من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب التسعون: ذكر المعاني الظاهرة والأمثال السائرة
قال طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيَّام ما كنت جاهلاًويأتيك بالأخبار من لم تُزوّدِ
فيقال أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم كان يتمثل بقوله: ويأتيك من لم تزود بالأخبار. وروي عن ابن عباس أنَّه قال: « ويأتيك بالأخبار من لم تزود » كلمة نبي، وحكى لنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يتمثل:
تنفك تسمع ما بقيت بهالك حتَّى تكونه
والمرء قد يرجو الرجاء مغيّباً والموتُ دونه
العباس بن محمد بن عثمان بن محمد قال: كان عمر ينشد هذا البيت:
قد طفق النَّاس تعلوهم أكارعهموعتّق الطَّير تعلوه العصافير
وحكي عن عثمان رضي الله عنه أنَّه تمثل:
فلو كنت مأكولاً فكن أنت آكليوإلاَّ فأدركني وإلاَّ أمزَّق
عن ابن سيرين عن عبيدة أنَّه قال: إن علي بن أبي طالب عليه السلام إذا أعطى فرأى ابن ملجم قال:
أريدُ حياته ويُريدُ قتليعذيركَ من خَيلك من مُراد
وبلغني أن الحسين بن علي عليهما السلام دخل على معاوية وهو عليل فتشدد معاوية وجلس وأنشأ يتمثل ببيت له:
وتجلدي للشامتين أُريهمُأنِّي لريب الدَّهر لا أتضعضعُ
ويروى أن يزيد بن معاوية تمثل يوم الحرَّة بقول ابن الزبعرى:
ليت أشياخي ببدر شَهدواجزعَ الخزرج من وَقْع الأسَل
وبلغني أن عبد الملك بن مروان تمثل:
أظنّ صروف الدَّهر بيني وبينكمسَتحملهُم منِّي علَى مَركب وعرِ
وإنِّي وإيَّاهم كمن نبَّه القطاولو لم ينبه باتت الطَّير لا تسري
عن عروة عن عائشة قالت: وعك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين قدموا المدينة وعكاً شديداً قالت: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم في زيارة أبي ومولاه بلال وعامر بن فُهيرة قالت: فدخلت على أبي بكر فذكرت الحديث ثمَّ قالت: أتيت بلالاً فوجدته يهذي وهو يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةًبفخٍّ وحولي أذخرٌ وجليل
وهل أرِدنَ يوماً مياه تجنَّةوهل يبدُوَنْ لي شامةٌ وطفيل
اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام كما أخرجونا من مكة. فرجعت إلى النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم بالذي رأيت فقال: « اللهم حبِّب إلينا المدينة كما حبَّبت إلينا مكة وبارك لنا فيها كما باركت لنا في مكة وبارك لنا في صاعنا ومدنا وانقل وباءنا عنا إلى مهيعة ».
وقال زهير:
ومن يغتربْ يحسب عدوّاً صديقَهومن لا يكرّمْ نفسه لم يُكرَّمِ
ومن يجعلِ المعروفَ من دونِ عِرضهيَفِرْه ومن لا يتَّقي الشّتم يُشتَمِ
ومن لا يذدْ عن حوضه بسلاحهيُهدّمْ ومن لا يظلم النَّاس لا يظلمِ
ويقال أن عمرو بن معد يكرب كان يُعد من الشجعان فلما قال:
إذا لم تستطع شيئاً فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
عُدَّ حينئذٍ من الشعراء.
وقال آخر:
أيذهب يوم واحد إن أسأتهبصالح أيَّامي وحُسن بلائيا
وقد ينبت الدُّنيا عن دمِن الثَّرىوتبقى حزازات النفوس كما هيا
قال القطامي:
قد يُدركُ المتأنِّي بعضَ حاجتهوقد يكونُ مع المستعجل الزّلَلُ
والنَّاس من يلقَ خيراً قائلونَ لهُما يشتهي ولأم المخطئ الهَبَلُ
وذكر أن بعض البصريين ممَّن لم يعرف بقول الشاعر ولا روايته سمع ليلة من الليالي يُنشد:
يا راقد اللَّيل مسروراً بأوَّلهإن الحوادث قد يطرقن أسحارك
فلمَّا أصبح وجده قد أصيب، لا يعرف سببه، ولا من أصابه.
وقال آخر:
من لم يخف صولة اللياليأثر في وجهه الغبارُ
من لم يُؤدِّبْهُ والداهأدَّبَهُ اللَّيلُ والنهارُ
وقال الخليل بن أحمد:
عش ما بَدَا لك قصرُك الموتلا مهربٌ منه ولا فوْتُ
ولربّ محمود صنائعهأودى فماتَ الذّكر والصَّوتُ
وقال سعيد بن حميد:
أحسنت ظنَّك بالأيَّام إذْ حسنتْولم تخف شرّ ما يأتي به القدرُ
وسالمتك الليالي فاغتررت بهاوحين تصفو اللَّيالي تحدث الغيرُ
وقال آخر:
من تحلَّى بغير ما هو فيهفضحته شواهد الامتحانِ
وأخو العلم تعرف العين منهحركات من غير لفظ لسانِ
وقال ربيعة الرقي:
إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسهشكا الفقر أوْ لام الصديق فأكثرا
فسرْ في بلادِ الله والتمس الغِنَىتعشْ ذا فساد أوْ تموتَ فتُعذرا
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع