من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثالث والتسعون: ذكر ما استعارته الشعراء من القرآن
وما نقلته إلى أشعارها من سائر المعاني فأول فصل نذكره من ذلك ما استعاره الرَّجل من شعر شاعر غيره.
قال أبو دؤاد الإيادي:
وهادٍ تقدَّمَ لا عيبَ فيهكالجذعِ شُذِّبَ عنه الكَرَبْ
فأخذه امرؤ القيس:
له جُوجُوء حَشر كأنَّ لجامَهُتعالى به في رأس جِذْع مُشذَّبِ
وقال أبو زياد:
ترى جارنا آمناً وسطَنَايروحُ بعقدٍ قَويّ السببْ
إذا ما عقدنا لهُ ذمَّةًشددنا العناج وعَقدُ الكربْ
فأخذه الحطيئة:
قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهمشدُّوا العناج وشدُّوا فوقه الكَرَبا
وقال طرفة:
إذا القوم قالوا من فتًى خلتُ أنَّنيعُنيتُ فلمْ أنكَل ولم أتبلَّد
فأخذه الراعي فقال:
إذا ما قيلَ أينَ حُماة ثغرٍفنحنُ بدعوةَ الداعي عَنينا
فأخذه بشامة بن حرى:
لو كانَ في الألفِ منهُم واحدٌفدعوا من فارسٌ خالهم إيَّاه يَعنونا
قال امرؤ القيس:
يُضيء الفراشَ وجهها لضَجيعِهاكمِصباح زيتٍ في قناديلِ ذُبَّالِ
فأخذه النابغة فقال:
وتخالُها في البيتِ إذ فاجأتَهاقد كانَ مَحجوباً سراجَ المُوقدِ
ولم يصنع النابغة في هذه السرقة قليلاً ولا كثيراً إلاَّ أنَّه لم يزد في المعنى ولا نقص فليست له فضيلة الاختصار ولا فضيلة التوكيد بل عليه فضيلة السابق على المسبوق وعليه تبديل لفظ مستحسن إلى لفظ مستحسن.
وقال امرؤ القيس:
سأكسبُ مالاً أوْ تقوم نوائحٌيقُل بها قَطر الدُّموع على قَبرِي
وقال عمرو بن قميئة:
ودعوتُ ربِّي بالسَّلامة جاهداًليُعينني فإذا السَّلامةُ داءُ
فأخذه حميد بن ثور:
أرَى بَصَري قد رابني بعد صحَّةٍوحسبُك داءً أن تَصِحَّ وتسْلَما
وقال علقمة بن عبدة:
يجود بنفسٍ لا يُجادُ بمثلهافأنت بها يوم اللقاء خَصيبُ
فأخذه مسلم بن الوليد:
يجود بالنَّفس إذْ ضن الجواد بهاوالجود بالنَّفس أقصى غاية الجود
قال الأحوص:
إنِّي إذا افتخر الرِّجال رأيتنيكالشَّمس لا تَخْفى بكُل مكانِ
فأخذه ابن هرمة:
إذا خفي القومُ الكرامُ رأيتنيمُقارنَ شمس في المجرَّةِ أو بدْرِ
الفصل الثاني ما استعاره الشعراء من الأمثال الجارية على ألسن البلغاء ومن الأمثال السائرة
قولهم من عَزَّ بَزَّ وللخنساء في نحو ذلك:
كأن لم يكونوا حِمًى يُتَّقىإذْ النَّاسُ إذْ ذاكَ من عَزَّ بَزّا
ومنها قولهم: يداك أوْكَتا وفوك نفخ. أخذه الكميت فقال:
قه لجواب ما قُلتم وأوكتأكفكمُ علَى ما تنفخونا
ومنها قولهم مكره أخوك لا بطل أخذه الكميت فقال:
لم يدر إلاَّ ارتجال الظنّ واصفهُأمُكرهٌ هو في الهيجاء أوْ بطلُ
الفصل الثالث ما استعانت به الشعراء من كلام الله تعالى
قال الله عز وجل (إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض) فأدخلته الخنساء فقالت:
أبعدَ ابن عمرو من آل الشّريدحلَّتْ به الأرضُ أثقالها
فخر الشّوامِخُ من فَقْدِهوزُلزلتِ الأرضُ زلزالها
وقال الله عز وجل (أولى لك فأولى) فأخذته الخنساء في هذه القصيدة:
هممتُ بنفسي بعضَ الهُمومفأوْلى لنفسيَ أولى لها
وقال جلّ ثناؤه (بل عجبت ويسخرون) فأخذ الكميت هذا المعنى:
يَعيبونني من جُبنِهم وضلالِهمعلَى حُبكم بل يسخرون وأعجبُ
وقال جلّ ثناؤه (فخرج منها خائفاً يترقب) فأخذه الكميت فقال:
ألم تَرني من حُبِّ آل محمدأروح وأغدو خائفاً أترقّبُ
وقال الله عز وجل (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) فأخذه الكميت فقال:
ألم يتدبَّر آيه فتدلهعلَى ترك ما يأتي أم القلبُ مُقفل
وقال الله عز وجل (يحسبون كل صيحة عليهم وهم العدو) فأخذه جرير فقال:
لا زلتَ تحسِبُ كل شيءٍ بعدهمخَيْلاً تكرُّ عليهم ورجالا
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع