تجاوز إلى المحتوى

من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)

قصيدة لبيد بن ربيعة (٢)

وهو منثني واد فيه نخل. شبه حمولها بها. و (بيشة): عرض، وهو منثني واد. فشبه الهوادج على

الإبل بشجر الأثل. و (الرضام): صخور عظام يجتمع بعضها مع بعض. يقال: بنى فلان بيته فرضم

الحجارة رضما؛ وذلك إذا نضد الحجارة بعضها على بعض. ومن ذلك يقال للبعير إذا برك فلم

ينبعث: رضم بنفسه. والواحد من الرضام رضمة. ويحكى عن أبي عمرو إنه قال: الواحد رضمة.

وفعال يكون جمعا لفَعْلة وفَعَلة جميعا، فيقال: صحْفة وصحاف، وثمَرة وثِمار.

والأثل والرضام يرتفعان على الإتباع للأجزاع، وبيشة لا تجرى للتعريف والتأنيث.

بل ما تَذَكَّرُ مِن نَوَارَ وقد نأَتْوتقطَّعتْ أَسبابُها ورِمامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

قوله (نأت) معناه بعدت؛ ومثله ناءت. قال الشاعر:

سنُثني عليه بالذي هو أهلُهوإن شَحَطتْ دارٌ وناءَ مَزارُها

وقال الله ﷿: (أعرضَ ونَأى بجانبه)، وقرأ بعض القراء: (وناءَ بجانبه). والنأي: البعد.

والنوار معناها في اللغة: النفور من الريب. يقال: نرت من ذلك الأمر أنور نورا، إذا نفرت منه.

والنفار هو النوار. قال الشاعر:

أنَوراً سَرْعَ ماذا يا فَروقُوحبلُ الوصل منتكثٌ حَذيقُ

وقال العجاج:

يَخلِطْن بالتأنُّسِ النِّوارا

وقال مضرس:

تدلَّتْ عليها الشَّمسُ حتَّى كأنَّهامن الحَرِّ تُرمَى بالسَّكينة نُورُها
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

أي نفرها. ومعنى قوله (أسبابها) حبالها. والرمام: الحبال الضعاف، واحدتها رمة. قال: وسمى ذو

الرمة ذا الرمة ببيت قاله وذكر الوتد:

أشعثَ باقي رُمَّة التقليدِ

والرمة جمعها رمم ورمام.

وما ظاهرها ظاهر الاستفهام وتأويلها تأويل التقرير، وتقديرها: بل ويحك أي شيء تذكر. ويجوز

أن يكون في موضع رفع بما عاد من الهاء المضمرة، ويكون التقدير: أي شيء تذكره من نوار. وقال

بعضهم: ما صلة. وهذا عندي بعيد؛ لأن التذكر لا يوقع على مفعول وهو يطلبه.

مُرِّيّةٌ حَلَّتْ بفَيدَ وجاورَتْأَهْلَ الحِجازِ فأَينَ مِنْكَ مَرامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

(مرية): منسوبة إلى بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض. و (مرامها): مطلبها.

و (الحجاز): ما بين تثليث إلى جبلي طيئ. وبلاد العرب خمسة أقسام: تهامة، والحجاز، ونجد،

والعروض، واليمن. وذلك أن جبل السراة - وهو أعظم حبال العرب - أقبل من اليمن حتى بلغ

أطراف بوادي الشام فسمته العرب حجازا؛ لأنه حجز بين الغور وهو هابط، وبين نجد وهو ظاهر،

فصار ما خلف هذا الجبل في غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعك وكنانة وغيرها إلى

ذات عرق والجحفة وما صاقبها - أي قاربها - وغار من أرضها الغور. والغور غور تهامة؛ وتهامة

تجمع ذلك كله. وصار ما دون ذلك الجبل في شرقيه من الصحاري والنجد إلى أطراف العراق

والسماوة وما بينهما نجدا؛ ونجد يجمع ذلك كله. وصار الجبل حجازا، وما احتجز به في شرقيه من

الجبال وانحاز إلى فيد وجبلي طيئ إلى المدينة من بلاد مذحج تثليث وما دونها إلى فيد حجاز،

والعرب تسميه نجدا وجلسا وحجازا، والحجاز يجمع ذلك كله. وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما

والاها عروضا فيها؛ وفيها نجد وغور لقربها من البحار وانخفاض مسايل أوديتها؛ والعروض يجمع

ذلك كله. وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء وما والاها من البلاد إلى حضر موا والشحر

وعمان وما يليها اليمن، وفيها التهائم والنجد؛ واليمن يجمع ذلك كله.

ورواه أبو جعفر: (وجاورت أهل الجبال)، وأنكر الحجاز، قال: وذلك أن فيد في قرب جبلي طيئ،

ميرة أهل فيد من الجبلين، وبين فيد وبين الحجاز مسيرة ثلاثة عشر يوما، فكيف يكون أراد الحجاز؟

وإنما أراد بالجبال أجأ وسلمى. قال: ومن الحجة للجبال قوله (بمشارق الجبلين أو بمحجر).

وقال قطرب: الحجاز يكون هاهنا من شيئين. يقال حجز بعيره يحجزه حجازا، لضرب من شده؛

وذلك الحبل يقال له حجاز، يشد به البعير إلى رسغه كالقيد له. قال: ويجوز أن يكون سمى حجازا

لأنه احتجز بالجبال. ويقال: احتجزت المرأة، إذا شدت عليها ثيابها في وسطها واتزرت. ويقال هي

حجزة السرايل. والعامة تخطئ فتقول: حزة السراويل.

والمرام مرتفع بمن، ولا يجوز أن ترفع المرام بأين وتجعل من صلة المرام، لأن صلة الاسم لا

تتقدم عليه.

بمشارِق الجبَلَيْنِ أو بمحَجَّرٍفتضَمَّنتْها فَردةٌ فرُخامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

قال أبو جعفر: هذه المواضع كلها فيما بين فيد والجبلين. وقال غيره: مشارق الجبلين أراد:

شرقيهما. والجبلان: جبلا طيئ. وقوله (فتضمنتها): نزلت فيها. وفردة: موضع. وقال أبو زياد:

محجر: جبل حوله حجر به، وفردة: أرض، ورخامها: جبل قريب من فردة، فأضاف ذلك الجبل إلى

فردة.

والباء صلة لحلول مضمر، والهاء والألف تعود على المرية.

فصُوائقٌ أن أَيمنَتْ فمَظِنّةٌمِنْها وِحافُ القَهرِ أو طِلخامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

صوائق: موضع، ويروى: (فصعائد). و (أيمنت): أخذت نحو اليمن. قال يعقوب بن السكيت: يقال

أيمن الرجل ويامن، إذا أخذ نحو اليمن؛ وأشأم، إذا أتى الشام؛ وأعرق، إذا أتى العراق؛ وأنجد، إذا

أتى نجدا؛ وجلس، إذا أتى جلسا، وهي نجد. وأنشد:

قلْ للفرزدق والسفاهةُ كاسمهاإن كنتَ تاركَ ما أمرتُك فاجلسِ
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

أي فأت نجدا. وأتهم، إذا أتى تهامة؛ وأعمن، إذا أتى عمان؛ وعالي، إذا أتى العالية؛ وانحجز

واحتجز، إذا أتى الحجاز؛ وأخاف، إذا أتى خيف منى. قال يعقوب: وقال يونس: يقال قد امتنى القوم،

إذا نزلوا منى. ويقال: قد نزل الرجل، إذا أتى منى. قال عامر بن الطفيل:

أنازلةٌ أسماءُ أم غير نازلَهْأبينِي لنا يا أسمَ ما أنتِ فاعلَه
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة

قال ابن أحمر:

وافيتُ لما أتاني أنَّها نَزَلتْإن المنازل ممَّا تجمع العجبا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ثكلى عوان بدوار مؤلفة»

أي أتت منى. ويقال: غار، إذا أتى الغور، وأغار. قال الأعشى:

نبيٌّ يرى ما لا ترون وذكرهُأغارَ لعمري في البلاد وأنجدا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا»

ويروى: (وذكره لعمري غار في البلاد). ويقال: ساحل، إذا أخذ على الساحل؛ وأجبل: صار إلى

الجبل؛ وأسهل: صار إلى السهل؛ وألوى: صار إلى لوى الرمل؛ وأجد: صار إلى الجدد؛ وأفلى:

صار إلى الفلاة؛ وكوف وبصر، إذا أتى الكوفة والبصرة. قال الشاعر:

أخبِّر من لاقيتُ أنِّى مبصِّرٌوكائن تَرى قبلي من الناس بصرَّا

وقوله (فمظنة منها وحاف القهر)، أي موضعها الذي تظن فيه وتعرف وتطلب وحاف القهر. يقال:

اطلب العلوم من مظانها. قال الشاعر:

فإنّ مَظِنَّة الجهلِ الشَّبابُ

وقال الآخر:

موسومة بالحسن ذات حواسدإنّ الحِسانَ مَظِنَّةٌ للحُسَّدِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بيضاء باكرها النعيم كأنها»

ووحاف القهر: موضع. وقال أبو جعفر: الوحاف: إكام صغار إلى جانب

القهر، والقهر: جبل. وواحد الوحاف وحفة ووحف.

والصوائق نسق على فردة، ومظنة رفع بوحاف.

فاقْطَعْ لُبانةَ مَنْ تَعرَّضَ وَصْلُهولَشَرُّ واصلِ خُلَّةِ صَرَّامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

معناه: اقطع لبانتك ممن تعرض وصله، أي لم يستقم وصله وأخذ على غير الطريق. ومن ذلك

يقال: بعير فيه عرضية، أي لا يواتي راكبه. وقال الأصمعي عن خلف الأحمر: سمعت أعرابيا

ينشدها:

ولخير واصلِ خُلَّةٍ صَرَّامُها

أي أحسن الناس وصلا إذا وصل أوضعهم للصرم في موضعه. ويقال في مثل من الأمثال: (كل

ألوف نفور). وقال: هو الذي يصرم في موضع الصرم، ويحسن الوصل إذا وصل. ومن لا يصرم

في موضع الصرم لا يحسن أن يصل. و (الخلة): الصديق. والخلة: الصداقة. قال الشاعر:

ألاّ أبلغا خُلَّتي جابراًبأنَّ خليلكَ لم يُقْتلِ
تخاطأتِ النبلُ أحشاءَهوأُخِّر يومي فلم يَعجَلِ

ويقال للرجل إذا صعد الجبل: عرض دابتك؛ يريد؛ خذها يمنة ويسرة، فإنه أهون عليها في الصعود.

يقول: فمن فسد وصله فلا تقعدن على صلته لتحتبس عن مآربك.

واللام لام اليمين، معناه: ووالله لشر واصل خُلَّة.

واحْبُ المُحَامِلَ بالجزيلِ وصُرمُهُباقٍ إذا ضَلَعَتْ وزاغ قِوَامُها

المحامل: المكافئ. ويروى (المجامل) بالجيم. ويروى (وزال قوامها). و (احب) من الحباء، وهي

العطية. و (المحامل): الذي يحمل لك وتحمل له. فيقول: إذا حبوت صديقك الذي يحاملك فاجعل

حباءه جزلا. والمجامل بالجيم: الذي يجاملك بالمودة. ويقال: قد أجزل له العطاء، أي أكثر له.

و (صرمه باق)، أي استبق صرمه قلا تعجل به. والصرم: القطيعة؛ وهو الاسم، والصرم المصدر.

يقول: إذا ضلعت الخلة، وهي الخليل هاهنا. و (ضلعت): اعوجت. ويقال رمح ضلع، أي معوج.

ويقال ضلع فلان مع فلان، أي ميله وهواه. ويقال: لأقيمن ضلع فلان، أي عوجه. وأنشد للحذلمي:

فليقُه أجردُ كالرُّمح الضَّلِع

فليقه، يعني باطن جران البعير، وإنما يريد العنق.

قوله (وزاغ قوامها) معناه مال ولم يستقيم، ويروى: (قَوامها) بفتح القاف، و (قِوامها) بكسر القاف:

عمادها. يقال هذا قوام الأمر وهذا ملاكه. والقوام بالفتح: القامة. والملاك بالفتح، يقال حائط ليس له

ملاك، أي لا يتمالك. وقال بعضهم: معناه: وليكن صرمه باقيا عندك فلا تعجل بصرمه. ويقال معنى

قوله (وزاغ قوامها): ولم تستقم لك خلته ولم تثبت. والمعنى: لا تعاجل صديقك وخلتك بقطع الذي

بينك وبينه، أن ضلعت خلته وزاغ قلبي فليكن صرمه ماكثا عندك، فاستبقه ولا تعجل بالقطيعة. وقال

أبو جعفر: وصرمه باق معناه أثبت له مودتك، ما ثبت لك فاثبت، فان زاغ قطعته؛ كما قال النمر بن

تولب:

فأحببْ حبيبك حبًّا رويداًفليس يَعُولُك أن تَصرما
وأبغضْ بغيضكَ بُغضاً رويداًإذا أنتَ حاولت أن تحكُما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وفاعل ضلعت مضمر فيه من ذكر الخلة. والواو في الصرم واو الحال. معناه واحب المحامل

بالجزيل وهذه حاله. و (زاغ)، من الزيغ، وهو الميل، قال الله ﷿: (ربنا لا تُزِغْ قُلوبَنا بَعْدَ إذْ

هديتَنا).

بِطَليحِ أَسفَارٍ ترَكنَ بَقيَّةًمنها فأَحنَقَ صُلبُها وسَنامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

(بطليح أسفار) معناه بناقة كالة معيية. ويقال: طلحت تطلح، وأينق طلحى وطلائح. قال القرشي:

مَثاباً لأفناء القبائل كلِّهاتخُبّ إليه اليَعْمَلاتُ الطَّلائحُ

والأسفار: جمع سفر. وقوله (تركن بقية) معناه لم تأكل الأسفار لحمها أجمع، أي لها كدنة وبقاء على

طول السفر. و (أحنق): ضمر. ويقال صُلُب، وصَلَب. قال العجاج:

ما زلتُ يومَ البَين ألوِى صَلَبِي

وقال أبو جعفر: معنى البيت: فاقطع لبانته بناقة معتادة للسفر قد طلحها مرة بعد أخرى، وقد هانت

عليها الأسفار.

والباء صلة لقوله: فاقطع لبانة من تعرض. والأصل في طليح مطلوحة، فصرفت عن مفعولة إلى

فعيل، فألزمت التذكير. ويقال للبعير المعيي الكال: طليح وطلح. قال الشاعر يعنى ناقة:

قلتُ لعنْسٍ قد ونَتْ طَليحِ

وقال الأصمعي: يقال للرجل التعب المعيى: طلح وطليح. وأنشد للحطيئة في صفة إبل:

إذا نامَ طِلحٌ أشعثُ الرأسِ خَلْفهَاهَداه لها أنفاسُها وزَفيرُها
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ستكفيك أمثال المجادل جلة»

ويقال: (صاحب الناقة طليحان)، إذا كان هو والناقة معييين. وحكى بعض أهل اللغة: ناقة طالح.

فإِذا تَغَالَى لَحمُها فتحسَّرتْوتقطَّعَتْ بعدَ الكَلال خِدامُها

(تغالى)، معناه ذهب وارتفع. وقال الأصمعي: معناه ركب رءوس العظام وذهب ما سوى ذلك. وهو

مثل قول عتيبة بن مرداس:

غدا لحمُها فَوقَ العظام فشيّدَتْبه أزَزاً طيَّ البناءِ المشيَّدِ

قوله أززا، معناه لحمها مجتمع قد لزم بعضه بعضا. يقال من ذلك: تركت البيت أززا، أي يغض

بأهله. و (تحسرت) معناه تحسر عنها البدن. و (الخدام): جمع خدمة، وهي سيور تعقد في الأرساغ

ثم تشد إليها النعال إذا رقعت بها الإبل عند الحفا.

وقال أبو جعفر: أخبرني ابن الأعرابي قال: تغالى لحمها أصله تغاول فقلب، من قولهم: غاله كذا

وكذا، إذا ذهب به.

وقال غيره: يروى (فإذا تعالى لحمها) بالعين غير معجمة، على إنه تفاعل من العلو.

وتحسرت، فيه ضمير الناقة. والخدام مرتفعة بتقطعت.

فلَها هِبَابٌ في الزِّمامِ كأَنَّهاصَهْباءُ راحَ مع الجنوب جَهامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

(فلها هباب)، معناه فلها هيج ونشاط. يقول: إذا صارت في هذه الحال لم تنكسر ولم يذهب نشاطها.

ويقال للناقة إذا جدت وأخذها مرح شديد: هابة كأنها صهباء، ومعناه: كأنها سحابة صهباء. وقال: إذا

اصهابت قل ماؤها، وإذا قل ماؤها خفت وسرع مرها. وهو مثل قول النابغة:

صُهْباً ظِماءً أتَينَ التِّين عن عُرضٍيُزْجين غَيْماً قليلاً ماؤه شَبِما

و (الجهام): ما هراق ماءه، والواحدة جهامة. يريد: طردته الجنوب وقد هراق ماءه فخف، وإذا خف

كان أسرع مرا. فشبه الناقة بالسحابة في السرعة. والصهباء على لون القمراء من الأتن، وهي التي

يضرب لونها إلى الحمرة. ويروى: (خف مع الجنوب). وقال أبو جعفر: معناه كأنها صهباء قد

هراقت الجنوب ماءها فصارت جهاما خف فضربته الشمال. قال: وهذا مثل قول النابغة:

فأضحتْ في مَداهنَ بارداتٍبمنطلقَ الجنوب على الجَهامِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاركة تدللها قطام»

قال: قال الأصمعي: أراد فأضحت هذه الأمطار بمنطلق الجنوب على الجهام، كما يقال: بات فلان

على طعام، أي وقد أكل طعاما. فأراد أن هذه الأمطار جاءت بها الجنوب، فلما هراقت ضربتها

الشمال فقطعتها، وبرد الماء وصفا. والمدهن: النقرة في الصفا. وراح وما بعده صلة الصهباء.

أَو مُلمِعٌ وَسَقَتْ لأَحقَب لاَحَهُطَردُ الفُحولِ وضَرْبُها وكِدامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

ويروى: (طرد الفحالة ضربها وعذامها). ويروى: (وزرها وكدامها). و (الملمع): الأتان التي قد

استبان حملها في ضرعها، وذلك إنه يشرق للبن. يقال لذوات الحافر والسباع: قد ألمعت؛ وهي أتن

ملاميع.

ويقال للشاة إذا استبان حملها فأشرق ضرعها ووقع فيه اللبن واللبأ: أضرعت، فهي مضرع. ويقال:

سألت فلانا فأضرع، أي تغير وجهه؛ يريد عند المسألة. ويقال للناقة أرأت فهي مرء. وإنما توصف

الحمر بهذا، أعنى بالإلماع؛ فأما الإبل فإذا قيل عاقر أو مزلق فهو أحمد لها. قوله (وسقت): حملت

ماء الفحل. ويقال ناقة واسق وإبل مواسيق، جمع على غير قياس. ويقال: أرض تسق الماء، إذا

أمسكته. ولا أكلمك ما وسقت عيني الماء. وقوله (لأحقب)، والأحقب عير بموضع الحقب منه بياض.

(لاحه): أضمره وغيره. يقال لاحه السفر يلوحه لوحا، إذا فعل به ذلك. قال الله ﷿: (لَوَّاحةٌ

للبشَر)، أراد: مغيرة. وأنشد أبو عبيدة:

تقول: ما لاحَكَ يا مسافرُيا ابنةَ عمِّى لأحَنى الهواجرُ

وقال عمران بن حطان:

يُكبكَبُ فيها الظالمون بظُلْمهموجوههمُ فيها تُلاحُ وتُسفَعُ

وقوله (طرد الفحالة) معناه جعل يطرد الفحالة عنهن قبل أن يحملن، فلما حملن ذهبت الفحالة عنهن

وصار شرهن عليه. قوله (عذامها) معناه معاذمتها وهي المعاضة. ويقال فحل معذم وعذوم، أي

عضوض. ويقال: عذمه بلسانه، أي عضه. ويقال فحل وفحول وفحالة. و (زرها): عضه إياها.

وملمع نسق على صهباء.

يَعلُو بها حدَبَ الإِكامِ مُسَحَّجاًقد رابَه عِصْيانُها ووِحامُها

الحدب: ما ارتفع من الأرض. قال الله ﷿: (مِن كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون)، أراد: من كل مكان

مرتفع. قال الشاعر:

فأمَّا يومُهنَّ فيومُ سَوءٍتُطاردُهن بالحدَب النسورُ

وقال الآخر:

تداركَني منه خليجٌ فردَّنيله حَدَبٌ تستنُّ فيه الضَّفادعُ
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «هل أنت على أطلال مية رابع»

و (الآكام): جمع أكمة، وهي أشد ارتفاعا مما حولها غليظة. ويقال أكمة وإكام، وأكم، وآكام. وقوله

(يعلو بها) معناه يعلو بالأتان يغمها بذاك، ليسبق فيما صنعت به ويذللها. وقوله (مسحج): معضض قد

عضضته الحمير. والسحج: جرح ليس بغامض. يقال سحجه، وجحشه. و (عصيانها): امتناعها

عليه. وقوله (وحامها) الوحم: الشهوة على الحمل؛ يقال امرأة وحمى، إذا اشتهت على حملها. ونساء

وحام ووحامي. وقد وحمت توحم وحما. فقال العجاج:

أزمانَ ليلى عامَ ليلى وَحَمِى

أي شهوتي. وقال أبو جعفر: قوله (يعلو بها حدب الآكام) معناه يعسفها عسفا ليس يهتم إلا بطردها،

لا يبالي أين سلكت. وإنما يعلو بها خوف الرامي. ويروى (مسجَّج) بالرفع. فمن نصبه نصبه على

الحال مما في يعلو. ومن رفعه رفعه بيعلو.

بأَحِزَّةِ الثَّلَبوتِ يَرَبأُ فَوقَهاقَفْرَ المَرَاقبِ خَوفُها آرامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

الأحزة: جمع حزيز، وهو الغليظ المنقاد المستدق، والجمع أحزة وحزان. وقال الأصمعي: قال خلف

الأحمر: سمعت أعرابيا يرويه: (بأخرة الثلبوت)، وكذلك رواه الأصمعي، قال: والأخرة مطمأنات في

الأرض تكون كالوهدة بين الربوتين تنقاد وتجري، الواحد خرير، والجمع أخرة وخرر. و (الثلبوت):

موضع:

ومثاله بعير تربوت، أي ذلول، وكذلك الناقة؛ والجبروت لله ﷿؛ وامرأة خلبوت إذا

كانت خلابة. وقوله (يربأ فوقها) معناه يعلو فوق الأحزة مخافة رام أو طارد. والربيئة: الذي يعلو

ويحفظ. قال الشاعر:

فظلّ مرتبئاً للشمس تَصهرهحتَّى إذا الشمس مالت جانباً عدَلا

معناه: فظل مرتفعا. وتصهره: تذيبه. ورواه الأصمعي: (يربأ فوقها طورا مرابئ خوفه آرامها)، أراد

مصاعد خوفه أعلامها المشرفة. وأصل الآرام أعلام كانوا ينصبونها على القبور والطرق. فأراد:

يصعد الحمار هذه الآكام كالربيئة لها، أي كالحافظ. وإنما خوف هذه الماقب أعلامها لما يكون خلفها

من صائد وغيره. ويروى: (قفرا مراقب خوفها آرامها)، ويروى: (قفرا مراقب خوفها آرامها). فمن

رفع المراقب وخفض الخوف رفع المراقب بالآرام، ومن نصب المراقب جعلها تابعة للقفر ورفع

الخوف بالآرام. وواحد الآرام إرم، وإرمى، وأيرمى.

حَتَّى إذا سَلَخَا جُمادَى سِتّةًٍجَزْءاً فطالَ صِيامُه وصيامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «معلقة لبيد بن ربيعة العامري»

ورواه الأصمعي: (حتى إذا سلخا جمادى كلها). وقوله (سلخا) يعنى العير والأتان خرجا. وجمادى:

شدة القر، وكذا كان الشتاء في ذلك الزمان، وفيها كان يكون أول المطر. فيقول: خرج عنها كلب

البرد وأنبتت الأرض، واستقبلا الجزء، فصاما عن الماء. وقال في ذلك أحيحة بن الجلاح:

إذا جُمَادَى منعَتْ قَطرَهازانَ جنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة

أراد: كانت له نخل، فصيَّر للنخل عطنا. وليست ترعى الإبل أكثر من شهرين. قال حميد بن ثور:

رعَيْن المُرارَ الجَوْن من كلِّ مِذنبٍدَميثٍ جُمادَى كلَّها والمحرَّما

أراد: جمادى الآخرة ورجبا، وسماه المحرم لأنه من الأشهر الحرم. وقال رؤبة:

شهرين مرعاها بقِيعان السَّلَقْ

والسلق: مطمأن من الأرض بين ربوتين. وقال العجاج:

عشراً وشَهرين يَسُنُّ عَزَبا

يعني إنه ترك في الكلأ شهرين وعشرا. يسن: يصقل ويحسن القيام عليه. وقال أبو ذؤيب:

بِه أبَلَتْ شهرَيْ ربيعٍ كليهمافقَدْ مارَ عنها نَسْؤُها واقترارُها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «هل الدهر إلا ليلة ونهارها»

والنسء: بدء السمن. ومار: ماج فيها. والاقترار: أن تبول الدابة بولا خاثرا في رجلها. يقال: قد

تقررت الإبل في أسؤقها، إذا أكلت اليبيس فخثرت أبوالها.

ويقال (صام) إذا قام وثبت. ويقال صام النهار، إذا ركد حين ترتفع الشمس. ويقال صام الماء، إذا

سكن. قال العجاج:

بحيث صام المِرجَل الصاديُّ

وقال الشماخ:

متى ما يَسُفْ خيشومُه فوق تلعةمَصامةَ أعيار من الصيف يَنْشِجِ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «ألا ناديا أظعان ليلى تعرج»

يعني حمار الوحش. والمصامة: موضع أرواث الأعيار في الصيف، إذا شمه

الحمار نشج، أي تهيأ للنهاق. وقال بعض الرجاز:

لا تَسقِه صيِّبَ عَزَّافٍ جُؤَرْحتَّى يصوم في النَّهارِ والأكَرْ

وقال أبو جعفر: أراد حميد بن ثور بقوله (جامدى كلها والمحرما) أشهر جماديين والمحرم. ويشهد له

قول العجاج:

عشْراً وشهرينَ يسُنُّ عَزَبا

أي يسن أتنه في المرعى يحفظها ويرعاها. وأجود الربيع وأحمده شهران، إلا إنه إذا جاء الجود

والخصب كان ثلاثة أشهر. قال: أبو وجزة جعله ثلاثة أشهر في بعض شعره. وقال غيره: جزء

مصدر جزأت الإبل تجزأ جزءا، يذهب إلى إنه اسم مأخوذ منه. قوله (صيامه وصيامها): قيام العير

وقيام الأتن، لأن الصيف قد جاء وانقطعت المياه.

وستة تختفض بإضافة جمادى اليها، أي متمم ستة وخاتم ستة أشهر. يريد سلخا أشهرا آخرها جمادى

الآخرة وأولها المحرم. وروى: (ستة) بالنصب. فمن رواه هكذا جعل الستة تابعة لجمادى، أي سلخا

أشهرا ستة، فاكتفى بجمادى من الأشهر. وقوم من العرب يجعلون جمادى الشتاء. ويروى: جزآ، أي

قطعا.

رَجَعا بأَمِرهما إلى ذِي مِرَّةٍحَصِد ونُجْحُ صَريمةٍ إِبرامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

رجعا بأمرهما إلى ذي مرة، معناه كان ينازعها وتنازعه ثم رجعا بأمرهما، أي صار الشأن إليه.

و (المرة): الرأي. وأصل المرة إحكام الفتل، فضربه مثلا. وقال أبو زيد: يقال أن فلانا لذو مرة، إذا

كان قويا محتالا. قال الله ﷿: (ذو مِرَّة فاستوَى) معناه ذو عقل وشدة. وأنشد الفراء:

قد كنتُ قبل لقائكم ذا مِرَّةعِندي لكلِّ مُخاصم ميزانُه

و (حصد): مبرم محكم. يقال وتر حصد ومحصد ومحكم، إذا كان متداني القوى شديد الفتل. ويقال:

غيضة حصدة، إذا كانت ملتفة النبت. ومنه قول عنترة:

طوراً يجرَّد للطعان وتارةيأوِي إلى حَصِد القسيِّ عَرمرِم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

و (الصريمة): الخصلة المقطوعة إذا قطعت وعزم عليها. وأصل الصرم القطع. يقول: فنجح

صريمة أن تصرم أمرها وتحكمه فلا يلتبس؛ فإذا لم تُحكمها فليس بنجح. و (الإبرام): الإحكام.

وما في (رجعا) يعود على الحمار والأتان، وحصد نعت لذي، والنجح رفع بالإبرام. والمعنى: رجعا

بأمرهما في الورد إلى رأى ذي مرة حصد.

ورَمتْ دَوابرَها السَّفا وتَهيَّجَتْرِيحُ المَصَايفِ سَومُها وسَهَامُها

الدوابر: مآخير الحوافر، واحدتها دابرة. والسفا: سفا البهمى، وهو كشوك السنبل؛ وهو يجف إذا جاء

الصيف؛ واحدته سفاة. والبهمى: شجر. والسفا: التراب. قال الأعشى:

فلا تَلمسِ الأفعى يداك تُريدُهاودعْها إذا ما غَيَّبتْها سَفاتُها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أجد بتيا هجرها وشتاتها»

وقال الآخر يرثي رجلا:

وحالَ السَّفا بيني وبينك والعِدَىورهنُ السَّفا غَمْر النقيبة ماجدُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أَتَاني وَدُوني بَطنُ غَوْلٍ وَدُونَهُ»

أي حال التراب بيني وبينك. ومثله قول ذي الرمة:

رمَى أمَّهاتِ القُرْدِ لذعٌ من السَّفاوأحصَدَ من قُرْيانه الزَّهَر النَّضْرُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا دار مي على البلي»

وتهيجت: هاجت. سومها: مرها. يقال: خله وسومه، أي مضيه. ويقال جاءنا جيش سوم الجراد، أي

يمر مر الجراد في كثرته. قال ساعدة:

فلم ينْتبِهْ حتَّى أحاط بظَهرهحِسابٌ وسِربٌ كالجراد يَسُومُ
للشاعر ساعِدَة الهذلي، اقرأ القصيدة

حساب: عدد كثير. وسرب: قطيع رجال. يسوم: يمر ويمضي. قال أمية:

فما تَجرى سوابقُ مُلجَماتكما تَجري، ولا طيرٌ تَسُوم
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «جهنم تلك لا تبقي بغيا»

- ذكر النجوم - والسهام: ريح حارة. ومعنى البيت: ورمت دوابر الحمير السفا، أي نخستها ليبس

السفا وجفافه، وهيجت ريح المصايف الحشيش فهاج الحشيش.

والواو في ورمت واو الوقت، ومع رمى إضمار قد، تقديره: وقد رمت دوابرها، أي رجعا بأمرهما

وقت رمى دوابرها السفا، كما تقول: جاءني زيد وقد طلعت الشمس، تريد: في وقت طلوع الشمس

عليه. ويروى: (ورمى دوابرها السفا). فمن أنث قال: السفا مؤنثة، ومن ذكر قال: هو مما يذكر

ويؤنث. وكل فعل لمؤنث متقدم عليه إذا حيل بينه وبين الاسم صلح فيه التذكير والتأنيث.

فتنازَعا سَبِطاً يَطيرُ ظِلالُهكدُخانِ مُشْعَلة يُشَبُّ ضِرامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

معناه: فتنازع العير والأتان سبطا، أي غبارا مرتفعا طويلا. (ظلاله):

ما يظل منه. (مشعلة): نار وقد أشعلت. (يشب): يوقد ويهيج. ويقال للمرأة البيضاء: قد شب لونها خمار أسود لبسته. وكذلك

الشب اليماني يشب الشيء الذي يصبغ به، والقلى يلقى به في العصفر ليشبه. والرجل المشبوب:

الحسن الجميل. ومنه قول ذي الرمة:

إذا الأروع المشبوبُ أضحى كأنَّهعلى الرّحل ممَّا منَّه السَّير عاصدُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»

والضرام: جمع ضرم؛ وضرم: جمع ضرمة، وهو كل هدب تسرع فيه أنار ليس بجزل. والجزل:

الغليظ من الحطب. وقال أبو جعفر: عدَوَا عدواً سريعا حتى أثارا به الغبار. ويقال الضرام هو

الحطب.

ويطير موضعه نصب في التأويل، والهاء يعود على الغبار، والمعنى: فتنازعا غبارا طائرا ظلاله.

والكاف منصوبة على النعت للسبط.

مُشمولةٍ غُلِثَتْ بنابتِ عَرفجكدُخانِ نارٍ ساطعٍ أَسنامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

مشمولة من نعت مشعلة، أي نار قد أصابتها الشمال فهو أجدر أن تنفخها. (غلثت) معناه خلط ما

أوقدت به. (بنابت عرفج)، أي بغضه وطريه، فهو أكثر لدخانها؛ لأنه رطب حين طلع. والنبات:

الحديث منه. ومن ذلك قول الحارث بن وعلة الشيباني:

ووطئتَنَا وطئاً على حَنَقٍوَطْءَ المقيَّدِ نابتَ الهَرْمِ
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة

أي أخضر الهرم وصغاره حين طلع. ولو كان الهرم يابسا ووطئ عليه لم يتكسر. ومثل قول لبيد قول الراعي:

كدُخانِ مُرتجلٍ بأعلى تَلعةٍغَرثانَ ضرَّم عرفجاً مبلولا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ما بال دفك بالفراش مذيلا»

وكل خلطين غليث. يقال هو يأكل الغليث، أي يأكل البر والشعير مخلوطين. ويقال: اغلث هذا

الطعام، أي اخلطه. ويقال: وجد فلان تغليثا، كأنه اختلاط من نفسه. ويقال قتل فلان النسر بالغلثى،

أي خلط له في طعامه ما يقتله. ويقال: علث طعامه بالعين أيضا. وقوله (إسنامها): ما ارتفع منها.

ويقال أسنمها يسنمها. وإنما سمى السنام سناما لارتفاعه. وقال أبو جعفر: روى ابن الأعرابي

(أسنامها) بفتح الألف، أي ارتفاع لهبها، الواحدة سنم. وقال أبو جعفر: قال لي ابن الأعرابي: لا أقول

غلثث النار؛ لأني لا أقول خلطت النار بالوقود. وقال: هذه الرواية خطأ. وروى: (عليت)، أي ألقى

فوقها.

والكاف مخفوضة على النعت لمشمولة، وساطع نعت للنار، والإسنام رفع بمعنى ساطع.

فمضَى وقدَّمَها وكانت عادةًمِنْه، إذا هي عَرّدَتْ، إِقدامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

معناه: مضى الحمار وقدّم الأتان لكيلا تعند عليه. (عردتا): تركت الطريق وعدلت عنه. وأصل

التعريد الفرار، ومنه قول الآخر يرثي الزبير:

غدر ابنُ جُرموزِ بفارسِ بُهمَةٍيومَ اللقاءِ وكان غيرَ معرّدِ
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة

وكانت تلك الفعلة من الحمار إذا عردت. ولا تتقدم الأتن والثيران أبدا حتى يتقدم الفحل إلى الماء

فيشرب وينظر هل يرى بالماء شيئا يريبه.

والإقدام اسم الكون، والعادة خبر الكون. وإنما أنث كان والإقدام مذكر لأن الكسائي قال: إذا كان خبر

كان مؤنثا واسمها مذكرا وأوليتها الخبر فمن العرب من يؤنث كان ويتوهم أن الاسم مؤنث إذا كان

الخبر مؤنثا. فكان يجيز: كانت عادة حسنة عطاء الله تعالى، وكانت رحمة المطر البارحة. وقال غير

الكسائي: إنما بني الشاعر كلامه وكانت عادة تقدمتها؛ لأن التقدمة مصدر قدمها، إلا إنه لما انتهى إلى

القافية فلم يجد التقدمة تصلح لها فقال إقدامها. واحتج بقول الشاعر:

أزيدَ بن مصبوحٍ فلو غيرُكمْ صَباغَفَرْنا وكانت من سجيَّتنا الغَفْرُ

فزعم الكسائي إنه أنث كانت لأنه أراد: كانت سجية من سجايانا الغفر. وقال الذي خالفه: بل بنى

على المغفرة فانتهى إلى آخر البيت والمغفرة لا تصلح له فقال الغفر، لأن الغفر والمغفرة مصدران.

واحتج عليه من خالفه بقول الشاعر:

أجَرْتُ عليهمُ فأبَوْا وكانتبديعاً أن يكون وليّ أمر

فزعم إنه أراد كانت بديعا كينونته ولي أمر، فلم يستقم البيت بالكينونة فقال (أن يكون) إذ كانت في

معناها.

وقال الكسائي: البديع مؤنث بمنزلة البدعة. واحتج عليه من خالفه بقول حاتم:

أماويّ قد طال التجنبُ والهجرُوقد عذرتْنا في طِلابكمْ عَذُرُ
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»

وقال عذري، فانتهى إلى القافية وعذري لا تصلح فيها، كما قال الآخر:

لله درُّكَ إني قد رميتُهمُلولا حُدِدتُ ولا عُذرَي لمحدودِ

فقال الكسائي: قوله عُذْر أراد عُذُر مثقلة جمع عذير، مثل نذير ونذر فخفف، وهي المعذرة. قال الله

﷿: (فما تُغْني النُّذُر)، جمع نذير. وقال

عز من قائل: (فستعلمون كيف نَذِير)، أراد: إنذاري.

قال الفراء: وكل قد ذهب مذهبا، وقول الكسائي أشبه بمذهب العرب.

فتوسَّطَا عُرْضَ السرِيِّ وصَدَّعامَسْجُورةً مُتجاوِراً قُلاَّمُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

العرض: الناحية. والسرى: النهر. وصدعا معناه شققا النبت الذي على الماء ومسجورة: عين مملوة.

قال النمر:

إذا شاءَ طالَعَ مسجورةًتَرَى حولها النبعَ والساسَما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وقال الله ﷿: (والبحرِ المسجور) فمعناه المملو، وهو حرف من الأضداد. ويكون المسجور

المملو، ويكون المسجور الفارغ. وقول النمر (إذا شاء طالع مسجورة) معناه إذا شاء الوعل طالع عينا

مملوة. ومعنى طالعها أتاها. يقال: فلان لا يزال يطالع. وقال أبو عمرو الشيباني: يقال قد سجر

السيل الغدير والبئر يسجرها، إذا ملأها. ويقال هذا ماء سجر، إذا كانت بئر قد ملأها السيل. ويقال

أوردوا ماء سجرا. و (القلام): نبت ينبت على الأنهار، يقال هو القاقلي. وقوله (متجاورا قُلامها)،

أراد إنها لا تورد فقد عفا نبتها. ومثله قول الحطيئة:

منَعنَ مَنابتَ القُلاَّم حتَّىعلاَ القُلاَّم أفواهَ الرَّكيّ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «عرفت منازلا من آل هند»

والسري هو الصغير من الأنهار بمنزلة الجدول. قال الله ﷿: (قد جَعَل رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيّاً)،

وقال الشاعر:

سهلُ الخليقة ماجدٌ ذو نائلمثلُ السرِيّ تمُدُّه الأنهارُ

ويقال معنى (توسطا) خاضا الماء. ورواه أبو جعفر (عرض السري) بفتح العين، ولم يعرف الضم.

و (متجاورا) نعت لمسجورة، والقلاَّم مرتفع بمتجاور.

مَحفوفةً وَسْطَ اليَرَاعِ يُظِلُّهامنه مُصَرَّع غابة وقيامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

محفوفة، يعني العين. عنى إنها حفت بالقصب نابتا فيها. وأصله إنه ينبت في أحفتها، أي جوانبها.

(يظلها منه) معناه يظل العين المسجورة من اليراع. ويروى (منها) على تأنيث اليراع، والاختيار

(منه). وقال بعضهم: معنى يظلها منه، من نباتها. و (اليراع): القصب، واحدته يراعة. ويقال لكل

منخوب القلب: يراعة؛ يشبه بالقصبة، أي هو لا قلب له مثل القصبة الجوفاء. و (الغابة): الأجمة،

وجمعها غاب. أي يظل العين ما سقط من هذا القصب وما لم يسقط.

ومحفوفة تنتصب على النعت لمسجوة.

وقال أبو جعفر: السري يحمل من العين. يصف شدة عطشهما، وإنه حملها على توسط السري ولم

يخافا راميا ولا غيره، على كثرة ما حوله من النبت.

أَفتلكَ أَمْ وحشيّةٌ مَسبوعةٌخَذَلَتْ وهاديَةُ الصِّوارِ قِوَامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

معناه: أفتلك الأتان التي تشبه ناقتي أم بقرة وحشية مسبوعة، أكل السبع ولدها فهي مذعورة. وقوله

(خذلت): تأخرت عن القطيع. ومثله خدرت. يريد: خذلت أصحابها

من الوحش وأقامت على ولدها ترعى قربه وتلفت إلى البقر، فإذا رأتها طابت نفسها وعلمت أن الصوار لم يفتها. و (الهادية): التي تهدى الصوار، أي تكون في أوله. والهوادي: الأوائل من كل شيء، من الخيل والإبل والحمر.

ويقال: جاءت الحمر يهدى بها فحلها. ومنه قيل للأعناق، أي هي أوائل. و (الصوار): القطيع من

البقر. ويقال قد صار الشيء يصوره. إذا قطعه؛ وصاره يصوره ويصيره، إذا أماله وإذا جمعه. أنشد

الفراء:

وفرعٍ يَصِير الجيدَ وَحفٍ كأنهعلى اللِّيت قنوانُ الكرومِ الدوالِح

أراد: يجمع. قال الله ﷿: (فصُرهُنّ إليكَ) أراد: فضمهن إليك واجمعهن. وقال الشاعر:

مأوى يتامَى يصُور الحيَّ جفنتُهولا يَظَلُّ لديه اللحم موشوما

وأنشد الفراء:

تغرّب أبائي فهلاّ صراهمُمن الموت أن لم يذهبوا وجُدودي

ويقال صُوَار وصوِار وصيار، والجمع أصورة وصيران. وقوله (قوامها) معناه تهتدى بأول

الصوار. يقال: هذا قوام الأمر وقيامه، أي به يقوم الأمر.

وتلك ترتفع بإضمار: شبيهة ناقتى، والوحشية نسف على تلك.

خَنْساءُ ضيَّعتِ الفَريرَ فلم يَرِمْعُرْضَ الشَّقائِق طَوفُها وبُغامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

خنساء: بقرة. والخنس: تأخر الأنف في الوجه وقصره أن يسبغ إلى الشفة.

والبقر كلها خنس. ويقال قد خنس عنه، إذا تأخر عنه. وقد أخنس عنه شيئا من حقه؛ ومنه اشتق

حنيس اسم رجل. و (الفرير): ولد البقرة؛ وأصل الفرير الخروف، وهو من ولد الضأن؛ ولكن البقرة

تجري مجرى الضائنة، والأروية تجرى مجرى الماعزة. ويقال فرير وفرار. ومثله مما جاء من

الجمع على فعال شاة رُبى وغنم رباب، وظئر وظوار، ورخل ورخال. قوله (لم يرم) معناه لم يبرح.

و (عرض): ناحية وجانب. و (الشقائق): جمع شقيقة، وهي أرض غليظة بين رملتين. وقوله

(طوفها) معناه لم تزل تطوف فيه. و (بغامها): صوت تختلسه اختلاسا. فأراد إنها تطوف وتبغم

متلددة إذا فقدت ولدها. ويقال للذكر من أولاد البقرة فرقد، وجمعه فراقد؛ ويقال للأنثى فرقدة. ويقال

للذكر أيضا بحزج وللأنثى بحزجة. ويقال للذكر أيضا بَرغَز وبُرغُز، وللأنثى بَرغزة وبُرغُزة. ويقال

للذكر أيضا جُؤذُر، وللأنثى جُؤذُرة، وللجمع جآذر. قال الشاعر:

إنّ من يدخل الكنيسة يوماًيَلقَ فيها جآذاراً وظباءَ
للشاعر الأخطل، اقرأ القصيدة

وقال العجاج:

وكلَّ عيناءُ تُزَجِّي بَحزَجا

وقال عمرو بن أحمر:

يُهِلُّ بالفرقدِ رُكبانُهاكما يُهِلُّ الراكب المعتمرْ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «قد بكرت عاذلتي بكرة»

وفي الفرقد قولان: يقال هو ولد البقرة، ويقال هو النجم. ويقال للذكر من أولاد البقر: ذرع. قال

الأعشى:

كأنَّها بعد ما أفضَى النجادُ بهابالشَّيِّطَين مَهاةٌ تبتغي ذَرَعَا

وخنساء نعت الوحشية، والطوف رفع بيرم، والبغام نسق عليه.

لمعَفَّرٍ قَهْد تَنازعَ شِلْوَهُغُبْسٌ كَواسبُ لايُمَنُّ طعامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

المعفر: الذي يترك من الرضعة والرضعتين حتى يستمر، وذلك إذا أرادت أمه أن تفطمه؛ وهو

التعفير. و (القهد): ضرب من الضأن تصغر آذانهن تعلوهن حمرة؛ والجمع قهاد. و (شلوه): بقيته.

وشلو كل شيء: بقيته. ويقال: اشتليت القوم، إذا أدركت شلوهم فاستنقذته. قال الراجز:

أن سليمانَ اشتلانا ابنَ عَلِي

وقال العجاج وذكر الأثافي:

غُبْساً على أشلاءِ هابٍ أغبَسَا

ويقال: ذهبت ماشية فلان وبقيت له شلية؛ والجمع الشلايا. ولا يقال إلا في المال. و (الغبسة):

صفرة إلى سواد. و (كواسب): ذئاب تكسب ما تأكل. وقوله (لا يُمن طعامها) يقول: ليس طعامها من

عطاء أحد يمنه، إنما هو كسبها. وقال الأصمعي: المعفر: الذي عفر بالتراب. وقال غيره: يقال

عفروا صبيكم عند الفطام، وهي الأم التي ترضعه مرة وتتركه أخرى لتعوده الفطام. ويقال: عرضوا

صبيكم إذا ولد، وهي أن تمسحه لكي يمتد وترجع مفاصله. ويقال قد عفرت ولدها، إذا أطعمته الشيء

من الطعام مع اللبن عند الفطام. ويقال (تنازع شلوه) معناه لحمه. وواحد الغبس أغبس، وهي الذئاب

التي تقدم وصفها.

واللام صلة يرم، والطعام اسم ما لم يسم فاعله. ويقال اللام معناها من أجل،

والتقدير: من أجل معفر. قال الله ﷿: (وإنه لحبِّ الخير لشَديد)، معناه من أجل حب المال لبخيل.

ويقال: القهد: اللطيف.

صَادَفْنَ مِنْه غِرّةً فأصبْنَهاإِنّ المَنَايا لا تَطِيشُ سِهامُها

صادفن منه، معناه من الفرير، وهو الولد. (فأصبنها) معناه فأصبن الغرة. ويروى: (فأصبنه) على

معنى فأصبن الولد. وقوله: (إن المنايا لا تطيش سهامها) معناه لا تخف سهامها ولا تحطئ، بل

تقصد. وأصل الطيش الخفة، ومنه قولهم: فلان طياش. والمنية لا سهام لها، وإنما هذا مثل. والطيش:

أن يخف السهم. ولا يقصد إلا رزين السهام.

وما في صادفن يعود على الذئاب، وخبر أن ما عاد من الهاء والألف.

باتَتْ وأَسبَلَ واكفٌ مِن دِيمةٍيُروى الخمائلَ دائماً تَسجامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

أسبل: سال واسترخى. يقال: أسبل إزاره ورفله. ويقال: جاء يجر سبلته، إذا جاء يجر إزاره. وقال

أبو زيد: يقال أسبلت السماء إسبالا، وهو المطر، وهو بين السحاب والأرض حين يخرج من

السحاب ولم يصل إلى الأرض. والاسم السبل، وهو المطر. قال اوس بن حجر:

وقتَلى كمثل جذوع النخيلِ يغشاهمُ سَبَلٌ منهمرْ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «غني تآوى بأولادها»

وقال جرير:

لم ألق مثلَك بعد عهدك منزلًفسُقِيتَ من سَبَل السماك سجالا

وقال عمر بن أبي ربيعة:

ألم تَربعْ على الطَّللِومَغْنى الحيِّ كالخِلَلِ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تربع على الطلل»
تعفّى رسمَه الأرواحُ مَر صَباً مع الشَّمَلِ
وأنداءٌ تباكرهوجَونٌ واكفُ السَّبَلِ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تربع على الطلل»

قوله (واكف) يعني المطر يكف عنها. و (الديمة): مطر يدوم ويسكن ليس بالشديد. يقال: دامت

السماء تديم ديما. وحكى الأصمعي عن بعض الأعراب: (ما زالت السماءُ ديَمْاً ديَمْاً). وقال الزاجر:

أنا الجوادُ ابنُ الجوادِ ابنِ سَبَلْإنْ ديَّموا جادَ وإنْ جادوا وبَلْ

وقال أبو زيد): قال العنبري: (إن دوموا جاد). و (الخمائل): جمع خميلة، وهي رملة تنبت الشجر

وتعشب. وكل ذي خمل خميلة. وقوله (تسجامها): صبها. يقال: سجمت عينه، إذا هراقت الدمع.

ومعنى البيت: باتت هذه البقرة بعد فقدها ولدها ممطورة تمطرها الديمة.

و (يروى) صلة الديمة، ودائما نصب على الحال مما في يروى. والتسجام رفع بمعنى الديمومة.

تَجتافُ أَصْلاً قالصاً مَتنبِّذاًبعُجُوبِ أَنقاءٍ يميلُ هَيَامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

تجتاف: تدخل فيه تستكن في جوفه، تتجوف أصلا قالصا، أي مرتفعا قد انقلص وليس بمسترسل.

يقال قلص يقلص قلوصا. فيقول: اجتافت شجرا قالص الفرع لا يغطيها وهو متنبذ، أي متفرق، ولا

يجتمع أصلاه فيكون أكثف له.

(عجوب): مآخيرها، واحدها عجب؛ وعجب كل شيء: مؤخره. و (أنقاء) جمع نقا، وهو ما ارتفع

طولا من الرمل. والنقا لا ينبت شيئا إذا طال، إنما تنبت خواصره. و (الهيام): ما انهار من الرمل

ولم يتمالك. وقال أبو عمرو: القالص: المتنحى من الشجر. وقال غيره: المتنبذ: المتفرق، ويقال هو

المتنحى، لأنه من نبذت الشيء، إذا نحيته وطرحته. قال الله ﷿: (فَنَبَذُوه وراء ظُهورهم) أراد:

طرحوه. قال الشاعر:

إن الذين أمرتَهم أن يَعدِلوانَبذوا كتابَك واستُحِلَّ المَحْرَمُ

ورواها الاصمعي: (يجتاف آصل قالص متبدد). وقال الاصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وقد

اشترى غرشا فقال للذي اشتراه: (أريد منك عشرة آصل) يريد جماعة أصل. وآصل كما تقول حبل

وأحبل. ويروى: (تجتاب أصلا) بالباء، أي تدخل البقرة فيه. يقال جاب فلان الفلاة، إذا دخلها. قال

الله ﷿: (الذينَ جابُوا الصَّخْرَ بالوادِ) أراد نقبوا الصخر فدخلوا فيه وابتنوا المساكن.

وقال الشاعر:

ظلَّت تجوب يداها وهي لاهيةٌحتَّى إذا جنَح الإظلامُ والغَسَقُ

وقال الآخر:

فلم يَنْج منهم في البحور ملجِّجٌولم يُنجِ مَن جابَ الصخورَ اجتيابُها
للشاعر سابق بن عبد الله البربري، اقرأ القصيدة

ويقال معنى قوله تجتاب إنها تحفر أصل الشجرة فتقطع عروقها وتفرق؛ وإنما تفعل ذلك لتوسع

لنفسها. ويقال انهار الرمل وانهال بمعنى. وقال بعضهم في قوله (تجتاف أصلا): هو مثل قول ذي

الرمة:

مَيلاءَ عَن مَعدِن الصِّيران قاصيةٍأبعارُهنَّ على أهدابها كُثَبُ

والمعنى: إنها متنحية عن معظم الشجر، متنحية عن الطريق لتأمن.

وتجتاف موضعه نصب في التأويل على معنى باتت مجتافة أصلا. والباء صلة تجتاف.

يَعلُو طريقةَ مَتْنها مُتواترٌفي ليلةٍ كفَرَ النُّجومَ غَمامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

معناه: يعلو طريقة متن هذه البقرة متواتر، أي مطر متتابع. وقال أبو عمرو: طريقة المتن: ما بين

الحارك إلى الكفل. وقال الأصمعي: المتواتر أن يجيء شيء ثم يكون هنيهة ثم يجيء شيء آخر.

يقال: تواترت الإبل والقطا تتواتر تواترا. ويقال واتر فلان كتبه، إذا قطعها. قال الله ﷿: (ثمَّ

أرسلنا رسلَنا تَتْرى) فمعناه منقطعة، بيك كل رسولين برهة من الزمان. وقال أبو هريرة رضي الله

سبحانه عنه: (لا بأس بقضاء رمضان متواترا)، يريد: متقطعا. وقال سديف:

حضرُّ الشر يا أمية فأنعَىْعيشَ دنياكِ وائذني بالشَّتاتِ
للشاعر سديف بن ميمون، من قصيدة «كيف بالعفو عنهم وقديماً»
أنعيمٌ أزمان جَوْرِكِ تترىونعيم أزماننا هيهاتِ
للشاعر سديف بن ميمون، من قصيدة «كيف بالعفو عنهم وقديماً»

وقوله (كفر النجوم) معناه غطاها. يقال كفرت المتاع في الوعاء، إذا غطيته. ويقال: قد كفر على

درعه بثوب، إذا ستره. وسمي الكافر كافراً لأنه يغطى نعم الله سبحانه وتقدس وتوحيده. ويقال لليل

كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته. قال الراجز:

فوردَتْ قبل انبلاج الفجرِوابنُ ذكاءَ كامنٌ في كَفْرِ

يريد في ستر. والكافور من الطلع من هذا مأخوذ، وجمعه كوافير. وقوله الله ﵎: (أعجبَ

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.