من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
أبيات المعاني في التطير والفأل
أنشد:
يريك على غرات أشوس يتقييرى الطير لو يحزو له الطير عائف
يقول يرى الطير تجري بما بيني وبينها، أي لو يحزو له عائف من نفسه، ويحزو يزجر وهو الحازي والعائف.
وقال رؤبة:
قد علم النرهيئون الحمقاومن تحزي عاطساً أو طرقا
أن لا نبالي إذ بدرنا شرقاأيوم نحس أم يكون طلقا
المرهيئون المهيئون، يقال جاء بشهادة مرهيأة، والتحزي التكهن وكانوا يتطيرون بالعطاس، والطرق طرق الحصى، والتخطيط بالأصابع، يقول إذا غدونا غدوة فبدرنا الشرق لم نتطير، والطلق السهل.
وقال الفرزدق:
إذا قطنا بلغتنيه ابن مدركفلاقيت من طير الأشائم أخيلا
الأخيل الشقراق وهو يتشاءم به.
ومثله قول ذي الرمة:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغتهفقام بفأس بين وصليك جازر
ويقال بعير مخيول إذا وقع الأخيل على عجزه فقطعه، وأنشد له أو لجرير:
ويقطع أضعاف المتون أخايله
وقال أبو دواد يصف الحمار والآتن:
قلت لما نصلا من قنةكذب العير وإن كان برح
نصلاً خرجا من قنة الجبل، وبرح العير، والبارح يتشاءم به فقلت: كذب فيما صنع ولكنني سأصيده.
وقال آخر:
قامت تباكي لأن مرت بها أصلابجانب الدو أسراب من العين
قالت: أبو مالك أمسى ببلقعةتسفى الرياح عليه غير مدفون
فبينت صدق ما قالت وما نطقتوصاحب الدهر في خفض وفي لين
هذه مرأة مرت بها ظباء فتشاءمت بها فقالت: لعل أبا مالك أمسى في هذا الحال، ثم جاءها الخبر عنه بما يشبه ما خافت، فقال: فبينت ما قالت وصاحب الدهر في خفض أي في ايضاع؟ مرة وفي لين أي في خير مرة أخرى.
وقال جران العود:
جرت يوم رحنا بالركاب نسوقهاعقاب وشجاع من الطير متيح
أراد أنه جرى في الزجر عقاب وغراب، متيح يأخذ في كل وجه.
فأما العقاب فهي عقوبةوأما الغراب فالغريب المطرح
يريد أنها ضرب منا في البلاد وتغرب، والمطرح المبعد.
وقال ذو الرمة:
أجرى أدعج الروقين والعين واضح القر أسفع الخدين باليين بارح
بتفريق طيات تياسرن قلبهوشق العصا من عاجل البين قادح
يعني ثوراً جرى بالفراق، بارح جرى من يساره وهم يتشاءمون به، أدعج أسود، واضح أبيض، والسفعة في الخد كل لون يخالف سائر لونه، تياسرن اقتسمن من الميسر، والميسر الجزور نفسه، والقادح أكل يقع في العصا.
وقال ابن أحمر:
ألا قل خير كيف تغيرافأصبح يرمي الناس عن قرن أعفرا
يقول كأنما يرميهم عن قرن غزال يكون صالحاً لقوم وغير صالح لقوم أي هو سانح لواحد وبارح لواحد.
وقال أيضاً:
زجرت لها طيراً فيزجر صاحبيوأقول هذا زائد لم يحمد
أي لم يأت ما يحمد عليه. وقال طرفة:
لعمري لقد مرت عواطس جمةومر قبيل الصبح ظبي مصمع
عواطس أشياء يتشاءم بها والظبي أيضاً يتشاءم به. مصمع صمعت أذناه أي صغرت والأذن الصمعاء الصغيرة، ويروى: مصمع أي مسرع يقال صمع إذا عدا.
وعجزاء دفت بالجناح كأنهامع الفجر شيخ في بجاد مقنع
عجزاء عقاب وجعلها عجزاء لبياض في عجزها، دفت ضربت بجناحها، بجاد كساء، والعقاب يتشاءم بها أيضاً.
فلن تمنعي رزقاً لعبد يصيبهولن تدفعي بؤسي وما يتوقع
وقال امرؤ القيس:
وقد اغتدى قبل العطاس بهيكلشديد مشك الجنب رحب المنطق
أي قبل أن ينتبه إنسان فيعطس فأتطير منه.
وقال زهير وذكر الظباء:
جرت سنحا فقلت لها أجيزينوىً مشمولة فمتى اللقاء
أجيزي مري، يقال جاز وأجاز إذا ذهب، نوى مشمولة أي ليست على القصد أخذت ذات الشمال، فيقال في مشولة أنها من الريح الشمال، والعرب تتشاءم بالشمال لأنها تفرق السحاب ولم يلبث أن
يذهب، الأصمعي: أجزت الوادي إذا قطعته وخلفته، وجزت سرت فيه، ومعنى جاوزت وتجاوزت واحد.
وقال الكميت يصف قومه:
وفي نهاوند قد حلوا بمغتفرزجر البوارح بالإيمان والنعب
أي غفروا زجر الظباء والغربان فلم يعملوا به ومضوا على الإيمان والتوكل، يريد أنهم لا يتطيرون لأنهم مؤمنون.
وقال يمدح زياداً:
واسم امرئ طيره لا الظبي معترضاًولا النعيق من الشجاعة النعب
يقول اسمه زياد وهو يتيمن به، والشحاجة الغربان.
وقال لجذام في انتقالهم إلى اليمن:
وكان اسمكم لو يزجر الطير عائفلبينكم طيراً مبينة الفال
أي جذام والانجذام الانقطاع. وقال وذكر الصائد والثور:
فتماري بنبأة من خفيبين حقفين كلفته البكورا
النبأة الصوت الخفي، والخفي الصائد، والحقف ما اعوج من الرمل.
عطسة العائف الذي بمناهحسب الفأل فألها المزجورا
العطسة كلفت الصائد زجر الفأل على مناه فقال: لأصيبن خيرا اليوم فبكر. وقال الأعشى:
انظر إلى كف وأسرارهاهل أنت إن أوعدتني ضائري
كانوا ينظرون إلى خطوط الكف فيستدلون بها. وقال الكميت:
وانظر إلى أسرار كفي أجم مقلوم الأظافر
الأجم الذي لا سلاح معه وأصله الكبش الذي لا قرن له، والمقلوم الأظافر الذي لا سلاح معه أيضاً يريد نفسه. أي انظر إلى أسرار كفك فإنك أجم مقلوم الأظافر فهل تقدر لي على ضر.
وقال العجاج:
قالت سليمى لي مع الضوارسيا أيها الراجم رجم الحادس
بالنفس بين اللجم العواطس
هذا مثل يقال كانوا يتطيرون في الجاهلية من العطاس فإذا عطس العاطس قالوا: قد ألجمه كأنها قد تلجمه عن حاجته.
وقال رؤبة:
ولا أبالي اللجم العواطسا
وقال ابن الأعرابي يقال عطست فلانا اللجم: أي أصابه الهلاك.
وقال آخر:
إنا أناس لا يزال جزورنابها لجم عند المباءة عاطس
أي عطس لها عاطس وتمني لها فأصابها.
وقال جرير:
وما كان ذو شغب يمارس عيصنافينظر في كفيه إلا تندما
العيص الغيضة شبه حسب الرجل به، يقول إذا تعيف فنظر إلى كفيه علم أنه لاق شرا.
كقول الأعشى:
فانظر إلى كف وأسرارها
وقال كعب بن زهير:
فما نلتنا غدراً ولكن صبحتناغداة التقينا في المضيق بأخيلا
أي لقيتنا بشؤم، وقال أبو ذؤيب وذكر عائباً:
أربت لأربته فانطلقتأزجي لحب اللقاء السنيحا
أي كانت حاجته لي حاجة، أزجي أدفع، يقول إذا عرضت لي طيرة لم ألتفت إليها، وكانت هذيل تتشاءم بالسنيح وغيرها بالبارح.
وقال كثير:
أقول إذا ما الطير مرت مخيفةًسوانحها تجري وما أستثيرها
فدتك ابن ليلى حدث الردىوراكبها إن كان كون وكورها
مخيفة ومخيلة أي موهمة، يقول لا أزجرها لأثيرها، لثقتي بك وعلمي أنك لا تأتي ما أكره وإن جرت السوانح به.
وقال يذكر خطة:
غموم لطير الزاجريها أريبةإذا حاولت ضر الذي الضغن ضرت
غموم أي غامرة والزجر يشكل عليهم ولا يقدر زجر الطير.
وقال المرقش السدوسي:
ولقد غدوت وكنت لاأغدو على واقٍ وحاتم
وإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم
الحاتم الغراب لأنه يحتم بالبين والفراق.
ومنه قول عوف بن الخرع:
ولكنني أهجو صفي بن ثابتمثبجة لاقت من الطير حاتما
وقال آخر خثيم بن عدي:
وليس بهياب إذا شد رحلهيقول عداني اليوم واقٍ وحاتم
ولكنه يمضي على ذاك مقدماًإذا صد عن تلك الهنات الخثارم
الواق الصرد، والخثارم المتطير من الرجال.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع