من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)
حرف الميم
ومن التي أولها:
وَفاؤُكُما كالرَّبْع أشْجاهُ طاسِمُهْبأنْ تُسْعدا وَالدَّمْعُ أشْفاهُ ساجمه
قال ابن جني: كلمته وقت القراءة في إعراب هذا البيت، فقلت له الباء في) بأن (بأي شيء تتعلق؟ فقال: بالمصدر الذي هو) وفاؤكما (فقلت له: فيم رفعت) وفاؤكما (؟ فقال: بالابتداء. فقلت: فأين خبره؟ فقال) كالربع (فقلت: له هل يصح أن يخبر عن اسم قبل تمامه وقد بقيت منه وهي الباء؟ فقال: هذا لا أدري ما هو إلا أنه قد جاء في الشعر له نظائر. وأنشدني بيتا أنشده أبو الحسن الأخفش، وهو:
لَيستْ كَمَنْ حَلَّتْ إيادٍ دارهاتكريتَ تَرقبُ حَبّه أنْ يحُصَدَا
فأبدل إيادا من) مَنْ (في قوله) من حلت (ومعناه لسنا كمن حلت دارها إياد، أي كأياد التي حلت دارها، فدارها الآن ليست منصوبة) بحلتْ (هذه. وإنْ كان المعنى يقتضي ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا من تمامه، وإنما هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه) حلتْ (هذه الظاهرة، كأنه قال فيما بعد حلت دارها، وكذلك العطف والتوكيد وجمع ما يؤذن بتمام الاسم وانقضائه، ألا ترى أنهم لا يجيزون مررت بالضارب أخيك زيدا على أن تبدل الأخ من الضارب، وقد بقيت منه بقية وهي زيد لأنه منصوب بالضارب، ولا يجيزون مررت بالضارب وزيد عمرا، لأنك لا تعطف عليه وقد بقيت منه بقية، وكذلك لا يجيزون أن تعلق الباء في) بأن تسعدا (بالوفاء، وقد أخبرت عنه بقولك كالربع، فإذا لم يجز ذلك كانت الباء) بأن (متعلقة بفعل محذوف يدل عليه قوله) وفاؤكما (فكأنه لما قال) وفاؤكما كالربع (قال) وفيتما بأن تسعدا (وإن لم يقدره هذا التقدير فسد الإعراب وكذلك قوله تعالى) إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر (معناه والله أعلم إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، إلا أنه لا يجوز أن يكون إعرابه الآن على هذا، لأن الظرف الذي هو يوم تبلى السرائر على هذا التقدير يكون متعلقا بالرجوع وقد فصل بينهما بقوله) لقادر (، وهو خبر إن وهو أجنبي من المصدر، ولا يجوز على الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي) وأشجاه (أي اشده شجةا، كما تقول أحزنه وآسفه، ومعنى البيت كنت أبكي الربع وحده فصرت أبكي وفاء كمامعه، أي كلما ازددت بالربع وبوفائكما وقوله أشجاه طاسمه أي كلما تقادم عهده أحزن كما قال زهير:
وَقَفْتُ بها مِنْ بَعد عِشْرِينَ حِجَّةًفَلاياً عَرَفْتُ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ
فكأنه كلما خفيت الآثار، واضمحلت الرسوم، زاد شجوه وبكاؤه، وهذه طريق معروفة، وقد تصف العرب الرسم ببقائه، لأنه حينئذ أدل على ساكنه وأقرب إلى تذكره، كما قال أبو صخر الهذلي:
كأنهما مِلآن لَمْ يَتَغِيراوقد مَرَّ للدَّارَيْنِ من بَعْدِنَا عَصْرُ
وما منهما إلا له نظائر كثيرة.
وقال الشيخ أبو العلاء ﵀: قوله) بأن تسعدا (متعلق بقوله) وفاؤكما (إلا أنه فصل بينه وبين الكلام الأول بقوله) كالربع أشجاه طاسمه (وينبغي أن يكون أضمر قوله) وفاؤكما (بعد تمام النصف الأول، ليكون الموصول متعلقا بالصفة، والشعراء وغيرهم يقولون: إن البكاء يجلو بعض الهم عن المحزون والمكروب قال الفرزدق:
ألمْ تَرَ أنّي يَومَ جَوّ سُوَبْقَةٍبَكَيْتُ فنَادتِني هُنيدَةُ مَاليا
فَقُلْتُ لها إنَّ البكاءَ لراحَةٌبه يَشْتفي مَنْ ظَنَّ أنْ لا تَلاقِيا
وقال ذو الرمة:
لعلَّ انحِدَارَ الدَّمعِ يُعْقِبُ رَاحَةًمِن الوَجْدِ أو يَشفي نَجِيَّ البَلابَلِ
وشبه وفاء صاحبيه بالربع أشجى ما يكون إذا درس، وكأنه لا مهما على أنهما لم يسعداه، وبعض الناس يذهب إلى أنه أراد مخاطبة عينيه، وكلامه يدل على غير ذلك، والمراد أنه بكى ولم يبك صاحباه، ولو بكيا معه لكان ذلك زائدا في بكائه) وأشجاه (هاهنا اسم فيه معنى التفصيل.
وما أنا إلاَّ عاشِقٌ كُلُّ عاشِقٍأعَقُّ خليلَهِ الصفِيَّينِ لائِمُهْ
قال ابن جني: انقطع الكلام على قوله) وما أنا إلا عاشق (، ثم استأنف فقال: كل عاشق من حاله ومن أمره كأنه ينهى صاحبه عن لومه، وفي قوله) أعق خليليه الصفين لائمة (شبهه يسأل عنها فيقال: لا يقال أعق الرجلين زيد حتى يشتركا في صفة العقوق، ثم يزيد زيد على صاحبه، فإذا حكم لهما بأنهما صفتان فأي عقوق هناك؟ والجواب أنه يريد أنه إذا كان له خليلان صفيان، ثم لامه أحدهما، فقد زال عنه وصف الصفاء، وحصل له وصف العقوق بلومه إياه، كما قال الله تعالى) أصحاب الجنة خير مستقرا وأحسن مقيلا (. ومعلوم أن أصحاب النار هم أصحاب الشر ولا خير في مستقرهم البتة، فقد علمت بهذا أنهما لم يشتركا في الخيرية فهذا نظير ذاك.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله) أعق خليليه (دليل على أنه أراد الصاحبين لا العينين.
وَقَدْ يَتَزَيَّا بالَهوىَ غَيْرُ أهلِهِوَيَسْتَْحِب الإنسانُ منْ لا يُلائمه
قال ابن جني: كلمته في) يتزيا (فقلت له هل تعرفه في شعر أو كتاب من كتب اللغة؟ فقال: لا، فقلت له: كيف أقدمت عليه؟ فقال: لأنه قد جرت به عادة الاستعمال، فقلت: افترضي بشيء تورده باستعمال العامة، ومن لا حجة في قوله؟ فقال: ما عندك فيه شيء؟ فقلت: قياسه يتزيى. فقال: من أين ذلك؟ فقلت: لأنه من الزي والزي ينبغي أن تكون عينه واوا، وأصله زوي، فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكساره ما قبلها، ولأنها أيضا ساكنة قبل الياء، ويدل أيضا على أن عين الزاي واو أنه لا يقال لفلان زي، إذا كان له شيء واحد مستحسن حتى يجمع له أشياء كثيرة حسنة، فحينئذ يقال له زي. فقال: فكأنك تقول إنه من قوله ﷺ " زويت لي الأرض "، ومن قول الأعشى: زَوَى بَينَ عَيْنَيْهِ عَلَّى المحَاجمُ أي جمعت وجمع. فقلت له: إلى هذا ذهبت، فأصغى نحوها ثم قال: لم ترد في الاستعمال إلا يتزيا.
بَكيتُ على الأطلال إنْ لمْ أقِفْ بهَاوقَوفَ شَحيحٍ في التُرْبِ خَاتُمه
قال ابن جني: طعن بعضهم في عجز هذا البيت فقال: ليس لفظه في جزالة لفظ صدره، ولا في وقوف الشحيح على طلب خاتمه مبالغة يضرب بها المثل، فأما اللفظ فليس ببدع، بل تقدم بنظيره فحول الشعراء فأولهم امرؤ القيس في قوله:
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخَى سُدُولَهعليَّ بأنْواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلِي
فليت شعري أين لفظ أول هذا البيت من لفظ آخره ومثله كثير، وأما ذهابهم إلى نقصان المعنى، وأن وقوف الشحيح على طلب خاتمه مما يتباهى في ضرب المثل به فساقط أيضا، لأن الله ﷾ لا يقاس به شيء يقول في محكم كتابه) الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاه فيها مصباح (فليت شعري هل يبلغ من ضوء الكوة التي فيها مصباح أن يفي بنور الله تعالى، ولكن العرب كما تبالغ في وصف الشيء وتتجاوز الحد، فقد تقصد أيضا فيه، وتستعمل المقاربة، وقد جاء مثل ذلك في الشعر الفصيح. قال الراجز: فَهُنَّ حَيرَى كَمُضِلاَّتِ الخَدمْ جمع خدمة وهي الخلخال.
وقال الشيخ ﵀: لا يجوز إلا كسر التاء في قوله) خاتمه (إذا كان في القافية لأنه إن فتح التاء صار في القصيدة عيب وهو السناد وكان أبو الطيب يختار فتح التاء في قوله) وأنكر خاتماي الخنصرا (.
قال ابن فورجه: وقد سمعت بعض أهل الأدب يحكي أنه صحف هذا المصراع، فخرج من هذا الاسترذال فقال) وقوف شجيج ضاع في الترب خاتمه (والشجج من صفات الوتد، يريد وقوف الوتد المتروك في الدار) وصاع (بمعنى تفرق، بمعنى صارت له عروق في التراب، وعلق فأورق وبيت الشيخ أبي العلاء ﵀ في هذا المعنى في السماء جودة وهو: غصْنُ الشَبابِ عصَى السَحابَ فلم يَعُدْ ذَا خُضْرةٍ إذ كلُّ غُصْنٍ أَخْضَرُ
قد لأوْرَقَتْ عُمدُ الخيامِ وأعشَبَتْشُعُبُ الرّحالِ ولوْنُ رأسي أغبَرُ
ولقد سَلَوْتُ عن الشَباب كما سَلاغَيري ولكنْ للحَزين تَذكر
وخاتمه بمعنى ثابته وقد فعل ذلك في قوله:
وأَكَبرُ آيات التهاميّ آيةًأبُوكَ وأحدَى ما لَكمْ منَاقِبِ
من التصحيف فخرج من أن يكون كفرا، وأكبر آيات التهامي آية أبوك، يعني به علي ابن أبي طالب ﵁، ولا ينكر أنه آية من آيات رسول الله ﷺ ومعجزانه.
قفي تَغْرَمِ الأولى مِنَ اللَّحْظِ مُهجَتيبثانِيةٍ والمُتْلِفُ الشيءَ غارِمُه
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت: الأولى هي الفاعلة فقال: نعم، يريد أنه نظر إليها نظرة فأتلفت النظرة مهجته، فأراد أن يلحظها لحظة أخرى، لترجع إليه نفسه، فجعل الأولى كأنها في الحقيقة هي الغارمة، لأنها كانت سبب التلف، ومثله في استعادة النظر قول جرير:
ولقد نَظرتُ فرَدَّ نَظَرَتِي الهَوىبحزِيزِ رامَةَ والمَطي سَوامِ
أي حملني على أن أعدت النظر كذا فسروه.
وقال الشيخ أبو العلاء: " الولي " رفع بفعلها، ومهجتي نصب، لأن الغرامة وقعت عليها، والمراد قفي يا محبوبة ليغرم اللحظة الأولى التي لحظتك مهجتي، أي يغرمها بلحظة ثانية، وذلك لأنه أراد أن اللحظة الأولى أتلفت مهجته، ووجبت عليها الغرم، فإن لحظ ثانية عاش حتى قال ابن فورجة: هذا المعنى مثل قول القائل ولا اعلم أقبل أبي الطيب أم بعده.
يا مُسْقِماً جِسْمِي بأوَّلِ نَظْرَةٍفي النَّظْرَةِ الأُخْرىَ إليْكَ شَفائِي
إلا أن هذا البيت لا مجاز فيه، وبيت أبي الطيب فيه مجاز
فلا يَتَّهِمْنِي الكاشِحُونَ فإنَّنِيرَعَيتُ الرَّدَى حتى حَلتْ لي علاقِمُهْ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت له: ما وجه التهمة في هذا الموضع فقال: أن يظنوا بي جزعا، ونحو هذا قول أوس بن حجر:
لا تُحْزِنينِي بالفرَاقِ فإنّنيلا تَسْتهِلُّ مِنَ الفِرَاقِ شُئُونِي
أي قد مرنت عليه، ومر بي أشياء كثيرة منه.
وقال الشيخ ﵀: لا تظنوني قد سلوت، وإنما أنا صاحب صبر قد جربت الأشياء، ودريت بالمرارة حتى حلا العلقم بفمي، ومعنى البيت أنه يصف نفسه بالوفاء، وأنه لم يسل عن أحبابه، ولكنه حسن الصبر.
وتكْمِلَةُ العَيْشِ الصِبّا وَعَقيبُهوغَائِبُ لَوْنِ العارِضَيْنِ وقَادِمُهْ
قال الشيخ أبو العلاء: جعل العيش أربعة أقسام: الصبا وما يعقبه من الزمان الذي هو قريب منه، وغائب لون العارضين يجوز أن يعني سوادهما مرة وبياضهما أخرى، وكذلك القادم من لونهما يحتمل وجهين: أن الغائب والقادم كلاهما غاب، وكلاهما قدم، الآ ترى أن لون الشعر ينبت في وجه الأمرد يكون غائبا عنه دهرا، ثم يقدم بعد ذلك، والبياض جار مجرى السواد لأن الشيب يقدم بعد غيبة.
وقال ابن فورجة، قال ابن جني: إن أبا الطيب قال عنيت بعقيبه الشيب والهرم، لأنه يتلوه، والأولى عندي أن يعني الشباب، ألا ترى أنه قال بعده) وغائب لون العارضين وقادمه (. يعني كمال العيش بالصبا، ثم الشباب وسواد الشعر فيه، ثم الشيب، وهذا المعنى من قول ابن الرومي وهو أجود منه:
سُلِبْتُ سَوادَ العارِضَينْ وقبْلَهُبَياضَهما المحْمودَ إذْ أنا أمْرَدُ
وأجود منهما قول الشيخ أبي العلاء وإن كان قد غير المعنى بعض التغيير:
وعيشَتي الشّبَابُ وليس منهاصِبايّ ولا ذَوَائِبيَ الهِجانُ
وكالنَّارِ الحَيَاةُ فمِن رَمَادٍأواخِرُها وأوَلُها دُخَانُ
عَلى عاتِق المُلْكِ الأَغر نجادُهُوفي يَدِ جَبَّارِ السمَواتِ قَائِمُهْ
قال الشيخ: من رواها الملك بضم الميم جعل الملك متقلدا لسيف الدولة يعني ملك بني العباس، وإن فتحت الميم فالمراد الخليفة.
ومن التي أولها: أيْنَ أرْمَعْتَ أيهُّذَا الهُمامُ قوله:
نَحْنُ مَن ضايقَ الزَّمانُ له فيكَ وخانَتْهُ قُرْبَكَ الأيَّامُ
قال ابن جني: قال لي أردت) ضايقه (فزدت اللام، ولهذا الذي قال نظائر منها قوله عز اسمه: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " معناه والله اعلم إن كنتم تعبرون الرؤيا.
وقال الآخر:
أَلاِيدُ لأنْسَى ذِكَرَها فكأنماتُمثلُ لي لَيلى بِكُلِ سبيل
أي أريد أن أنسى.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله تعالى " للرؤيا تعبرون " حسن في تقديم اللام لأنها تقدمت على المفعول، وإذا قلت لزيد ضربت، فهو أحسن من قولك ضربت لزيد، أنك إذا قلت ضربت، فقد ذكرت الفعل وهو متعد، فكان دخول اللام مكروها، وإذا قدمتها فهي دليل على أن الفعل متصل بها، لأنه لم يعمل شيئا ولا استحق العمل، إذ لم يذكر، وإذا بدئ به فقد استحق العمل ونصب) قربك (لأنه مفعول ثان، ولا يجوز نصبه على الظرف، لأنه يصير دما للممدوح، وٌقرارا بأن الزمان خانهم في حال اقترابهم منه، وإنما) خان (هاهنا مثلها في قول الأعشى:
ومَا إنْ أرَى الدَّهَر في صَرْفِهِيُغَادِرُ مِن شَارخٍ أو يفَنْ
أزَالَ أُذَيْنَةَ عَنْ مُلْكِهِوأخْرَجَ مَنْ حصْنِهِ ذَا يَزَنْ
وخَانَ النَّعِيمُ أبَا مَالِكٍوأيُّ اِمرئ صَالحٍ لم يُخَنْ
كُلُّ عَيْشٍ ما لم تُطِبْهُ حمِامٌكُلُّ شَمْسٍ ما لم تكُنها ظَلامُ
قال الشيخ: يقيمون الهاء مقام خبر كان، وهو بإياها أشبه، وقد قال أبو الأسود الدؤلي:
دَعِ الخَمْرَ يَشْرَبْها الغُوَاةُ فإنَّنِيرأيْتُ أخَاها مُغْنياً بمكانِها
فَإلاَّ يَكُنْها أوْ تكُنْهُ فإنَّهُأخُوها غَذَتهُ أمُّهُ بِلبِانَها
وقالوا تكونها في معنى يكون فيها قال الشاعر:
ولَّما رأى بَرقاً يُضيءُ ومَيضُهُمَنازِلَ من أسماءَ كانت تكُونها
أي تكون فيها.
ومن التي أولها: إذا كانَ مَدْحٌ فالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ
فَجازَ لَهُ حتى على الشَّمْسِ حُكمُهوَبانَ لَهُ حتى عَلى البَدْرِ مَيْسَمُ
قال ابن جني: الميسم الحسن أي فاق البدر في الحسن.
وقال الشيخ أبو العلاء: على في البيت حرف خفض، ومن جعله فعلا ماضيا فقد خالف غرض الشاعر، لأن المعنى فجاز له حكمه حتى حكم على الشمس وبان له ميسم حتى على البدر، أي أنه قد وسم البدر، لأجل ما يرى فيه من التغير فكأنه أثر وسم.
وقال الأحسائي: حكمه الذي جاز على الشمس أنه سار بجيشه ستر نورها، ولم يصب حرها أصحابه، وإذا سار ليلا أضاء الأرض وجهه ولمعان سلاحه، فلم يضر مغيبها في الليل، والميسم الحسن من قولهم وجه وسيم وله وسامة، وقال وسامة، وقال بعضهم: إن الميسم من الوسم وهو ما يرى في القمر من الكلفة فكأنه وسم بذلك.
ضَلالاً لَهذِي الرّيحِ ماذا تُرِيدُهُوَهَدْياً لهذا السَّيْل ماذا يُؤَمَّمُ
قال ابن جني: كانت الريح عارضتهم في الطريق فقال للريح ضلالا كما قال في موضع آخر: لَيْتَ الرّياحَ صُنَّعُ ما تَصْنَعُ وقال للمطر هديا لأنه شبهه بسيف الدولة في سحه ألا تراه يقول بعده:
تَلاكَ وَبَعْضُ الغَيْثِ يَتْبَعُ بعضَهمِنَ الشَّامِ يَتْلو الحَادِقَ المُتَعَلَّمُ
أي أنت حاذق بالصب والسكب وهو متعلم فجاء تاليا لك.
وقال الشيخ أبو العلاء: نصب) ضلالاً (على المصدر، كأنه قال أضلت الريح ضلالا، أي شيء تريده؟ وبنى هذا المعنى على قول الناس هو يباري الريح جودا، إذا وصفوه بالكرم، أي أنها إن هبت تباريك فقد ضلت، كأنه دعا عليها بالضلال، وقال هديا لهذا السيل، كأنه دعا له بالاهتداء أي هداه الله هديا ماذا يؤمم أي ماذا يقصد.
كأجْناسِها راياتُها وشِعارُهاومَا لَبسَتْهُ والسلاحُ المُشَمَّمُ
قال ابن جني: يقول جميع ما في عسكره عربي خيله وسلاحه وشعاره وملبسه قال الشيخ: يريد أن في الجيش رايات مختلفات الشكول، وكذلك الشعار الذي هو مختلف، لأنه ادعى أن فيه قبائل بعضهم يقول يال عقيل، ومنهم من يقول يال تميم، وغيرها من القبائل وهذا يشابه قوله: تَناكَرُ تَحْتَهُ لَوْلا الشَّعارُ والمشمم يجوز أن يكون من الشم ويجوز أن يكون من شممت الشيء إذا أصلحته.
عَلى كُلَّ طَاوٍ تحتَ طَاوٍ كأنَّهُمِنَ الدَّمِ يُسقى أوْ مِنَ اللَّحمِ يُطعمُ
قال الشيخ: على كل طاو من قولهم طوى الرجل إذا لم يأكل شيئا) على كل طاو (أي على كل فرس لم ترع، ولا علق عليق، يقال هو طاو بين الطوى وحكاه سيبويه وأجراه مجرى السمن والشبع والمراد أن هذه الخيل وفرسانها كأنها تستقي من دماء الأعداء، وتطعم من لحومهم، وذهب قوم إلى أن المراد أنها كالتي تأكل من لحوم أنفسها، وتشرب من دمائها، ولا يجعل هذا القول غرض الشاعر لأن صفتها بأنها كالآكلة لحوم الأعداء والشاربة من دمائهم، أبلغ في المديح.
أما القوم الآخر فيحسن إذا كان في صفة إبل مسافرة لا يقصد بها الحرب كما قال الراجز:
وَبَلدَةٍ باتتْ على خزومِهاشاكية الأكوارِ مِن لزُومِها
كأنها تَلاتعُ في لحومِها ومن التي أولها: وَاحَرَّ قلباهُ مِمَّنْ قَلبُهُ شَبِمُ
فَوْتُ العَدُوّ الذي يَمْمَتَه ظَفرٌفي طَيّهِ أَسَفٌ في طَيَّهِ نِعَمُ
قال الشيخ:) في طيه أسف (الهاء في طيه عائدة إلى الظفر، أي أن فوته إياك إنما وقع به لخوفه منك، لأنه هاب لقاك فهرب، وإنما يعني أن سيف الدولة أسف لذلك وقوله) في طيه نعم (الهاء في الطي الثاني ترجع إلى الأسف وقد شرح ذلك في البيت الذي يليه بقوله:
قَد نابَ عَنكَ شَديدُ الخَوْفِ واصْطَنَعتْلَكَ المَهابَةُ مالاَ تَصْنَعُ البُهَمُ
وقال الأحسائي: العدو إذا فاتك فذلك الفوت ظفر له، وفي طي ذلك الظفر أسف على من قتل من أصحابه، وما نهب من أمواله، وفي طي ذلك الأسف نعم لك ولأوليائك. ويشبه قوله: مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائدُ
رِجلاهُ في الرْكضِ رِجلٌ واليدان يَدٌوفِعْلَهُ ما تريد الكَفُّ والقَدَمُ
قال ابني جني: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه، كقول جرير:
مِنْ كُلَّ مُشْتَرفٍ وإنْ بَعُدَ المدَىضرم الرّقاقِ مُناقِل الأجْرالِ
أي يتقي في جريه وطء الصخور، وقوله) وفعله ما تريد الكف والقدم (أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم.
وقال الشيخ:) وفعله (يعني الجواد، ما تريد كف راكبه وقدمه، أي هو جواد مدرب فإذا قصر عناه قصر في الجري، وإذا أرخي له في العنان بذل ما يريده الراكب من الجري، وكذلك إذا حرك قدمه ليمتري خصره فإنه يسمح بما يرضيه، ونحو من هذا المعنى قول ساعدة بن جؤية الهذلي:
يُوشُونَهنَّ إذَا مَا آنسُوا فَزَعاًتَخْتَ السَّنَوَّرِ بالأقدَامِ والجِذَمِ
يعني بالجذم السياط، ويوشنهن يستخرجون ما عندهن في الجري.
وقال ابن فورجة: وإذا توقى وطء الصخور، على ما حكاه أبو الفتح لحذقه، فأي شبه بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته، متلائم وضع اليدين والرجلين، وما أراه إلا أعجب ببيت حرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه، فجعله مثله من حيث الاستحسان لا من حيث الاشتباه، وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو قوله: يهَوْين شَتَّى ويقعنَ وَفْقَا وقوله) وفعله ما تريد الكف والقدم (من قول امرئ القيس:
فللزّجرِ أَلهوبٌ وللسَاقِ دِرَّةٌوللسَّوْطِ أخرى غَربُها يَتَدَفَقُ
ويحتمل معنى آخر، وهو أن يريد أنه مؤدب، يتصرف من غير تحريك العنان، ولا القدم وإلى هذا ذهب قوله:
وأدَّبها طَولُ القِتالِ فَطَرْفُهُيُشِيرُ إليها مِنْ بَعيدٍ فَتَفْهَمُ
ومُرْهَفٍ سِرتُ بين الموجَتينِ بهحتى ضرَبتُ وَموجُ المْوتِ يلتَطِمُ
قال الشيخ: المرهف السيف الرقيق، وجعل نفسه سائرا بين الموجتين أي بين فريقين يخاف منهما الموت، واستعار للموت موجا وإنما هو للبحر وما جرى مجراه من المياه الكثيرة كالفرات وغيره من الأنهار قال أبو ذؤيب:
فَجَاءَ بها ما شِئْتَ من لَطَمِيَّةٍيَدومُ الفُراتُ فَوْقَها ويمُوجُ
وخطى أبو ذويب في هذا البيت، وقيل الدرة لا تكون في الفرات، وقيل أراد باللطمية الدرة التي تحمل في اللطيمة، وهي العير التي تحمل المسك.
وقال قوم: أبو ذؤيب في جبال هذيل ولم يكن ليخفى عليه أن الدر لا يكون في الفرات، وقيل أراد أن حول الصدفة التي فيها الدرة ماء كثيرا كأنه الفرات إذا هاج. وقال قوم الصدفة إذا شقت عن الدرة خرج ماء فذلك الذي أراد الهذلي. وقيل إنما أراد ماء الدرة نفسها في حسنها، وشبه ماء الدرة بماء الفرات.
لَيتَ الغَمامَ الذي عِندي صَوَاعِقهُيُزيلُهنَّ إلى من عِنْدَهُ الدّيمُ
قال الشيخ: يعني سيف الدولة، وبصواعقه ما يلحقه منه من الأذية شبهها بالصواعق، الصاعقة هي الراعدة التي يسمع لها صوت عظيم، وربما كان معها برق يحرق يقال صاعقة وصاعقة قال الراجز:
يحَكُونَ بالهْندِيةِ اللوامِعتَبَوُّج لبَرْقِ عن الصَوَاقِعِ
والديم جمع ديمة وهي مطر ليس بالشديد يدوم أياما، وأقل ما يكون يوم وليلة وهو من ذوات الواو لأنه من دام يدوم وأنسوا بالياء فقالوا ديم المطر، ولم يردوها إلى الواو قال الراجز:
هو الجَوادُ ابنُ الجَوادِ ابنُ سَبَلْإن دَيمّوا جادَ جَادُوا وَبَلْ
وقالوا كثيب مديم إذا سقته الديم.
بأيَ لفظٍ تَقُولُ الشَّعْرَ زِعْنِفةٌتجَوزُ عِندك لا غُرْبٌ ولا عَجَمْ
قال ابن جني: الزعانف سقط الناس وسفلتهم، وقوله) لا عرب ولا عجم (أي ليست في قصاحة العرب، ولا تسليم العجم، الفصاحة للعرب، فليسوا شيئا.
وقال الشيخ: الزعنفة طرف الشيء والقطعة منه التي لا حاجة به إليها وزعانف أطرافه، وكذلك ما تدلى من أطراف الثوب، ويقال لما قشر عن السمك زعانف، والزعانف الذين يكونون في أطرافهم، وليسوا من صميمهم فإذا وقعت الحرب انضموا إلى معظم الناس قال الشاعر:
فَأّدنِ رباطَ الجَوْنِ مِنّي فإنَّهُدنَا الشرُّ واحتلّ الجميعُ الزعانِف
وقال ابن فورجة: سمعت من ينشد) يخور عندك (وإن صحف فالمعنى جيد لأنه، شبه كلامهم لجهلهم بالخوار، ألا ترى إلى البحتري كيف قال يعني المستعين ﵀:
بكى المِنْيرُ الشَرقِيُّ إذْ خَار فَوقَهُعلى النَّاسِ ثَورٌ قد تدلَّتْ غَباغِبُه
وهذا يشبه تصحيف بعضهم قوله أيضا:
والصَّدْقُ مِنْ الكِرامِ فَبيناًأمِنَ الشَّرَابِ تَنوبُ أمْ مِنْ تَرْكه
صحف) فبينا (المكتوبة بألف التنوين فقال) فنبنا (يريد نبئنا من النبأ وهو الخبر مخفف الهمزة وهو جائز وهذا من سعادة هذا الرجل:
هَذَا عِتابُكَ إلا أنَّهُ مِقَةٌقَدْ ضُمنَ الدُرَّ إلا أنَّهُ كَلِمُ
قال الشيخ: المقة أصلها الومقة فحذفت الواو التي فاء الفعل. فقيل مقة، ووزن علة، وهذا الحذف مطرد في هذا الباب، يقولون وزنت الشيء زنة، ووعدت الرجل عدة، فإذا جاء حرف الحلق فتحوا في بعض المواضع وكسروا، يقولون في فلان ضعه وضعة، وفي وجهه قحة وقحة.
ومن أبيات أولها:
قَدْ سَمِعنا مَا قُلْتَ في الأحلامِوَأنَلْنَاكَ بَدْرَةً في المَنامِ
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: كان بعض الناس قد وجه إلى سيف الدولة أبياتا ذكر أنه رآها في النوم، وفيها شكية للفقر، فقال أبو الطيب هذه الأبيات والبدرة اصطلح الناس على أنها عشرة آلاف درهم، وقيل سميت بدرة لأنها مقدار ما يملأ البدرة، وهو جلد الفطيم، وجمعها بدر على غير قياس.
كُلُّ آخائِهِ كِرَامُ نَبِيالدُّنْيا ولكِنَّهُ كَرِيمُ الكِرَامِ
قال الشيخ ﵀: آخاه جمع أخ. كما يقال أب وآباء، وقلما يجمعونه هذا الجمع، لأنهم استغنوا بقولهم اخوة وإخوان، وأكثر ما يقولون في واحد الآخاء أخ، وقد حكوا أخا في وزن عصا، وينشدون بيتا قد كثر على ألسن الناس وهو:
إنَّ أخَاها وأخَا أخَاهَاقَدْ بَلَغَا في المَجدِ غايتَاها
وحكى الفراء) أخو (بسكون الخاء وأنشد:
لأَخْوَيْنِ كانا خيرَ أخْوَيْنِ شيمةًوأسرَعَه في حَاجةٍ أُريدُها
وذكر ابن دريد أن أبن الكلبي حكى أخ بالتشديد، وجاء في شعر زهير بيت وهو قوله:
وكَفّي عن أذى الجيرانِ نَفسيوحِفظي الودَّ للأخَّ المُدانِي
وقد روي هذا البيت لكعب بن زهير، فإن خففت الخاء فقد زعم أهل العلم بالشعر أنه زحاف لم يأت مثله عن العرب، وإن شددت الخاء على حكاية ابن الكلبي، ففيه زحاف ليس بمنكر، وقل ما يخلو بيت في الوزن في هذا الوزن منه.
ومن التي أولها: عَلى قَدْرِ أهل العَزمِ تأتي العَزائِمُ
يُفدّي أتمُّ الطّيرِ عُمْراً سلاحَهُنُسُورُ المَلا أحْدَاثُها والقَشاعِمُ
قال الشيخ ﵀: يعني بأتم الطير عمرا النسور، وبعض الناس يدعي أنه يعمر خمسمائة سنة، وبعضهم يقول عمره ثمانون سنة، وهو أشبه ونسور الملا بدل من أتم الطير، والملا المتسع من الأرض واستعمل الأحداث للنسور استعارة من الإنس، والقشاعم المسان وأكثر ما يستعمل في النسور، وأدعى للنسور أنها تفدي سلاحه، لأنها كفتها أمر المطاعم، لكثرة قتل الممدوح الأعداء فتقع عليهم النسور، والنسر لا يقتض وإنما يسقط على الجيف وقد بين الغرض في البيت الثاني بقوله:
ومَا ضَرَّها خَلْقٌ بغيرِ مخَالبٍوقد خُلِقتْ أسْيافُهُ والقَوَائِمُ
وقال ابن فورجة: قوله) وما ضرها خلق بغير مخالب (مما يسأل عنه؛ إذا كانت النسور لا تخلو من المخالب، فعن ذاك جوابان، أحدهما: أنه يعني الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه لضعفه، والمسن الذي عجز عن طلب القوت، ألا تراهم يقولون في المثل) أبر من النسر (ويفسرون ذلك بأن النسر إذا أسن آوى إلى الوكر، وجعل فرخه يزقه كما يزقه كما يزقه في حداثته ويوضحه قوله) أحداثها والقشاعم (يريد فرخها الذي لم ينهض، ومنها الذي عجز عن النهوض.
والجواب الثاني: أنه يريد ما ضرها لو خلقت بغير مخالب كما تقول ما ضر النهار ظلمته مع حضورك، وليس النهار بمظلم، ولكنك تريد لو خلق مظلما.
وكانَ بها مثلَ الجنُونِ فأصْبَحَتْومِنْ جُثَُِ القَتْلى عليها تَمائمُ
قال الشيخ: ادعى أن الحدث كان بها مثل الجنون، ويجوز أن يكون اراد أهلها والجثث جمع جثة، وأصل ذلك ما رؤي من جسم الانسان، وقيل اجتث الشيء إذا أخذ كله أي استؤصلت جثته، والجث شيء مرتفع من الأرض وليس بالعظيم قال الشاعر:
فأوْفَى على جُث وللَيْلِ طُرَّةٌعلى الأرض لم يكَفِفْ جوانبها الفَجْرُ
والتمائم تعلن على من يخاف عليه عين، أو يظن به سفعة من الجنون.
تُفِيتُ اللَّيالي كُلَّ شَيْ أخَذْنَهُوهُنَّ لما يأخُذْنَ مِنكَ غَوَارِمُ
قال الشيخ ﵀: يقول الليالي إذا أخذن شيئا أفاتته، ولم يرجع إلى صاحبه، وهي إذا أخذت منك شيئا غرمته، وبعض الناس يروي) أخذته (وهو أشد مبالغة من الرواية الأولى، لأنه جعل الممدوح إذا أخذ منها شيئا لم يقدر على استرجاعه منه، وإذا أخذت منه شيئا غرمته.
إذا كانَ ما تَنْوِيهِ فِعْلاً مُضارِعامَضَى قَبْلَ أنْ تُلْقى عَلَيه الجوازِمُ
قال الشيخ ﵀: الجوازم الحروف التي تجزم، وأصل الجزم القطع، وسمى النحويون هذا الفن جزما، لأنه يقطع الإعراب من الأسم، ومنه قولهم حلف علي يمين جزم أي قطعها، ومعنى البيت أن الممدوح إذا كان ما يقول فعلا مضارعا، وهو يصلح للأمرين للحال والاستقبال، أمضاها هذا المذكور من قبل أن تقع عليه الجوازم، كأنه إذا جرى في نفسه أن يقتل عدوا قتله قبل أن يقول قائل لم يقتله.
تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لِسْنٍ وأُمَّةٍفما تُفْهِمُ الحُدَّاثَ إلا التَّراجِمُ
قال ابن جني: اللسن اللسان، وقرئ) وما أرسلنا من رسول إلا بلسن قومه (والحداث جمع حادث بمعنى متحدث، قال علي بن سليمان في قول عقيبة الأسدي يهجو بلال بن أبي بردة:
وما أنَال حُداثِ أمَّكِ بالضحىولا بالمُزَكّيها بظَهْرِ مغيبِ
له معنى ظريف وذلك أن أمه كانت مراقة، فيقول: لست ممن يقف عليها ليشتري منها، ولا بالمزكيا بظهر الغيب، أي لست ممن يقول لها: لحمك جيد وطبيخك طيب.
وقال الشيخ: يقال لبني فلان لسن أي لغة، في هذا الخميس أصناف العالم فكل منهم يحتاج إلى ترجمان يفسر له ما يسمع، والحداث الذين يتحدثون قال الشاعر،
أتيتْ معَ الحُداثِ ليلىَ فلم أُبِنْوأَخْلَيْتُ فَاستَعْجمْتُ عِندَ خَلائي
ولفظ الحداث يدل على أنه جمع حادث، ولم يقولوا رجل حادث من الحديث استغنوا عنه بقولهم حدث حدث وجاء حداث على تقدير حادث.
بِضرْبٍ أتى الهَاماتِ والنَّصْرُ غَائِبٌوصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنصرُ قادِمُ
قال ابن جني: يقول: إذا ضربت عدوا، فحصل سيفك في رأسه، لم يعتد ذلك نصرا ولا ظفرا، وإذا فلق سيفك رأسه، وصار إلى لبته، فحينئذ يكون ذلك عندك نصرا ولا يرضيك ما دونه.
وقال الأحسائي: يعني أن الروم كانوا مستظهرين في أول يومهم، حتى حمل عليهم سيف الدولة في غلمانه وخواص فرسانه فهزمهم، يقول: إن الضرب أتى الهامات، وعليها البيض، فلما قطع البيض وصار إلى اللبات انهزموا، فكأن النصر كان غائبا فقدم.
حقَرْتُ الرُّدينَّيات حتى طَرحْتَهاوحتى كأنَّ السَّيفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ
قال الشيخ: الناس في الشام والعراق يروون هذا البيت شاتم، وله وجه أي كأن السيف لم يرض فعل الرمح فهو يشتمه، ولو رويت للسيف شائم لكان للبيت معنى ألطف في نقد الشعر لأنهم يقولون شام السيف إذا أغمده فكأنه يقول لما جاء السيف كان كأنه قد شام الرمح، وليس من عادة الرمح أن يشام ولكنه لما عطل السيف الرمح كأنه شامه.
تَظُنُّ فِراخُ الفُتْحِ أنَّكَ زُرْتهابأُمَّاتِها وَهْيَ العِتاقُ الصَّلادِمُ
قال الشيخ: فراخ الفتخ العقبان، أي أنك زرتها بأماتها، أي بالعقبان، والأمات تستعمل لغير الإنسان، والأمهات بالهاء تستعمل في بني آدم، وقد جاءت الأمهات في البهائم قال الشاعر:
قَوَالُ مَعْروف مفَعضالُهعَقَارُ مَثْنى أمَّهات الربَاع
ووزن أمات فلات، ووزن أمهات فعلهات، وقد أظهروا الهاء في الواحد وأنشدوا رجزا نسبوه إلى قصي بن كلاب جد النبي ﷺ وهو:
إني لدَى الحَربِ رَخِيُّ اللَببِمُعتَزمُ الصَوْلةِ عَالي النَسَبِ
عندَ تَنادِيهم بهَالِ وهَبأُمَّهتي خِنْدِفُ واليَأسُ أبي
والعتاق الخيل الكرام، يقال عتقت الفرس إذا تقدمت وسبقت، والصلادم الصلاب، وإذا قيل إن الميم زائدة في شدقم؛ لأنه من سعة الشدق لم يمتنع أن تكون الميم في صلدم زائدة لأنه من الصلد وهو الصلب، ووزن صلادم على هذا فعالم، وإذا كانت أصلية فوزنه فعالل.
ومن التي أولها: أرَاعَ كَذَا كُلَّ الأَنَامِ هُمامُ
حِذاراً لمُعْرَوْرِي الجيادِ فُجاءَةًإلى الطَّعْنِ قُبْلاً ما لهنَّ لجِامُ
قال الشيخ: وصفه بأنه معروري الجياد، أي يركبها أعراء، وقد بالغ في مدحه مبالغة وجب ن ينزهه معها عن إعراء الجياد، إذ كان ذلك لا مفخر فيه لمثله وقال: " ما لهن لجام " فوحد في موضع الجمع، وقد وصفت العرب إعجال الحروب إياها عن لجام الخيل، قال الشاعر:
غَدَاةَ مَرَرْتَ بآلِ الرَّبابِ تُعْجَلُ بالرَّكْضِ أَنْ تُلْجِمَا
وبعضهم يفتخر بإلجام الفرس قبل إسراجه، لأنه إذا وضع اللجام في رأسه أمكنه أن يعروريه بغير سرج، وقال بعض الشعراء:
إذَا قِيلَ أيُّ فَتى تَعَلمُونَلصَعلُوكِ فِهْرٍ ومحُتَاجِها
ومَن يُعجِلُ الخَيلَ يَومَ الوَغىبإجَامِها قَبلَ إسرَاجِها
أشارَتْ نِساءُ بَنِي غالِبٍإليكَ بِه قَبلَ أزوَجِها
تَغُرُّ حَلاَوَاتُ النُّفُوسِ قُلُوبَهافَتَخْتارُ بَعضَ العَيشِ وَهو حمِامُ
قال ابن جني: قلوبها: قلوب النفوس، فتختار الهرب خوف القتل، وهو كالقتل.
ومن التي أولها: ذِكَرُ الصَّبا وَمَراتِعُ الآرامِ
لَوْ كُنَّ حَرَيْنَ كُنَّ كَصبَرِناعِنْدَ الرَحيلِ لَكْنَّ غيرَ سِجامِ
قال الشيخ ﵀: يقول دموعنا غزيرة كثيرة، فلو كن كصبرنا يوم الرحيل لكن قلائل لا يجرين.
أنْتِ الغَرِيبَةُ في زَمانِ أهْلُهُوُلدَتْ مكارِمُهُمْ لغَيرِ تمِامِ
قال ابن جني: أنت الغريبة، لأنه أراد الحال أو الخصلة كما تقول للرجل: إنك لأعجوبة، وإنك لداهية وعضلة.
قال الشيخ أبو العلاء: الأشبه أنه أراد أنت الدرة، ثم يحتمل أن يوقعها على كل خصلة محمودة.
مَهْلاَ ألا لله ما صَنَعَ القَنافي عمْرِو حَابِ وَضَبَّةَ الأَغْتامِ
قال ابن جني: أراد عمرو حابس، فرخم المضاف إليه، وهذا لا يجوز عندنا، لأن الترخيم هو حذف يلحق أواخر الأسماء المضمونة في النداء تخفيفا، والمضاف إليه معرب في النداء مجرور بإضافة الأول إليه، فلا يجوز حذفه. فأما ما رواه الكوفيون من قول الشاعر:
أبَا عُرو لا تبْعَدْ فكُلُّ ابْنِ حُرَةٍسَيَدْعُوهُ دَاعِي يَوْمِهِ فيجُيب
فلا يعرفه أصحابنا على هذه الرواية وإنما، روايتنا) أيا عرو (كما تقول يا طلح.
وذِرَاعُ كُلَّ أبي فُلانٍ كُنْيَةًحالَتْ فَصاحِبُها أبُو الأيْتامِ
قال ابن جني: كأنه قال ثم أحجار ناس وثم ذراع كل أبي فلان، أي ذراع مقطوعة من رجل كان يكنى أبا فلان زيدا أو عمرا أو غيره، فحالت كنيته فصار صاحبها يقال له أبو الأيتام، بعدما كان يقال له أبو فلان، وذلك لأنه هلك فيتم ولده ونصب كنيته على الحال من أبي فلان، أي كنيته وليست نسبا، ويسأل عن هذا فيقال إن الاسم الذي يقع بعد كل أداة واحد في معنى جماعة، ولا يكون إلا نكرة نحو قولك: " كل رجل في الدار " فلست تعني رجلا واحدا، ولا يجوز أن تقول " ضربت كل عبد الله " وأنت تريد ما تريد برجل، فكيف جاز له أن يقول كل أبي فلان؟ وهو يعني جماعة هذه أحوالهم، وفلان معرفة فينبغي أن يكون) أبي (معرفة لإضافته إليه، فالجواب أنه اضطر إلى تقدير الفصل، وبينه فكأنه قال كل أب لفلان أبي كل إنسان، يقال له أبو فلان، كما يقول: " رب أمه لقيته " و " رب عبد بطنه ضربته " أي رب واحد لأمه ورب عبد لبطنه.
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: هذا تأويل لا يحتاج إليه، لأن كل علم من المعارف مثل عمرو وزيد لا يمتنع من تنكير فلان، وفلان في بيت المتنبي نكرة لأنه أخرجه مخرج قولك: " جاءني كل أبي علي في المصر " ففلان معرفة وقد صار نكرة، وأبو نكرة مثله، وليس يحتاج في هذا الموضع إلى تأويل فصل الإضافة لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون فلان معرفة ولا يجوز تنكيرها، وذلك مستحيل لأن الاسم المعروف إذا جاز تنكيره فالتنكير إلى ما يكنى عنه به أسرع.
صَغرْتَ كُلَّ كَبيرةٍ وكبرت عَنْلكأنَّهُ وَعَدْتَ سِنَّ غُلامِ
قال الشيخ ﵀: يقول إنه صغر كل كبيرة، لأن الناس إذا نظروا إلى أفعاله استصغروا بفعله غيره، وكبرت عن لكأنه يشبه قوله:
أمِطْ عَنْكَ تَشْبِيهِي بِما وكأنَّهُفما أحَدٌ فَوْقِي ولا أحَدٌ مِثْلي
أراد أنه يكبر عن التشبيه، وأن يقول القائل كأنه الأسد، وكأنه السحاب، ونحو ذلك، فأدخل لام الابتداء على كأن، وذلك قليل جدا، والقياس يمنع منه لأن الكاف أول كلام، وقولهم: " كأن زيدا عمرو " مؤد معنى قولك كزيد، فجاز دخول اللام على الكاف، كما جاز دخولها في قولك: " لفلان أفضل من فلان " ثم ختم البيت بقوله:) سن الغلام (أي أنك شاب مع فعلك هذه الأفعال العظام.
ومن التي أولها:
عُقْبى اليمينِ عَلى عُقْبى الوَغى نَدَمُماذَا يَزيدُكَ في إقْدامِكَ القَسَمُ
قال ابن جني: هي آخر قصيدة قالها بحضرة سيف الدولة، وقلت لأبي الطيب وقت قراءة هذه القصيدة عليه: أنه ليس في جميع شعرك أعلى كلاما من هذه القصيدة، فاعترف بذلك وقال كانت وداعأ.
وقال الشيخ: المثل القديم) اليمين حنث أو مندمة (وكأن مراد الشاعر إن عقبى يمين الحالف على عقبى الوغى، أي ما تعقبه الحرب ندم، لأنه لا يدري ما يكون فكأنه يشير بترك الحلف.
الرَّاجعُ الخَيْلَ نُحْفاةً مُقَوَّدَةًمِن كُلَّ وبارِ أهْلُها إرَمُ
قال الشيخ: الراجع الخيل يعني الممدوح، قد أحفاها السير فهي تقود ليزول عنها ذلك، و) وبار (موضع كان مسكونا ثم خلا من أهله، والعرب تضرب به المثل في البعد، وإرم هو أبو عاد ابن إرم بن سام بن نوح، والمثل يضرب في الفناء قال الراجز: مَنْ يَلْقَني يُودِ أوْدَتْ إرَمْ أي خيل هذا الممدوح ترجع عن البلد الذي غزاه وهو خال مثل وبار، وأهله هالكون مثل إرم.
وقال ابن فورجة: أي أحفاها كثرة السير، فهي تقاد ولا تركب رفقا بها. ولا تكون محفاة ملقية نعالها الحديد؛ لأنها خيل عراب لا تحتاج إلى النعال، ألا تراه يقول:
وكُلَّ جَوَادٍ تَلْطِمُ الأرْضَ كَفُّهُبأغْنَى عَنِ الحَديد منَ النَّعْلِ
وقوله أيضا:
تَمَاشَى بأيدٍ كُلَّما وَافَتِ الصَّفاتَفَشْنَ بِهِ صَدْرَ البُزَاةِ حَوَافيا
بل أحفاها سلوكها الجبال في طلب الروم، وهي لم تتعود إلا البر، ولو أراد إلقاءها نعالها الحديد لقيل فهلا أنعلها إذ ألقت النعال، وهو ملك لا يعوزه النعال حيث سار، ويجوز أيضا أن يكون من الإحفاء الذي هو التقصي، كالخبر أنه ﷺ أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.
جَيْشٌ كأنَّكَ في أرْضِ تُطاوِلُهفالأرْضُ لا أمَمٌ والجَيْشُ لا أمَمُ
قال الشيخ: يقول كأنك في أرض تطاوله وهي واسعة، وعدد الجيش كثير فكرهما غير أمم، والأمم الشيء بين الشيئين يقال: دار بني فلان أمم أي بين القريب والبعيد. قال الشاعر:
طَرقَتْهُ أسمَاءُ أمْ حَلَمَاأمْ لمْ تكُن من رِحَالِنَا أمَمَا
إذا مَضَى عَلَمٌ بَدَا عَلَمٌوإنْ مَضَى عَلَمٌ مِنْهُ بَدَا عَلَمُ
قال الشيخ: العلم من الأرض مثل الجبل، وعلم الجيش معروف، وكلاهما من العلامة، لأنه مؤد إلى العلم بالشيء، [ولو قال] وإن بدا عالم منه بدا علم، لكن أحسن في حكم الشعراء، ولعل أبا الطيب كذلك قال، لأن تكرير العلم في البيت كثير، وقوله في صفة الجيش بدا عالم يقلل تردد العلم ويدل على كثرة الجيش.
فَمَا تَرَكْنَ بها خُلْدا لَهُ بَصَرٌتَحْتَ الترابِ ولا بَازاً لَهُ قَدَمُ
قال الشيخ أبو العلاء: يقول ما تركن في هذه الناحية خلدا، أي رجلا قد دخل في مغارة كما يدخل الخلد في الأرض، إلا أن هذا الخلد يبصر وهو يشابه الخلد في اختفائه، ويخالفه في نظره، ولا بازا له قدم، يعني رجلا مثل الباز يكون في أعالي الجبال إلا أنه له قدم.
تَلْقى بهمْ زَبَدَ التَّيَّارِ مُقْرَبةٌعَلَى جَحافِلِها مِنْ نَضْحِهِ رَثَمُ
دُهْمٌ فَوَارِسُها رُكّابُ أبْطُنِهامَكْدُودَةٌ وَبِقَوْمٍ لا بها الأَلَمُ
قال الشيخ: التيار الموج، والمقربة الخيل التي جرت عادتها بأن تقرب عند البيوت، والرثم بياض جحفلة الفرس العليا، وإذا كان البياض في السفلى قيل فلاس المظ، وابتدأ الشاعر بصفة الخيل المعروفة، ولم يزل مستمرا على ذلك إلى قوله) دهم (ثم دل ذلك أنه يريد السفن يعني أنها مطلية بالقار وجعل فوارسها ركاب أبطنها، فدل ذلك على أنه يريد السن لا غير.
وقال ابن فورجة: أرسناس نهر عظيم يقول ظنوا أنهم إذا جاوزوه حال بينك وبينهم، وكيف بعصمهم وهو نفسه ليس يعصم منك، لأنك تقطعه وتركبه بالخيل والسفن وهي المقربة التي ذكرها، والرثم بياض في الشفة العليا من الدابة شبه الزبد على مقدمها بالرثم.
والأَعوجِيَّةُ مِلَْ الطَّرْقِ خَلفهُمُوَالمشرَفِيَّةُ مِلءَ اليومِ فَوْقَهُمُ
قال الشيخ: نصب) ملء الطرق (بإضمار فعل كأنه قال: والأعوجية تردى أو تركض في حال ملئها للطرق، والإضافة على نية الانفصال كأنه قال: ملأ للطرق أي مالئه، ونصب) ملء اليوم (على نحو من هذا النصب.
وقال ابن فورجة: لما كانت الخيل مما يبسط في الأرض، جعل الطرق منها ممتلئة، ولما كانت السيوف مما يعلو في الجو ويهبط عند الضرب، جعلها ملء النهار لأن النهار ما بين السماء والأرض.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع