من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب التاسع والثمانون: ذكر ما جاء في الشعر من معنى مستور لا يفهمه سامعه إلاَّ بتفسير
قال الشاعر:
ومستخذل يدعو الصباح وقد رأىعرانين مشهور من الصبح أبلقا
إلى غير هيجا أصبحت غير أنَّهدجا فوقه ليل التمام فأطرقا
وقال آخر:
أبا زُرارة لا تبعد فكلُّ فتىيوماً رهين صفيحات وأعوادِ
إنِّي وإياكم حتَّى يُصاب بهمنكم ثمانيةٌ في ثوب حدَّادِ
هذا من الحداد، يقال أحدت المرأة، وحدّت المعنى واحد. قال يزيد ابن خذّاق:
وإذا أضاء لك الطَّريق وأنهجتمنه المسالك والهدى يعدي
أنهجت: بيَّنت. وأنهج الثوب: أخلق، ويعدي: يعين، ومنه أعداني السلطان على فلان، أي أعانني عليه. يقول: أضاء الطَّريق وبيَّنه لك، يعمل على أمرك، ويدلك على قصدك.
وقال القطامي:
زمان الجاهلية كلّ حيأبَوْنا من فصيلتهم لِماعا
لماع: طرائق. الواحد: لمعة. والفصيلة: فخذ الرَّجُل الَّذي هو منها. وقال جُعيل الفهمي الهمداني:
وربعيٍّ نحرتُ علَى حوارٍبحمد ثلاثة من بعد حَيْن
فراحوا حامدين ورحن بُحّاًولم أحفل بهزهزة الحنين
الربعي: الَّذي ولدته الناقة في الربيع، وثلاث: يعني نوقاً كان يرتضع ولد الناقة منهن وثلاثة أضياف، فراحوا حامدين، وراح النوق بُحّاً من شدة الحنين لفقد ولد الناقة.
وقال آخر:
لما نزلنا حاضر المدينهبعد سباق عُصبة مُبينة
صرنا إلى جارية مكينهذات سرورٍ عينُها سخينه
فباكرتها جفنة بطينهلحم جزور عندها سمينه
الجارية: عين ماء تجري، ومكينة من الأرض، ذات سرور: تُسر واردها، وسخينة: ماؤها، وسمينة: مسمونة بالسمن.
وقال آخر:
لقد حزّمت راحلتي غدواًلأحملها وتحملني وزادي
فما عدّيت دونك عيث وادٍفأخطى في لياليه اعتيادي
حزمت وزممت بمعنى، وراحلته: بغلته، فحملها وتحمله وإياه من موضع قريب فلم يعتد بطول سفره.
وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:
ليَهنئ تُراثي لأمري غير ذلَّةٍصنابر أُحدانٌ لهنَّ حفيفُ
سريعاتُ موتٍ ريّثاتُ إفاقةٍإذا ما حُملنَ حملهُن خفيف
قال: أراد سهاماً، صنابر: دقاقاً، وأحدان: أفراد. سريعات موت: يمتن من رمي بهن، لا يُفيق، منهن سريعاً، وحملهن خفيف علَى من يحملهن.
وقال آخر في مثل ذلك:
فما شيء يزيد علَى ذراعٍله في الرأس أجنحة ثلاثُ
يطير بها وليس هناك روحفتركبه الذكورة والإناثُ
إذا أرسلته ولَّى سريعاًوليس به إذا سقط انبعاثُ
وقال آخر:
وداويَّةٍ جرداء جدّاء خيمتبهاء هبوب الصيف من كل جانب
أنخت بها الوجناء من غير فترةٍليثنين عبداً بين آتٍ وذاهب
جرداء: لا ينبت قمحها، وجداء: لا ماء فيها، والوجناء في قول الأصمعي: الناقة الغليظة شبهت بالوجين، وهو الغليظ من الأرض، وفي قول أبي عمرو، وهي غليظة الوجين لا يثنين ركعتين، وآتين اللَّيل والنهار.
وقال الثمال بن قطيف:
وقد أخرجت من دوركم ذات أعينمُطوَّقة الأعناق مُلس الحقائب
مخرَّقة الآذان نهلٌ وجوههاحسان المجال ليّنات المضارب
فروع الشّوى صفر الصياصي كأنهاشيوخ من الأعراب حمر العصائب
يعني الديكة.
وقال آخر:
أبصرتُ جاريةً في بطنها رجلٌفي فخذه جمل في ظهره قتب
الجارية: السفينة، في بطنها رجل، في فخذه جمل. يعني في قبيلته، في ظهر الجمل قتب.
وقال آخر:
وسربُ ملاح قد رأيتُ وجوهَهُأناثٍ أدانيه ذكوراً أواخره
وسرب ملاح: يعني الثغر. وإناث أدانيه: يعني الثنيين والنابين والناجذين مؤنثان: وما خلف ذلك مذكر.
وقال مسكين بن علي الحنظلي:
أصبحتْ عاذلتي مُعْتلَّةًقرمتْ بل هي وحمى للصخبْ
أصبحت تتفل في شحم الذُّرىوتعد اللوم داراً يُنتهبْ
لا تلمْها إنَّها من نسوةٍملحُها موضوعة فوق الركبْ
الوحمى: الَّتي تشتهي شيئاً، فشبه شهوتها للصخب بذلك، وتتفل في شحم الذرى، أي تعود الإبل. وتعد اللوم درّاً: أي تحرص عليه كما تحرص على نهب الدر، وملحها موضوعة فوق الركب، حكي عن ابن الأعرابي عن الأصمعي أنَّه قال: إنَّها زنجية، والملح: السمن قال: سمنها في عجيزتها، ويقال: ملح الغلام وحلم: إذا سمن بمعنى واحد.
ومنه قول أوس:
إلى سنةٍ جرذانها لم تَحَلَّم
وقال آخر:
ربّ شيخ رأيته صار كلباًثمَّ من ساعتين صار غزالا
رب ثورٍ رأيت في حُجر نملٍوقطاة تحمل الأثقالا
صار غزالاً من قول الله عز وجل فصُرن إليك، أي فاضممهنَّ إليك، يقول: ضمَّ إليه كلباً ثمَّ ضم إليه غزالاً في ساعتين، وثور: دابة، شبه القرادة، رآه في حجر نمل. وقطاة: يعني الَّتي مع القتب تشبه البكرة وتشد عليها الحبال.
وقال آخر:
أكلت دجاجتين وديكتانكما أكل المفضل ديكتان
يريد دجاج تين وديك تين المرأتين أيضاً كما قال المفضل ديك تان من التناء.
وقال آخر:
شربنا فأدلجنا وكانت ركابنايسرن بنا في غير برِّ ولا بحر
مطايا يُقرّبن البعيد وإنَّمايقربن أشلاء الكريم من القبر
وقال آخر:
فما مقبلات مُديبرات......مفرقة الأسماء واللونُ واحدُ
يصادف في إعراضهنَّ حلاوةومنهن مُرّات وسخن وباردُ
يصف الأيَّام في إعراضهن من المكروه والمحبوب.
وأنشدني أحمد بن يحيى في صفة البرغوث:
يُؤرقني حدبٌ صغار أذلةٌوإن الَّذي يؤذيهُ لذليلُ
إذا ما قتلناهن أضعفن كثرةعلينا ولا يُنْعى لهن قتيلُ
وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز:
حُمّلت أمراً عظيماً فاصطبرتَ لهوقُمتَ فيه بأمر الله يا عُمرا
فالشَّمس كاسفة ليست بطالعةتبكي عليك نجومَ اللَّيل والقمرا
يعني الشَّمس ليست بكاسفة نجوم اللَّيل ولا القمر وقد تبكي عليك بين فعل الشَّمس ومفعولها.
وقال آخر:
ألا لا تصل لاتصلحرامٌ عليك فلا تفعلِ
فإن المصلي إلى ربهمن النَّار في الدرك الأسفلِ
الصلا: الدرك ومنه للفرس الَّذي يجيء تالي السابق المصلى فكأنه ينهاه عن إتيان جاريته في الدبر في مصلاها وليس هذا في النَّار المصلي.
وقال آخر:
إنَّني شيخ كبيركافر بالله سيري
أنت ربي وإلهيرازق الطفل الصغير
كافر: مغطى بالله. سيري: ابتدأه.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع