من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في الوعد والوفاء به والخلف له
قال عمرو بن الحارث: «كنت متى شئت أن أجد صفة من يعد وينجز وجدته، فقد أعياني من يعد ولا ينجز».
وقال أبو إسحاق النّظام: «كنّا نلهو بالأماني، ونطيب أنفسا بالمواعيد، فذهب من يعد، وقطعتنا الهموم عن فضول الأماني».
وقال الشاعر:
قد بلوناك بحمد الله إن أغنى البلاءفإذا جلّ مواعيدك والجحد سواء
وقال أعرابيّ: «وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعطيل».
وذمّ أعرابيّ رجلا فقال: «إذا أوعد صدق، وإذا وعد كذب، ويغضب قبل أن يشتم، ويجزم قبل أن يعلم».
وقال عبد الله بن قيس الرقيّات:
اخترت عبد العزيز مرتغباوالله للمرء خير من قسما
من البهاليل من أميّة يزداد إذا ما مدحته كرما
جاءت به حرّة مهذّبةكلبيّة كان بيتها دعما
هنّ العرانين من قضاعة أمثال بنيهنّ تمنع الذّمما تكنّه خرقة الدّرفس من الشّمس كليث يفرّج الأجما
يقوت شبلين في مغارهماقد ناهزا للفطام أو فطما
لم يأت يوم إلا وعندهمالحم رجال أو يولغان دما
فذاك أشبهته ابن ليلى ولكنّ ابن ليلى يفوقه شيما
من يهب البخت والولائد كالغزلان والخيل تعلك اللجما
ينكر «لا» إنّ «لا» لمنكرةمن فيه إلّا محالفا نعما
وقال زيادة بن زيد:
إذا فرجة سدّت عليك فروجهافأنت ملاق لا محالة مذهبا
فلم يجعل الله الأمور إذا اغتدتعليك رتاجا لا يرام مضبّبا
كفاك الغنى يوما إذا ما تقلّبتبه صيرفيّات الأمور تقلبا
وإني لمزورّ قليل تقلّبيلوجه امرئ يوما إذا ما تجنّبا
قليل ليوم الشّرّ ويك تعرّضيفإن حلّ يوما قلت للشّرّ مرحبا
ملكنا ولم نملك وقدنا ولم نقدوكان لنا حقّا على الناس ترتبا
وقال هدبة العذريّ:
فأب بي إلى خير فقد فاتني الصّباوصيح بريعان الشّباب فنفّرا
أمور وألوان وحال تقلّبتبنا وزمان عرفه قد تنكّرا
أصبنا بما لو أنّ سلمى أصابهلسهّل من أركانه ما توعّرا
فإن ننج من أهوال ما خاف قومناعلينا فإنّ الله ما شاء يسّرا
وإن غالنا دهر فقد غال قبلناملوك بني نصر وكسرى وقيصرا
وذي نيرب قد عابني لينالنيفأعيا مداه عن مداي فقصّرا
فإن يك دهر نالني فأصابنيبريب فإن تشوي الحوادث معشرا
فلست إذا الضّرّاء نابت بجبّإولا جزع إن كان دهر تغيّرا
وكان هدبة هذا من شياطين عذرة، وهذا شعره كما ترى، وقد أمر بضرب عنقه وشدّ خناقه. وقليلا ما ترى مثل هذا الشّعر عند مثل هذه الحال؛ وإنّ امرأ مجتمع القلب، صحيح الفكر، كثير الرين، عضب اللّسان في مثل هذه الحال، لناهيك به مطلقا غير موثق، وادعا غير خائف. ونعوذ بالله من امتحان الأخيار.
وهو القائل في تلك الحال:
فلا تعذليني لا أرى الدّهر معتباإذا ما مضى يوم ولا اللّوم مرجعا
ولكن أرى أنّ الفتى عرضة الرّدىولاقي المنايا مصعدا ومفرّعا
وإن التّقى خير المتاع وإنمانصيب الفتى من ماله ما تمتّعا
فلا تنكحي إن فرّق الدّهر بينناأغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
ضروبا للحييه على عظم زورهإذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا
وأخرى إذا ما زار بيتك زائرزيالك يوما كان كالدّهر أجمعا
سأذكر من نفسي خلائق جمّةومجدا قديما طالما قد ترفّعا
فلم أر مثلي كاويا لدوائهولا قاطعا عرقا سنونا وأخدعا
وما كنت ممن أرّث الشرّ بينهمولا حين جدّ الشّرّ ممّن تخشّعا
وكنت أرى ذا الضّغن ممّن يكيدنيإذا ما رآني فاتر الطّرف أخشعا
وما قرأت في الشّعر كشعر عبد يغوث بن صلاءة الحارثيّ، وطرفة بن العبد، وهدبة هذا، فإنّ شعرهم في الخوف لا يقصّر عن شعرهم في الأمن. وهذا قليل جدّا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع