من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب الظلف
وهي الظّباء وهي معز، والمعز أجناس. والبقر الوحشيّ ذات أظلاف وهي بالمعز أشبه منها بالبقر الأهليّ، وهي في ذلك تسمّى نعاجا. وليس بينها وبين الظّباء، وإن كانت ذوات جرّة وكروش وقرون وأظلاف تسافد ولا تلاقح. وهي تشبهها في الشعر، وفي عدم السّنام.
ومن الظّلف الوعل، والثّيتل، والتّامور، والأيّل. جبليات كلّها، لا أدري كيف التّسافد والتلاقح منها.
ومن الظّلف الخنازير وهي بلا كرش ولا جرّة ولا قرن. وليس بينهما موافقة إلا في الظّلف.
وفي الخنازير ما ليس ظلفه بمنشقّ، فذاك هو المخالف بالنّاب وبعدم هذه الأشياء كلّها. وتشاكل المعز والبقرة والظباء بالشّعر وقصر الذّنب، وتخالف البقر والجواميس في طول الذّنب، وفي عدد أيّام الحمل.
ومن الظلف الضأن والمعز، وقد يكون بينهما تسافد وتلاقح إلا أنها تلقيه مليطا قبل أن يشعر، وذلك أقلّ من القليل.
ومن الظلف البقر الأهليّ، والجواميس، وهي أهلية أبدا، وهي موافقة للضأن في القرن وفي عدم النّاب، وفي الجرّة والكرش. وتخالف الضأن في الصّوف والسنام وتوافق المعز في الشعر وتخالف في السنام، وتخالف جميع الغنم في الحمل؛ لأن الغنم تضع لخمسة أشهر. والبقر تضع كما تضع المرأة في تسعة أشهر. وليس تشبه المرأة في غير ذلك، إلا ما يذكرون من الغبب ونتوّ الكاهل، فإنهما ربما كانا في بعض النساء، وأكثر ذلك في نساء الدّهاقين.
قالوا: والزرافة تكون في أرض النّوبة فقط. قالوا: وهي تسمّى بالفارسية أشتركاو بلنك كأنه قال: بعير، بقرة، نمر. لأنّ كاو هو البقرة، وأشتر هو الجمل، وبلنك هو النّمر.
فزعموا أنّ الزرافة ولد النمرة من الجمل. فلو زعمتم أنّ الجمل يكوم الضّبع ويكوم بعض ما له ظلف ما كان إلا كذلك. والمسافدة في أجناس المخلب والخفّ والحافر أعمّ، فلو جعلوا الفحل هو النمر، والأنثى هي الناقة، كان ذلك أقرب في الوهم.
وليس كلّ ذكر يكوم أنثى يلحقها. وقد يكوم الإنسان الدابّة بشهوة منهما جميعا ولا يكون تلاقح كما اتّفقا في المسافدة. وإنّ الرّاعي يكوم الغنم وغير الغنم.
وانظر، كم من ضرب ادّعوا ممّا لا يعرف: فواحدة أنّ بهيمة ذكرا اشتهى سبعا أنثى، وهو من أصعب السّباع. ثم الثانية أنه ألقح، والثالثة أنّ أرحام النمور لا تتّسع لأولاد الإبل.
قالوا: نمورهم عظام وإبلهم لطاف. وقد تتّسع أرحام القلاص العربيّة لفوالج كرمان، فتجيء بهذه الجمّازات. ولولا أنه فسّر لجاز أن يكون النّمر يكوم النّاقة فتتّسع أرحامها لذلك.
قالوا: وفي أعالي بلاد النّوبة تجتمع سباع ووحوش ودواب كثيرة، في حمارّة القيظ إلى شرائع المياه، فتتسافد هناك فيلقح منها ما يلقح، ويمتنع ما يمتنع، فيجيء من ذلك خلق كثير مختلف الصّورة والشكل والقدر، منها الزّرافة.
وللزّرافة خطم الجمل، والجلد للنّمر، والأظلاف والقرن للأيّل، والذّنب للظّبي، والأسنان للبقر، فإن كانت أمّها ناقة فقد كامها نمر وظبي وأيّل في تلك الشرائع.
وهذا القول يدلّ على جهل شديد.
والزّرافة طويلة الرّجلين، منحنية إلى مآخيرها، وليس لرجليها ركبتان، وإنما الرّكبتان ليديها؛ وكذلك البهائم كلّها. وعساه إنما أراد الثفنات. والإنسان ركبتاه في رجليه.
ويقولون: «أشتر مرك» للنّعامة، على التّشبيه بالبعير والطّائر، يريدون تشابه الخلق، لا على الولادة.
ويقولون للجاموس «كاوماش» على أن الجاموس يشبه الكبش والثّور، لا على الولادة، لأنّ كاو بقرة، وماش اسم للضأن.
وقال آخر: تضع أمّ الزّرافة ولدها من بعض السّباع، ولا يشعر النّاس بذلك الذّكر. قالوا: كاوماش على شبه الجواميس بالضّأن، لأنّ البقر والضأن لا يقع بينهما تلاقح. والتّفليس الذي في الزّرافة لا يشبه الذي في النّمر، وهو بالببر أشبه، وما النمر بأحقّ به من هذا الوجه من الفهد.
وقد يمكن أن تسمح الضّبع للذّئب، والذّئبة للذّبخ، والكلبة للذّئب وكذلك الثعلب والهرّة، وكذلك الطّير وأجناس الحمام كالوردانيّ والورشان والحمام، وكالشّهريّ من بين الحجر والبرذون، والرّمكة والفرس، والبغل من بين الرّمكة والحمار.
فأمّا بروك الجمل على النّمرة، والجمل لا بدّ أن تكون طروقته باركة، فكيف تبرك النّمرة للجمل، والسّباع إنما تتسافد وتتلاقح قائمة، وكذلك الظّلف والحافر، والمخلب، والخفّ. والإنسان والتّمساح يتبطّنان الأنثى. والطير كلّه إنما يتسافد ويتلاقح بالأستاه من خلف وهي قائمة.
وزعموا أنّ الغراب يزاقّ. والحمّر والقبج ربّما ألقحا الإناث إذا كانا على علاوة الرّيح. ولا تكون الولادة إلّا في موضع إلقاء النّطفة والشيء الذي يلقح منه.
وأمّا السّمكة فقد عاين قوم معارضة الذكر للأنثى، فإذا سبح الذكر إلى جنب الأنثى عقف ذنبه وعقفت ذنبها، فيلتقي المبالان فتكون الولادة من حيث يكون التلقيح، لا يجوز غير ذلك.
والذين يزعمون أن الحجلة تلقح من الحجل إذا كانت في سفالة الرّيح، من
شيء ينفصل من الذّكر. فإنما شبّهوا الحجل بالنّخل، فإن النخلة ربما لقحت من ريح كافور الفحّال إذا كانت تحت الرّيح.
قال: وسئل الشّرقيّ عن مخايرة ما بين ذوات القرون والجمّ فقال: الإبل والخيل من الخفّ والحافر. والبرثن والمخلب والقدم التي هي للإنسان. قال: فمن خصال ذي القرن أنّ منه وإليه ينسب ذو القرنين الملك المذكور في القرآن، ويزعم بعضهم أنه الإسكندر. وقال أميّة بن أبي الصّلت:
رجل وثور تحت رجل يمينهوالنّسر للأخرى وليث مرصد
ويقال ضربه على قرنه. وقرن من دم، كما يقال قرن من عرق. والقرن: أمّة بعد أمّة. والقرن: شيء يصيب فروج النساء يشبه العفلة.
والفيل من ذوات القرون، وفي الحيّات والأفاعي ما لها قرون، وإنما ذلك الذي تسمع أنه قرن إنما هو شيء يقولونه على التّشبيه، لأنّه من جنس الجلد والغضروف.
ولو كان من جنس القرون لكانت الحيّة صلبة الرأس، والحية أضعف خلق الله رأسا، ورأسه هو مقتله؛ لأن كلّ شيء له قرن فرأسه أصلب وسلاحه أتمّ. والقرن سلاح عتيد غير مجتلب ولا مصنوع، وهو لذوات القرون في الرؤوس. وللكركدّن قرن في جبهته، والجاموس أوثق بقرنه من الأسد بمخلبه ونابه.
وتقول المجوس: يجيء بشوتن على بقرة ذات قرون.
وظهرت الآية في شأن داود وطالوت في القرن. وشبّور اليهود من قرن.
والبوق في الحروب مذ كانت الحرب إنما كان قرنا.
وبوق الرّحى قرن. والأيّل ينصل قرنه في كلّ عام. وكان سنان رمح الفارس في الجاهليّة روق ثور.
ويسمّى الرّجل بروق، والرّوق كالشيء يعاقب الشيء وقال بشّار في التّعاقب:
أعقبته الجنوب روقا من الأزيب
وفي العرب روق وأبو روق. وقال ابن ميادة:
دان له الرّوقان من وائلوقبله دانت له حمير
الرّوقان: بكر وتغلب.
ويقال قرن الضّحى، وقرن الشّمس، وقرون الشّعر، وقرن الكلأ، وقرون السّنبل، وأطراف عذوق النّخل وأطاف عروق الحلفاء وإبرة العقرب كلّها قرون.
والأجناس التي تكون لها القرون تكون قرونها في الذّكور منها. وقد يكون الفحل أجمّ، كما أن اللّحى عامّ في الرّجال، وقد يكون فيهم السّناط.
وقد تتشعّب قرون الظباء إذا أسنّت.
وقرون الظّباء وبقر الوحش شداد جدّا، وإنما تعتمد الأوعال في الوثوب وفي القذف بأنفسها من أعالي الجبال على القرون. والأغلب على القرون أن تكون اثنين اثنين. وقد يكون لبعض الغنم قرون عدّة.
والجواميس تمنع أنفسها وأولادها من الأسد بالقرون، وبقر الوحش تمنع
أنفسها وأولادها من كلاب القنّاص ومن السّباع التي تطيف بها، بالقرون. قال الطّرمّاح:
أكل السّبع طلاها فماتسأل الأشباح غير انهزام
وقال ابن النّوشجانيّ: أقبلت من خراسان في بعض طرق الجبال فرأيت أكثر من ميلين متّصلين في مواضع كثيرة من الأرض، أثر ستّ أرجل، فقلت في نفسي: ما أعرف دابّة لها ستّ أرجل! فاضطرّني الأمر إلى أن سألت المكاري، فزعم أنّ الخنزير الذّكر في زمان الهيج يركب الخنزيرة وهي ترتع أو تذهب نحو مبيتها، فلا يقطع سفاده أميالا، ويداه على ظهرها ورجلاه خلف رجليها، فمن رأى تلك الآثار، رأى ستّ أرجل، لا يدري كيف ذلك.
قال: فالخنزير في ذلك على شبيه بحال الذباب الذكر إذا سقط على ظهر الأنثى، في طول السّفاد.
وإنّ الجمل في ذلك لعجيب الشّأن، فأمّا العدد فالعصفور، ويحكى أنّ للورل في ذلك ما ليس لشيء، يعني في القوة، وأنشد أبو عبيدة:
في عظم أير الفيل في رهز الفرسوطول عيس جمل إذا دحس
قال عمرو بن سعيد: فرس الماء يأكل التمساح. قال: ويكون في النّيل خيول، وفي تلك البحور- يعني تلك الخلجان- مثل خيول البرّ، وهي تأكل التماسيح أكلا شديدا، وليس للتماسيح في وسط الماء سلطان شديد إلّا على ما احتمله بذنبه من الشّريعة.
قال: وفرس الماء يؤذن بطلوع النّيل، بأثر وطء حافره، فحيث وجد أهل مصر أثر تلك الأرجل عرفوا أنّ ماء النيل سينتهي في طلوعه إلى ذلك المكان.
وهذا الفرس ربّما رعى الزّروع، وليس يبدأ إذا رعى في أدنى الزّرع إليه، ولكنّه يحزر منه قدر ما يأكل، فيبدأ بأكله من أقصاه، فيرعى مقبلا إلى النّيل، وربّما شرب هذا الفرس من الماء، بعد المرعى ثم قاءه في المكان الذي رعى فيه، فينبت أيضا.
والطّير عندنا يأكل التّوت ويذرقه، فينبت من ذرقه شجر التّوت.
قالوا: وإذا أصابوا من هذه الخيل فلوا صغيرا ربّوه مع نسائهم وصبيانهم في البيوت، ولم يزد على هذا الكلام شيئا.
قال: وفي سنّ من أسنانه شفاء من وجع المعدة.
قال: والنّوبة وناس من الحبشة يأكلون الحيتان نيّة بغير نار، ويشربون الماء العكر فيمرضون، فإذا علّقوا سنّ هذا الفرس أفاقوا، قال: وأعفاج هذا الفرس تبرئ من الجنون والصّرع الذي يعتري مع الأهلّة.
قال: وكذلك لحوم بنات عرس صالحة لمن به هذه العلّة.
قال: وإنما يكون الإنسان من مصايد الذّئب إذا لقيه والأرض ثلجاء، فإنّه عند ذلك يحفش وجه الأرض ويجمعه، ويضرب وجه الرجل فارسا كان أو راجلا. قال:
ودقاق الثّلج وغباره إذا صكّ وجه الفارس سدر واسترخى وتحيّر بصره، فإذا رأى ما قد حلّ به فربّما بعج بطن الدّابّة، وربما عضّها، فيقبض على الفارس فيصرعه ولا حراك به، فيأكله كيف شاء، وإلّا أن يكون الفارس مجربا ماهرا، فيشدّ عليه عند ذلك بالسّلاح، وهو في ذلك يسير ويقطع المفازة، ولا يدعه حينئذ يتمكّن من النفر عليه.
وزعم»
عبويه أنّ الخصيّ العبدي الفقيه من أهل همدان، السودانيّ الجبلّي، وهو رجل من العرب قد ولدته حليمة ظئر النبيّ ﷺ، وهو من بني سعد بن بكر، فزعم أنّ السّوداني أشبه خلق الله بجارحة وأحكمهم بتدبير ذئب وكلب وأسد ونمر،
وتعليم وتثقيف، وأنّه بلغ من حذقه ورفقه أنّه ضرّى ذئبا وعلّمه، حتى اصطاد له الظّباء والثّعالب وغير ذلك من الوحوش، وأنّ هذا الذئب بعينه سرّحه فرجع إليه من ثلاثين فرسخا، وذكر أنّ هذا الذئب اليوم بالعسكر، وحدّثني بهذا الحديث في الأيام التي قام بها أمير المؤمنين المتوكّل على الله، وذكر أنّه ضرّى أسدا حتى ألف وصار أهليّا صيودا، حتى اصطاد الحمير والبقر وعظام الوحش صيدا ذريعا، إلا أنّ الأسد بعد هذا كله وثب على ولد له فأكله، فقتله السوداني.
والذي عندنا في الذّئب أنه يألف. ولو أخذ إنسان جروا صغيرا من جرائه ثمّ ربّاه، لما نزع إلا وحشيّا غدورا مفسدا. ولذلك قال الأعرابي:
أكلت شويهتي ونشأت فينافمن أنباك أنّ أباك ذيب
فالذي حكى عبويه من شأن هذا الذّئب والأسد من غريب الغريب.
وأخبرني عبويه صاحب ياسر الخادم قال: أرسلت كلبة لي فحاصرت ثعلبا، فو الله إن زالا كذلك حتى خرّا ميّتين، قال: فقلت: أكرم بهما صيدا ومصيدا، وطالبا ومطلوبا.
قال: وإذا أسنّ القرشيّ رحل إلى الحجاز.
وقال: ما احتنك رجل قطّ إلا أحبّ الخلوة، وقالوا: ما فكّر فيلسوف قط إلا رأى الغربة أجمع لهمّه وأجود لخواطره.
قال: وشتم رجل الأرضة فقال بكر بن عبد الله المزني: «مه، فهي التي أكلت جميع الصّحيفة التي تعاقد المشركون فيها على رسول الله ﷺ، إلا ذكر رسول الله، وبها تبيّنت الجنّ أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، وبها تكشّف أمرها عند العوّام بعد الفتنة العظيمة عندهم، وكان على الخاصّة من ذلك أعظم المحن».
وخبّرني رجل من بني هاشم كان منهوما بالصّيد لهجا به، أنّه ضرب وسط ضبّ بالسّيف فقطعه نصفين، فتحرّك كلّ واحد منهما على حياله ساعة من نهار ثمّ سكنا.
وأخبرني أنهم كانوا يهارشون بين الضّبّ والورل، فيلغبه الورل حتى يقتله.
وحكى أنّ الورل يقتل الضبّ على معنى الصائد والطالب، وأن الضبّ يقاتل على معنى المحرج، وأنّه هارش بين الورل والحيّة فوجد الورل يقتل الحيّة ويأكلها، ويقتل الضبّ ولا يأكله ولكن حسوله.
وزعم أنّه وجد مشايخ الأعراب لا يقتلون ورلا ولا قنفذا ولا يدعون أحدا يصطادهما، لأنهما يقتلان الأفاعي، ويريحان الناس منها.
وأنشد أبو عبيدة لأبي ذؤيب:
وسوّد ماء المرد فاها فلونهكلون النّؤور وهي بيضاء سارها
وأنشد شبيها به للنابغة:
يتحلّب اليعضيد من أشداقهاصفرا مناخرها من الجرجار
وأنشد شبيها بذلك لإبراهيم بن هرمة:
كأنّها إذ خضبت حنّا ودموالحرض والعسن والهرم العصم
وأنشد أيضا:
تعلّم الأكل أولاد الظباء بهافما يحسّ بها سيد ولا أسد
وأنشد:
ذكرتك ذكرة فاصطدت ظبياوكنت إذا ذكرتك لا أخيب
منحتكم المودّة من فؤاديوما لي في مودّتكم نصيب
وقال ابن مقبل:
وكم من عدوّ قد شققنا قميصهبأسمر عسّال إذا هزّ عامله
وقال أيضا:
ولم أصطبح صهباء صافية القذىبأكدر من ماء اللهابة والعجب
ولم أسر في قوم كرام أعزّةغطارفة شمّ العرانين من كلب
اللهابة والعجب: ماءان من مياه كلب موصفان بالعذوبة، وهي في ذلك كدرة.
وأنشد ابن مزروع لعديّ بن غطيف الكلبيّ، وكان جاهليّا:
أهلكنا اللّيل والنهار معاوالدّهر يعدو على الفتى جذعا
والشّمس في رأس فلكة نصبترفّعها في السماء من رفعا
أمر بليط السماء مكتتموالنّاس في الأرض فرّقوا شيعا
كما سطا بالآرام عاد وبالحجر وأركى لتبّع تبعا
فليس ممّا أصابني عجبإن كنت شيبا أنكرت أو صلعا
قال: هو عاد بن عوص بن إرم. وسطا بالحجر، أي بأهل الحجر. وأركى أي أخّر. والإركاء: التأخير.
وقال كعب بن زهير:
فعم مقلّدها عبل مقيّدهافي خلقها عن بنات الفحل تفضيل
حرف أخوها أبوها من مهجّنةوعمّها خالها قوداء شمليل
وكما قال ذو الرّمّة:
أخوها أبوها والضّوى لا يضيرها
وقال سالم بن دارة:
حدوت بهم حتّى كأنّ رقابهممن السّير في الظّلماء خيطان خروع
وقال بعض المحدثين:
وقد شربوا حتى كأنّ رقابهممن اللّين لم تخلق لهنّ عظام
وقال آخر:
كأنّ هامهم والنّوم واضعهاعلى المناكب لم تعمد بأعناق
وقال الكميت:
وفي اللّزبات إذا ما السّنون ألقي من بركها كلكل
لعام يقول له المؤلفون هذا المقيم لنا المرحل
وقال أيضا:
الطّيّبو ترب المغارس والمنابت والمكاسر
والساحبون اللاحفون الأرض هدّاب المآزر
أنتم معادن للخلافة كابرا من بعد كابر
بالتّسعة المتتابعين خلائفا وبخي عاشر
وقال أيضا:
ولا يكن قوله إلا لرائدهاأعشبت فانزل إلى معشوشب العشب
ذهب إلى قوله:
مستأسد ذبّانه في غيطليقلن للرّائد أعشبت انزل
ولكن انظر كم بين الدّيباجتين. وفي الأوّل ذهب إلى قول الأعشى:
إذا الحبرات تلوّت بهموجرّوا أسافل هدّابها
قال: كان أصحاب النبيّ ﷺ يقولون: «كونوا بلها كالحمام» ولقد كان الرّجل منهم يدعو لصاحبه يقول: أقلّ الله فطنتك.
قال: وهذا يخالف قول عمر ﵁، حين قيل له: إنّ فلانا لا يعرف الشّرّ. قال: ذلك أجدر أن يقع فيه.
وقال النابغة الذبياني:
ولا يحسبون الخير لا شرّ بعدهولا يحسبون الشّرّ ضربة لازب
وقال الآخر:
ولا تعذراني في الإساءة إنّهشرار الرجال من يسيء فيعذر
وقالت امرأة ترثي عمير بن معبد بن زرارة:
أعين ألا فابكي عمير بن معبدوكان ضروبا باليدين وباليد
تقول: بالسّيف وبالقداح، لأنّ القداح تضرب باليدين جميعا. وقال ابن مقبل:
وللفؤاد وجيب عند أبهرهلدم الوليد وراء الغيب بالحجر
وقال ابن أحمر:
وفؤاده زجل كعزف الهدهد
وكان حسّان يقول لقائده إذا شهد طعاما: «أطعام يد أم طعام يدين؟». طعام يدين: الشّواء وما أشبه ذلك، وطعام اليد: الثرائد وما أشبهها.
وقال بعض السّلاطين لغلام من غلمانه وبين يديه أسير: اضرب. قال: بيد أو يدين؟ قال: بيد، فضربه بالسّياط. قال: اذهب فأنت حرّ. وزوّجه وأعطاه مالا.
وسارّ رجلا من الملوك بعض السّعادة بابن له ذكر أنّه بموضع كذا وكذا يشرب الخمر مع أصحاب له، فبعث غلاما له يتعرّف حاله في الشراب، فلمّا رجع وجد عنده ناسا فكره التفسير، فقال له: مهيم. قال: كان نقله جبنا. قال: أنت حرّ. لأنّ معاقري الخمر يتنقلون بالجبن لأسباب كثيرة.
وكان فرج الحجّام مملوك جعفر بن سليمان، إذا حجمه أو أخذ من شعره لم يتكلّم ولم يتحرّك، ولم يأخذ في شيء من الفضول، فقال جعفر ذات يوم: والله لأمتحننّه، فإن كان الذي هو فيه من عقل لا ينته، وإن كان كالطّبيعة والخلقة لأحمدنّ الله على ذلك. فقال له يوما: ما اسمك يا غلام؟ قال: فرج. قال: وما كنيتك؟ قال: لا أكتني بحضرة الأمير. قال: فهل تحتجم؟ قال نعم. قال: متى؟ قال: عند هيجه.
قال: وهل تعرف وقت الهيج؟ قال: في أكثر ذلك. قال: فأيّ شيء تأكل على الحجامة؟ قال: أما في الصّيف فسكباجة محمّضة عذبة، وأمّا في الشتاء فد يجيراجة خاثرة حلوة. فأعتقه وزوّجه، ووهب له مالا.
وكان قاطع الشهادة، ولم يكن أحد من مواليه يطمع أن يشهده إلّا على شيء لا يختلف فيه الفقهاء. وهو الذي ذكره أبو فرعون فقال:
خلّوا الطّريق زوجتي أماميأنا حميم فرج الحجّام
وكان أهل المربد يقولون: لا نرى الإنصاف إلا في حانوت فرج الحجّام، لأنّه كان لا يلتفت إلى من أعطاه الكثير دون من أعطاه القليل، ويقدّم الأوّل ثم الثاني ثم الثالث أبدا حتى يأتي على آخرهم، على ذلك يأتيه من يأتيه، فكان المؤخّر لا يغضب ولا يشكو.
وقال ابن مقروم الضّبي:
وإذا تعلّل بالسّياط جيادناأعطاك نائله ولم يتعلّل
فدعوا نزال فكنت أوّل نازلوعلام أركبه إذا لم أنزل
ولقد أفدت المال من جمع امرئوظلفت نفسي عن لئيم المأكل
ودخلت أبنية الملوك عليهمولشرّ قول المرء ما لم يفعل
وشهدت معركة الفيول وحولهاأبناء فارس بيضها كالأعبل
متسربلي حلق الحديد كأنّهمجرب مقارفة عنيّة مهمل
تم المصحف السابع من كتاب الحيوان، وبتمامه تم الكتاب، والحمد لله على حسن الختام. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع