من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الحادي والتسعون: ذكر ما اشتبهت معانيه واتفقت أعجازه وقوافيه
قال أبو بكر: قد جاء في شعر شعراء الجاهلية والإسلام ما يوافق بعضها بعضاً فمنها ما يتفق في المعنى دون اللفظ ومنها ما يتفق في المعنى واللفظ، فمن ذلك ما يقوي أسباب التهمة فيكاد العالم يقنع بأن المتأخر قد سرقه من المتقدم، مثل ما وقع في شعر امرئ القيس من شعر أبي دؤاد الإيادي فتقع التهمة قوية بامرئ القيس لا رواية أبي دؤاد، وكذلك يقوي التهمة بزهير فيما وقع من شعر مشبهاً لشعر أوس بن حجر، لأنه روايته، والإسلاميون أيضاً كذلك تتأكد التهمة على الرَّجُل إذا كان رواية لرجل فوجد في شعره ما يشبه شعره ككثيّر وجميل ومن جرى مجراهما ممَّن يكون الباب بتسميته. ومن لم يكن رواية شاعر بعينه إلا أنَّه علامةٌ، وبالرواية مشهور، لم يعذر محرماً لا يعرف الأخبار ولا يروي الأشعار، ونحن نقدم في هذا الباب ما يشاكل ترجمته ثمَّ نعود على ما تبقى من السرقات بعد ذلك فنذكره بعد الفراغ إن شاء الله، وقال امرؤ القيس:
فقالت ولن يُبخل عليك ويُعتللْيسؤْكَ وإن يُكشف غرامُك تدْربِ
وهذا يشاكل قول طرفة بن العبد:
أجدّك إن ضنَّتْ عليك بودهاجزعت وإن يُكشف غرامُك تدْربِ
ولست أتعجل القضاء بينهما لأن عمراً واحداً يجمعهما فلسنا نعلم أيهما أشعر من صاحبه وقال امرؤ القيس:
كبكر المقنّاة البياض بصُفرةٍغَذاها نميرُ الماءِ غيرَ مُحلّل
وهذا يشبه قول طفيل الغنوي:
هجان المقاناة البياض بصفرةعقيلةُ جوِّ عازبٍ لم يُحلَّل
وهذا والأول سواء لأنهما كانا في عصر واحد. وقال زهير بن أبي سُلمى:
لدى أسدٍ شاكي السلاح مقاذفٍله لِبَدٌ أظفارهُ لم تُقلَّم
وهذا مأخوذ من قول أوس بن حجر:
لَعمرك إنِّي والأخاليف هؤلاءلفي حِقبةٍ أظفارُها لم تُقلَّم
وقال زهير:
فلما عرفتُ الدَّار قلتُ لربعهاألا أنعمْ صباحاً أيها الربعُ واسلمِ
وهذا يشبه قول المسيب بن علس:
ألا أنعم صباحاً أيها الربع واسلمتحيَّة محزون وإن لم تكلَّم
وهما جميعاً متهمان بقول امرئ القيس:
ألا أنعِم صباحاً أيها الربعُ وانْطقِوحدثْ حديث الحيّ إن شئت واصدقِ
وقال سالم بن وابصة:
ترى الوفود من الآفاقِ قد حفلواوالمبتغون إلى أبوابه طُرُقا
وقال النابغة الجعدي:
حتَّى إذا أغلَقَت وخالَفَهامُتسرْبل أدماً علَى الصَّدرِ
فأصابَ غرَّتها ولو شعرتْحَدَبت عليه بضيق وَعْرِ
حتَّى تحدَّرَ من منازلهاأُصُلاً بسبع ضوائنٍ وُفْرِ
وهذا مأخوذ من قول المسيب بن علس:
وغَدَت بمَسرفِها وخالَفَهامُتسربلٌ أدَماً علَى الصَّدرِ
فأصابَ ما حَذَرت ولو علِمتحَدَبت عليه بضيق وَعرِ
حتَّى تحدَّرَ من عوازبهأصلاً بسيح ضوائنٍ وُفرِ
وقال النابغة الجعدي:
ومَولى جفت عنه المَوالي كأنَّماإلى النَّاس مطليٌّ به القارُ أجرَبُ
وهذا مأخوذ من قول النابغة الذبياني:
فلا تتْركني بالوَعيد كأنَّنيإلى النَّاس مطليٌّ به القارُ أجرَبُ
وقال الأخطل:
غرَّاءُ فرعاءُ مصقولٌ عوارِضُهاكأنَّها أحول العينين مكحولُ
وهذا مأخوذ من قول الأعشى:
غرَّاءُ فرعاءُ مصقولٌ عواضُهايمشي الهُوَينى كما تمشي الوجى الوجل
قال أبو بكر: قد ذكرنا من الأشعار فيما سلف من هذا الباب ما استُعير له كلام من غيره واخترع له كلام في نفسه على ترتيب، وقال بشار:
العبدُ يُقرعُ بالعصاوالحُرُّ تكفيه الملامَة
وهذا مأخوذ من قول الصلتان الفهمي:
العبدُ يُقرعُ بالعصاوالحُرُّ تكفيه الإشارة
قال أبو بكر: وبلغنا أن الفرزدق مر بجميل وهو ينشد:
ترى النَّاس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى النَّاس وقَفوا
فقال الفرزدق: أنت لا تحتاج إلى هذا البيت وأنا محتاج إليه لأني أهجو الرِّجال وأمدحهم فاتركه لي فتركه له وهذا من أحسن أفعال الفرزدق المحكية عنه لأنه إنَّما استوهب هذا البيت ولم يغضب عليه والهبة على كل حال خير من السرقة. وبلغني عن ابن سلام عن كرد بن البصري أن عريفهم عوف بن ثعلبة علق على الفرزدق فقال: يا عدو الله سرقتنا قول صاحبنا الأعلم العبدي حيث يقول:
إذا اغبرَّ آفاقُ السَّماءِ وكشَّفتْكسورَ بيوتِ الحيِّ حمراء حَرجفُ
وجاءَ قريعُ الشَّولِ قبلَ إفالهارفيقاً وكانت خلفهُ وهي وقَّفُ
وباشرَ راعيها الصَّقيع كأنَّهعلَى سَرواتِ النّيب قطنٌ مُندَّفُ
وقاتلَ كلبُ الحيِّ عن نارِ أهلهِليربضَ فيها والصّلا متكرّفُ
وبلغني أن الفرزدق وقف علَى الشمردل اليربوعي وهو ينشد:
وما بين من لم يُعطِ سمعاً وطاعةًوبين تميمٍ غير خَزّ الحلاقِمِ
فقال الفرزدق: لتتركنه أوْ أتركن عرضك فقال: خذه لا بارك الله فيك فأخذه وتبع الفرزدق:
لو أن جميع النَّاس كانوا بتِلْعَةٍوجئتُ بجدي ظالم وابن ظالِمِ
لظلَّتْ رقاب النَّاس خاضعةً لهسجوداً علَى أقدامنا بالجماجِمِ
فقال الفرزدق: وددت بأني سبقت إلى هذين البيتين، قيل له: كيف تقول:
بجدي دارم وابن دارم
أدخلهما بعد موته
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع