من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
باب في مغازيهم
قال الأعشى:
عناجيج من ألِ الوجيهِ ولاحقُمغاويرٍ فيها للأريبِ معقَّبُ
الوجيه ولاحق والعسجدي لبني أسد وغنى تدعى لاحقاً،
والحلاّب لبني تغلب، وذو العقال لبني يربوع، والأعوج لبني عامر بن صعصعة والتدمري لبني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، والصريح لبني نهشل، والغراب ومُذهب لغنى بن أعصر، والواقي وناضح فحلان لا أعلم لمن هما، قوله عناجيج أي طوال الأعناق، مغاوير تغزو ويقال مغاوير شديدات العدو يقال أغار إغارة الثعلب، والأريب العاقل: معقب يرجع إلى الغارة، يقول ليس هي مما إذا غزى عليها انقطعت ولكنها فيها قوة لغزو بعد غزو في عام واحد.
وقال بشر:
بكلِ قِيادٍ مُسنفِةٌ عنودأضرَّ بها المسالحُ والغِوارُ
مسنفة متقدمة، عنود لا تستقيم على حالة ولكنها تعارض، والمسالح مواضع القتال حيث يستعمل السلاح، والغوار المغاورة، مسنف بالكسر في الفرس وبالفتح في البعير.
وقال لبيد:
ولقد حميت الحمى تحمل شِكّتىفُرُط وشاحى إذ غدوت لجامُها
الشكة السلاح، فرط فرس متقدمة، ثم استأنف قائلاً وشاحى لجامها وإنما جعله وشاحاً لأنهم كانوا ينزعون لجم الخيل إذا رجعوا
من الغزو ويلقونها على مناكبهم.
وقال النابغة:
فأوردهُنَّ بطنَ الإتم شُعثاًيصُنَّ المشي كالحِدإ التُؤامِ
على إقرِ الأدلةِ والبغاياوخفقِ الناعجاتِ من السأمِ
يصن المشي أي يتقين في مشيهن كأن بهن حفى، والحدأ جمع حدأة والتؤام جمع تؤام أي مثنى مثنى، والبغايا الطلائع، وخفقها اضطرابها، من السأم وهو الإعياء أبو عمر من الشأم، ويروى: الروايا، يريد الإبل عليها الماء.
وقال آخر:
مستحقباتٍ رواياها جحافِلهايأخذنَ بين سوادِ الخطِ فاللُّوبِ
البعير يكون عليه الماء والزاد فيقرن به الفرس فإذا طال القياد بالفرس وضع جحفلته على عجز البعير فجعل جحفلة الفرس بمنزلة الحقيبة للبعير.
وقال آخر - وهو مقلس العائذي:
أولى فأولى يا امرأ القيس بعدماخصفنَ المطّى الحوافِرا
أي قرنت الخيل بالإبل في الغزو فوطئت الخيل على آثار الإبل.
وقال آخر:
وما خلتُ بيننا من هَوادةٍعراض المذاكي المُسنِفات القلائصا
المذاكي المسان، أي قد قرنت بالإبل فهي تعارضها، والمسنفات إن كان من صفة الخيل فهو بكسر النون وهي المتقدمات كأنه قال عراض المسنفات القلاص وإن كان من صفة الإبل فهو بفتح النون وهي المشدودات بالسنف كأنه قال عراض المذاكي القلاص المسنفات.
وقال طفيل:
نزائعَ مقذوفاً على سرواتهابما لم تخالسُها الغُزاة وتُسهَبُ
نزائع نزيع كل قبيلة غريبها، ويقال الذي انتزع منها، مقذوفاً على سرواتها أي قذفت الأداة على ظهورها ثم تركت مسهبة، والمسهب المهمل المتروك، ربما تركت بموضع لا يخالسها الغزاة فيه، وسراة كل شيء أعلاه، ويقال مقذوفاً على سرواتها الشحم، بما لم تخالسها الغزاة أشي حين ترك ركوبها والمخالسة لها سمنت ولو كان يفعل ذلك بها لضمرت ومن ذهب إلى هذا رواه: يخالسها الغزاة وتركب.
أنخنا فسمناها النطاف فشاربقليلاً وأب صدّ عن كل مشربِ
أي أنخنا الإبل نسقي الخيل فسمناها أي عرضنا عليها الماء وصببنا لها والنطاف المياه واحدتها نطفة، فشارب يقول هو مجرب قد علم أنه يغار عليه وترك الشرب لأنه إذا طرد وقد شرب كان أشد عليه، والنطفة الماء القليل يبقى في الإناء والنطفة الماء الكثير يقال قطعنا هذه النطفة يعني البحر والنهر، ونحو منه قول زيد الخيل:
صبّحنا هُنَّ من سَملِ الأداوَىفمصطبحٍ على عَجلٍ وأبي
وقال زهير:
وخرّجها جعلها خُرجاً كل يومٍفقد جعلتْ عرائكها تلينُ
خرجها جعلها خرجاً أي ضربين ضرباً فيه طِرق وضرباً لا طِرق فيه وكل ضربين فهو أخرج.
قال العجاجُ يصفُ الحربَ:
ولبِست للشرِ جُلاً أخرجا
أي هي شنعاء مشهورة والخرج من هذا وبه سميت الخرجاء ويقال عام مخرّج فيه سواد وبياض من الجدب والخِصب، وقال بشر وذكر خيلاً وفرساً أنثى:
تراهُنَّ من أزمها شُزَّباإذا هنَّ أنسن منها وحاما
الأزم العض يقال أزم على فأس اللجام أي عض، والشزب الدقاق، يقول أضرت هذه الفرس بالخيل عِضت على لجامها وعضضن وهن لا يقدرن على ذلك فقد ضررن، أنسن رأين
وعلمن، والوحام أصله شدة شهوة الحامل، يقال امرأة وحمى، فهو يريد في هذا الموضع شهوتها لذلك العدو وحرصها عليه وقال عمرو بن معدي رب للعباس بن مرداس:
أعباسٌ لو كانت شياراً جيادُنابتثليثٍ ما ناصيت بعدي الأحامسا
ولكنها قيّدت بصعدةٍ مرةًفأصبحنَ ما يمشينَ إلا تكاوسا
الشيار السمان الحسنة المنظر، والأحامس الأشداء.
يقول لو لقيناك وخيلنا جامة لقتلت ولكنا لقيناك وهي كليلة قد أتعبت بصعدة وهي قرية، تكاوس على ثلاث.
ومثله له:
ولو جئْنَ يحملنَ الحديدَ بنا معاًألا يا لعمرو بعدها لشَوارِ
ولكنها قيّدت بصعدة مرةفجئنَ وما يعدون غير عِذارِ
الشوار المتاع، يقول يا لها من غنيمة، يال عمرو يعني نفسه، عذار تعذير والعرب تقول: الخيل تجري على مساويها - أي على ما بها من علل ونصب كما يقال الجواد يعطى على علاته أي على نوائبه وإعساره.
وقال العباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
وقال النابغة:
فيهم بناتُ العسجدي ولا حقوُرقاً مراكلها من المضمارِ
أي تحاث الشعر عن مواضع الأعقاب فلما نبت خالف لونها وخرج أورق.
وقال أبو داود:
قد تَصعْلكنَ في الربيع وقد قرع جلدُ الفرائصِ الأقدامَ
تصعلكن طارت أوبارهن ورققن في الربيع، وقد قرعت فرائصهن من الركض بأعقاب الرجال.
وقال آخر:
وجردأَ كبدإٍ مثل القناةِ قد طارَ في الروضِ سربالها
سربالها وبرها.
وقال آخر:
فتُبنا بالأوارةِ دون سلمىنخافِتُ بيننا دون السرارِ
نشيرُ إلى وجوهِ الخيلِ حتىبدَا بلقٌ يبشرُ بالنهارِ
هؤلاء قوم يريدون الغارة على قوم فهم يشيرون إلى وجوه الخيل لئلا تصهل فتنذرهم حتى بدا الصبح.
وقال لبيد:
بأجّشِ الصوتِ يعبوب إذاطرق الحي من الليلِ صهلَ
الفرس يمدح بأن يكون في صوته جُشة.
قال الجعدي:
ويصهلُ في مثلِ جوفِ الطّوىصهيلاً يبيّنُ للمعربِ
الطوى البئر، يقول كأن صوته يخرج من بئر، والمعرب صاحب الخيل العراب.
وقال جرير:
يشتفنَ للنظرِ البعيدِ كأنماإرنانُها ببوائنِ الأشطان
يشتفن ينظرن ويرفعن رؤوسهن، وإرنانها أصواتها، ببوائن في أبار تبين أشطانها من بعدها، والأشطان الحبال، يقال بئر بيون وبئار بوائن، ويجعل لها شطنان فيأخذ كل شطن رجل فإذا جازت الدلو بالجرف من قبل كل واحد جرها عنه الآخر، فيقول كأن أصواتها تخرج من هذه الآبار، ويقال لتلك البئر الشطون ويقال نوى شطون، وأنشد:
أكل يوم ل شاطنانعلى الطوى متقابلانِ
والشاطن الذي ينزع بالشطن.
وقال آخر:
فلا ألفيْن الخيلَ تطرحُ بينناوبينكم سخلاً بهيماً موضعا
يقول نغزو عليها فنجهدها فتسقط أولادها بهما أي على لون
واحد أراد أنها لم تشعر فتستبين شياتها، وقال كثير يمدح قوماً:
وهم يضربونَ الصَفَّ حتى يثْبتواوهو يرجعونَ الخيلَ جماً قرونها
أي حتى يثبتوا ما أرادوا، جماً قرونها وقد قتل فرسانها وقال مقّاس العائذي:
تذكرتْ الخيلُ الشعيرَ عشيةًونا أناساً يعلفونَ الأياصرا
أي ذكرتم الحب والقرى فانهزمتم ورجعتم إليها ونحن نعلف الحشيش فنحن نصبر لا ننهزم ولا نبالي أين كنا، ونحو منه قول عوف بن عطية بن الخرع للقيط بن زرارة:
هلا كررتُ على ابنِ أمكِ معبدوالعامري يقودهُ بصفادِ
وذكرتُ من لبنِ المحلَّقِ شربةًوالخيلُ تعدو بالصعيدِ بَدادِ
المحلق إبل سماتها الحلق، بداد متفرقة، وقال وذكر خيلاً:
وجللنَ دمخاً قناعَ العروسِ أدنَتْ على حاجبَيْها الخمارا
دمخ جبل يريد قناعاً من الغبار، ومثله قول عمرو بن معدي كرب:
جوافلٌ حتى ظل جُندٌ كأنهمن النقعِ شيخٌ عاصبٌ بخمارِ
جند جبل.
وكلّ قبائلهم أتبعتْكما أتّبعَ العَرّ ملحاً وَقارا
يقول كان في صدورهم بغي وحب للقتال أتبعتهم وقعتنا برءاً كما أتبع العر الملح والقار، والعر الجرب.
وقال عُقفان بن قيس اليربوعي:
لا يركبُ الخيلَ إلا أن يُركَّبهاولو تناتجنَ من حمرٍ ومن سودِ
يركبها يعطاها يغزو عليها ويعطى أصحابها نصف ما يصيب.
وقال متمم بن نويرة:
ونحن بجوٍ إذا أصيبَ عميدُناوعرّدَ عنا كل نِكسٍ مركَّبِ
وأنشد الأصمعي - لابن أحمر:
وقرّطوا الخيلَ من فلجِ أعنّتهامستمسكٌ بهواديها ومصروعُ
قال يقال قرط الفرس لجامها أي احملها على أن تجري جرياً شديداً حتى يمتد على أذنها فيصير كأنه قرط.
وقال عنترة:
تركتْ بني الهُجيم لهم دَوارإذا تَمْضي جمَاعتُهم تعودُ
الدوار نسك للجاهلية يدورون فيه لصنم أو غيره، أي تركتهم لفرسي كذلك تكر عليهم فتجوزهم ثم تعود عليهم.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع