تجاوز إلى المحتوى

من «المختار من شعر شعراء الأندلس» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)

فاتحة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ أبو القاسم علي بن منجب الصيرفي ابن سليمان: الحمد لله على سابغ نعمته، وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله.

ودراسة البلاغة تنقسم إلى نظم ونثر، وقد اختلف الناس في التفضيل بينهما، والذي نرغب أن يكون مذكراً وبمحاسنه محاضراً له منه على ما يسمعه. والعناية بما يعلقه ويجمعه، ومن جعل الحق مقصوده، والإنصاف مطلوبه، علم أن الفضائل ليست مخصوصة ببعض الأمكنة، ولا مقصورة على قديم الأزمنة، على أن الإقليم الرابع وإن كان أفضل من غيره، فذلك لا يوجب سلب الفضيلة مما سواه، ولا عدم الحسنة فيما عداه، فكل زمان لا يخلو من أفكار تستنبط، وقرائح تؤلف، وهذا لمن تأمله واضح، ولمن تدبره جلي.

ولقد وقفت للعصرين من شعراء الأندلس على ما لا عذر في جحد إحسانه، ولا حجة في ترك استحسانه، فرأيت أن أعلق في هذا الجزء ما تيسر لي: (وقال ابن عباذ وقد أمره أبوه أن يصف مجناً فيه كواكب فضة:)

مجنٌ حكى صانعوه السماءلتقصر عنه طوال الرماح
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «مجن حكى صانعوه السماء»
وقد صوروا فيه شبه الثرياكواكب تقضي له بالنجاح
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «مِجَنٌّ حَكى صانِعُوهُ السَّماءَ»

وقال في شمعة:

وشمعةٍ تنفي ظلام الدجىنفي أذى العدم عن الناس
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «وشمعة تنفي ظلام الدجى»
ساهرتها والكأس يسعى بهامن ريقه أشهى من الكاس
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «وشمعة تنفي ظلام الدجى»
ضياؤها لاشك من وجههوحرها من حر أنفاسي

وقال في وصف قصيدة:

إليك روضة فكر جاد منبتهاندى يمينك لا طل ولا مطر
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «سَكِّن فُؤادكَ لا تَذهَب بِكَ الفِكَرُ»
جعلت ذكرك في أرجائها زهرافكل أوقاتها للمجتني ثمر
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «سَكِّن فُؤادكَ لا تَذهَب بِكَ الفِكَرُ»

وقال يستدعي عوداً للغناء:

غلب الكرى ودنت مطايا الراحواشتقن شدو حداتها النصاح
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غلب الكرى ودنت مطايا الراح»
فابعث نشاط سؤومها وحسيرهابغناء حاديها أخي الإفصاح
ليقيم ذاك العود من رسم السرىويعود في الأجسام بالأرواح
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غلب الكرى ودنت مطايا الراح»
فنسير في طوق السرور ونهتديلخفيهن بأنجم الأقداح

وقال في توديع بعض جواريه:

ساريتهم والليل غفلٌ ثوبهحتى تبدى للنواظر معلما
فوقفت ثم مودعاً وتسلتمني يد الإصباح تلك الأنجما

ولم تزل أيام المعتمد صافية من الكدر، محميةً من الغير إلى أن دهي من يوسف بن تاشفين بداهية خلعته عن سلطانه، وأزعجته عن أوطانه، فعاد من كان يمدحه راثياً له ناعياً، ومن كان يرجوه منتجعاً عليه باكياً.

ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسىبكى بعيونٍ سرها وقلوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة: كنت بين يدي الرشيد بن المعتمد في مجلس أنسه، فورد الخبر بأخذ غرناطة في رجب

سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، فتفجع وتلهف، واسترجع وتأسف، وذكر قصر غرناطة، فدعونا لقصره بالدوام، ولملكه بتراخي الأيام، وأمر ذلك أبا بكر الإشبيلي بالغناء فغنى:

يا دار مية بالعلياء فالسندأقوت وطال عليها سالف الأمد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

فاستحالت مسرته، وتجمعت أسرته، وأمر بالغناء من ستارته، فغنى:

إن شئت أن لا ترى صبراً لمصطبرفانظر على أي حالٍ أصبح الطلل

فتأكد تطيره، واشتد اربداد وجهه وتغيره، وأمر مغنية أخرى بالغناء فغنت:

يا لهف نفسي على مالٍ أفرقهعلى المقلين من أهل المروات
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «يا لهف نفسي على مال أفرقه»
إن اعتذاري إلى من جاء يسألنيما لست أملك من إحدى المصيبات

قال: فتلافيت الحال بأن قمت فقلت:

محل مكرمةٍ لا هد مبناهوشمل مأثرةٍ لا شته الله
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
البيت كالبيت لكن زاد ذا شرفاًأن الرشيد مع المعتد ركناه
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ثاوٍ على أنجم الجوزاء مقعدهوراحلٌ في سبيل السعد مسراه
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
حتمٌ على الملك أن يقوى وقد وصلتبالشرق والغرب يمناه ويسراه
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
بأسٌ توقد فاحمرت لواحظهونائلٌ شب فاخضرت عذاراه
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

فلعمري لقد بسطت من نفسه، وأعدت عليه بعض أنسه، على أني وقعت فيما وقع فيه الكل، لقولي: البيت كالبيت، وأمر اثر ذلك بالغناء أبا بكر، فغنى:

ولما قضينا من منىً كل حاجةٍولم يبق إلا أن تزم الركائب

فأيقنا أن هذه الطير تعقب الغير.

وقد كان المعتضد عباد حين تصرمت أيامه، وتدانى حمامه استحضر مغنياً يغنيه، ليجعل ما يبدأ به فالاً، وكان المغني السوسي فأول شعر قاله:

نطوي المنازل علماً أن ستطوينافشعشعيها بماء المزن واسقينا

فمات بعد خمسة أيام، وكان الغناء من هذا الشعر في خمسة أبيات. قال ابن اللبانة في كتاب"نظم السلوك في مواعظ الملوك في أخبار الدولة العبادية" أن طائفة من أصحاب المعتمد خامرت عليه، فأعلم باعتقادها وكشف له عن مرادها، وحض على هتك حرمها، وأغري بسفك دمها، فأبى ذلك مجده الأثيل، ومذهبه الجميل، وما خصه الله به من حسن اليقين وصحة الدين، إلى أن أمكنتهم الغرة، فانتصروا ببغاث مستنسر، وقاموا بجمع غير مستبصر، فبرز من قصره متلافيا لأمره، عليه غلالة ترف على جسده، وسيفه يتلظى في يده:

وذاك السيف راق وراع حتىكأن عليه شيمة منتضيه
كأن الموت أودع فيه سراًليرفعه إلى يومٍ كريه
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

فلقي على باب من أبواب المدينة فارساً مشهوراً بنجدة، فرماه الفارس برمح التوى في غلالته، وعصمه الله تعالى منه، وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه، فخر صريعاً سريعاً، فرأيت القائمين عندما تسنموا الأسوار تساقطوا منها، وبعد ما أمسكوا الأبواب تخلوا عنها، وأخذوا على غير طريق، وهوت بهم ريح الهيبة في كمان سحيق، فظننا أن البلد من أقذائه قد صفا، وثوب العصمة علينا قد ضفا، إلى أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من رجب، فعظم الخطب في الأمر الواقع، واتسع الخرق فيه على الراقع، ودخل البلد من جهة واديه، وأصيب حاضره بعادية بادية، بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه وتراميه على الموت بنفسه، بما لا مزيد عليه، ولا تناهى خلق من خلق الله إليه، فشنت الغارة في البلد، ولم يبق فيه على سبد لأحد ولا لبد، وخرج الناس عن منازلهم، يسترون عوراتهم بأناملهم، وكشف وجوه المخدرات العذارى، ورأيت الناس سكارى وما هم بسكارى ورحل بالمعتمد وآله، بعد استئصال جميع ماله، لم يصحب منه بلغة زاد، ولا بغية مراد، فأمضيت عزيمتي في أتباعه، فوصلت إليه بأغمات عقب ثقاف، استنقذه الله منه، فذكرت به شعراً كان لي في صديق اتفق له مثل ذلك في الشهر بعينه من العام الماضي وهو الأمير أبو عبد الله بن الصفار وهو:

لم نقل في الثقاف كان ثقافاًكنت قلباً به وكان شغافا
يمكث الزهر في الكمام ولكنبعد مكث الكمام يدنو قطافا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وإذا ما الهلال غاب بغيمٍلم يكن ذلك المغيب انكسافا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
إنما أنت درةٌ للمعاليركب الدهر فوقها أصدافا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
حجب البيت منك شخصاً كريماًمثلما تحجب الدنان السلافا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
أنت للفضل كعبةٌ ولو أنيكنت استطيع لاستطعت الطوافا

وقال أبو بكر: وجرت بيني وبينه مخاطبات ألد من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات الحبيب، وأدل على السماح من فجر على صباح.

ما أخرج من شعره في مدة أسره، قال من قطعة:

أبى الدهر أن يفني الحياء ويندماوأن يمحو الذنب الذي قد تقدما
فان يتلقى وجه عتبي وجههبعذرٍ فغشى صفحتيه التذمما
ستعلم بعدي من تكون سيوفهإلى كل صعبٍ من مراقيك سلما
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أبى الدهر أن يقنى الحياء ويندما»
سترجع إن حاولت دوني فتكةًبأخجل من خد المبارز احجما
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أَبى الدَّهرُ أَن يَقنى الحَياءَ ويندما»

وقال:

سلت علي يد الخطوب سيوفهافجذذن من جلدي الحصيف الأمتنا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «سَلَّت عَلَيَّ يَدُ الخُطوب سُيوفَها»
ضربت بها أيدي الصروف وإنماضربت رقاب الآملين بها المنى
يا آملي العادات من نفحاتناكفوا فإن الدهر كف أكفنا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «سلت علي يد الخطوب سيوفها»

وقال من قصيدة يصف فيها الكبل:

تعطف في ساقي تعطف أرقميساورها عضاً بأنياب ضيغم
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «تعطف في ساقي تعطف ارقم»
وإني من كان الرجال بسيبهومن سيفه في جنةٍ وجهنم
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «تعَطَّفَ في سَاقِي تَعطُّفَ أرقَمِ»

وطلب خباء من أهل يوسف يسافر به، فوعد بذلك، ثم أخلف عند حركته فقال:

هم أوقدوا بين جنبيك ناراأطالوا لها في حشاك استعارا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «هم أوقدوا بين جنبيك نارا»
أما يخجل المجد أن رحلوكولم يصحبوك خباءً معارا
تراهم نسوا حين جبت القفاراحنيناً إليهم وخضت البحارا
بعهد لزومٍ لسبل الوفاءإذا حاد من حاد عنها وجارا
وقلبٍ نزوعٍ إلى يوسفٍفلولا الضلوع عليه لطارا
ويوم العروبة ذدت العدىوحطت الهدى وأبيت الفرارا
فررت هناك وإن القلوب بين الضلوع لتأبى الفرارا
كأنك تحسبها نرجساًتدير الدماء عليها عقارا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «هم أوقدوا بين جنبيك نارا»

وقال:

قبح الدهر فماذا صنعاكلما أعطى نفيساً نزعا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قبح الدهر فماذا صنعا»
قد هوى ظلماً بمن عاداتهأن ينادي كل من يهوى لعا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قبح الدهر فماذا صنعا»
من إذا قيل الخنا صمّ وإننطق العافون همساً سمعا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قبح الدهر فماذا صنعا»
قل لمن يطمع في نائلهقد أزال اليأس ذاك الطمعا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قُبِّحَ الدَّهرُ فَماذا صَنَعا»
راح لا يملك إلا دعوةجبر الله العفاة الضيعا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قبح الدهر فماذا صنعا»

وقال:

فيما مضى كنت بالأعياد مسروراأسرك العيد في أغمات مأسورا؟
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاًفردك الدهر منهياً ومأمورا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»
من بات بعدك في ملك يسر بهفإنما بات بالأحلام مغرورا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»

وتعرض له قوم من ملحفي أهل الكرية فقال:

سألوا اليسير من الأسير وإنهبسؤالهم لأحق منهم فاعجب
لولا الحياء وعزةٌ لخميةٌطي الحشا لحكاهم في المطلب
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «شُعراءُ طَنجَةَ كلُّهم وَالمَغرِبِ»

وكان قد أبلى بلاءً حسناً عند خلعه، فأشار عليه وزراؤه بالخضوع والاستعطاف فقال:

قالوا الخضوع سياسةٌفليبد منك لهم خضوع
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «لما تماسكت الدموع»
إن يسلب القوم العدىملكي ويسلمني الجموع
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «لما تماسكت الدموع»
فالقلب بين ضلوعهلم تسلم القلب الضلوع
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «الخضوع سياسة»
كم رمت يوم نزالهمألا تحصنني الدروع
ما سرت قط إلى القتال فكان من أملي الرجوع
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «لما تماسكت الدموع»
شيم الألى أنا منهموالأصل تتبعه الفروع
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «لما تماسكت الدموع»

قوله: ما سرت قط إلى القتال من باب ما تمثل به أحد الخوارج في وقعة قديد أيام مروان بن محمد الجعدي.

وخارج أخرجه حب الطمعفر من الموت وفي الموت وقع

من كان ينوي أهله فلا رجع

وقال يرثي ولديه الفتح ويزيد:

يقولون صبراً لا سبيل إلى الصبرسأبكي وأبكي ما تطاول من عمري
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «يقولون صبرا لا سبيل إلى الصبر»
أفتح لقد فتحت لي باب رحمةٍكما بيزيد الله قد زاد في ذخري
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «يقولون صبرا لا سبيل إلى الصبر»
هوى بكما المقدار عني ولم أمتفأدعى وفياً قد نكصت إلى الغدر
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «يقولون صبرا لا سبيل إلى الصبر»
ولو عدتما لاخترتما العود في الثرىإذا أنتما أبصرتماني في الأسر
أبا خالدٍ أورثتني البث خالداًأبا النصر مذ ودعت ودعني نصري
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «يقولون صبرا لا سبيل إلى الصبر»

وقال من قطعة يرثي بها سعداً ابنه:

إذا كان قد أودى الزمان بمثلهولم يبق في عودٍ له طمعٌ بعد
فلا بترت بترٌ ولا قنيت قنىولا زأرت أسدٌ ولا صهلت جرد
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «إِذا كانَ أَودى الزَّمانُ بِمِثلِهِ»
ولا زال ملدوغاً على سيد الحشاولا انفك ملطوماً على ملكٍ خد

وقال من قطعة:

نارٌ وماءٌ صميم القلب أصلهمامتى حوى القلب نيراناً وطوفانا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «يا غيم عيني أقوى منك تهتانا»
ضدان ألف صرف الدهر بينهمالقد تلون في الدهر ألوانا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «يا غيم عيني أقوى منك تهتانا»

وقال ابن اللبانة: كنت مع المعتمد بأغمات فلما قارب الصدر، وأزمعت السفر، صرف حياه، واستنفذ ما قبله، وبعث إلي مع شرف الدولة ولده -وهذا من بنيه أحسن الناس سمتاً، وأكثرهم صمتاً، تخجله اللفظة، وتجرحه اللحظة، حريص على طلب الأدب، مسارع في اقتناء الكتب، مثابر على نسخ الدواوين، مفتح من خطه فيها زهر البساتين- بعشرين مثقالاً مرابطية، وثوبين غير مخيطين، وكتب معها أبياتاً منها:

إليك النزر من كف الأسيروإن تقنع فكن عين الشكور
تقبل ما يذوب له حياءًوإن عذرته حالات الفقير
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «إليك النزر من كف الأسير»

فامتنعت من ذلك عليه، وأجبته بأبيات منها:

تركت هواك وهو شقيق دينيلئن شقت برودي عن غدور
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ولا كنت الطليق من الرزاياإذا أصبحت أجحف بالأسير
جذيمة أنت والزباء خانتوما أنا من يقصر عن قصير
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
تصرف في الندى حيل المعاليفتسمح من قليلٍ بالكثير
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وأعجب منك أنك في ظلامٍوترفع للعداة منار نور
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
رويدك سوف تسعدني سروراًإذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعاليغداة تحل في تلك القصور
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
تزيد على ابن مروانٍ عطاءًبها وأزيد ثم على جرير
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
تأهب أن تعود إلى طلوعٍفليس الخسف ملتزم البدور
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

وأتبعتها أبياتاً منها:

حاش لله أن أجيح كريماًيشتكى فقراً وكم سد فقرا
وكفاني كلامك الرطب نيلاًكيف ألفي دراً وأطلب تبرا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
لم تمت إنما المكارم ماتتلا سقى الله بعدك الأرض قطرا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

ما أخرج مما قيل فيه بعد نكبته، قال أبو بكر محمد بن عيسى الداني يندب المعتمد عملها بأغمات في سنة خمس وثمانين وأربعمائة:

أفكر في عهدٍ مضى لك مشرقٍفيرجع ضوء الشمس عندي مظلما
لئن عظمت فيك الرزية إنناوجدناك منها في المزية أعظما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
قناةٌ سعت للطعن حتى تقصدتوسيف أطال الضرب حتى تثلما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وطودٌ غريبٌ في الشواهق أفرهبنى ظلةً من فوقنا وتهدما
صباحهم كنا به نحمد السرىفلما عدمناه سرينا على عمى
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وكنا رعينا العز حول حماهمفقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
قصورٌ خلت من ساكنيها فما بهاسوى الأدم تمشي حول واقفة الدمى
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
يجيب بها الهام الصدى ولطالماأجاب القيان الطائر المترنما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقىبها الوفد جمعاً والخميس عرمرما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ولا جر فيها صعدة الرمح خلفهفتاها فقلنا: الصل اتبع ضيغما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ولم يصدع النقع المثار سنانهكما صدع الظلماء برقٌ تضرما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ولا صورت في جسمه الدرع شكلهافأشبه مما صورت فيه أرقما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
جرى القدر الجاري إلى نقض أمرهفعاد سحيلاً منه ما كان مبرما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
مصابٌ هوى بالنيرات من العلىولم يبق في أرض المكارم معلما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
حكيت وقد فارقت ملكك مالكاًومن ولهي أحكي عليك متمما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ندبتك حتى لم يخل لي الأسىدموعاً بها أبكي عليك ولا دما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
بكاك الحيا والريح شقت جيوبهاعليك وناح الرعد باسمك معلما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وحار ابنك الإصباح وجداً فما اهتدىوغاض أخوك البحر غيظاً فما طما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
قضى الله أن حطوك عن متن أشقرأشم وإن أمطوك أسأم أدهما
قيودك ذابت فانطلقت لقد غدتقيودك منهم بالمكارم أرحما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
عجبت لأن لان الحديد وأن قسوالقد كان منهم بالسريرة أعلما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
سينجيك من نجى الجب يوسفاًويؤويك من آوى المسيح بن مريما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

وقال من أخرى:

تبكي السماء بدمعٍ رائح غاديعلى البهاليل من أبناء عباد
عريسةٌ دخلتها النائبات علىأساودٍ منهم فينا وآساد
وكعبةٌ كانت الآمال تعمرهافاليوم لا عاكف فيها ولا بادي
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
كم من دراري سعدٍ قد هوت ووهتمنهم وكم دررٍ للمجد أفراد
نورٌ ونورٌ فهذا بعد نضرتهذوى وذاك خباً من بعد إيقاد
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذفي ضم رحلك واجمع فضلة الزاد
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ويا مؤمل واديهم لتسكنهخف القطين وجف الزرع بالوادي
ضللت سبل الندى يا ابن السبيلفسر لغير قصدٍ فما يهديك من هادي
إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعواوقد خلت قبل حمصٍ أرض بغداد
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ذلوا وكانت لهم في العز مرتبةٌتحط مرتبتي عادٍ وشداد
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
سارت سفائنهم والنوح يتبعهاكأنها إبلٌ يحدو بها الحادي

وقال من أخرى:

لكل شيءٍ من الأشياء ميقاتوللمنى من مناياهن عايات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
والدهر في صبغة الحرباء منغمسٌألوان حالاته فيها استحالات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ونحن من لعب الشطرنج في يدهوربما قمرت بالبيدق الشاة
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
انفض يديك من الدنيا وساكنهافالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وقل لعالمها الأرضي قد كتمتسريرة العالم العلوي أغمات
وطوت مظلتها لا بل مذلتهامن لم يزل فوقه للعز رايات
وكان ملء عيان العين تبصرهوللأماني في مرآه مرآة
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
رماه من حيث لم تستره سلبغةٌدهرٌ مصيباته نبلٌ مصيبات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
له المهاباة بالأرواح آخذةٌوإن تكن أخذت منه المهابات
وبدر سبعٍ وسبعٍ تستنير به السبع الأقاليم والسبع السماوات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
له وإن كان أخفاه السرار سنىمثل الصباح به تجلى الدجنات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
لهفي على آل عبادٍ فإنهمأهلةٌ ما لها في الأفق هالات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
تمسكت بعرى اللذات ذاتهميا بئسما جنت اللذات والذات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

ومنها:

فجعت منها بإخوانٍ ذوي ثقةٍفاتوا، وللدهر في الإخوان آفات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
واعتضدت في آخر الصحراء طائفةًلغاتهم من جميع الكتب ملغاة
بمغرب العدوة القصوى دجا أمليفهل له بديار الشرق مشكاة
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

وقال من أخرى:

ابكوا المؤيد بالنجيع فما قضىحق المعالي من بكاه بدمعه
كتابه في روض عزً مثمرٍنجني الأماني غضةً من ينعه
والآن لا حظٌ لنا فكأنماوقفت مجاري الرزق ساعة خلعه

وقال ابن حمديس:

جرى بك جدٌ بالكرام عثوروجار زمانٌ كنت منه تجير
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «جرى بك جد بالكرام عثور»
لقد أصبحت بيض الظبا في غمودهاإناثاً بترك الضرب وهي ذكور
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «جرى بك جد بالكرام عثور»
ولما رحلتم بالندى في أكفكموقلقل رضوى منكم وثبير
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «جرى بك جد بالكرام عثور»
رفعت لساني بالقيامة قد دنتفهذي الجبال الراسيات تسير

قال ابن اللبانة: كان أبو الإصبع بن الأعلم وزير الرشيد ومدبر أمره، فاغتبط، وولي الوزارة بعده من لم يسد مسده، رجل قصير باع المعرفة، قبيح المنظر والمخبر والصفة، ولقد يقال بأنه ولعله كذب ورور ما يقال عليه.

وكتب ابن اللبانة إلى المعتمد جواباً عن أبيات أنفذها إليه وذلك بعد خلعه:

بروق الأماني دون لقياك خلبومشرق أفق لم تلح فيه مغرب
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
عدمت مرادي منك لا الماء نافعٌولا الظل ممدودٌ ولا الروض مخصب
ولا أنا في تلك الحديقة زهرةٌولا أنا في تلك المجرة كوكب
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
سقى الله عهداً كنت صيب عهدهبمثل الذي قد كنت تسقي وتشرب
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
زمانٌ بماء المكرمات مفضضٌلديك ومن نار الكؤوس مذهب
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
لئن فلت الأيام منك فإنمايفل من الأسياف ما كان يضرب
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
بعثت بها يا واحد الدهر قطعةًهي الماء إلا أنها تتلهب
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وجئت بها في الحسن ورماء أيكةٍولكنها في العدم عنقاء معزب

رأى ابن اللبانة أحد أبناء المعتمد وقد جلس في السوق يتعلم الصياغة فقال:

صرفت في آلة الصباغ أنملةًلم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يدٌ عهدتك للتقبيل تبسطهافتستقل الثريا أن تكون فما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
النفخ في الصور هولٌ ما حكاه سوىهولٌ رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك بهلو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ما حطك الدهر لما حط عن شرفٍولا تحيف من أخلاقك الكرما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
لح في العلا كوكباً إن لم تلح قمراًوقم بها ربوةً إن لم تقم علما
واصبر فربتها أحمدت عاقبةًمن يلزم الصبر يحمد غب ما لزما
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفتولو وفي لك دمع الغيث لانسجما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

ولعبد الجليل بن وهبون من قصيدة يصف فيها ركوبه البحر لوقت إخراجه:

كأنما البحر عين أنت ناظرهاوكل خطٍ بأشخاص الورى سفر
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

كان الراضي يزيد بن محمد بن عباد لا يشرب النبيذ، وبلغه أن أخاه عبيد الله الرشيد شرب به سروراً به، فكتب إليه:

أتاني ما تأبى لمجدك غيرهفدب له في كل جارحةٍ شكر
لئن كان لي فضلٌ فمنك استفدتهولولا ضياء الشمس ما بهر البدر
أتشرب في ودي المدامة سيديوينساغ لي في تركها أبداً عذر
سأشربها شكراً لما ظلت مولياوفي مثل ذاك الود يستسهل الوعر

وقال من أبيات يشكو فيها نكداً..

هي الدار غادرةٌ بالرجالوقاطعةٌ لحبال الوصال
للشاعر الراضي ابن المعتمد بن عباد، اقرأ القصيدة
نفجع منها بغير اللذيذونشرق منها بغير الزلال
ونزداد مع ذاك عشقاً لهاألا إنما سعينا في ضلال
للشاعر الراضي ابن المعتمد بن عباد، اقرأ القصيدة
كمعشوقةٍ ودها لا يدوموعاشقها أبداً غير سال

وقال يخاطب أباه وقد دعاه مؤنساً له بعد وحشة تقدمت من أبيات:

دعوت فطار بقلبي السرورإليك وإن كان منك الوجل
فما يستطيرك حب الوغىإليها وفيها الظبا والأسل
وليس لأنك قاسي الفؤادولكن لأن اجترامي جلل
فمثلك وهو الذي لم نجدهيعود بحلمٍ على من جهل
وقد وعدتني سحاب الرضىبولبلها حين جادت بطل

وقال من قصيدة في أبيه وذكر الروم:

فإن أتته فمن جبنٍ ومن خورٍقد ينهض العير نحو الضيغم الضاري

ومن أنصاف الأبيات التي جاءت أمثالاً قوله:

ومن عجبٍ شكوى الجريح إلى النصل

وقوله:

على العذب لا الملح نخش الأسن

النص من طبعة دار البشير بعمان (١٤٠٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المختار من شعر شعراء الأندلس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.