تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)

الباب الخامس والتسعون: ذكر من استدل بأشعاره على سوء اختياره

أول ما نذكره إن شاء الله في هذا الباب ما جاء في الشعر من معنى قبيح ولفظ غير عذب ولا فصيح.

قال امرؤ القيس:

إذا لم تكن إبلٌ فمعْزَىكأنَّ قرونَ جلَّتها العصيُّ
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة
إذا ما قامَ حالبُها أرَنَّتْكأنَّ الحيَّ بينهُم نَعيُّ
فيملأُ بيتنا أقِطاً وسَمْناًوحسبكَ من غنًى شبَعٌ ورِيُّ

وإن هذه لقناعة تدل على ضعة ورقاعة، لأن من اقتصر ورضي من المطالب بما يملأ به بطنه وأضرب عن المكارم صفحاً، فقد دل على نقصان همَّةٍ وإيضاع رتبة، وإن الشاعر ليهجو عدوه بما مدح هذا به نفسه فيكون بالغاً في ذمّه.

قال حسان بن ثابت:

إنِّي رأيتُ من المكارمِ حسبكُمُأن تلبسوا خَزّ الثيابِ وتُشبعوا
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة
فإذا تذوكرت المكارِم مرَّةًفي مجلسٍ أنتم بهِ فتقنَّعُوا

على أن حسان بن ثابت لم يبلغ به في هجائه ما بلغه امرؤ القيس بنفسه في افتخاره لأن امرأ القيس قنع بالشبع والرِّي وحساناً هجاهم باقتصارهم على خزّ الثياب مع الطعام والشراب.

وقال امرؤ القيس:

فللزَجر أُلهوبٌ وللساق دِرةٌوللسَّوطِ منهُ وقْعُ أخرج مُهذب

وهذا ممَّا يعاب على قائله لأنه يدل على استحثاث شديد وذلك إما لعجز الفارس وإما لنقصان نفس الفرس.

وقال امرؤ القيس:

وأركبُ في الرَّوع خيفانةًكسا وجهها سَعفٌ مُنتشرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»
لها ذنَبٌ مثل ذَيْل العَروس تسدُّ به فرجَها من دُبُرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

وهذا ممَّا يعاب عليه لأن كثرة شعر الناصية معدود في عيوب الخيل فكان السكوت عن ذكره أولى من الافتخار لها به. والذنب لا يسدّ الفرج إلاَّ من دبر وكان هذا حشو في الكلام لا عيب في ذكره.

وبلغني أن رجلاً جاء إلى بعض العلماء فقال له: إنِّي صنعتُ شعراً فأريد عرضه عليك فقال: هاته. فأنشأ يقول:

إن جسمي سلّ من غيرِ مرضوفؤادي لجوى الحزن غرض

فقال: أحسنت ثمَّ ماذا؟ قال:

كجراب كانَ فيه جُبندخل الفأر عليه فقرض

فازداد عقله واستضحك من شعره. وأنشدني بعض النحويين قال: أنشدني رجل لنفسه:

وجاريةٍ روميَّةٍ صقلبيّةمعتّقة ممَّا تعتَّق بابلُ
له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍوإرخاءُ سرحان وتقريب تتفل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقد ذكرنا في هذين الفصلين طرفاً من سوء الاختيار في نظم المعاني والألفاظ في الأشعار، ونحن - إن شاء الله - نذكر الآن في هذا الفصل الثالث طرفاً من الشعر الجيد الصنعة، الملحق بقائله ضرباً من الضعة فمن ذلك قول الفرزدق:

دفعنَ إليَّ لم يطمثن قبليوهنَّ اصحّ من بيض النّعام
فبتنَ علَى اليدين مُصرَّعاتٍوبتُّ أفضُّ أغلاق الختام

وبلغني أن عبد الملك قال له: لآخذنَّك باعترافك بالزنا على نفسك فقال: يا أمير المؤمنين يمنعك من ذلك أنه كتاب الله قال: وما هي؟ قال: والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون. فصفح عنه.

وقال آخر:

وإنِّي لأستحيي من الله أن أَرَىأجرّرُ حبلاً ليس فيه بعيرُ
للشاعر الأُحَيمِر السَعدي، اقرأ القصيدة
وأن أسأل المرء اللَّئيم بعيرَهُوبعران ربِّي في البلادِ كثيرُ
للشاعر الأُحَيمِر السَعدي، اقرأ القصيدة
عوى الذِّئب فاستأنستُ للذئب إذْ عوَىوصوَّت إنسانٌ فكدت أطيرُ
يرى اللهُ أنِّي للأنيسِ لشانئوتُبغضهمْ لي مقلةٌ وضميرُ

وقال براقة الهمداني:

مَتَى تجمع القلب الذّكيّ وصارماًوأنفاً جميعاً تجتنبك المظالمُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «متى تجمع القلب الذكي وصارما»
ومن يكسب المالَ الممنَّع بالقنايعش ماجداً أوْ تخترمه المخارمُ
كأنَّ حَريماً إذْ رجا أن يردَّهاويذهبَ مالي يا ابنة القين حالمُ
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة
كذبتم وبيت الله لا تأخذونهامُراغمةً ما دامَ للسَّيف قائمُ
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة

النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كتاب الزهرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.