من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
الأبيات في مكارم الأخلاق
قال لبيد:
فاقطع لبانة من تعرض وصلهولخير واصل خلة صرامها
واحب المجامل بالجزيل وصرمهباق إذا ضلعت وزاغ قوامها
لبانة حاجة، من تعرض وصلة أي لم يستقم لك وقوله: ولخير واصل خلة صرامها - أي قطاعها، يقول خير من تصله من يقطعك إذا استوجبت ذاك منه. أبو عبيد: يريد اقطع لبانتك منه ولا ترده وخير واصل ينشد بلا لام. ومثل قوله: تعرض وصله - قوله:
وارجع واشمة أسف نؤورهاكففا تعرض فوقهن وشامها
وذلك حين يدار الوشم، إذا ضلعت يريد الخلة أي أعوجت، وزاغ قوامها استقامتها، يقول من جاملك فأجزل مكافأته، وصرمه باق عندك أي تستبقيه ولا تعجل به أي معد عندك إذا مال بخملته عنك وعدل، أي فحينئذ تصرمه. وقال آخر:
الناس إخوان وشتى في الشيموكلهم يجمعه بيت الأدم
بيت الأدم قبة الملك يجتمع فيها كل ضرب يأكلون فيها الطعام، يقول هم سواء في أنهم بشر، ثم ضرب بيت الأدم مثلاً وذلك يكون
فيه الجيد والرديء والصغير والكبير وكل ضرب فجعل الأدم مثلاً للناس في اختلاف طبائعهم. ويقال بيت الأدم بيت الإسكاف فيه من كل جلد رقعة. وقال آخر:
وإن قراب البطن يكفيك ملأهويكفيك سوآت الأمور اجتنابها
قرابة أي مقاربته أي دون ملئه ويكفيك سوآت الأمور أن تجتنبها. وقال جرير: فإني لأستحي أخي أن أرى لأحد علي نعمة أو أثراً حسناً لا يرى هولي عليه مثله. وقال يزيد بن خذاق العبدي:
ولقد أضاء لك الطريق وأنهجتسبل المسالك والهدى يعدي
أي إبصارك الطريق يعديك على الهدى على طريقك ومثله: أعداني السلطان - أي أعانني. وقال آخر:
توكل وحمل أمرك الله إن ماتراد به يأتيك أنت له مخلي
أي في خلاء منك أنت له مصحر. وقال أبو العيال:
إن البلاء لدى المقاوس مخرجما كان من غيب ورجم ظنون
المقاوس جمع مقوس وهو الجبل الذي يمد على صدور الخيل عند مدفع الغاية أي فما كان عند الفرس فسيظهر حينئذ، وإنما هذا مثل، أي التجربة تخرج ما عند الإنسان من خير وشر.
وقال امرؤ القيس:
وما المرء ما دامت حشاشة نفسهبندرك أطراف الخطوب ولا آلي
يقول المرء ما عاش - وإن جهد في طلب ولم يأل - غير مدرك أواخر الأمور وغير بالغ كنهها. وقال ذو الرمة:
تشابه أعناق الأمور وتلتويمشاريط ما الأوراد عنه صوادر
أعناق الأمور أوائلها، والمشاريط الأعلام، يريد أن الأمور إذا أقبلت التبست وأشكلت وعمي فيها الرأي فلم يصح منها وهي مقبلة ما يصح إذا مضت وقرت مقرها، كأنه قال: تشابه أوائل الأمور وتمتنع أعلام العواقب التي تصدر عنها الأوراد فلا يحاط بها.
وقال امرؤ القيس:
فإنك لم يفخر عليك كفاخرضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
يقول الضعيف لا تجاره فهو يتبرى عليك. وقال النابغة:
ولست بمستبق أخاً لا تلمهعلى شعث، أي الرجال المهذب
يقول من لم تصلحه تقومه من الناس فلست بمستبقية ولا براغب فيه، واللم الجمع لما تفرق من أخلاقه وفسد، يقول: إنك لا تجد مهذباً لا عيب فيه. وقال الأعشى:
فلسنا لباغي المهملات بقرفةإذا ماطها بالليل منتشراتها
المهملات الإبل بلا راع، والقرفة الظنة، أي لا يطمع فينا لأنا لسنا نهمل أمرنا، وهذا مثل، طها انتشر وتفرق. وقال جهنام يرد عليه:
إنا لحابسون صدر أمورناإذا عجلت دون الصلاح هناتها
أي نكف أوائل أمورنا أي نتأنى وننتظر ولا نعجل فنقدم إذا عجلت الهنات من الشر دون الصلاح وهو الصلح.
وقال الأعشى:
إن محلاً وإن مرتحلاًوإن في السفر ما مضى مهلاً
أراد إن لنا محلاً يريد الآخرة، ومرتحلاً عنه يريد الدنيا، وإن في السفر تقدماً من يقدم شيئاً من العمل أصابه كما تقول: أخذ لذلك الأمر مهلته - أي تقدم فيه. وقال الشماخ:
كل خليل غير هاضم نفسهلوصل خليل صارم أو معارز
هاضم كاسر، يقول: كل خليل لا يقهر نفسه على وصل خليله فهو على حال صارم خليله، والمعارز المجانب، أبو عمرو: يقال استعرز مني فلان أي انقبض، وقيل هو المعاتب، وقيل هو المعاند،
وكل قريب من بعض. وقال لبيد:
واكذب النفس إذا حدثتهاإن صدق النفس يزري بالأمل
هو ان يقول انفسه: تعيشين تصيبين خيراً ولو صدقها فقال: تهلكين تموتين لأزري بأمله:
غير أن لا تكذبنها في التققىواخزها بالبر لله الأجل
اخزها سسها لله الأعظم، خزوت الإنسان وغيره أخزوه أي سسته: وقال ذو الإصبع:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسبعني ولا أنت دياني فتخزوني
أراد الله ابن عمك، وعني بمعنى علي، أي لم تفضل في الحسب علي، والديان الذي يملي أمره، يقول لست والي أمري فتسوسني.
وقال لبيد:
وما البر إلا مضمرات من التقيوما المال إلا معمرات ودائع
معمرات من العمري، يقال: هذه الدار لك عمري.
وقال القطامي:
ومعصية الشفيق علك ممايزيدك مرة منه استماعا
يقول إذا عصيته مرة فتبين لك خطاؤك في معصيته استمعت منه الثانية. وقال:
أخوك الذي لا تملك الحس نفيهوترفض عند المحفظات الكتائف
الحس الرقة. تقول: إني لأحس عليك أي أرق عليك، يقول أخوك الذي لا يملك أن ينصرك، والكتائف الأحقاد واحدها كتيفة، يقول: تذهب الإحقاد يوم ترى أخاك في الشر فتنصره.
وقال ابن أحمر:
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبهوقد يدوم ريق الطامع الأمل
أي ييبس ريقه في فمه. وقال المرار:
فلا تنقطع من وامق ذي مودةبغيب ولا واش يدب ويقدح
يقول: لا تنقطع عن خليلك لشيء غاب لم تره ولا لواش يدب بالنميمة.
فإن أمين الغيب يحصر صدرهمراراً ويستحي الحبيب فيصفح
يقول ربما ضاق صدره بما يبلغه إلا أنه يستحي الحبيب فيصفح عنه.
فلا تصر من الدهر من قد حبوتهبودك واعلم أهله حين يمنح
يقول: اعلم من هو أهل لودك، أي لا تضع ودك إلا موضعه فإذا وددت فلا تصرم. وقال الكميت يذكر نفسه:
لا خطوتي تتعاطى غير موضعهاولا يدي في حميت السكن تندخل
يقول: لا أخطو إلى ريبة، والحميت نحي السمن، والسكن الحي وهذا مثل، يقول: لا أخرق جلود الحي بالشتم، وقال:
وفي الناس أقذاع ملاهيج بالخنىمتى يبلغوا الجد الحفيظة يلعبوا
أقذاع أصحاب قذع، وهو الشتم، يقول يلهجون بالشر وهم جادون فإذا جاء الغضب قالوا: إنما لعبنا.
ومن لا يكن في صدر أمر ينوبهكذي العجز البالي له حين يذهب
يصل من حبال الغدر فيما ينوبهبمرمقه يردي بها المتذبذب
مرمقة ضعاف، يردي يهلك. وقال:
وأقرب يومى ذي المواربة الذيينال به من فرصة الحزم موردا
أي أقرب يوميه من حاجته اليوم ينال به مورد الخرم وقال ربيعة بن جشم:
أحار بن عمرو كأني خمرويعدو على المرء مل يأتمر
خمر أي في عقب الخمار، ويقال أراد كأني خامرني داء أو وجع، ويعدو على المرء ما يأتمر، كقولك: من حفر حفرة وقع فيها، لأن الرجل إذا ائتمر أمراً ليس برشد فكأنه يعدو عليه فيهلكه. وقال مضرس الأسدي:
وراحلة قدمت أقتاد رحلهالمستردف لا يحقر الجهد آطره
أراد قدمت أقتاد رحلها بالحبال أي أشده بها وأعطفه وأنحى رحلي لأوسع لردفي، ثم قال: لا يحقر جهد مجتهد - فعذر نفسه، وقد استقل ذلك، ومثله قول المرار:
وكيف على جهد الجليل تلوم
كأني أصادي ذا دلال يصورنيبقربي وقرض والحفاظ أواصره
الآصرة كل ما عطفك على الرجل من صهر وقرابة.
وقول عبد يغوث الحارثي:
ألم تعلما أن الملامة نفعهاقليل وما لومي أخي من شماليا
قال: الشمائل الأخلاق واحدها شمال. وقال سويد بن أبي كاهل وذكر الله ﷿:
ومتى ما يكف شيئاً لا يسع
أي لا يضاع يقال ضائع سائع وضاع وساع.
وقال عبد الله ابن سليمة:
ولقد اداوي داء كل معبدبعنيه غلبت على النطيس
معبد جرب، والعينة أبوال تطبخ مع أدوية ويطال أنقاعها وحبسها
ثم يعالج بها الجرب، وأصل التعنية الحبس، والنطيس المتنوق في الأشياء المبالغ ومنه للطبيب نطاسي، وهذا مثل، أراد إن عندي رفقاً بمن أنكر أخلاقه حتى اقومه. وقال المرقش الأكبر:
يا صاحبي تلبثا لا تعجلاإن الثواء رهين أن لا تعذلا
يقول إن مقامكما علي رهين بأن لا أعذلكما.
فلعل ريثكما يفرط سيئاًأو يسبق الإسراع شيئاً مرسلاً
الريث الإبطاء، يفرط يقدم، يقول: لعل إبطاءكم معي يتأخر بكما عن سيء فيتقدمكما ذلك الشر فيفوتكما ولعل إسراعكما يسبق بكما خيراً لأنه يتأخركما. وقال عدي بن زيد:
إذا ما امرؤ لم يرج منك هوادةًفلا ترجها منه ولا دفع مشهد
الهوادة الرخصة واللين، ومنه التهويد في السير، والمشهد المحضر والمعنى إذا لم يضعك الرجل موضع رجاء هوادة منك وموضع دفع عنه فلا ترج أيضاً ذلك منه فإنه يضعك من نفعه لك بحيث يرجوه من نفعك له.
وعدّ سواه القول واعلم بأنهمتى ما يبن في اليوم يصرمك في غد
يقول: اصرف قولك عنه إلى غيره واعلم بإنه متى ما يبين لك شيئاً من جفائه فإنه متبعك بالصريمة في غد. ويروي: يبن بالفتح من البينونة.
إذا أنت فاكهت الرجال فلا تلعوقل مثل ما قالوا ولا تتزند
لا تلع لا تجزع وهو من لاع يلاع، ومنه هاع لاع وهائع لائع، ولا تتزند لا تغضب، يقال للرجل إذا كان سريع الغضب إنه لمزند ومتزند أيضاً: وروى المفضل: ولا تتزند أي لا تزد على ما قالوا.
وأبدت لي الأيام والدهر أنهولو حب من يصلح المال يفسد
يقال حب وأحب بمعنى، يريد أنه لو أحب إصلاحه لم يصلح ماله وهو يفسد. وقوله للنعمان حين حبسه: شيعتني أعانتني نعماه على نصري إياه وما كنت أعطيته من ميثاقي بنصره والنصح له. ثم قال: إن التقى شكور للمعروف.
وتمهلت قوزةً أحرزت عرضي من الذم والشهود كثير
أي تقدمت في نعمة عندك، أحرزت عرضي من أن أذم وأنسب إلى تقصير، والتمهل السبق، والشهود على ما قلت كثير وذلك أنه كان عمل للنعمان عند كسرى دون إخوته حتى جعل إليه أمر العرب.
لا بسخط المليك ما يسع العبد ولا في نكاله تنكير
يقول لا يستطيع العبد أن يحمل سخط مليكه لشدة ذلك عليه.
ظنة شبهت فأملكها القسم فعداه والخبير خبير
يقول ظن ظناً فأملك تلك الظنة القسم أي جعلها ملكاً للرأي أي صدق ذلك الظن فأمضاه، وهو بمعنى قوله: فعداه. وقال بعضهم حمله ذلك على الاعتداء، والخبير الله ﷿ خبير بهذا الأمر، ويروى شبهت أي لبست عليه حتى لم يعرف وجهها.
وقال وذكر المنون:
كل حي يقوده كفّ هادجنّ عين تغشيه ما هو لاق
جن عين أي ما هو مستتر عنه، وجن عين منصوب بالهاء في هاد أي يهديه إلى ما غاب عنه ما قدر له. وقال طرفة:
للفتى عقل يعيش بهحيث تهدي ساقه قدمه
وقال أفنون التغلبي:
فطأ معرضاً إن الحتوف كثيرةوإنك لا تبقي لنفسك باقيا
يقول إنك إن أبقيت نفسك لم تبق لك. وقال زهير:
الجد من خير ما أعانك أوصلت به والجدود تهتصر
أي ربما كان لك إذا تولى عن آخر، وتهتصر تفتعل من هصرت إذا أملت وثنيت، أي تمال، وبين ذلك قوله بعد هذا البيت.
قد يقتني المرء بعد عيلتهيعيل بعد الغنى ويفتقر
وقال أيضاً:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنىأصبت حليماً أو أصابك جاهل
يقول إذا أنت لم تحلم وقعت بين أمرين رديئين إما صبت حليماً فسفهت عليه فأسأت أو أصابك جاهل فسفه عليك وأساء عليك.
وقال النمر بن تولب:
وإن أنت لاقيت في نجدةفلا تتهيبك أن تقدما
فإن المنية من يخشهافسوف تصادفه أينما
في نجدة أي في قتال وشدة، فلا تتهيبك أي لا تتهيبها وهذا من المقلوب.
وقال ابن مقبل:
ولا تهيبني الموماة أركبهاإذا تجاوبت الأصداء بالسحر
فسوف تصار دفه أينما ذهب، وإن كان محذوفا وكان يحذف اختصارا.
وقال النمر بن تولب:
يلوم أخي على إهلاك ماليوما إن غاله ظهري وبطني
يقول لم يكن هلاكه في لباس ولا طعام ولكنه كان في العطايا.
وقال:
ولا أسقي ولا يسقي شريبيوأمنعه إذا أوردت مائي
يعل وبعض ما أسقي نهالوأشربه على إبلي الظماء
شريبه الذي يشرب معه، والمعنى: لا أسقي حتى يسقي شريبي كما تقول لا آكل ولا يأكل أخي أي لا آكل حتى يأكل اخي، وأمنعه أراد ولا أمنعه. ومثله للفرزدق:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهمولم يكثر القتلى بها حين سلت
أي لم يغمدوها حتى كثرت القتلى بها، يعل أي يسقى مرة بعد مرة، وبعض ما أريد سقيه من أبلي نهال أي عطاش لإيثاري إياه.
وقال:
إعلمن أن كل مؤتمرمخطيء في الرأي أحيانا
فإذا ما يصب رشداًكان بعض اللوم ثنيانا
المؤتمر الذي يركب رأسه، يقال للرجل بئس ما ائتمرت لنفسك،
فإذا لم يصب رشداً لأمه الناس لوماً بعد لوم، الأول لركوبه هواه بغير مشاورة، والثاني على خطئه. وقال القطامي:
والناس من يلق خيراً قائلون لهما يشتهي والأم المخطيء الهبل
وقال الطرماح:
فاطرح بنفسك في البلاد فإنمايقضي ويقصر همه المتبلد
المتبلد الذي يذهب في البلاد. وقال العجاج:
والشحط قطاع رجا من رجاإلا اختصار الحاج من تحوجا
والأمر ما رامقته ملهوجايضويك ما لم تحي منه منضجا
تحوج طلب الحاج، يريد لا يكون حاضراً بحاجتك، وما رامقته أخذت منه الرمق فهو ملهوج أي غير منضج ولا محكم وإذا عملت في الأمر بغير إحكام فأنت ترامقه، يضويك ينقصك من الضاوي ما لم تعمل فيه عملاً حتى تنضجه. وقال امرؤ القيس:
أقصر إليك من الوعيد فإننيمما ألاقي لا أشد حزامي
أي قد جريت حتى لا احتاج إلى أن أشدد للأشياء ولا أتحزم لها.
وقال آخر:
لله آباؤك يا يزيدللقوم يعطوك الذي تريد
يقول لن - من اللين ثم قال: لاه آباؤك كما قال: لاه ابن عمك،
يريد لله، أراد لن للقوم يعطوك الذي تريد - لله أبوك. ويروي: للقوم بالنصب ووجه لِ القوم - أماكن واليهم من الولاية، وإماكن فيما يليهم أي بحيالهم، ويعطوك جزم في الوجهين على جواب الأمر: وقال الشماخ:
وكنت إذا حاولت أمراً رميتهبعيني حتى تبلغا منتهاهما
أي إذا طلبت أمراً وقع في عيني لا أغفل حتى أدركه.
وقال العجاج:
بات يقاسي أمره أمبر مهأعصمه أم السحيل أعصمه
أي يدبر أمره وينظر إذا أحكمه وأبرمه أذلك أعصم له - أي أمنع - أم الأعصم أن لا يفتل حبل الرأي ويرسله سحيلاً غير مقتول، والسحيل خيط واحد والمبرم خيطان. وقال عمرو بن كلثوم:
وإن غداً وإن اليوم رهنوبعد غد بما لا تعلمينا
يقول هذا الأيام محتبسة على صروف لا تعلمينها.
وقال ابن أحمر:
وإنما العيش بربانهوأنت من أفنانه مقتفر
من طارق يأتي على خمرةأو حسبة تنفع من يعتبر
ربانه حدثانه: وأنت من أفنانه أي نواحيه، مقتفر أي متبع ومن هاهنا بمعنى اللام المكسورة أي وأنت تأخذ منه بحظ وتدرك منه ما يأتي، على خمرة أي على استخفاء فأنت تصيب شهوتك، والحسبة أن ينظر في أمره ويقدره، يقال ما أحسن حسبته في هذا الأمر أي تدبيره ونظره، يقول فأنت تعيش بهذين النوعين ببلوغك شهوتك وإرادتك وبنظرك في الأمور واعتبارك. وقال زهير:
ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبهإلى مطمئن البر لا يتجمجم
يقول من وفى ولم يذمم، يقال وفى واوفى لغتان، وقوله ومن يفض قلبه يقول من كان في صدره بر قد اطمأن وسكن وليس ببر يرجف لم يتجمجم وأمضى كل أمر على جهته وليس كمن يريد غدراً فهو يتردد في أمره وينثني، والبر الصلاح. وقال:
ألا أبلغ لديك بني تميموقد يأتيك بالخبر الظنون
الظنون الذي لا يوثق به ولا يكاد يصدق في خبر فربما صدق وأتى بالخبر، والمعنى أنه يقول نحن ببلدة ولا أدري أيبلغهم اليقين مما أقول أم لا فعسى أن يبلغهم قولي كما يصدق الظنون أحياناً.
وقال:
أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبعبعرض أبيه في المعشر ينفق
يقال في المثل: من باع بعرضه أنفق، يقول من شاتم الناس وجد عرضه نافقاً يشتم، يقال أنفق الرجل إذا نفقت تجارته.
وقال:
وذي نعمة تممتها وشكرتهاوخصم يكاد يغلب الحق باطله
أي نعمة لي على غيري تممتها ونعمة علي شكرتها.
وقال ابن مقبل:
سأترك للظن ما بعدهومن يك ذا اربة يستبن
يقول ظني صواب فأنا أمضي له ولا أشك وأترك ما بعده، والأربة العقدة، يعني من كان ذا عقل استبان الأمر لا يشك فيه.
وقال:
فإنك لا تبلو امرءاً دون صحبةوحتى تعيشا معفيين وتجهدا
يقول لا تعرف الرجل وأخلاقه حتى تصحبه وتبلوه في حال اليسر والعسر أراد معفيين من المكروه وإن كانا مجهودين يقال جهد الرجل فهو مجهود، يقول ... قال:
فلا تكونن كالنازي ببطنتهبين القرينين حتى ظل مقرونا
قال: يقرن بعيران بحبل ... بعير آخر يدخل بينهما من ورائهما فينشب في.....معهما فلا يقدر أن يتخلص فلا يأكل ولا يشرب إلا إذا أكل البعيران ويبقى حتى يخلصه الراعي.
وقال عدي بن زيد:
لم أر مثل الفتيان في غبن الأيام ينسون ما عواقبها
ما يغفلوا لا يكن لهم يتمفي كل صرف تسعى مآربها
غبن الأيام ما يغبن منها فينقضي من غير أن يعملوا فيه لآخرتهم يقال غبن فلان في رأيه يغبن غبناً، فأما الغبن بإسكان الباء ففي البيع وقوله " لا يكن لهم " يتم اليتم البطء. وأنشد أبو البيداء:
لا ييتم الدهر المواصل بينهعن الفيل حتى يستدير فيصرعا
أي لا يلبث وإنما أراد: ما يغفلوا عن الاستعداد للموت ولم يكنلنا.... لا تلبثهم غفلتهم ولكن الموت يعمل عمله، ثم ابتدأ فقال
هذا آخر ما وجد من هذا الكتاب الجليل والحمد لله أولاً وآخراً على كل حال وصلى على رسول الله وآله الطاهرين وسلم.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع