من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السادس والتسعون: ذكر تشبيهات ما بقي من الموصوفات
وقد ذكرنا من صفات البحار والفلوات والخمور وآلات الصيد وسائر الدواب فيما قدمناه من الأبواب ما في بعضه بلاغة للمتأدبين، وكفاية للمفتشين، ونحن الآن نذكر - إن شاء الله - ضروباً من التشبيهات لأنواع من الموصوفات التي لو أفردنا كل موصوف منها في باب لما احتمله عدد أبواب الكتاب ولدخلنا في باب التطويل والإكثار إن لم نعجز عنه ما نحفظه من الشعار وسيستبين كل - إن شاء الله - في جران العود وحدها أن لو أفرد كل مشبه فيها بباب لم يصلح بناؤه على ترتيب هذا الكتاب.
قال امرؤ القيس:
ديمةٌ هطلاءُ فيها وَطَفٌطبقُ الأرض تحرَّى وتَدُرْ
وترى الشَّجراءَ من رَيّقهاكرؤوسٍ قُطِّعتْ فيها الخُمُرْ
ساعةً ثمَّ انتحاها وابلٌساقطُ الأكتافِ واهٍ مُنهمرْ
وقال عبيد بن الأبرص وتروى لأوس بن حجر:
دانٍ مسفٍّ فويقَ الأرضِ هيدبهُيكادُ يدفعهُ منْ قامَ بالرَّاحِ
فمنْ بنجوتهِ كمنْ بعقوتهِوالمستكنُّ كمنْ يمشي بقرواحِ
كأنَّ فيه إذا ما الرعد فجَّرهُدهماً مطافيل قد همَّتْ بأرشاحِ
وقال ذو الرمة:
وهاجرة حرّها واقدٌنصبت لحاجتها حاجبي
تلوذ من الشَّمس أطلاؤهالياذ الغريم من الطالبِ
وتسجدُ للشَّمس حرباؤهاكما يسجد القسّ للرَّاهبِ
وقال آخر:
يوم من الزّمهرير مقرورعليه جيبُ الضَّباب مزرورُ
كأنَّما حشو جوِّه إبرٌوروضةٌ حشوها قواريرُ
وشمسُهُ حُرَّةٌ مُخدَّرةٌليسَ لها من ضيائِهِ نورُ
وقال جران العوْد النميري:
ذكرتُ الصِّبا فانهلَّتْ العينُ تذرفُوراجعكَ الشَّوقُ الذي كنتَ تعرفُ
وكانَ فؤادي قد صحا ثمَّ هاجنيحمائمُ ورقٌ بالمدينةِ هتَّفُ
لحقنَا وقد كانَ اللُّغامُ كأنَّهُبلحي المهارى والخراطيمِ كرسفُ
وما ألحقتنا العيسُ حتَّى تناضلتْبنا وتلانا الأخرُ المتخلِّفُ
وكانَ الهجانُ الأرحبيُّ كأنهُتراكبهِ جونٌ من الجهدِ أكلفُ
وفي الحيِّ ميلاءُ الخمارِ كأنَّهامهاةٌ بهجلٍ من أديمَ تعطَّفُ
شموسُ الصِّبا والأنسِ محفوظةُ الحشاقتولُ الهَوَى لو كانتِ الدَّارُ تسعفُ
كأنَّ ثناياها العذابَ وريقهَاونشوةَ فيها خالطتْهنَّ قرْقفُ
تهيمُ جليدَ القومِ حتَّى كأنّهُدوًى يئستْ منهُ العوائدُ مدنفُ
وقالت لنا والعيسُ صعْرٌ من البُرىوأخفافها بالجندلِ الصُّمِّ تقذفُ
حُمدتَ لنا حتَّى تمنَّاكَ بعضُناوأنتَ امرؤٌ يعروكَ حمدٌ وتُعرفُ
وفيكَ إذا لاقيتنا عجرفيَّةٌمراراً ولا نسْتيعُ من يتعجرفُ
تميلُ بكَ الدنيا ويغلبكَ الهوىكما مالَ خوَّارُ القنا المتقصِّفُِ
فموعدكَ الشَّطُّ الذي بينَ أهلناوأهلك حتَّى تسمع الديك يهتفُ
وتكفيكَ آثار لنا حين نلتقيذيولٌ نُعفِّيها بهنَّ ومطرفُ
ومسحبُ ريطٍ فوقَ ذاكَ ويُمنةٍتسوقُ الحصا منها حواشي رفرفُ
فتُصبحُ لم يُشعرْ بنا غير أنَّناعلى كلِّ ظنٍّ يحلفونَ وتحلفُ
فبتنا قعوداً والقلوبُ كأنَّهاقطا شُرَّع إلا شراكِ مما تخوَّفُ
ولمَّا رأينَ الصُّبحَ بادرنَ ضوءهُدبيبَ قطا البطحاءِ أو هنَّ أقطفُ
وأدركنَ أعجازاً من اللَّيلِ بعدماأقامَ الصَّلاةِ العابدُ المتحنِّفُ
وما أُبنَ حتَّى قلنَ يا ليتَ أنَّناترابٌ وليتَ الأرضَ بالناسِ تخسفُ
فإن ننجُ من هذي ولم يشعروا بنافقد كانَ بعضُ الخيرِ يدنو فيُصرفُ
وقال عبد بني الحسحاس:
كأنّ الثُّريَّا علِّقتْ فوقَ نحرهاوجمرَ الغضا هبَّت لهُ الرِّيحُ ذاكيا
وجيدٍ كجيدِ الرِّيم ليسَ بعاطلٍمن الدُّرِّ والياقوتِ والشَّذرِ حاليا
فأقبلن يحفظن الجنان كأنَّماقتلن قتيلاً أوْ أتينَ الدَّواهيا
وأصبحنَ صرعى في البيوتِ كأنَّماشربنَ مُداماً ما يُجبنَ المناديا
وقال الحسين بن مطير:
أينَ إخواننا علَى الأحساءِأين جيرانُنا علَى الدَّهناءِ
فارقونا والأرضُ مُلبسَةٌ نَوْرَ الأقاحي تُجادُ بالأنْواءِ
كلّ يومٍ عن أقحوانٍ جديدٍتضحك الأرضُ من بكاءِ السَّماءِ
وقال البحتري:
يا مَن رأى البركة الحسناءَ رؤيتَهاوالآنساتِ إذا لاحتْ مَغانيها
كأنَّما الفضَّةُ البيضاءُ سائلةًمن السَّبائك تجري في مَجاريها
فحاجب الشَّمس أحياناً يُضاحكهاورَيِّقُ الغيثِ أحياناً يُباكيها
إذا النجومُ تراءَتْ في جوانبهاليلاً حسِبتَ سماءً رُكِّبتْ فيها
كأنَّها حين لجَّتْ في تدفُّقهايدُ الخليفةِ لما سالَ واديها
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع