من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة لبيد بن ربيعة (٤)
القداح التي تُغلق الرهن، واحدها مغلق ومغلاق، ويقال واحدها مغلق. ويروى (متشابه أجسامها)، أي
بعضها يشبه بعضا، وهي على قدر وحد؛ لأن القدح لو عظم شيئا لندر في اليد. ويقال واحد الأيسار
يسير. ويقال للذي لا يدخل في الميسر: برم، وجمعه أبرام. قال متمم بن نويرة:
ولا بَرَمٍ تُهدى النساءُ لعرِسِهإذا القَشْع من رِيح الشتاء تقعقعا
و (الأعلام): العلامات، واحدها علم.
والجزور خفض بالواو التي تخلف رب. والباء صلة دعوت، والهاء الأولى تعود على الجزور،
والثانية على المغالق.
أَدعُو بهنَّ لِعاقرٍ أو مُطْفِلٍبُذِلَتْ لجِيرانِ الجميعِ لحامُها
أدعو بهن، معناه أدعو بهذه المغالق لأيسر بها على ناقة عاقر، أي لا تلد. وناقة
مطفل: معها ولد صغير. والعاقر أسمن، والمطفل أغلى. و (اللحام): جمع لحم، يقال لحم وألحم، ولحمان، ولحام.
ورجل لحيم شحيم، إذا كان كثير اللحم والشحم. ورجل شاحم لاحم، إذا كثر عنده اللحم والشحم.
ورجل شحم لحم، إذا كان قرما إلى الشحم واللحم. ويروى: (بذلت لجيران العشي)، أي لمجالسنا
بالعشي؛ نتذمم أن يرجعوا ولم نعشهم. وقال بعض أهل اللغة: العاقر: العجوز التي لا تحمل.
والمطفل: التي لها طفل. واللام على هذا التفسير الثاني معناه من أجل. أي أدعو بهن من أجل عاقر.
ولم تدخل في مطفل الهاء لأنه فعل لا حظ للرجل فيه.
فالضَّيفُ والجارُ الغريبُ كأَنَّماهَبَطا تَبَالةَ مُخْصِباً أَهضامُها
يقول: هم من الريف في مثل تبالة، أي الذي هم فيه مثل الذي فيه أهل تبالة من الخصب. ومثل من
الأمثال: (ما نزلت تبالة لتحرم الأضياف).
و (الأهضام): بطون منهضمة، واحدها هضم، وفيها نخل كثير. يقول: فإذا نزل بهم الضيف صادف
عندهم من الخصب والفواكه والرطب ما يصادفه بتبالة إذا هبطها. وإنما يعنى نفسه، أي إذا نزلا
علىّ. وتبالة قريبة من الطائف، وهي مخصبة. ويروى: (فالضيف والجار الجنيب). و (الجنيب):
الغريب، وهو بمنزلة الجانب والجنب. قال الله ﵎: (والجار الجُنُب)، وقال الشاعر:
ما ضرَّها لو غَدَا بحاجتناغادٍ كريمٌ أو زائرٌ جُنُبُ
ومخصبا نصب على الحال من تبالة، والأهضام رفع بمعنى مخصب.
تَأْوِي إلى الأَطنابِ كُلُّ رَذِيّةِمِثلِ البَليّةِ قالصٍ أَهدامُها
الرذية: المرأة التي قد أرذاها أهلها، أي ألقوها. فيقول: منزلنا معان
من الأضياف وذوى الحاجات.
والمعان: المعروف. و (البلية): ناقة الرجل تعقل عند قبره، وتطرح حقيبتها على رأسها. قال
الشاعر:
كالبلايا رءوسَها في الولايامانحاتِ الهجيرِ حُرَّ الخُدودِ
والولايا: جمع ولية، وهي البرذعة. وقال بعضهم: البلية: الناقة تعكس على قبر صاحبها إذا مات.
والعكس والرَّكس هو أن يشد رأسها إلى يديها. يقال عكسها وركسها. والعِكاس والرّكاس: الحبل.
وقال أبو عمرو: البلية التي تبلى على صاحبها، أي تعقل عند قبره، فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت.
وربما حفر للبلية، وربما أحرقت بالنار). قال: وإنما كانوا يفعلون ذلك لأنهم كانوا يقولون: يحشر
عليها صاحبها. وأنشد:
تُرزمُ من عِرفانه الخليَّهْيجيءُ يوم الوِرد كالبليَّهْ
بئس جميعُ الحُرّة الحَيِيَّهْ
شبهه بها من هزاله.
وقوله (قالص أهدامها) معناه متشمرة أخلاقها التي عليها. وواحد الأهدام هدم؛ وهو الهدمل.
و (الأطناب) هي حبال الفسطاط. (قالص): تحسرت لأنها خلقان تقطعت، في قول أبي جعفر. وقال:
الرذية: التي أرذاها الدهر والهزال.
وقوله (مثل) و (قالص) نعتان للرزية. والأهدام رفع بمعنى قالص.
ويُكلِّلون إذا الرِّياحُ تَنَواحَتْخُلُجاً تُمَدُّ شَوَارِعاً أَيتامُها
التكليل: نضد اللحم بعضه على بعض فوق الجفان. (تناوحت): تقابلت نهب الصبا وتقابلها الدبور،
وتهب الجنوب وتقابلها الشمال. قال متمم بن نويرة:
نِعم القتيلُ إذا الرِّياحُ تناوحتْحَولَ البيوت قتلتَ يا ابن الأزورِ
قوله (خلجا) معناه جفانا كالخلج، جمع خليج، وهي تخلج من البحر ليست بمعظمه. فشبه الجفان بها.
وأصل الخلج الجذب والصرف. يقال خلجت المهر عن أمه، أي صرفته وجذبته. وناقة خلوج: خلج
عنها ولدها بموت أو ذبح، أي فصل. تمد بالطعام، أي يزاد فيها. (شوارعا): يشرعون فيها يأكلون.
شبه ما في الجفان بما في البحر. وقال الأصمعي: أراد كأن القصعة خليج من الوادي، ويقال خليج
من النهر. وإنما سمى النوائح نوائح لأن كل واحدة تقابل صاحبتها.
وشوارعا نصب على الحال من الضمير الذي في تمد من ذكر الخلج. والأيتام رفع بمعنى شوارع.
إِنَّا إذا التقَت المَجَامعُ لم يَزَلْمِنَّا لِزازُ عَظِيمةِ جَشَّامُها
لزاز عظيمة، أي يلز بها وهو مطيق لها. ورواها الأصمعي: (جسامها) بالسين غير معجمة، أي
ركاب معظمها. يقال تجسم كذا وكذا، أي ركب معظمه. وتجشمه: تكلفه. ويقال: فلان لزاز شر ولز
شر. ويروى: (لزاز عظيمة حسامها) بحاء غير معجمة، أي قطاعها. يقال قد حسمت هذا الأمر، أي
قطعته. قال الشاعر:
والعزُّ في حسم المطامع كلهافإن استطعتَ فمتْ وأنت نبيلُ
وجشامها نعت للزاز عظيمة.
ومُقَسِّمٌ يُعطِى العَشيرةَ حَقَّهاومُغَذْمِرٌ لحُقوقها هَضَّامُها
مقسم، معناه يعطى ويقسم. ورواه الأصمعي: (يعطى العشيرة حقها وحقيقها ومغذمر). حقها: ما يحق
عليه أن يحميه. و (مغذمر) هو من الغذامير، وهو أن يرمى الكلام بعضه على بعض ويستخف به
ولا يصلحه ولا يتنوق فيه. قال الراعي:
فأبصرتُهم حتى تعرَّض دونهمنُشوزٌ وحادٍ ذو غَذاميرَ صَيدحُ
يقول: يرمى ببعض الكلام على بعض ويستخف به. فقال: هذا يفعل بحقوق عشيرته وتركها للناس
وحطم بعضها على بعض، ما يفعل هذا بالكلام، أي يستخف بالحقوق؛ ويجيز عشيرته ذاك. وقوله
(هضامها): كسارها. يقال: أهضم له من حقك، أي اكسر له. ومن ثمة قيل رجل هضوم الشتاء، أي
يكسر ما له في الشتاء. ومنه هضيم الحشا. ويقال كشح أهضم.
ويقال: في الأرض هضوم، إذا كانت مطمأنات. ومنه قصب مهضم. ومنه ما تهضمه المعدة. ويقال
للجوارش هاضوم. وقال أبو جعفر: المعنى إنه يعطى عشيرته حقها الواجب ثم يفرق بعد نصيبه
عليها فيهضمه لها، مثل قول عنترة:
يُخْبرْكِ مَن شهِد الوقيعةَ أنَّنيأغشَى الوغَى وأعفُّ عند المَغْنَمِ
أي لا آخذ منه شيئا أفرقه على أصحابي. قال: ومغذمر، معناه ومغذمر حقه لها، أي لعشيرته. يقول:
أعطيها حقي بعد حقها. قال: والمغذمر: الذي يعطى الشيء ولا يلتفت إليه ولا يبالي به، كالذي يغذمر
في الكلام. وروى: (ومغثمر) بالثاء، ومعناه كمعنى المغذمر. يقال غثمر غثمرة، مثل غذمر غدمرة.
والمقسم نسق على لزاز عظيمكة، وكذلك المغذمر. والهضام نعت المغذمر. واللام صلة هضام.
فضلاً وذو كَرَمٍ يُعِينُ على النَّدَىسَمْحٌ كَسوبُ رغائبٍ غَنَّامُها
معناه يفعل ذلك رغبة في الفضل. (سمح): سهل. و (الرغائب): الكثير من المال. (غنامها): يغنمها
ويصيبها. وقال بعضهم: معناه يكسب الرغائب من المحامد ويغتنمها لكي يذكر بالمحامد.
وذو كرم نسق على لزاز عظيمة. وقال بعضهم: معناه وفينا ذو كرم. وقال آخرون: معناه: وهو ذو
كرم.
مِنْ مَعْشرٍ سَنَّتْ لهمْ آباؤُهمْولكلِّ قومٍ سُنّةٌ وإِمامُها
قوله (من معشر)، معناه هؤلاء الذين ذكرت من معشر هذه العادة فيهم سنة. و (لكل قوم سنة) معناه
سن لهم آباؤهم سنة وعلَّموهم مثال السنة. والإمام: المثال. قال الشاعر:
أبوه قبلَه وأبو أبيهِبنَوْا مَجْدَ الحياةِ على إمامِ
معناه على مثال. والإمام: الكتاب والرسول. قال الله ﷿: (يومَ ندعُو كُلَّ أناس بإمامهمْ).
والإمام: الطريق الذي يؤتم به. قال الله ﵎: (وإنَّهما لبإمام مُبين).
والإمام نسق على السنة، والهاء تعود عليها.
لا يَطبَعُونَ ولا يَبُورُ فِعَالُهمْإِذْ لا تَميلُ مَعَ الهوَى أَحلامُها
قوله (لا يطبعون)، معناه لا تدنس أعراضهم. والطبع: الدنس. يقال طبع
السيف، إذا دخله مثل الجرب من شدة الصدأ. وطبع الرجل فهو طبع، إذا أتى عيبا. يقال: نعوذ بالله من طمع يدنى إلى
طبع، أي إلى دنس. قال الأعشى يمدح هوذة بن عليّ:
له أكاليلُ بالياقوت فصَّلَهاصَوَّاغُها لا ترى عيباً ولا طَبَعا
وقال الآخر:
لا خير في طمعٍ يُدنى إلى طَبَعوغُفَّةٌ من قَوَامِ العيش تكفيني
وقوله (لا يبور فعالم) معناه لا يهلك. يقال: قد بار الطعام، إذا كسد وهلك. ويقال: (نعوذ بالله من
بوار الإيم)، أي من كسادها. قال الله ﷿: (يَرجُونَ تجارَةً لنْ تَبور). ويقال: رجل بائر، ورجل
بور، ورجال بور، وامرأة بور. قال ابن الزبعري:
يا رسولَ المليكِ أن لسانيراتقٌ ما فتقْتُ إذْ أنا بُورُ
وقال الآخر:
همُ أوتُوا الكتابَ فَضَيَّعوهفهمْ عُمْىٌ عن التوراة بُورُ
يقول: فلا يهلك فعالنا في الحمد فيذهب، بل يذيع فيبقى ذكره. وقوله (لا يميل مع الهوى أحلامها)
معناه أحلامهم تغلب هواهم، فليسوا ممن يميل مع الهوى أو يتكلم به.
والهاء التي في الأحلام تعود على القوم، أي أحلام جماعتها.
فبنَى لنا بيتاً رفيعاً سَمْكُهُفَسَمَا إليه كَهلُها وغُلامُها
معناه: فبنى لنا هذا الفعل بيتا. يقال فاعل بنى ضمير من ذكر الله تعالى. قوله: (سمكه): شرفه.
وسما، معناه ارتفع.
فاقنَعْ بما قَسَمَ المَلِيكُ فإِنَّماقَسَمَ الخلائقَ بيننا عَلاَّمُها
ويروى: (فإنما قسم المعايش). و (الخلائق): الطبائع، واحدتها خليقة؛ وكذلك النحائت، واحدتها
نحيتة.
والهاء تعود على الخلائق. و (العلام) هو الله ﵎. والمعايش لا تهمز، لأن الياء عين
الفعل، ووزنها مفاعل. وإنما تهمز من هذا ما كان الياء فيه زائدة كقولهم فعيلة وفعائل. وربما همزت
معائش وشبهت بفعائل.
وإِذَا الأَمانةُ قُسِّمَتْ في مَعْشرٍأَوفَى بأَعظَمِ حَقِّنا قَسَّامُها
ويروى: (بأوفر حظنا). و (أوفى)، معناه ارتفع. ويقال معناه وفى الذي يقسم لنا وأعطانا أعظم
الحظ. ويقال وفيت وأوفيت. قال الشاعر:
أما ابنُ طَوقٍ فقد أوفَى بذمَّتهكما وفَى بقلاصِ النَّجمِ حاديها
وَهمُ السعاةُ إذا العَشيرةُ أُفْظِعَتْوهمُ فوارسُها وهُمْ حُكَّامُها
ويروى: (إن العشيرة). قوله (أفظعت) معناه حل بها أمر فظيع. ويروى: (أقطعت) فمعناه غلبت.
والمقطع: المغلوب. وقال بعض أهل اللغة: المقطع: الذي لا ديوان له ولا حيلة. ويقال أقطع بفلان،
إذا أصابه أمر عظيم أو مات ظهره. ويقال قطع رحمه قطيعة، وقطعت اللحم قطعا، وقطعت النهر
قطوعا. وقطعت الطير قطاعا، وبعض العرب يقول قطاعا، إذا جاءت من ارض إلى أرض. ويقال
للقوم إذا جفَّت مياههم: أصابتهم قطعة منكرة. وبالرجل قطع، إذا كان به انبهار. و (السعاة): القائمون
بأمرهم. وإذا صلة السعاة.
وهُمُ ربيعٌ للمجاوِرِ فيهمُوالمُرْمِلاتِ إذا تطاولَ عامُها
المرملات: اللواتي لا أزواد لهن. يقال: أقتر الرجل، وأرمل، وأقوى، وأنفض، إذا ذهب زاده.
وأنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي:
ومرملو الزّاد مُعنِىّ بحاجتهممَن كان يرهب ذَمّاً أو يقي حَسَبا
وقوله (وهم ربيع) معناه هم بمنزلة الربيع للجار الجنب. ويقال أنفض، إذا ذهب زاده. وفي بعض
أمثالهم: (إن النفاض يقطَّر الجلب) معناه: إذا نفدت ميرتهم وأنفضوا جلبوا إبلهم إلى الأمصار
فباعوها.
وهمُ العَشِيرةُ أن يُبَطِّئ حاسدٌأَو أن يَلُومَ معَ العَدُوِّ لِيَامُها
ويروى: (أو أن يلوم مع العدى لوامها). يقول: هم العشيرة أن يبطئ حاسد عنهم، أو أن يلومهم لائم
من عشيرتهم مع عدوهم. وقوله (أن يبطئ حاشد) معناه من أن يبطئ حاسد، كما تقول: هو الحصن
أن يرام، أي من أن يرام. ويقال: معناه هم العشيرة التي لا يقدر حاسد أن يبطئ الناس عنهم بسوء
قول فيهم. (أو أن يلوم مع العدى لوامها)، أي لا يقدر لائم على لومهم من كرمهم. وهذا مثل قول
مطرود بن كعب الخزاعي:
يا ليلةً هيَّجَتْ ليلاتيإحدى لياليَّ القَسِيَّات
إن المغيراتِ وأبناءَهمهُمْ خيرُ أحياءٍ وأمواتِ
أخلَصَهم عِرقٌ لُبَابٌ لهمْمِن لَوْم مَن لامَ بمَنْجاةِ
ويقال: هو الرجل أن قال فيه حاسد ما ليس فيه. وقال أبو جعفر: قوله (أن يبطئ حاسد) معناه: هم
العشيرة الذين يقومون بأمرنا من أن يبطئ حاسد، فيقول: قد أبطئوا في أمرهم ولم يعجلوا الغوث؛
حسدا منه لهم. ويروى: (إن تبطأ حاسد) ويروى: (إن تنبط حاسد)، أي استخرج أخبارهم ليجد فيها
عيبا فيذكرهم. و (ليام): جمع لائم، ولا يجوز همزه كما لا يجوز هم قئام في جمع قائم. و (العدى)
الاختيار فيه كسر العين إذا لم تكن فيه هاء، وقد تضم وليس ذلك مختارا. فإذا أدخلت الهاء ضمت
العين لا غير فقيل: عداة.
وأنْ موضعها نصب في قول الفراء بحذف الخافض. ويروى: (أو أن يلوم مع العداة ليامُها).
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع