من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)
حرف الميم (٢)
ومن التي أولها:
أنا لائمي إنْ كُنْتُ وَقْتُ اللَّوائِمِعَلِمتُ بما بي بَينَ تِلْكَ المَعالِمِ
قال ابن جني: هذا كقولك أنا مثلك إن كان كذا وكذا، ونظيره قوله:
عُيُونُ روَاحِلي إنْ حَرْتُ عَيْنيوكُلُّ بُغامِ رَزِحةٍ بُغامِي
أي أنا مثل الإبل إن حارت عيني، والمعالم جمع معلم، وهي الآثار والأمارات قال ذو الرمة:
أو دمْنَةُ هَيَّجتْ شَوقاً مَعالِمُهاكأنها بالهِدَمْلاتِ الرَّواسِيم
وقال الشيخ: في البيت معنى القسم، لأن الإنسان يقول: أنا كافر إن كان كذا وإثبات الألف في أنا عند بعض النحويين ضرورة، وعلى ذلك يحملون قول حميد بن بحدل الكلابي:
أنا زَينُ العَشيرةِ فاعْرِفُونِيحُمَيْدٌ قد تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا
والمعنى على هذا القول: أنا لائمي إن كان كذا، لأن اللائم عنده قبيح الشيمة مذموم الأفعال، ولو حمل قوله) أنى (على أنه فعل ماض من أنى الشيء يأني إذا حان وبلغ ميقاته، من قوله الله تعالى:) ألم يأن للذين آمنوا (لكان ذلك وجها حسنا، وسلم من إثبات الألف في غير موضع الإثبات، ويكون المعنى بلغ لائمي ما يريد إن كان ما ذكرت.
دِيارُ اللواتي دارُهُنَّ عَزِيزَةٌبطُولِ القَنَا يُحْفَظْنَ لا بالتمَائِمِ
قال أبو علي ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ، وإنما أتيت بذكره لنكتة وهي أنني قرأت على أبي العلاء، فقلت له: أنشد بطول القنا، أو بطولي القنا على وزن كبرى وصغرى، فقال: ما رويت إلا بكسر للام، فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد، فهلا أنشد بطولى يراد بها طوال القنا، ليكون جمعا مع جمع، هذا أجود في صنعة الشعر. فقال: ما اخترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت.
فَمالِي وللدُّنيا طِلابي تُجُومُهاومَسعَايَ منها في شُدوقِ الأرَاقِمِ
قال الشيخ ﵀: طلابي مبتدأ، ونجومها خبره، والمعنى الذي أطلب نجومها فأقام المصدر مقام المفعول، فكأنه قال مطلوبي نجومها، ولو نصب نجومها لجاز، كما يقول: " ضربي فلانا " وهذا مثل قولهم: رأي عيني فلانا يفعل كذا، قال الراجز:
وَرأُيُ عَيْني الفَتَى أَخَاكابُعْطي الجَزِيلَ فَعَلَيكَ ذَاكَا
يقول مالي وللدنيا أطلب فيها معالي الأمور، ومسعاي في شدوق الأراقم، أي في موضع الهلكة، التي لا تؤدي إلى فائدة.
وفَارَقتُ شرَّ الأرضِ أهلاً وتُرْبَةًبها عَلَويٌّ جَدَّهُ غَيرُ هَاشِمِ
قال الشيخ: الأجود أن تكون الهاء في بها راجعة إلى تربة، وتكون الجملة في موضع نعت لها، وقوله) بها علوي (إقرار بالعلوية، ثم نفاه عن هاشم، أي أن هذا الممدوح ينسب إلى علي بدعواه، وليس هو من ولده واسم هاشم عمرو بن مناف.
كأنكَ ما جاوَدْتَ مَنْ بَانَ جُودُهُعَليكَ ولا قَاتلتَ مَنْ لم تُقاوِم
قال ابن جني: يقال جاودني فجدته، أي كنت أجود منه، من الجود والجودة معا.
قال الشيخ: يقول: إذا هم الإنسان بأمر ولم يفعله فكأنه لم يهم به، وإذا اجتهد في طلب شيء ولم يدركه، فكأنه ما طلبه، وهذا البيت مخاطبة لغير الممدوح، يقول: كأنك يا إنسان إذا جاودت غيرك فغلبك في الجود لم تجاوده وإذا قابلت من لم تقاومه فكأنك لم تقاومه.
ومن التي أولها:
كُفي أرَاني زَيْكِ لَوْمَكِ ألوَماهَمٌّ أقامَ على فُؤادٍ أنْجَما
قال الشيخ أبو العلاء: النصف الأول يحتمل وجين: أحدهما: أن يكون مستغنيا بنفسه، يقول كفى لومك فإني أراني ألوم منك، أي ألومك أكثر من لومك إياي، وويك كلمة لم يصرف منها فعل، وأصحاب اللغة يزعمون أمن معناها التنبيه على الشيء، كأنهم يريدون ألم تروا في الكتاب العزيز:) ويكأنه لا يفلح الكافرون (فذهب الخليل فيما يرون إلى أنه قال: " وي " على معنى التعجب، ثم قال كأنه لا يفلح الكافرون، وهذا مذهب من يقول: " ويك " بلا أن وقد جاءت مع أن الخفيفة في قول الشاعر:
وَيْ كأنْ مَنْ يكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْبَبَ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرَّ
فإذا جعلت " وي " كلمة والكاف للخطاب، وجب أن تفتح إذا خوطب بها المذكر وأن تكسر إذا أريد بها التأنيث.
والوجه الآخر من الوجهين الجائزين في النصف الأول: أن يكون متعلقا بالنصف الثاني، ويكون هم مرفوعا بقوله أراني، كأنه قال أراني لومك ألومك هم أقام على فؤاد أنجم، في أنجم ضمير يعود على الفؤاد، أي ذهب به كما يذهب السحاب المنجم، فيكون قوله) ألوما (أي أحق باللائمة مني حمل على القول الأول فهم مرفوع بابتداء مضمر، أو فعل أو خبر مقدم كأنه قال: هذا هم أو أصابني هم أو بي هم.
لمْ تَجْمَعِ الأضْدادَ في مُتَشابِهِإلاّ لتَجْعَلَنِي لِغُرْمِي مَغْنَما
كصِفاتِ أوْ حَدِنا أبي الفَضْلِ التيبَهَرَتْ فأنْطَقَ واصِفيهِ وَأفْحَما
قال الشيخ ﵀: يقول: بهرت صفات هذا الممدوح فأنطلق الواصفين فوصفوه حتى فحموا، أي انقطع ملامهم، ويقال بكى الصبي حتى فحم، أي عجز عن البكاء، وقالوا أفحم الشاعر إذا تعذر عليه قول الشعر، ويجب أن يكون أخذ هذا اللفظ من الفحم المعروف، لأنهم يريدون أن الخاطر كان كالنار الموقدة فأنقطع إلى أن صار كالفحم، قال الهذلي.
أصَخْر بنَ عَبد اللهِ كُنْتَ شاعِراًفإنك لا تُهْدِي القَوافي لُمفْحَمِ
قال ابن فورجة: الأضداد هي الليل والشمس في قوله) شمس النهار تقل ليلا مظلما (ونحافة الغصن وكثافة النقا، في قوله: غُصنٌ على تَقَوَىْ فلاةٍ نابِتٌ والمتشابه يريد تشابه حسنها وتمثاله، وهذا كقول الأول:
إني غَرِضْتُ إلى تَناصُفِ وجْهِهاغَرَضَ المُحبّ إلى الحَبيبِ الغائِبِ
تناصف وجهها أي كونه غير متنافر الحسن، ثم شبه اجتماع تلك الأضداد في الحسن المتشابه بصفات هذا الممدوح، إذ أنطقت الواصفين بحسنها وبهائها، ثم أفحمتهم بعجزهم عن إدراك كنهها، فهذان ضدان قد اجتمعا في صفاته المتشابهة، وجعل الفعل في أنطق وأفحم للممدوح لا للصفات.
يا أيها المَلِكُ المُصَفَّى جَوْهَراًمن ذاتِ ذي المَلكوتِ أسمىَ مَن سما
قال ابن جني: أي من ذات الله، وبالغ عز الله وعلا، وأسمى هاهنا اسم مضاف إلى من، وموضعه نصب لأنه منادى، فكأنه قال: يا أعلى من علا، وأرفع من ارتفع ويجوز أن يكون موضعه رفعا كأنه قال أنت أعلى من علا.
وقال الشيخ: جعل الممدوح خاصا من جوهر من عز عن الجواهر والأعراض، وخلقها بالإرادة، والقائل لها مذموم وإن رضي الممدوح بذلك، فقد أقدم على أمر يستعظم والملكوت فعلوت، والتاء في ذات أصلها هاء، ولكنها استعملت مضافة " وأسمى من سما " في موضع خفض نعت لله سبحانه.
نُورٌ تَظاهَرَ فيكَ لا هُوتِيَّةًفَتَكادُ تَعَلمُ عِلْمُ مَا لَنْ يُعْلَما
قال ابن جني: لاهوتية كقولك إلاهية، ولست أعرف هذه اللفظة في كلام العرب، على أن العامة قد أولعت بها، ونصب) رهوتية (على المصدر، ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في) تظاهر (. ولو كان اللاهوت من كلام العرب لكان اشتقاقه من) إله (الذي أدخل عليه الألف واللام، وصار علما لله تعالى، وذلك في أحد قولي سيبويه، ويكون كوزن الطاغوت، إلا أن الطاغوت مقلوب، واللاهوت لو كان عربيا لكان غير مقلوب فيكون على هذا فعلوتا بمنزلة الرهبوت والرحموت.
وقال الشيخ ﵀: نصب) لاهوتية (على التمييز، ولا يمتنع أن يكون نصبها على الحال، وإن كان النور مذكرا لأنه لا يمكن أن يقول تصور فلان رحمة، ويجوز أن تنصب) لاهوتية (لأنها مفعولة له أو من أجله، وبعض الناس يروي) لاهوتيه (بالإضافة إلى الهاء الراجعة على النور،
وَيهُمُّ فِيكَ إذَا نَطَقْتَ فَصاحةًمن كلَّ عضْوٍ مِنكَ أن يَتَكلَّما
قال الشيخ: في) يهم (ضمير يعود على النور، ويجوز أن تكون) فصاحة (منصوبة على التمييز، وأن تكون مفعولا له، يقول يهم هذا النور أن يتكلم من كل عضو فيك، ولا يقتصر على اللسان دون الأعضاء.
وقال ابن فورجة: ويجوز أن تكون) من (مقحمة ويكون فاعل) يهم (كل عضو، وهذا كقولك: ويهم من كل رجل أن يخاصمني، تريد ويهم كل رجل، ويكون ضمير) يتكلم (أيضا للعضو، وعلى التأويل الأول للنور.
ومن التي أولها: ضَيْفٌ ألمَّ برأسِي غَيرَ مُحْتَشِمِ
أبعَدْ بَعِدتَ بَياضاً لا بياضَ لَهُأنْتَ أسْوَدُ في عَيْنِي مِنَ الظُلَمِ
قال الشيخ:) أسود (في هذا البيت لا يراد به أشد سوادا، لأن النحويين يزعمون أن الألوان لا تستعمل في هذا الموضوع، ولا في النفي إلا بأشد ونحوها ويقولون: هذا أشد حمرة من الشقيق، ولا يقولون هذا أحمر من الشقيق وكذلك في التعجب ما أشد سواده، لا يقولون ما أسوده، ولم يجعله أشد سوادا من الظلم وإنما أراد أنه بعضها كما تقول فلان مسود من الليل، أي كأنه منه، ويحمل البيت المتقدم على أنه أراد لأنت أسود من جملتها، وقد أنشدوا بيتا شاذا وهو قول الراجز:
جارِيَةٌ في دِرْعِها الفَضْفاضِأبْيَضُ مِنْ أختِ يَنِي إباض
وقد يتوجه لهذا البيت أن يكون على غير ما ذهبوا إليه، ويكون قوله) في درعها الفضفاض أبيض (أي في درعها جسد أبيض من أخت بني إباض، فيكون أبيض وصفا بالبياض، ويكون من هاهنا كما تقول للرجل من فلان صديق، وكذلك البيت المنسوب إلى طرفة:
إذا الرَّجالُ شَتَوْا وَاشْتَدَّ أكْلُهُمُفأنْتَ أبْيَضُهُم سِربَالَ طَبَّاخِ
يريد أنت مبيضهم، أي ثوبك أبيض، ولا يريد أن ثوبه أشد بياضا من ثيابهم وإنما هو كما تقول هذا كريم من بني فلان، أي أنت كريم وأنت منهم، ونحو هذه الأبيات في أن) أفعل (لا يراد به التفضيل قول القائل:
وأَعنَقُ من أولاَدِ ذروة لم أجِئبإعطائِهِ عَاراً ولا أنا نادِمُ
لم يرد أنه أطول عنقا من أولاد ذروة، وإنما أراد أنه طويل العنق فإنه من أولادها.
بحُبَّ قاتِلَتِي والشَّيْبِ تَغْذيَتِيهَوَايَ طِفلا وشَيْيبِي بالغَ الحُلمِ
قال الشيخ: تم الكلام عند قوله) تغذيتي (ثم فسر النصف الأول بالنصف الثاني فقال) هو أي طفلا (جعل هواي دالا على الفعل، كأنه قال هويت طفلا ونصب) طفلا (على الحال، وقوله) وشيبي بالغ الحلم (أي شبت حين بلغت الحلم، والنصب في بالغ الحلم كالنصب في قوله هويت طفلا على الحال.
قَبَّلْتُها ودُمُوعي مَزْجُ أدْمُعِهاوقَبَّلَتْنِي على خَوفٍ فَماً لِفَمِ
قال ابن جني: نصب) فما (على الحال كما تقول، كلمته فاه إلى في، وتفسيره مشافها إلا أن المسموع فاه إلى في، فقاس هو هذا عليه، كما قال أيضا:
فَلا يُبَلْ قاتِلٌ أعادِيَهُأقائِماً نالَ ذَاكَ أمْ قاعِدْ
فقياس) لا يبل (على) لم يبل (وهو المسموع.
وقال الشيخ ﵀: نصب) فما (بفعل مضمر، أو أسم فاعل يقوم مقام الفعل كأنه قال: جعلت فمها إلى فمي، أو جاعلة فمها إلى فمي، وقوله) فما (موضوع موضع الحال، وكذلك قولهم: كلمته فاه إلى في، أي جاعلا فاه إلى في، وأما قول الشاعر:
تحَسَّبَ هَوَّاسٌ وأيقَنَ أنَّنيبِهَا مُفْتَدٍ من صَاحبٍ لا أُساوِرهُ
فقلتُ له فاها لفيك فإنهاقَلوصُ امرئ قارِيكَ ما أنتَ حاذِرْه
فقوله) فاها لفيك (منصوب بفعل مضمر، كأنه قال تلقي فاها إلى فيك، يعني الداهية أو ضربة أو طعنة استعارها فما، وهواس يعني أسدا يطلب شيئا بالليل وتحسب أي تظنن من حسبت الشيء.
قد كلَّمتها العَوالي فهيَ مالحِةٌكأنّما الصَّابُ مَعْصُوبٌ على اللَّجمِ
قال ابن جني: كلمتها من الكلوم وهي الجراح، وقالوا في قوله تعالى) أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم (أي تخرجهم بركلها إياهم، وقال حسان: لو يَدِبُّ الحَوْليُّ مِنْ ولدِ الذرَّ عليها لأندَيتَها الكُلُومُ وقال ثعلب: ليس معنى الحولي الذي أتى عليه الحول، لأن ولد الذر لا يعيش حولا، وإنما يريد بالحولي الذي تحول من حال إلى حال.
قال الشيخ أبو العلاء: قول حسان: لو دبت الحولي، وهو ما صغر نت الذر على سبيل المبالغة، لأن العادة جرت بأن الحولي من البهائم يكون أصغر من غيره، فأجرى حسان الذر مجرى سواه، والدليل على صحة هذا القول البيت الذي اجتمعت الرواة عليه لامرئ القيس:
مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌمن الذَّرَّ فوقَ الاتْبِ منها لأَثرَا
فقوله) محول (مثل حسان) حولي (أي قد أتى عليه حول، وإنما اتبع حسان أمرأ القيس.
وكُلَّما نُطِحَتْ تَحْتَ العَجاجِ بِهِأُسدُ الكَتائِبِ رَامَتْهُ ولم يَرمِ
قال ابن جني: أي زالت عنه ولم يزل هو، وأراد رامت عنه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، قال الأعشى:
أبَانَا فلا رِمْتَ من عِنْدِنافإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرْمْ
أي لا برحت، وقد استعمله أبو نواس بغير حرف جر قال:
فما رمتُهُ حتى أتَى دونَ ما حَوتْيِمينِي حتى رِيطَتِي وردَائِي
أي تمله الأبطال ولا يملها، وليس النطح مما يليق بذكر الأسد، وكان الأولى عندي أن يقول وكلما صدمت أو رميت أو نحو ذلك.
قال الشيخ: قوله إن) رامته (في معنى زالت عنه فيه نظرة، وقد يجوز هذا المعنى ويحتمل أن يكون رامته من رام يروم، فيكون الغرض رامت أن تصل إليه وهو على ذلك لم يرم من مكانه، وهذا أشبه من أن يكون رامته في معنى رامت عنه ويقوي هذا القول أن) رمت (إذا كان في معنى برحت لم يستعمل إلا في النفي، وقوله) رامته (قد استعمله في الإيجاب ألا ترى أنك تقول ما رمت من موضع كذا حتى فعلت، ولا يحسن أن تقول رمت من موضع كذا بغير جحد وعلى الوجه الذي استعمله أبو نواس لأنه قال) فما رمته (فجاء به في النفي.
ومن التي أولها: مَلامُ النَّوَى في ظُلمِها غايةُ الظُّلمِ
لألْقى ابنَ إسحاقَ الَّذِي دقَّ فهمهُفأبْدَع حتى جَلَّ عنْ دِقَّةِ الفَهمِ
قال الشيخ: " اسحق " كلمة أعجمية لم تصرف للتعريف والعجمة، وقد وافقت من العربية مصدر قولهم أسحقه إسحاقا، وقوله) فأبدع حتى جل عن دقة الفهم (من قول الأول:
حَدَثٌ ما نَابَنا مُصمئلٌّجَلَّ حتَّى دَقَّ فيه الأجلُّ
إذا بَيَّتَ الأعْدَاءَ كانَ استمِاعهُمصِيرَ العَوالي قَبْلَ قَعْقَعةِ اللُّجْمِ
قال الشيخ: أي طرقهم بياتا وهم نائمون، وصرير العوالي صوتها، وكأن أصوات اللجم مقعقعة، وأكثرها ما يستعمل في الحديد الصلصلة، وإذا كانوا قد وصفوا الحلي بالقعقعة فالحديد أولى به قال النابغة:
يُسَهَّدُ من نَومِ العَشِي سَلِيمُهالحلْيِ النّساءِ في يَديهِ قَعاقِعُ
مُذِلُّ الأعِزَّاء المُعِزُّ وإنْ يَئِنْبِهِ يُتْمُهُمْ فالمُوتِمُ الجابِرُ اليُتمِ
قال ابن جني: يئن يحضر، أي هو مذل الأعزاء، أو معز الأذلاء، كأنه يضع قوما ويرفع آخرين. قال الأصمعي: لا مصدر لآن وقال أبو زيد: أنى أنيا أي حان وقوله به أي على يديه.
وقال الشيخ: هو من قولهم آن الشيء يئين إذا حان، وهو مثل قولهم أنى. وإحدى الكلمتين مقلوبة من ألخرى، واليتم أصله الانفراد، قال الشاعر:
كوماء يَسمُو فوقَهامثلُ اليتيمِ مِن الأرانب
يعني بالأرانب جمع أرنب، وهو الموضع المرتفع من الأرض، واليتيم المنفرد وإنما يصف ناقة بعظم السنام.
أطعْناك طَوعَ الدَّهرِ يَا ابنَ يوسُفٍلِشَهْوتِنا والحَاسِدُو لَكَ بالرَّغمِ
قال الشيخ أبو العلاء: حذف النون من قوله الحاسدون لما استقبلها اللام، لأنهم يتوهمون الإضافة في هذا الموضع، كأنه قال والحاسدوك وكذلك قالوا) لا خفي لك (لأنهم توهموا سقوط اللام وقد حذفوا نون الجمع، وإن لم يكن ثم لام الإضافة، ويروى بيت ينسب إلى عبيد الأسدي وهو قوله: ولقَدْ يَغْنى بها جيرانُكِ المُمسِكُو مِنْكِ بأسْبابِ الوِصالْ
دُعِيتُ بِتقرِيظِيكَ في كُل مَجْلِسٍوَظنَّ الذي يَدعُو ثَنائِي عليكَ اسمي
قال ابن جني: أراد وظن الذي يدعوني فحذف المفعول.
قال الشيخ:) دعيت (في معنى سميت، لأنهم يقولون جاءني رجل يدعى فلانا أي يسمى، وأراد دعيت بتقريظي إياك، فأقام المتصل مقام المضمر وأراد أنه قد عرف بمدحه، فكأنه قد صار اسما له، وإن الذي تسميه وتخاطبه قد ظن ثناءه على الممدوح اسما للمادح، وهذا إفراط في المبالغة.
فكمْ قائِلٍ لو كانَ الشَّخص نَفسهلكانَ قَراهُ مكْمَن العَسكرِ الدَّهْمِ
قال الشيخ: يقول كم قائل: لو كان هذا الشخص، يعني شخص الممدوح عظيما كنفسه، لكان قراه ظهره مكمنا للعسكر الدهم أي العظيم.
ومن التي أولها:
أحَقُّ عافٍ بِدَمْعِكَ الهِمَمُأحْدَثُ شَيء عَهْداً بها القِدَمُ
قال ابن جني:) العافي هنا الطالب والقاصد (. وسألته عن معنى هذا البيت فقال: أحق ما صرفت إليه بكاءك هم الناس، لأنها قد ذهبت ودرست فصار أحدثها عهدا قديما.
قال الشيخ: معنى البيت يدل على أن العافي في هذا الموضع الدارس، ومن قولهم عفا الربع إذا درس، والدليل على ذلك قوله) بدمعك (لأن الطالب والسائل لا يستحق الدمع، وإنما يبكي على المنازل الدارسة) وأحق عاف (معناه أحق دارس بأن يبكي عليه همم الناس، وقوله) أحدث شيء (.. إلى آخر البيت جملة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون لا موضع لها، لأنها كالمبتدأ، والآخر: أن تكون في موضع الحال من الهمم، ولا تعلق لها في الوجه الأول بالنصف الذي قبلها، وهي في الوجه الثاني متعلقة به وجعل القدم أحدث الأشياء عهدا بالهمم أي أن دروسها قديم ولا همم في الأرض، وقد شرح ذلك فيما بعده بقوله:
وإنَّما النَّاسُ بالمُلُوكِ ومَاتُفْلحُ عُريبٌ مُلُوُكها عَجَمُ
بَنُو العَفَرْنى مَحَطَّةَ الأسَدِ الأُسد ولَكنْ رِماحُها الأَجَمُ
قال ابن جني:) العفرني (اسم من أسماء الأسد، ومحطة اسم جد هذا الممدوح ويقال إن المنصور قتله على الإسلام، وبنو العفرني مرفوع بالابتداء وخبره الأسد، ومحطة بدل من العفرني، والأسد وصف لمحطة.
كأنها في نهَارِها قَمَرُحَفَّ بِهِ مِنْ جِنانِهَا ظُلَمُ
ناعِمَةُ الجِسّمِ لا عِظامَ لَهالَها بنَاتٌ وَمَا لَها رَحِمُ
قال الشيخ: شبه البحيرة بالقمر لبياض الماء، والجنان جمع جنة وهي الأرض التي سترها الشجر والنبات لشدة خضرتها، ومن ذلك قوله تعالى) مدهامتان (والغز عن البحيرة، وزعم أنها ناعمة الجسم، ولما جعل لها جسما زعم أنها لا عظام لها، يلغز بذلك لأن الجسم لا بد له من العظام، وذكر أن لها بنات يعني السمك، ونفى أن يكون لها رحم.
ومن التي أولها: فُؤادٌ ما تُسَليهِ المُدَامُ
أرَانِبُ غَيْرَ أنَّهُمُ مُلُوكٌمُفَتَّحَةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ
قال ابن جني: المعهود في هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في صور الأرانب فتزايد وعكس الكلام مبالغة، فقال أرانب غير أنهم ملوك فجعل الأرانب حقيقة لهم، والملوك مستعارا فيهم، وهذه عادة له يفارق بها أكثر الشعراء.
وقال الشيخ: الأرنب تنام وعيناها مفتحتان، وشبه الناس بالأرنب لأن عيونهم مفتحة، وكأنهم مع ذلك نيام، ولم يرد النوم الذي هو ضد اليقظة، وإنما أراد أنهم بله لا يفطنون لما هم فيه والعرب تمدح بقلة النوم، وتذم إذا ألف الرجل ذلك، قال الطرماح:
وليس أخو الحَاجات مَنْ باتَ نَائماًولكنْ أَخُوها مَنْ يَبيتُ على وَجل
وَلَوْ لَمْ يَرْعَ إلا مُستَحِقٌلِرُتبتِهِ أسامَهُمُ المُسامُ
قال الشيخ: يقول لو لم يل أمور الناس إلا مستحق لذلك، لوجب أن يكون بعض الرعاة مرعيا، يريد أن الرجل منهم يلي الجماعة الكثيرة، وفيهم من هو أحق منه بالولاية، ولو كانوا مرتبين على ما توجبه العقول، لكان سوامهم أعقل منهم وهذه مبالغة في ذم الناس.
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ والشَّيْبُ هَماً فالحَياةُ هِيَ الحِمامُ
قال الشيخ: يقول إذا كان الشباب كالسكر، لا يصح به معقول الإنسان، وكان الشباب إذا جرب وعقل جاءه الشيب، فاهتم لذلك، فالحياة هي الحمام أي الموت خير منها، وقد قال القائل:
إذا احتاجَ الكَريم إلى لَئيمٍففي موتِ الكَريمِ له حَياةُ
فَقَدْ خَفِيَ الزَّمانُ بِهِ عَلَيْناكَسِلْكِ الدُّرَّ يخُفِيهِ النَّظَامُ
قال ابن جني: يقول: قد اشتمل على الزمان فخفي بالإضافة إليه، وشبهه بالدر إذا اكتنف السلك لنفاسته وشرفه، وهذا كقوله في سيف الدولة: فأتَيْتَ مِنْ فَوْقِ الزَّمانِ وتَحْتِهِ قال الشيخ، ورواه بها: الهاء راجعة إلى عطاياه، وأدعى أنها قد انتظمت الزمان فغطته كتغطية الدر ما نظم فيه من السلك.
ومن التي أولها: نَرَى عِظَماً بالصَّدَّ والبينُ أعظمُ
وَلا يُبْرَمُ الأمْرُ الَّذِي هو حالِكٌولا يُحْلَلُ الأمْرُ الَّذِي هوَ مُبْرمُ
قال الشيخ: يقال أبرمت الشيء إذا أحكمته، وأصل ذلك من فتل الحبل وبعض الناس من يعيب عليه) حلل (لأنه أظهر التضعيف، وتلك ضرورة، ولو وضع مكانها ناقصا لسلم من الضرورة، ويجوز أن يكون الشاعر فعل ذلك ليعلم أنه عالم بالضرورات، فأما قول ابن أم صاحب:
مَهْلاً أعاذِلَ قد جَرَّبْتِ من خُلُقِيأني أجُودُ لأقْوَامٍ وإنْ ضَنِنِوا
فإنه احتاج إلى إظهار التضعيف، لأنه أراد أن يقابل الجود بالضن، ومنها قول زهير:
لمْ يَلْقَها إلاَّ بِشِكَّةِ باسِلٍيخْشَى الحَوادِثَ حازِمٍ مُستَعْدِدِ
أجِدّكَ ما تَنْفَكُّ عَانٍ تَفُكُّهُعُمَ بنَ سُليَمانٍ ومَالا تُقسمُ
قال الشيخ ﵀:) أجدك (بمعنى أجد منك، وهو استفهام كالمعلوم عند المستفهم، ونصب) أجدك (على المصدر أو فعل مضمر، وينبغي أن يكون) عان (مرفوعا بالابتداء، ولولا وزن البيت لكان نصب) عان (أوجه، والتقدير ما تنفك تفك عانيا، ويقوي نصبه أنه نصب) مالا (وقوله) عم بن سليمان (أراد عمر فرخم على رأي أهل الكوفة، والبصريون لا يرون ترخيم الثلاثي الذي أوسطه متحرك.
وقال الاحسائي: رخم عمر وهو على ثلاثة أحرف، لأن أصله عامر فدخل عليه العدل للمبالغة فقامت المبالغة فيه مقام الألف المحذوفة منه، فلما رخمه اعتد بالمعنى الذي هو المبالغة اعتداده بالحرف الرابع منه، فلذلك أجاز فيه الترخيم، ولو كان مثل زيد وعمر ولما جاز ترخيمه البتة، وهذا دقيق في تعليل الإعراب.
ومن التي أولها: لا افْتِخارٌ إلاَّ لَمنْ لا يُضَامُ
حَسَنٌ في عُيُونِ أعْدَائِهِ أقْبَحَ من ضَيْفِهِ رَأتْهُ السَّوَامُ
قال ابن جني: هذا مما يسأل عنه فيقال: كيف يكون حسنا في عيون أعدائه وهل هذا هجاء؟ فالجواب أنه أراد أنه في الحقيقة حسن، إلا أنه مع هذا أقبح في عيون أعدائه من ضيفه إذا رأته السوام، وهو المال الراعي لأنه ينحر الإبل للأضياف فهي تكرههم، وقوله في) عيون أعدائه (ظرف للقبح لا للحسن، وقدمه عليه كما تقول: زيد في الدار أحسن منك، على هذا استقر الكلام بيني وبينه وقت القراءة عليه.
إنما مُرَّةُ بْنُ عَوْفِ بِنْ سَعْدٍجَمَرَاتٌ لا تَشتهِيها النَّعامُ
قال الشيخ: قد شاع بين العوام أو النعام تلتقم الجمر، فحمل أبو الطيب كلامه على ذلك، وقال مرة بن عوف بن سعد جمرات لا تشتهيها النعام، أي هي جمرات عظيمة، وهي في العرب قبائل تعرف بالجمرات، وإنما سميت بذلك لشدة بأسها، وهي أربع: الحرث بن كعب، وعبس، وبغيض وضبة بن أد، ونمير بن عامر.
وَعَوَارٍ لَوَامِعٌ دِينُها الحلُّولكنَّ زِيَّها الإحْرامُ
قال الشيخ: وصف السيوف بأن دينها الحل لأنها لا تقتل إلا من يجب قتله، وبالإحرام لأنها لا تقر في الغمود فهي عارية.
كُتِبَتْ في صَحَائِف المجْدِ بسْمٌثُمَّ قَيْسُ وَبَعْدَ قَيْسِ السَلامُ
قال السيخ: جعل الباء هاهنا مع اسم بمنزلة الكلمة الواحدة الثلاثية نحو رجل وجذع، ولعل هذه الكلمة ما استعملت على هذه السجية إلا في هذا البيت، لأنه جعلها بمنزلة كلمة واحدة. وأدخل عليها التنوين. ولو أنها بسم الله لحسن أن تحكى على ما هي عليه، فيقال: كتبت في صحائف المجد بسم الله، فأما قول القائل:) إن لوا وإن ليتا عناء (. فليس هو هذا الجنس، لأنه أخرج) لو (من بابها، وجعلها كلمة معربة، ولا من نحو قولهم: مررت ببرق نحره، لأن الجمل إذا سمي بها فهي محكية في النصب والرفع والخفض.
ومن التي أولها:
ألا لا أُرِي الأَحْدَاثَ حَمْداً ولا ذَمَّافَما بَطْشُها جَهْلاً ولا كَفُّها حِلمَا
قال ابن جني: يقول لا ذنب للمصائب فأذمها، ولا إحسان فأحمدها، لأنها غير ناطقة في الحقيقة، وإنما تنسب إليها الأفعال استعارة ومجازا وقال الشيخ أبو العلاء:) أري (في البيت بمعنى أعلم، وهي تستعمل كثيرا على هذا الوجه، وأصل الرؤية في العين، ثم استعملت في العلم والاعتقاد والمشورة ونحو ذلك، تقول: المسلم يرى أن الصلاة فرض، أي يعتقد وفلان يرى أن تفعل كذا، أي يشير عليك.
إلى مِثْلِ ما كانَ الفَتى مرْجعُ الفتىيَعُودُ كما أبدَى ويُكْري كما أرمْى
قال الشيخ: يقال بدأ الشيء بالهمز وهي اللغة الجيدة، ويقال أبدى في معنى بدا، وهي قليلة، ويقال أكرى الشيء إذا نقص، وأكرى إذا زاد، وهي من الأضداد، وكرى الزاد إذا نقص، وأكرى الرجل إذا نقص زاده، قال الشاعر:
كذِي زادٍ مَتى ما يُكْرِمَنهُفليس وَرَاءَهُ ثِقَةٌ بِزّادِ
وأرمى على الشيء إذا زاد عليه، والاسم منه الرما، وفي الحديث " إني أخاف عليكم الرماء " أي الربا، والمعنى أن الفتى كان معدوما، وإلى مثل ذلك يعود.
بَكَيْتُ عليها خِيفَةً في حياتِهاوذَاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِهِ قِدْما
قال الشيخ: يقول كنت أعلم أنني لا بدلي من فراقك، فكنت أبكي عليها والفراق لم يكن، وكانت هي من لإشفاقها علي كأنها ثكلة وهذا نحو قوله: مَنْ رآها بِعَيْنه شاقَهُ القُطَّان فيها كَما تَشُوقُ الحُمُولُ
منَافِعُها ما ضَرَّ في نَفْعِ غَيرهاتَغَذَّى وتَرْوَى أنْ تجوَع وأَنْ تَظما
قال الشيخ: يقول هذه المرأة كانت ترى أنها تنتفع بنفع غيرها، وإن كان نفعها إياه يضرها، والمراد أنها تطعم المساكين، وتجوع وتطمأ وظمؤها في نفسها ري وكأن هذا مأخوذ من قوله تعالى) ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (.
ومن قول الهذلي:
أقسّمُ جِيمي في جسُومٍ كثيرَةٍوَأوثِرُ غَيري مِنِ عِيالِكِ بالطُّعمِ
وقال ابن فورجة: هذا أحد الأبيات التي زل فيها الشيخ أبو الفتح بن جني فقال أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ، وهذا ضار لغيرها، ومعنى جوعها وظمئها أن تهلك الناس، فتخلى منهم الدنيا وهذه كقوله أيضا: كالمَوْتِ لَيْسَ لَهُ رِيٌّ ولا شبعُ فرحم الله أبا الفتح أليس قد قال) في نفع غيرها (فأي نفع للناس في أن يهلكوا، وإنما الهاء في) منافعها (راجعة إلى الجدة المرثية، يريد أن منافع هذه المرأة لصلاحها وتقواها، وإيثارها على نفسها، وكثرة صيامها وعبادتها، ما جرت العادة به أن يضر، وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ على الري والشبع، فإذا جاعت وظمئت كأنها تغدت ورويت، وقوله) في نفع غيرها (موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها، والخبر الأول) ما ضر (ويجوز أن يكون في بمعنى مع، يريد ما ضرها مع نفع غيرها، كما تقول أردت شتمك في إكرام زيد، أي مع إكرام زيد.
إذا فَلَّ عَزْمِي عَم مدىً خوْفَ بُعْدِهِفأبْعَدُ شَيْ ممكِنٌ لم يجَدْ عَزْما
قال ابن جني: يقول: وجود الممكن مع عدم العزم، أبعد عن الوقوع من وجود عزم مع بعد لمطلب أي إذا لم يكن عزم لم يوصل إلى شيء البتة.
وَإني لَمنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفُوسَنابها أنَفٌ أنْ تَسكُنَ اللَّحْمَ والعَظْما
قال الشيخ: كان أبو الطيب له مذهب في أن يحمل الضمير على المعنى كقوله في هذا البيت) كأن نفوسنا (، ولو قال كأن نفوسهم لرجع الضمير إلى) قوم (وكان أقرب إلى فهم السامع، وكأنه أراد بهذا القول: إنا نؤثر القتل لأن نفوسنا تأنف من سكناها اللحم والعظم.
ومن التي أولها:
لَهِوَى القُلُوبِ سرِيرةُ لا تُعْلَمُعَرَضا نَظَرْتُ خِلْتُ أني أسْلمُ
قال السيخ:) عرضا (يحتمل نصبه وجهين أحدهما: أن يكون المراد نظرت نظرة عرضا، والآخر أن يكون عرض مفعولا، أي نظرت عرضا من أعراض الدنيا.
يا أُختَ مُعتنِق الفَوارِسِ في الوَغىلأخُوِكِ ثَمَّ أرَقُّ مِنْكِ وأرْحَمُ
قال ابن جني: يرميه بأخته وبالابنة، وقوله ثم إشارة إلى المكان الذي يخلو فيه للحال المكروهة.
وقال الشيخ: ظن بعض الناس أنه يريد بهذا البيت ابن كيغلغ، وليس الأمر كذلك، إنما هو تشبيب عرض له ونظر فيه إلى الطائي:
بِأبِي مَنْ إذا رآها أبُوهَاقال بالغَيبِ ليتَ أنَّا مَجُوسُ
ويدل على أنه لم يعن به الهجو أن الأبيات التي بعده ليس فيها دليل على غير التشبيب، وقوله) يا أخت معتنق الفوارس (يصف أخاها بالشجاعة، لأن الاعتناق للفرسان تفتخر به الشجعان، ويمدح به السادة قال الشاعر:
أُعانِقُ في الحَربِ الكِرامَ وأبتغيقيودَ المِئينِ في الصِباحِ وفي الدُهمِ
يقال فلان قيد مائة، أي إذا أسر فدى بمائة من الإبل، ومنه قول الراعي:
وكان لَها في سَالفِ الدَّهرِ فَارسُإذا مَا رَأى قَيَدَ المئينِ يُعانِقُه
ووصف المرأة بأنها فظة القلب، وبالغ في ذلك، فجعل أخاها الذي يعتنق الفوارس أرق منها قلبا) وثم (إشارة إلى الموضع الذي تعتنق فيه الفرسان.
يُؤذِي القَليلَ مِنَ اللِئامِ بِطَبعِهِمَنْ لا يَقِلُّ كَما يقِلذُ وَيَلْؤُمُ
قال الشيخ: يقول) يؤذي القليل من اللئام بطبعه (اللئيم من ليس هو قليلا كقلة المؤذي، ولؤم المضارع من لؤم، وهو معطوف على قوله) يقل (ويقال لئيم الأصل، ووزنه فعيل، كما يقال كرم فهو كريم، وقالوا رجل ليم قال عبيد الله بن قيس الرقيات:
وإذا حَبوتَ اللَّيْمَ منكَ صنيعةكتم الصنيعة لؤمُه فَلواكَها
يريد لواك إياها من لي الدين أي مطله والذين قالوا الليم هم الذين قالوا روس جمع رأس، قال الشاعر:
إنما هِندٌ كَشَمْسٍ بَدَرَتْيَوْمَ عِيدٍ فَوْقَ روسِ الجِبالْ
وَمَنَ البَلِيّة عَذلُ مَنْ لا يَرْعوِيعن جَهلِهِ وَخِطَابُ مَنْ لا يَفْهمُ
قال الشيخ: الارعواء الرجوع إلى الشيء، يقال قد ارعوى فلان إلى الدين أي قد رجع إليه، وحكي عن أبي بكر الخياط النحوي، وكان فيما قيل يعرف مذهب البصريين والكوفيين، أنه قال أقمت عشر سنين اسأل عن وزن ارعوى فلم أجد من يعرفه، وأصله عند النحويين ارعو في وزن أحمر وأصل أحمر احمرر، فكأنهم لما لم يأت في كلامهم واوان مجتمعان، فروا إلى أن يجعلوا الواو الثانية في ارعو الفا، فيقولوا ارعوى، ولو قيل ابنوا من الغزو مثل أفعل لوجب لأن يقال اغزوى، والأصل أغزو كما تقدم في ارعو وكذلك لو قيل ابنوا من قضيت مثل أفعل لوجب أن يقول اقضيا، فتقلب الياء الآخرة ألفا ولا يجوز أن تحمله على قولك قدحي فلان بالمكان أي حيي به، وقد عي بالمكان أي عيي به، قال عبيد بن الأبرص:
عَيّوا بأمرهِمُ كَماعَيَتْ بِبيْضَتِها الحمامَهُ
جَعَلتْ لها عُودَينِ مننشَمٍ وآخر من ثمامَهْ
وإنما جاء في هذا الباب هاتان اللفظتان وكلاهما على فهل بكسر العين ولم يأت شيء على فعل فيشبه به أق وارعو، قال يزيد بن الحكم:
جَمَعتَ وفُحشْاً غِيبةً ونَميمةًثَلاثَ خِلالٍ لستَ عنها بمرعوِ
وقد جاء في هذه القصيدة اسمان يجريان مجرى مرعو، وهما محجو في معنى منقبض مجتمع، ومدحو مأخوذ من الدحو وهو البسط في قولهم دحا الله الأرض أي بسطهان وفيها موضع ثالث وهو مجدو من الجدوى.
ومن التي أولها: مَلُومكمُا يجلُّ عَنِ المَلامِ
عُيُونُ رَوَاحِلي إنْ حِرْتُ عَيْنيوكُلُّ بُغامِ رَازِحَةٍ بُغامِي
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني: وبغامهن بغامي أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن.
قال الشيخ: الناس يروون حرت بالتاء، والنون أشبه، لأنه وصف نفسه فيما تقدم أنه لا يحتاج إلى دليل، فوجب أن يقول إن حارت رواحلي فعيني نائبة عن عيونها، لأنها تهديها السبيل،) وكل بغام رازحة بغامي (البغام اكثر ما يستعمل في الظباء، وربما استعمل في النوق، يقول عيني تنوب عن عيون رواحلي، وشكيتي الدهر ينوب عن بغامها في الهواجر، لأن بغامها في الهواجر إنما يكون عن التعب والأين، ومن روى حرت بالتاء فله معنى صحيح إلا أنه ينافي قوله: ذَراني والفلاة بلا دليل ويكون المعنى معنى الدعاء والقسم، كما يقول الرجل للآخر أنا عبدك إن فعلت كذا وكذا، فينوب ذلك عن قوله أقسم لا كان ما ذكرت، أو جعلني الله عبدك إن كان كذا وكذا، فكأنه أقام ذلك مقام اليمين، أو مقام الدعاء على نفسه.
قال ابن فورجة: إن قيل فما يضر أن يحير، وأجل منه ركب المفاوز فتاه، وليس الجهل بالدلالة مما يذم به، فالجواب أنه يريد أني بدوي ومع ذلك فإني عارف بدلالات النجوم بالليل، والعلم بالأنواء من أبواب الأدب، فلذلك افتخر به، ويدلك على ذلك قوله) وكل بغام رازحة بغامي (يريد أني فصيح شاعر عارف بالمنطق، وهكذا يقول الفصيح إذا أقسم أنا أعجمي إن لم أعليك بالحجة وأنا أخرس إن لم أخصمك بالجدل، فيقول أبو الطيب: إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة العالمة عين راحلتي، ومنطقي الفصيح البليغ بغام.
فقَدْ أرِدُ المِياهَ بغَيرِ هَادٍسَوى عَدّي لها بَرْقَ الغَمَامِ
قال ابن جني: قال يعقوب: العرب إذا عدت للسحاب مائة برقة، لم تشك في أنها ماطرة قد سقت، فتتبعها على الثقة.
وقال السيخ: ذكر ابن الأعرابي في النوادر أن العرب إذا لاح البرق عدوا سبعين برقة، فإذا كملت وثقوا بأنه ماطر، فرحلوا إلى موقع الغيث.
ولا أَمْسِي لأهْلِ البُخْلِ ضَيْفاًوَلَيْسَ قِرى سِوى مُخّ النَّعامِ
قال الشيخ: يقال إن النعام لا مخ له، فكأنه قال وليس قرى إلا قرى معدوما وينشدون في أن النعام لا مخ له قول الهذلي.
كأنَّ مُلاءَتَيَّ على هِزَفِّيَعُنُّ مَعَ العَشِيّةِ للرّئِالِ
عَلَى حَتَّ البُرَايَةُ زَمْخَري السَّواعِد ظَلَّ في شَرْي طَوالِ حث البراية أي سريع عندما يبريه من السفر، والزمخري الأجوف، والسواعد مجاري المخ.
وقال الأحسائي: مخ النعام قليل جدا، يعني أنه قرأهم متعذر، لا يكاد يوجد، ولا يوصل إليه، أي ليس لهم قرى يعرف، ويجوز أن يريد لا أمسي لأهل البخل ضيفا ولو قروني مخ النعام على عزته، وشدة الكلفة في طلبه، كما يقال لو سقاني فلان ماء الحياة لما شربته من يده.
ومن التي أولها: حتَّامَ نَحْنُ نُسارِي النَّجمَ في الظُّلَمِ
تَبْري لَهُنَّ نَعامُ الدَّوَّ مُسْرَجَةًتُعارضُ الجُدُل المُرْخاةَ باللُّجُم
قال ابن جني: يعني بنعام الدر هنا الخيل، شبهها بالنعام لسرعتها، فيقول هذه الخيل لعلو أعناقها وإشرافها تباري أعناق الإبل، فيكون اللحم في أعناقها كالجدل، وهي الأزمة في أعناق الإبل.
قال الشيخ: تبري لهن أي تعارضهن، والهاء والنون راجعة على العيس، وذكر أن الخيل تعارض الإبل، وإنما جرت عادة العرب أن يصفوا ركوب الإبل وأنهم يجنبون الخيل وراءها، وقد ذكره أبو الطيب بقوله:
وَلا اتَّبَعَتْ آثارنا عَيْنُ قَائِفِفَلَمْ تَرَ إلاَّ حافِراً فَوْقَ مَنْسِمِ
في غِلْمَةٍ أخطَرُوا أرواحهمُ ورَضُوابما لَقينَ رِضأ الأيْسارِ بالزَّلِمِ
قال ابن جني: أي خاطروا بأنفسهم في المسير معه، ورضوا بذلك كما يرضى الأيسار، وهم الذين ينحرون الجزر، ويتقارعون عليها بالقداح.
وقال الشيخ: قوله) أخطروا أرواحهم (أي جعلوها كالخطر، والخطر هاهنا الشيء الذي يضعه المراهنون بينهم، ليأخذه الغالب منهم، يقول أخطروا أرواحهم راضين بذلك. والأيسار جمع يسر، وهم الذين يدخلون في الميسر، والزلم بفتح الزاي وضمها اسم للقدح الذي يتقامر به، أخائبا كان أم فائزا، والفعل يسر الرجل يسرا وهو ياسر.
وقال الأحسائي: الأزلام سبعة الفذ وله نصيب واحد، والتزأم وله نصيبان، والرقيب وله ثلاثة أنصباء والمصفح وله أربعة أنصباء، والنافس وله خمسة أنصباء، والفائز وله ستة أنصباء، والمعلى وله سبعة أنصباء، فإذا خرج لأحدهم المعلى، ولرسيله الفذ أخذ صاحب الفذ من الجزور سهما، وغرم من الثمن سبعة أسهم، وعلى هذا القياس في جميعها.
في الجَاهليةِ إلاَّ أنَّ أنْفُسَهُمْمِن طِيبِهن بِهِ في الأشْهرِ الحُرُمِ
قال الشيخ: يقول هؤلاء الغلمة كأنهم في الجاهلية، إلا أن أنفسهم من طيبهن بالقنا كأنهن في الأشهر الحرم، لأنها آمنة بالرماح، والهاء في) به (راجعة إلى القنا والتذكير أشبه من التأنيث، والوجهان جائزان، وكانت العرب في الجاهلية تعظم الأشهر الحرم، ولا تسفك فيها الدم، وهي ثلاثة سرد، وواحد فرد، فالسرد: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم، والفرد: رجب.
ما زِلتُ أُضْحِكُ إبلي كُلَّما نظَرَتْإلى مَنِ اخْتَضَبَتْ أَخفَافُها بَدَمٍ
قال ابن جني: تعريض ينقص أهل مدينة السلام.
قال الشيخ: هذا البيت ذم لمن سار إليه غير فاتك، يقول ما زلت أضحك الإبل تعجبا من أني وإياها سرنا إلى من لا يحب أن نسير إليه، ويشهد بذلك ما بعد البيت من الأبيات، وكأن ضحك الإبل هزؤ بالمقصود، ولو كان البيت في صفة فاتك لكان في نهاية المدح، يقول ما زلت أضحك إبلي من الفرح إذا علمت أنها اختضبت أخفاقها بالدم إلى هذا المفقود المثل.
مَن اقْتضَى بِسوَى الهِنديّ حاجَتَهجابَ كلَّ سُؤَالٍ عَنْ هَلٍ بلمٍ
قال ابن جني: إذا قيل له هل أدركت حاجتك، قال لم أدركها، وجعل هل ولم اسمين فجرهما كما تقول هل حرف استفهام، ولم حرف نفي، وإن حكيت فحسن مستقيم.
صُنَّا قَوَائمَها عَنْهُمْ فما وَقَعتْمَواقَعَ اللُّؤْمِ في الأيدي ولا الكَزَمِ
قال الشيخ ﵀: الكزم قصر اليد، يقول صنا قوائم السيوف عن أيدي هؤلاء القوم، لأنها لئيمة، فوصفها بالكزم مع اللؤم، وهذا المعنى قريب من قول جعفر بن علبة الحارثي:
نُقَاسِمُهُم أسيَافَنَا شرَّ قِسمَةٍقَفِينَا غَوَاشِيهَا وفيهمْ صُدورُهَا
وقال الحارثي:
لَهْمُ صَدْرُ سَيِفِي يَوَمَ بَطحاءِ سَحبَلٍولي مِنهُ ما ضُمّت عليه الأناملُ
هَوّنْ على بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرَهَفإنما يَقَظاتُ العَيْنِ كالحُلمِ
قال الشيخ: هذا أمر بتهوين الدنيا على النفس، وألا يحفل بها الإنسان، لأن يقظاتها كالحلم، وقوله) ما شق منظره (أي ما كان النظر إليه يشق على الإنسان، وقد ذكر ذلك في قوله:
كَلامُ أكْثَرِ مَن تَلْقَى ومَنظَرُهُمَّمِا يَشُقُّ على الأسَماعِ والحَدَقِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع