من «لباب الآداب» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
ومن بليغ مليح الغزل
قول الأقرع بن معاذ القشيري:
سلامٌ على من لا يمل كلامهوإن عاشرته النفس عصراً إلى عصرِ
فما الشمس وافت يوم دجنٍ فأشرقتولا البدر وافى أسعداً ليلة البدرِ
بأحسن منها، أو تزيد ملاحةًعلى ذاك، أو راءى المحب؟ فما أدري!
وقول ابن الملوح:
كأن على أنيابها الخمر شابهابماء الندى من آخر اللّيل عابق
وما ذقته إلا بعيني تفرساًكما شيم من أعلى السحابة بارقُ
يضم علي الليل أوصال حبكمكما ضم أزرار القميص البنائقُ
وماذا عسى الواشون أن يتحدثواسوى أن يقولوا: إنني لك عاشقُ
أجل، صدق الواشون، أنت حبيبةٌإلي وإن لم تصف منك الخلائقُ
وقال مضرس بن قرط بن حارثٍ المزني:
تكذبني بالودِّ سُعدى فليتهاتحمل مني مثله فتذوق
ولو تغلمين العلم أيقنت أننيلكم- والهدايا المشعرات- صديقُ
أذود سواد العين عنك ومالهإلى أحدٍ إلا إليك طريقُ
أهم بصرم الحبل ثم يردنيإليك من النفس الشعاع فريقُ
وكادت بلاد الله- يا أم مالكٍ-بما رحبت يوماً علي تضيقُ
تتوق إليك النفس ثم أردّهاحياء، ومثلي بالحياء حقيق
وقال أبو صخر الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذيامات وأحيا والذي أمرهُ الأمرُ
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرىأليفين منها لا يروعهما الذعرُ»
عجبت لسعي الدهر بيني وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الدهرُ
فيا حبها زدني جوىً كل ليلةٍويا سلوة الأيام موعدك الحشرُ
وإني لتعروني لذكراك روعةٌكما انتفض العصفور بلله القطرُ
وإني لآتيها أريد عتابهاوأوعدها بالهجر ما برق الفجرُ
فما هو إلا أن أراها فجاءةًفأبهت لا عرفٌ لدي ولا نكرُ
وأنسى الذي قد كنت فيه أتيتهاكما قد تنسي لبَّ شاربها الخمرُ
ويمنعني من بعض إنكار ظلمها*- إذا ظلمت يوماً وإن كان لي عذرُ-:
مخافة أني قد علمت لئن بدالي الهجر منها ما على هجرها صبرُ
وأني لا أدري إذا النفس أشرفتعلى هجرها ما يصنعن بي الهجرُ
وقال آخر:
أمزمعة للبين ليلى ولم تمت؟كأنك عما قد أظلك غافلُ!
ستعلم إن زالت بهم غربة النوىوزالوا بليلى أن لبّك زائل
وأنّك مسلوب التّصبّر والأسىإذا بعدت ممن تحب المنازلُ
وقال آخر:
يقر بعيني ان أرى من بلادهاذرى عقدات الأجرع المتقاودِ
وأن أرد الماء الذي وردت بهسليمى، وقد مل السرى كل واحدِ
وألصق أحشائي ببرد حياضهِولو كان مخلوطاً بسم الأساودِ
وقال أبو نباتة الكلابيّ:
أريتك إن نجداً ألظَّ بأرضهوحرته العليا الغيوث الرواجسُ
وعاد نبات الأرض رطباً كأنه*- إذا اطردت فيه الرياح- الطيالسُ؟
أمطلع تلك البلاد فناظرٌإلى أهلها؟ أم أنت من ذاك آيسُ؟
وقال أيضاً:
بدالي وللتيمي قلة صامعٍعلى بعده مثل الحصان المجللِ
فقلت: أرى تلك البلاد التي بهاأميمة، يا شوق الأسير المكبلِ!
وقال آخر:
سقى بلداً أمست سليمى تحلهمن المزن ما تروي به وتسيمُ
وإن لم أكن من ساكنيه فإنهيحل به شخصٌ علي كريمُ
وقال قيس بن الملوح:
حججت ولم أحجج لذنبٍ جنيتهولكن لتعدي لي على قاطع الحبلِ
دهبت بعقلي في هواها صغيرةًوقد كبرت سني فرد بها عقلي
وإلا فساوِ الحب بيني وبينهافإنك يا مولاي تحكم بالعدلِ
وقال أيضاً:
دعوت إلهي دعوةً ما جهرتهاوربي بما تخفي الصدور بصيرُ
لئن كنت تهدي برد أنيابها العلىلأفقر مني، إنني لفقيرُ
فما أكثر الأخبار: أن قد تزوجتفهل يأتيني بالطلاق بشيرُ؟!
وقال ذو الرمة:
أراني إذا هومت ياميَّ زرتنيفيا نعمتا لو أن رؤياي تصدقُ!
لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعتووجه كقرن الشمس ريان مشرقُ
وعينٌ كعين الرئم فيها ملاحةٌهي السحر أو أدهى التباساً وأعلقُ
وقال قيس بن الملوح:
ألا تلك ليلى قد ألم لمامهاوكيف مع القوم الأعادي كلامها؟
تعلل بليلى، إنما أنت هامةٌمن الهام يدنو كل يومٍ حمامها
وبادر بليلى أوبة الركب إنهممتى يرجعوا يحرم عليك لمامها
وقال نصيب:
خليليَّ من كعب ألما- هديتما- بزينب لا تفقد كما أبدا كعب
من اليوم زوراها، فإن ركابناغداة غدٍ عنها وعن أهلها نكبُ
وقال ذو الرمة:
[خليليَّ عدا حاجتي من هواكما،ومن ذا يواسي النفس إلا خليلها؟]
ألما بميٍّ قبل أن تطرح النوىبنا مطرحا أو قبل بين يزيلها
وإن لم يكن إلا تعلل ساعةٍقليلاً فإني نافعٌ لي قليلها
وقالت امرأة من العرب:
أتربي من عليا هلال بن عامرٍأجدا البكا، إن التفرق باكرُ
فما مكثنا- دام الجميل عليكما- بثهلان إلا أن تزمَّ الأباعرُ وقال آخر:
فلا تعجلا يا صاحبيَّ، تحيةًلليلى، وليلى للقلوب قتولُ
فألمم على ليلى فإن تحيةًلها قبل نصِّ الناعجات قليلُ
فإنك لا تدري إذا العيس شمرتبنا: أتلاقٍ أو عدىً وشغولُ؟
وقال آخر:
وما بي إلا أن تجودي بنائلٍلغيري ويبقى لي عليك الذمائمُ
فما بين تفريق النوى بين من ترىبذي الميث إلا أن تهبّ السّمائم
وقال جميل بن معمر:
وإن صباباتي بكم لكثيرةٌ- بثينَ، وصبري عنكم لقليلُ
وإني وتردادي الزيارة نحوكملبين يدي هجرٍ- بثينَ، يطولُ
وقال آخر:
تعزَّ بصبر لا وجدك لا ترىبشام الحمى أخرى الليالي الغوابرِ
كأن فؤادي من تذكره الحمىوأهل الحمى يهفو به ريش طائر
وقال ابن ميّادة:
يمنونني منك اللقاء، وإننيلأعلم ما ألقاك من دون قابلِ
وما أنس مل أشياء لا أنس قولهاوأدمعها يذرين حشو المكاحلِ:
تمتع بذا اليوم القصير فإنهرهينٌ بأيام الفراق الأطاول
وقال آخر:
خليليّ من عليا هوازن لم أجدلنفسي من شحط النوى من يجيرها
غداً تمطر العينان من لوعة الهوىويبدو من النفس الكتوم ضميرها
أيصبر عند البين قلبك أم لهغدا طيرة لا بدّ أن سيطيرها؟
وقال عمارة:
أميمة ودعها فإن أميرهاغداة غدٍ بالبين جذلان معجبُ
إذا افترق الحيان وانصاعت النوىبهم واستراح الكاشح المترقبُ
وقال آخر:
أقول لمقلتي لما التقيناوقد شرقت مآقيها بماءِ:
خذي لي اليوم من نظرٍ بحظٍفسوف توكلين بالبكاءِ
قلت: لي بيتان في هذا المعنى، وهما:
يا عين في ساعة التوديع يشغلك البكاء عن لذة التوديع والنظرِ
خذي بحظك منهم قبل بينهمففي غدٍ تفرغي للدمع والسهرِ
وقال آخر:
ألا يا لقومي للهوى المتزايدِوطول اشتياق النازح المتباعدِ
ترحلت كي أحظى إذا أبت قادماًفأوردني الترحال شر المواردِ
كأني لديغٌ حار عن كنه دائهطبيبٌ فداواه بسم الأساودِ!
فلم يقلع الداء القديم وزادهفيالك من داء طريف وتالدِ!
وقال آخر:
ولم أر مثل العامرية قبلهاولا بعدها يوم التقينا مودعا
شكونا إليها قبضة الحب بالحشيوخشية شمل الحيّ أن يتصدّعا
فما راجعتنا غير صمتٍ وأنةٍتكاد لها الأحشاء أن تتقطعا
لقد خفت أن لا تقنع النفس دونهابشيءٍ من الدنيا وإن كان مقنعا
وأعذل فيها النفس إذ حيل دونهاوتأبى إليها النفس إلا تطلعا
وقال آخر:
فديتك يا زين البلاد إن العدىحموك فلم يوجد إليك سبيلُ
أراجعةٌ عقلي عليَّ فرائحٌمع الركب، أم ثاوٍ لديك قتيلُ؟!
فلا تحملي وزري وأنت ضعيفةٌفحمل دمي يوم الحساب ثقيلُ
وقال آخر:
يود بأن يضحي سقيماً لعلهإذا سمعت شكواه ليلى تراسلهْ
ويهتز للمعروف في طلب العلىلتحمد يوماً عند ليلى شمائلهْ
وقال آخر:
صحيحٌ يود السقم كيما تعودهوإن لم تعده عاد عنها رسولها
ليعلم: هل ترتاع عند شكاتهكما قد يروع المشفقات خليلها
وقال ذو الرّمة:
ألا لا أرى مثل الهوى داء مسلمٍكريمٍ، ولا مثل الهوى ليم صاحبهْ
متى يعصه تبرح معاصاته بهوإن يتبع أسبابه فهو عائبهْ
إذا نازعتك القول مية أو بدالك الوجه منها أو نضا الدرع سالبهْ
فيالك من خدّ أسيل ومنطقٍرخيمٍ ومن خلقٍ تعلل جادبهْ!
وقال جميل:
بثينة ما فيها إذا ما تبصرتمعابٌ، ولا فيها إذا نسبت أشبُ
لها النظرة الأولى عليهم وبسطةٌوإن كرت الأعقاب كان لها العقب
النص من طبعة مكتبة السنة بالقاهرة (١٤٠٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع