما يقدرونه، وذلك أنَّ الخمر متولّدة من جوهر الماء، ومحال أن يكون جزء من الشَّيء أرقّ من كلّ شيء. ولن يكون بعضه أرقّ من بعض، والعلَّة الَّتي دعت إلى توهُّم الخمر أنَّها أرقّ من الماء هي أن الماء إذا صُبَّ عليها تكدَّر صفاؤه، ونقصت رقتها، وذلك لأن الماء لا يتهيّأ للآدميين تخليصه من الكدورة الحالَّة به، والأجسام الممازجة له، وإن جهدوا بقوتهم في تصفيته كما تصفَّى أعواد الكرم في اجتذابها إيَّاه إلى ثمارها بلطيف قواها الَّتي ركّبها الله عز وجل بحكمته فيها، فهي بتلك اللّطافة تجتذب صفوة، وتجفو عن رقَّة مسالكها كدره، فيخلص لها الماء وحده، فإذا مزجت بعد ذلك بالماء الممزوج بغيره تبين أن الأوَّل أصفى منه.
قال أبو نواس:
يا شقيق النَّفس من حكمنمت عن عيني ولم أنمِ
فاسقني البكر الَّتي اختمرتبخمار الشَّيْب في الرّحم
مع شبابٍ سادةٍ نُجُبٍأخذوا اللذّات عن أممِ
فتمشَّت في مفاصلهمكتمشِّي البُرء في السّقمِ
وقال أيضاً:
لا تبك ليلَى ولا تطرب إلى هندِواشرب علَى الوردِ من حمراء كالوردِ
كأساً إذا انحدرتْ من حلقِ شاربهاأغنتك حمرتها في العينِ والخدِّ
فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤةمن كفّ لؤلؤة ممشوقة القدِّ
تسقيك من عينها خمراً ومن يدهاخمراً فما لك من سكرين من بُدِّ
لي نشوتان وللنّدمان واحدةٌشيء خُصصتُ به من بينهم وحدِي
قال أيضاً:
اسقني يا ابن أُذينمن سُلافِ الزرجُون
عُتّقت في الدنّ حتَّىهي في رقة ديني
ولعمري لقد بالغ في الصفة، وإن دينه لفي نهاية الرقة، ولقد أحسن في قوله:
وليس للهمّ إلاَّ شربُ صافيةٍكأنَّها دمعةٌ من عين مهجور
وإنَّما تكامل صفاء دمع المهجور لأنه لا يكتحل، فدمعه صرف غير متكدر. وقال في نحو ذلك الحسين بن الضحاك:
حتَّى إذا أسندت في البيت واحتضرتْعند الشّروق ببسَّامين أكفاءِ
فُضَّت خواتمها في نعت واصفهاعن مثل رقرقة في جفن مَرْهاءِ
وقال:
ما زلتُ أشربُ روح الدنّ في لُطفوأستقي دمَه من جوف مجروح
حتَّى صدرتُ ولي روحان في جَسَدوالدنُّ مُطّرح جسم بلا روح
وقال الطائي:
أفيكم فتًى حيّ فيخبرني عنِّيبما شَربت مشروبة الرَّاح من ذهني
تُورِّدُ روح المرء من كلِّ وجهةٍوتدخل فيه كيف شاءتْ بلا أذنِ
قال إسحاق الموصلي:
وصافيةٍ تغشي العيون رقيقةٍرهينةِ عام في الدّنانِ وعامِ
أدرنا بها الكأس الرّويّة موهناًمن اللَّيل حتَّى انجاب كلّ ظلامِ
فما ذرَّ قرن الشَّمس حتَّى كأنَّنامن العيِّ نحكي أحمد بن هشامِ
وقال آخر:
ما العيشُ إلاَّ في جنون الصِّبافإن تولَّى فجنون المُدام
راحٌ إذا ما الشَّيخ والى بهاخمساً تردَّى برداءِ الغُلام
قال آخر:
كأنَّ أباريقَ المُدام لديهمظِباءٌ بأعلى الرّقمتينِ قيامُ
وقد شربوا حتَّى كأنَّ رقابَهممن اللّين لم يُخلق لهنَّ عِظام
وقال آخر:
وصفراء قبلَ المزج بيضاء بعدهكأنَّ شُعاع الشَّمس يلقاكَ دونَها
ترى العين تستعفيك من لمعانهاوتحسِرُ حتَّى ما تقِلُّ جُفونها
وقال أبو نواس:
ترى حيث ما كانت من البيتِ مشرقاًوما لم تكن فيه من البيتِ مَغربا
إذا عَبَّ فيها شارب الخمر خلتَهُيُقبِّل في داجٍ من اللَّيل كوكبا
قال ديك الجن:
فاصرف بوجهك صرف الماء يومك ذاحتَّى تُرى قائماً منها ومنصرفا
فقام مختلفاً كالظّبي مُلتفتاًوالبدرِ مُطّلعاً والغصنِ منعطفا
رقَّت غلالةُ خدَّيه فلو رُمياباللَّحظ أوْ بالمُنى همَّا بأن يَكفا
كأنَّ قافاً أُديرت فوق وجْنتهواختطّ كاتبُها من فوقها ألفا
فاستلَّ راحاً كبيض رافقت جُحفاًخلائقاً أوْ كنار صادفت سَعَفا
صفراء أو قلَّ ما اصفرَّت فأنت ترىذوباً من التبر رصُّوا فوقه صدفا
ولم أزلْ من ثلاثٍ واثنتين ومنخمس وعشرٍ وما استعلى وما لطفا
وأمتري ودق سمطي لؤلؤ بردٍعذبٍ وأرشفُ ثغراً قطُّ ما رشفا
حتَّى حسبت أنوشروان من خَوَليوخلتُ أنَّ نديمي عاشرُ الخلفا
قال الأخطل:
إذا ما نديمي علَّني ثمَّ علَّنيثلاث زجاجات لهنَّ هديرُ
خرجتُ أجرُّ الذَّيل حتَّى كأنَّنيعليك أميرَ المؤمنين أميرُ
قال الطائي:
صبَّحتُهُ بسلافةٍ صبَّحتُهابسلافةِ الخلطاءِ والنُّدماءِ
بمدامة تغدو المنى لكؤوسهاخَوَلاً علَى السَّرَّاءِ والضّرَّاءِ
راحٌ إذا ما الرَّاحُ كانَ مطيُّهاكانتْ مطايا الشَّوقِ في الأحشاءِ
صعُبتْ وراض المزج سيئَ خلقهافتعلمت من حُسن خَلق الماءِ
خرقاءُ يلعبُ بالعقول حَبَابُهاكتلاعب الأفعال بالأسماءِ
وضعيفة فإذا أصابت فرصةًقتلت كذلك قدرةُ الضعفاءِ
جَهمِيَّة الأوصافِ إلاَّ أنَّهمقد لقَّبوها جوهرَ الأشياءِ
وقال البحتري:
فاشربْ على زهرِ الرياضِ يشوبهُزهرُ الخدودِ وزهرةُ الصهباءِ
من قهوةٍ تُنسي الهمومَ وتبعث الشوقَ الذي قد ضلَّ في الأحشاءِ
يخفي الزجاجةَ لونُها فكأنَّهافي الكفِّ قائمةٌ بغيرِ إناءِ
يُسقيكها رشأ يكودُ يروِّهاسُكري بفترة مقلة حوراءِ
يسعى بها وبمثلها مَن طرفُهُعَوْداً وإبداءً علَى النُّدماءِ
قال أبو نواس:
تخيرتْ والنجوم وقفٌلم يتمكن بها المدارُ
حتَّى إذا غابَ كلُّ ذامٍوخُلِّص السَّرّ والنجارُ
آلت إلى جوهرٍ كطيفٍعيانُ موجوده ضمارُ
لا ينزلُ اللَّيل حيثُ حلَّتفدهرُ شُرَّابها نهارُ
حتَّى لو استودعت سراراًلم يخف في ضوئها السِّرارُ
كأنَّ في كأسِها سراباًيجلبهُ المهمهُ القفارُ
قال البحتري:
لنا في الدَّهر آمال طوالٌنُرجِّيها وأعمارٌ قصارُ
وأهون بالخطوب علَى خليعٍعلَى اللّذَّاتِ ليس لهُ عِذارُ
فأخَّر يومَهُ سكرٌ تجلَّىغيابته وأوَّله خمارُ
ويومٌ بالمطيرة أمطرتناسماءٌ صوبُ وابلها عقارُ
أقمنا أكلنا أكل استلابٍهناك وشُربُنا شربُ بدارُ
تنازعنا المُدامة وهي صرفوأعجلنا الطوابخ وهي نارُ
ولم يك ذاك سخفاً غير أنِّيرأيت الشّرب سُخفهمُ الوقارُ
رضينا من مخارق وابن خيربصوت الأثل إذْ متعَ النهارُ
تزعزعه الشّمال وقد توافىعلَى أنفاسها قطر صغارُ
غداة دُجُنّةٍ للغيث فيهاخلال الرَّوض حجٌّ واعتمارُ
كأنَّ الرِّيح والمطر المناجيخواطرها عتابٌ واعتذارُ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع