من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (٦)
وهو من التساوي. وقال المتنبي:
همَّامٌ إِذا ما فارقَ السيف غِمْدَهُوعايَنْته لم تدْرِ أيّهُما النَّصْلُ
وقال الحماني:
إِنّي وقومي منْ إحسان قومهمكمسجد الخيف مِنْ بحبوحة الخيف
ما علقَ السيف مِنا بابن عاشرةإِلاّ وهمّتُه أمضى من السيفِ
وأوضح من هذا قوله أيضاً:
تستأنس الضيف في أبياتنا أنساًفليسَ يعلم خلق أينا الضيف
والسيف إِنْ قستَهُ يوماً بناشئنافي الروع لم تَدرْ عزماً أينا السيف
فليس في بيت الحماني حشو لأن الناشئ مفيد أن عزمه في حال الحداثة التي يطعن على أهلها بها لأن جهلها معذور وعلمها محقور بمنزلة السيف مضاء قوله في الروع أيضاً مفيد لأنه يسلب المحتنكين عزائمهم وحديث فراق السيف غمده وذكر المعاتبة حشو مذموم وما زاد عليه في المعنى ولا المبنى فصاحب البيت أحق به.
وقال المتنبي:
على سابحٍ موج المنايا بنحرهغداةَ كأنَّ النَّبْل في صَدْره وبلُ
قال محمد بن الحسن الأسدي المعرج في جيش: في ذي صهيل ونبله من نبله فقد أتى المعرج باللفظ الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما قال.
وقال المتنبي:
إِذا قيل رفْقاً قال للحِلْم مَوْضِعٌوَحِلْمُ الفتى في غيرِ مَوْضِعه جَهْلُ
أصل هذا من قول الأول:
وبعضُ الحلم عِند الجَهْل للذَّلَّةِ إذْعانُ
وقال ابن الرومي:
حليمٌ إذا ما الظلم أحمد عبهوآل إلى العُقبى التي هي أسلمُ
جَهول على الأعداء جهل ركانهيُداوي بها جهل الجهولِ فيحسمُ
وقد طول ابن الرومي وزاد في الشرح وما زاد على إيراده معنى أبي الطيب.
وقول الآخر:
جَهول إِذا أزرى التحكم بالفَتَىحليمٌ إذا أزرى بذي الحسب الجهلُ
ومعنى هذا يوافق معنى بيت أبي الطيب بغير زيادة فهو يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
وَلوْلا تولي نفسه حَمْل حلْمهعنْ الأرض لانهدَّتْ وناءَ بها الحِملُ
قد خبر في البيت الأول أنه قد يفارق الحلم لموضع إصلاح نفس الجاهل لجهله الذي يكف الجاهل عن الطمع فيه ثم أفرط في وصف حلمه بعد ذلك والمعنى الصحيح ما قال البحتري:
مَعْشر أمسكَتْ حلومُهم الأرضَ، وكادتْ من عزِّهم أنْ تَميدا
وهذا الكلام يرجح على كلام أبي الطيب بالإخبار عن سكونها بهم وميدها بغيرهم. وقال المتنبي:
تَباعدت الآمالُ عنْ كل مَقْصدٍوضَاقَ بها إِلاّ إلى بابهِ السُّبْلُ
قال العكوك:
إِليه سبيل الناسِ في كُلِّ وجهةٍولو فقدوها ما اهتدوا لسبيلِ
وقال مسلم:
من كلِّ حيٍّ وإن أثروا وإن شرفواإليكَ من كل أرضٍ منهجُ الطُّرُقِ
وقال أشجع:
بسطتْ يداهُ رجاءَ سائلهِفجرتْ إليه بأهلها السُّبُلُ
ذكر أبو الطيب أن الآمال عن كل مقصد تباعدت وضاقت بها إلا إلى بابه السبل. فكأن قاصديه مضطرون لتعذر الكرام، تضييق الغرض إليه لطلب ما عنده ومسلم يقول: إن المثري والشريف وغيرهما إليه راغبون في كل أرض، فكلامه أرجح من كلام من أخذ عنه. وذكر أشجع أنه بسط رجاء آمليه فجرت إليه بأهلها السبل. وقد يكون ذلك من اتساع المطالب واتجاه المكاسب لزيادته على غيره في الجود. وكلٌّ أحسن تحلصا منه وأرجح مدحا، فهم أولى بما سبقوا إليه.
وقال المتنبي:
ونادى النَّدى بالنائمين عن السُّرىفأسمعهم: هبُّوا فقد هلك البُخلُ
هذا ينظر إلى قول أبي نواس:
إذا ضنّ ربُّ المال ثوَّبَ جودهُبحيٍّ على مال الأمير وأذناَ
ولابن الرومي في معناه:
ثوَّبَتْ بي إلى عليَّ معالييهِ فلبَّيْتُ أول التثويبِ
وقال أبو العتاهية:
إذا أُسمي المهديُّ نادتْ يمينهُألا من أتاني زائراً فله الحُكمُ
وهذه أبيات متقاربات تدخل في باب المساواة، وإن كان أبو الطيب أوضح كلاماً منهم. وفي قوله:) فأسمعهم (مقاربة للفظ ابن الرومي في قوله:) فلبيت (.
وقال المتنبي:
وحالتْ عطايا كفَّهِ دون وعدهِفليس له إنجازُ وعدٍ ولا مَطْلُ
قال البحتري:
حيثُ لا تدفع الحقوقَ المعاذيرُ ولا يسبقُ العطايا السُّؤالُ
فقوله:) لا يسبق العطايا السؤال (هو بيت أبي لطيب، وفي صدره معنى يرجح عليه به.
وقال البحتري أيضا:
رَطْبُ الغمامِ إذا ما استمطرتْ يدُهُجاءت مواهبه قبلَ المواعيدِ
وقال ابن الرومي:
وكثيراً ما كان يفعلُ ما يحسنُ من غيرِ أن يُقدمُ وعدا
وقال أبو المعتصم:
الفعلُ قبل القول من عاداتهوالعُذرُ من قبل النَّوالِ الأعجلِ
وأجود من هذا قول أشجع:
يَسْبقُ الوعد بالنَّوال كما يسبقُ برق العيون صَوْبَ الغَمامِ
بيت ابن الرومي الأوّل معناه أنّ العادة تقتضي أن السؤال قبل العطاء وإذا لم يسبق السؤال العطاء فكأنه قبل أن يسل أعطى، والإعطاء من غير وعد قد يمكن أن يكون بعد سؤال وتقدم الرفد قبل الوعد أفضل، فكلام البحتري أمدح وكذلك البيت الثاني له وكذلك بيت ابن الرومي وبيت أبي المعتصم يسوغ فيه أن يسبق النوال السؤال والوعد.
وقد قال ابن المعتز:
سَبق المواعِد والمطالَ عطاؤهفأتى رجاء الراغبين سَرِيعا
وقد قال ابن الحاجب:
سَبَقتْ وعدُ عطاياه فاعتضت بها من يُشْبه الوعد نَقْدا
وقال أيضاً:
كَرم أبطلَ المواعيدبالمطلِ فأضحى وما لهُ موعود
هذه معان متقاربات، إلا أن أشجع قد زاد عليهم بتشبيه مليح من البرق الذي يتقدم الغمام وكلها تقارب باب المساواة أو تدخل فيه لقلة تفاضلها.
وقال المتنبي:
فأقرب من تحديدها رَدُّ فائتٍوأيْسرُ منْ إحصائها القطْرُ والرّمْلُ
أخذه من قول مسلم:
لَهُ سطواتٌ غبّها الحلْمُ بينهافَوائِدُ يُحصي قَبْلَ إِحْصائِها الرَّمْلُ
فإن قلت جمع أبو الطيب بين تشبيهين من) القطر (و) الرَّمْلُ (قلنا إن احتسبت له هذه الزيادة، فقد قال عبد الصمد:
الرمل يفنى ولا تَفنى مكارمُهوالقطرُ يُحْصى ولا تُحصى عَطاياه
وأبو الطيب يقول) ردّ فائت (قد دل على مقصده وكلما يمتنع عد فائتة وكذا يمتنع عدا القطر والرمل فيه فجعل عدهما ممتنعاً، ومسلم قال:) يحصى قبل إحصائها الرمل (وإذا عد الرمل قبل إحصاء سطواته وفوائده جعل عده ممكناً بعد ذلك لأنّ أبا الطيب وعبد الصمد جعلا ما أمتنع عندهما فناؤه وبعد في ظنونهما إحصاؤه فيمكن الفناء والإحصاء لهما وعطاياه لا يمكن ذلك فيهما، فهو أبلغ مدحاً وأولى بما قال: وقال المتنبي:
وما تَنْقمُ الأيام ممن وجُوهُهالأْخمَصه في كل نائبةٍ نَعْلُ
معناه مأخوذ من قول كثير:
وطئت على أعناق ضمرة كلهابأخمص نَعلي واتخذتمْ نَعْلا
وفي صدر بيت أبي الطيب مطعن وما في بيته ما يزيد معناه على معنى كثير، فكثير أحق بما قال.
وقال المتنبي:
كَفى ثعلاً فخراً بأنّكِ مِنْهُمودهْرٌ لأن أمسيْتَ من أهْلِهِ أهْلُ
معناه: ودهر أهل لأن أمسيت من أهله. والدهر مرفوع بفعل مضمر يدلّ عليه أول الكلام كأنه قال: وليفخر دهر. وهذا أكثر ما يمكن الاحتجاج له إذ لا مرفوع هاهنا يعطف عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، والفعل أقوى. والاحتجاج له ضعيف لأنه جاء إما من ضعف علم أو تكلف إعراب
ليجيب بهذا الجواب. ومثل هذا من المحدثين قبيح.
وقال المتنبي:
فما بفقيرٍ شامَ برقَكَ فاقةًولا في بلادٍ أنت صيِّبُها محلُ
قال مسلم:
ما ضرَّ أرضاً كنت فيها نازلاًيا زيدُ حقاً أنَّها لا تُمطرُ
فأتى أبو الطيب من ذكر البرق والصَّيب والمحل بجنس يتقارب. وذكر مسلم من النزول في الأرض ما ليس من جنس المطر. وقال:) يا زيدُ حقاً (فحشّى البيت بقوله) حقاً (. فكلام أبي الطيب في الصنعة أحسن وأرجح وهو أولى بما أخذ.
ويتلوه قصيدة أولها:
اليومَ عهدُكُمُ فأينَ الموعدُهيهاتَ ليس ليومِ عهدكمُ غدُ
هذا معنى نبهه عليه قول ابن الرومي:
يا سيدي أنجزَ جَرٌّ ما وعدْلم يكن ليومه في الوعدِ غدْ
وهذا يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
إنّ التي سفكتْ دمي بجفُونهالم تدرِ أنَّ دمي الذي تتقلدُ
هذا من قول النابغة:
في إثر غانيةٍ رمَتْكَ بسهمهافأصابَ قلبكَ غير أن لم تقصدِ
لعل أن التي سفكت دمه لم تدر بسفكه، وأصابت هذه قلبه من غير أن تقصد له. فالمعنى لا يزيد على المعنى، وهو داخل في باب المساواة والأل أحقّ بما قال. وقال ابن أبي فتن:
أذاهبةٌ نَفْسُ المُتَيَّمِ ضيعةًوقاتلُها لم يَدْرِ ما صَنَعَ السَّهْمُ
وقال المتنبي:
قالت وقد رأت اصفراري من بهوتنهدَّتْ فأجبتُها المتَنَهِّدُ
يقرب هذا من قول ديك الجن:
مَرّت فقلت لها: تحية مُغرمٍماذا عليك من السلام فَسلمي
قالت: لمن تعني؟ فطرفك شاهدبنحول جسمك قلت: للمتكلم
فتبسمت فبكيتُ، قالت: لا تُرعفلعلّ مِثْل هواك بالمبتسّم
قلتُ: اتفقنا في الهوى فزيارةًأو موعداً قبل الزيارة قَدّمي
فتضاحكت خجلاً وقالت: يا فتىلو لم أدعك تنامُ، بي لم تَحلمِ
قوله:) قال (لمن تعني في معنى بيت أبي الطيب لكن هذا كلام أعذب ولفظ يبعد من قوله: من به وكم بين قوله:) للمتكلم (وقوله:) فأجبتها المتنهّد (وهذا يدخل في نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي والأول أحق به فكأني بمتتبع العيب يقول أراد بيتاً فأورد أبياتاً يستغنى عن ذكر جميعها ولسنا نعمل هذا في كل ما نريده من السرقات ولكن إذا ورد الشعر الفصيح والمعنى المليح أوردناه بكماله عمداً، وقصدنا ذلك قصداً لأن موضوع الكتاب الفائدة فإن خرجنا عن الغرض وأفدنا القارئ فيه فقد بلغنا المقصد المطلوب وجمعنا له المحبوب وإيراد الخبر النادر والمعنى الباهر يؤمن قارئ الكتاب من الملل علماً بمحبة النفس للاستطراف والنقل فهذا ما حقنا أن نعاب به ثم نرجع إلى موضع التأليف.
قال المتنبي:
فَمضتْ وقد صبغ الحياءُ بياضَهالَوْني كما صَبغ اللُّجيْنَ العَسْجَدُ
لأبي الطيب مذهب في الحياء ينفرد به لأنه القائل:
سَفرتْ وَبرْقَعها الحياءُ بِصُفرةٍستَرتْ محاجرها ولمْ يكُ بُرْقُعا
فكأنه لا يفرق بين تأثير الوجل وتأثير الخجل ونسي قول جالينوس:) الحمرة حادثة عن الخجل والصفرة حادثة عن الغم والوجل (فإن أراد مذهب الفلاسفة فهذا مذهبهم وإن أراد مذهب الشعراء فقد قال ابن المعتز:
يا مَنْ يجودُ بموعدٍ من وصلهويصد حين يقول أين الموعدُ
ويظلُّ صبّاغ الحياء بوجههتعباً يعصفر تارةً ويورِّدُ
وقال ابن دريد:
يَصفر وَجْهي إِذا بَصَرتْبه خوفاً ويحمر خده خجلا
حتّى كأن الذي بوجنتهمن دم وجهي إِليه قَدْ نقلا
قال الخبزأرزي:
خجل الحبيب من العتابِ فورّد الخد الخجلْ
فحسبت منه غضبافقطعت ذلك بالقبلْ
ما لي وما بعتاب منلو شاء يقتلني فعلْ
فقد خالف أبو الطيب مذهب الفلاسفة والشعراء ومشاهدة العيان ومع إحالته فقد سرق المعنى من قول ذي الرمة:
كحلاءُ في برجٍ صفراء في نعجٍكأنّها فضة قَدْ مسها ذهب
فإن توهم متوهم ناقص الفطنة أن علينا في قول ذي الرمة حجة لأبي الطيب فليس كما توهم. لأن ذا الرمة وصفها بصفة ثابتة عليها ولم يجعل الحياء سبباً
لصفرتها. وقد يكون اللون العاجيّ في البشر خلقة لا لعلة. وقد أخذ هذا المعنى بعض المحدثين، أنشده الجاحظ:
بيضاءُ صفراءُ قد تنازعتهالونان من فضَّةٍ ومن ذهبِ
فقد بين إرادته وخبَّر عن خلقة لن تتغير لعلة أوجبتها. ومن جعل الحياء علةً للصفرة فقد أحال، والسارق الصحيح المعنى أولى من السارق العليل المعنى.
وبعد هذا بيتان رعد فيهما وبرق، ويقال أرعد وأبرق، وهما موجودا المعنى في قول جهم بن خلف:
وأضحتْ ببغدانَ في منزلٍله شُرفاتٌ دوينَ السَّما
وجيشٌ ورابطةٌ حولهُغِلاظُ الرِّقابِ كأُسدِ الشَّرَى
بأيديهمُ مُحدثاتُ الصِّقالِسُريجيةُ يختلينَ الطُّلى
ومثله:
وكيف بها والعار والنَّارُ دونهاوآسادُ غيلٍ زأرها ووعيدُها
وبيتا المتنبي:
عدويَّةٌ بدويَّةٌ من دُونهاسلبُ النُّفوسِ ونارُ حربٍ تُوقدُ
وهواجلٌ وصواهلٌ ومناصلٌوذوابلٌ وتوعُّدٌ وتهدُّدُ
وليس هذا مما يُعبأ باستخراج سرقته، ولكننا نعني بما عني به. وبينا هو في ذكر مرضه يقول:
أبرحْتَ يا مرَضَ الجُفون بمُمرضٍمَرِضَ الطَّبيبُ له وعيدَ العُوَّدُ
حتى خرج خروجا غير مليح ولا متقارب ولا متناسب إلى قله:
فلهُ بنو عبد العزيزِ بن الرِّضاولكلٍّ ركبٍ عيسُهُمْ والفدفدُ
وما أشبه هذا بقوله:
جَلَلاً كما بي فليكُ التَّبرجُأغذاءُ ذا الرَّشأِ الأغنِّ الشِّيحُ
فبينا هو يشكو تباريحه إذ صار عن غذاء الرشأ ما هو. وقد قيل للعجاج: ليهنك ما يقول رؤبة من جيد الشعر. قال نعم ولكني أقول البيت
وأخاه وهو يقول البيت وابن عمه. وهذا الكلام الذي قاله لا يشبه ابن عم البيت ولا يستحق اسم جار قريب. وما أفرح بهذا الخروج ولا استحسنه.
وقال المتنبي: مَنْ في الأنام من الكرامِ ولا تَقُل مَنْ فيك شأمُ سِوى شُجاع يُقْصدُ هذا بيت لا يوجب أن لا يكون في الكرام أحد غير شجاع وهو مأخوذ من قول للأعرابي:
والله ما ندري إِذا ما فاتناطلب لديك من الذي يتطلبُ
ولقَدْ ضَربنا في البلادِ فلمْ نَجدأحدُ سواك إلى المكارم ينسب
فأصبرْ لعادتنا التي عودتناأو لا فأرشدنا إلى من نذهبُ
فذكر البدوي أنه لم يجد أحداً إلى المكارم غيره وهو معنى أبي الطيب وهما يدخلان في قسم المساواة: وقال المتنبي:
أعْطى، فقلْتُ: لجُودِهِ ما يُقْتنىوسطا، فقلتُ: لسيفه ما يُولَدُ
الصفة في هذا البيت أن يقول:
أعطى، فقلت لكفه ما يقتنىوسطا، فقلت لسيفه ما يولد
أو أن يقول:
لجوده ما يقتنى وسطافقلت: لسيفه ما يولد
فيأتي باسم مع اسم، أو بمصدر مع مصدر وهو ينظر إلى قول أبي تمام في عجزه:
لَمْ تَبْقَ مشركةٌ إلاّ وقد عَلمتْإِنْ لم تَتبْ أنَّهُ للسَّيْف ما تلدُ
ولكن لأبي الطيب زيادة في صدر البيت يرجح بها فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
وتحيَّرتْ فيه الصّفاتُ لأنَّهاألفتْ طَرائِقهُ عليْها تَبْعُدُ
هذا من قول البحتري:
كيف نثني على) ابن يُوسف (لا كيف سرى مَجْدُهُ ففات الثناء
ولم يخبر أبو الطيب إلا بتخير الصفات قد يهتدي إلى وصفه بعد حيرتها، والبحتري خبر عن فوت ما فيه وأنه لا يمكنه فهو أحق لرجحان لفظه على لفظ من أخذ عنه.
وقال المتنبي:
في كُلِّ مُعْتركٍ كُلى مَفْريَّةٌيَذممنَ مِنْهُ ما الأسنَّةُ تَحْمَدُ
وليس للأسنة منفعة في قرى الكلى توجب حمداً وكان يجب أن يقول) يذمم من فعل القنا ما يحمد (لأن الحمد يقع من الطاعن بالأسنة، وينظر إلى هذا قول) ديك الجن (:
بكرت عَواذله وجاءَ عفاتهفرأيت مَحمود الندَى مَذْمُوما
وهذا مما احتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه وقد أوقع الحمد والذم هاهنا على من يقع الحمد والذمّ منه، والكُلى والأسنة لا يقع منهما ذلك. فتقسيمه، أعني الديك، أوضح وكلامه أرجح وهو أولى بما قال. وقال المتنبي:
أسدٌ، دمُ الأسدِ الهزبرِ خضابُهُموتٌ، فريصُ الموتِ منه ترعَدُ
فمما يشبه صدره صدر هذا البيت قول الخليع الحراني:
عطاءٌ علمتُهُ ذوي العطاياأسودٌ غُذِّيَت بدمِ الأُسودِ
هذا البيت يقارب صدر بيت أبي الطيب، وعجزه يشبه قول علي بن محمد البصري:
والليلُ يعلمُ أنِّي ما هممتُ بهِإلا ومنّي قُلوبُ الجِنِّ ترتعدُ
فادّعى البصري مُمكناً في الجنّ لأن الله تعالى قد خبّر عن استماع الجن القرآن، وسماهم نفرا. وإذا كانت لهم أسماه كانت لهم قلوب يرعدها الخوف على وجه المبالغة. وأبو الطيب صيّر الموت، هو عرض، جسما، وصيّر له فريصاً فأحال. ولكنه قد أورد اللفظ الطويل في الموجز القليل، وأتى بيته نائباً عن بيتين فهو
بالاختصار أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ما منبحٌ مُذْ إلا مقلةٌسهدتْ ووجهُكَ نومها والإثْمدُ
ينظر إلى قول أبي تمام:
إليك هتكنا جُنْحَ ليلٍ كأنَّمابه اكتحلتْ عينُ البلادِ بإثمدِ
فجعل المتنبي مقلةً، نومها وإثمدها وجهه، وأبو تمام جعل للبلاد عيناً وجعل لها من سواد الليل إثمدا. فالألفاظ متقاربة وإن كانت المعاني مختلفة.
وقال المتنبي إثر هذا:
فالليلُ مُنذُ قدمتَ فيها أبيضٌوالصُّبحُ منذُ رحلتَ عنها أسودُ
قال أبو تمام:
وكانتْ وليسَ الصُّبحُ فيها بأبيضٍفعادت وليس الليل فيها بأسودِ
فهذا أخذ فاضح وغصب واضح، لا يليق بمن أخذه أن يقول ما أعرف أبا تمام. وقد ساواه في المبنى والمعنى فالمسلوب أولى بسلبه.
وقال المتنبي:
ما زِلتَ تدنُو وهي تعلُو عِزَّةحتى توارى في ثراها الفرقدُ
أخذه من قول الديك:
فيا قبرَهُ جُدْ كُلَّ قبرٍ بجُودهوفيكَ سماءٌ ثرَّةٌ وسحائبُ
فإنك لو تدري بما فيكَ من عُلىًعلوتَ فغابتْ في ثراكَ الكواكبُ
وهذا يدخل في باب المساواة، والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
أرضٌ لها شرفٌ، سواها مثلُهالو كان مثلُكَ في سواها يُوجَدُ
نبهه البحتري على هذا:
والبيتُ لولا أنّ فيه فضيلةًيَعْلُو البيوت بِفضْلها لم يُحْججِ
وقال المتنبي:
أبْدى العُداةُ بك السُّرور كأنهُمْفرحوا وعِنْدهم المُقيمُ المُقعِدُ
قال ابن الرومي:
يهش لذكراكَ العدوّ، وإِنَّهليضمر في الأحشاءِ ناراً تسعَّرُ
وهما تساويا في المبنى والمعنى فالأول أحق به.
وقال المتنبي:
قطّعتهُمْ حسداً أراهُمْ ما بهمْفَتقطَّعوا حسداً لمن لا يحْسُدُ
هذا البيت يحتمل معنيين، أحدهما أنهم لما رأوا ما حل بهم التقطع
بالحسد تقطعوا حسداً كمن عدم الحسد فإن كان أراد هذه فمن قول البحتري أخذه:
وملأت أحشاء العدو بلابلاًفأرتد يحسد فيك من له يحسد
فكرم البحتري أوضح وهو يساويه في المبنى والمعنى والسابق أولى بما قال. وإن كان أراد أنهم تقطعوا حسداً للممدوح الذي لا يحسد أحداً فقد أنشد الأخفش:
فحسبني أني لست مثرياً وإنكنت ذا عدم ويحسدني المثري
وقال المعوج:
تنبت على غمر عداه ولم يمتحسين بن يحيى من عداه على غمر
وكلا البيتين أعذب من بيتي أبي الطيب ولفظه أخفى وأصعب وكذلك بيت البحتري أعذب من كلامه فهم أولى بما قالوا منه.
وقال المتنبي:
حتى انثنوا ولو أنّ حرّ قلوبهمفي قلب هاجرة لذاب الجلمد
أخذه من قول جرير:
تكلفني هواجر دونهمتكاد الحصى من جمنهن يذوب
وقال ابن المعتز:
واليوم تجري بالآكامسراته والصخر ذائب
وقال ابن المعتز أيضاً:
ويوم تظلّ الشمس توقد نارهتكاد حصى المعزاء منه تذوب
ولكن في بيت أبي الطيب زيادة من تشبيه) حرّ قلوبهم (بحر هاجرة يذوب منها الجلمد فهو أرجح بزيادة التشبيه واستعارة) القلب للهاجرة (فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
بَقيتْ جُموعهم كأنَّكَ كُلّهاوَبقيت بَينهمُ كأنَّكَ مُفْرَدُ
قال أبو تمام:
بَيتُ المَقامِ يَرى القَبيلةَ واحداًويُرى فَيحْسَبُه القَبيلُ قبيلا
فأبو الطيب جعل جموعهم كانفراده، وأبو تمام جعل جموعهم كوحدته ووحدته كأجماعهم، فالمعنى واحد، وقال أبو تمام أيضاً:
لَوْ لم يَقُدْ جَحفلاً يوم الوغى لغدامن نفسه وَحْدها في جَحْفل لَجِبِ
وقد أخذ معناهما ابن الرومي فقال:
بَلْ لَوْ توحّدْت دون الناس كُلّهمُكُنْت الجميع وكانوا كالمواحيدِ
فخبر ابن الرومي أنك لو توحدت كنت جميعاً ولم يخبر عنه أنه يرى الجميع كالواحد، ففي كلام أبي تمام زيادة يستحق بها بيته، وأبو تمام مخبر محقق وأبو الطيب استعمل) كأن (فصار تشبيهاً والتحقيق أبلغ في المدح من التشبيه فالمحقق أولى بما قال ممن أخذ منه.
وقال المتنبي:
لهفان يستوبي بك الغضب الوَرىلَوْ بم يُنهْنهكَ الحجا والسُّؤدَدُ
) يستوبي (من الوباء وكان ينبغي أن يكون مهموزاً ولكنه أستعمل طرد القياس في ترك الهمز وأبدل الهمزة ياء على غير قياس.
وقال المتنبي:
كُنْ حيثُ شئتَ تسر إِليكَ ركابُنافالأرضُ واحدةٌ وأنْتَ الأوْحَدُ
قال أبو المعتصم:
صِرْ من الأرض حيث شِئتفَجسمي صائرٌ قلبهُ بحيث يصيرُ
فذكر أبو الطيب مصير ركابه إليه، وذكر أبو المعتصم أن جسمه صائر قلبه إلى حيث يصير وقد يصير إليه من ليس صائراً إليه إنما يقصده راغباً وراهباً فهو أرجح من مصير ركابه إليه فقد رجح على أبي الطيب فصار أولى بما قال.
وقال المتنبي:
فصن الحسام ولا تُذله فإِنَّهُيَشْكو يَمينكَ والجَماجِمُ تَشْهَدُ
معناه أنه يضرب به في غير حقه فينبغي أن يصونه إلى أن يضرب به في حقه، وهو يقرب في ذكر شهادة الجماجم من معنى أبي تمام:
قَضى من سَند بايا كُلّ نَحْبٍوأرْشقَ والسيوفُ مِن الشُّهُودِ
وقال المتنبي:
يبس النّجيعُ عليه وَهْوَ مُجَّرّدمن غِمدهِ فكأنَّما هُوَ مُغْمَدُ
قال البحتري:
سُلبوا، وأشرقت الدماءُ عليهممُحْمَّرةً فكأنَّهم لم يُسلَبُوا
وهذا يدخل في توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات وذكر أبو العباس النامي في رسالة له في عيوب شعر أبي الطيب أن قوله.
رَيّانَ لو قَذفَ الَّذي أسْقيتَهُلجرى من المُهجات بَحْر مُزْبِد
أنه مسروق من قول البحتري:
صَديْان من ظمأ الحقودِ لو أنّهُيُسْقي جَميعَ دِمائهم لمْ يَنْقَعُ
فهذا يخبر عن ريان لو مج جميع شربه) تجري من المهجات بحر مزيد (، وهذا يخبر عن صديان لو شرب جميع دمائهم لم يروِ صداه وهذا ضد المعنى ولو أدخل هذا في قسم المعكوس من الشيء إلى ضده لكان أليق ولو قال هذا
الكلام من لم يعرف الشعر رواية ولم ينتقده دراية لقبح فكيف بشاعر يوازن بشعره شعره ويطاول بقدره قدره.
وقال المتنبي:
ما شاركتُه منّية في مُهْجةٍإلاّ وشفرتُهُ على يدها يَدُ
ينظر إلى قول أبي العتاهية:
فإِذا أضرم حرباً كان فيمهج لا لقوم شريكاً للقدرْ
وقال المتنبي:
إنَّ العطايا والرزايا والقناحُلفاءُ طيء غوّروا أوْ أنجَدوا
جعل هذا أبو الطيب خبراً عنهم، وجعله ابن أبي زرعة أمراً فقال:
حالفَ السيفُ والسنان على الدهرِعَسى أنْ تدلك الأيامُ
وقال المتنبي:
منْ كل أكبر من جبالِ تهامةٍقَلْباً، ومن جود الغوادي أجْوَدُ
هذا متداول وقد أحسن الديك الأقسام وأجاد النظام بقوله:
كالأُسدِ بأساً والبدور إضاءةًوالمزن جوداً والجبال حُلوما
وهذا التقسيم أرجح لفظاً فصاحبه أولى به لزيادته في الأوصاف وذكر أبو العباس النامي المصيصي في قول أبي الطيب في رسالته:
أنَّا يكونُ أبا البريَّة آدمٌوأبوك والثقلان أنْتَ مُحَمدُ
قال أبو العباس: بعد إيراد هذا البيت يخاطب أبا الطيب فأين ذهبت وفي أي ضلالة همت ومن أي قليب جهالة اغترفت هذا النوع الذي أكثرت العجب به هو الذي أكثر التعجب منك فلم يرد على بيت أبي الطيب شيئاً من غير إيضاح العتب من قوله.
قال أبو محمد: وفي البيت كلفة وليس بلفظ مطبوع ولا ملتذاً لمسموع في إعرابه مطعن وتقديره كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان ففصل بين المبتدأ الذي هو) أبوك (وبين الخبر الذي هو) محمد (بالجملة، هذا قول بعض النحويين ويجوز عندي أن يكون مراده:) أنى يكون أبا البرية آدم وأبوك
محمد (مبتدأ وخبر،) والثقلان أنت (عطف على المبتدأ وهذه تعقيدات يحتمل ورود مثلها لبدوي لا يعرف الاختيار ويستعمل وجوه الاضطرار فأما المحدث المطبوع فلا عذر له في أن لا يأخذ من الكلام جوهره ويصطفي من متخيره.
وختم القصيدة بقوله:
يَفْنى الكلامُ ولا يحُيط بفضلكُمْأيحيط ما يَفنى بما لا يَنْفدُ
هذا مأخوذ من قول القائل:
لَنْ ينفد الكلم المثنى عليك بهما قِيل منْ كرم أو ينفد الكلَم
قال ابن الرومي:
لَمْ يفنِ ما فيك، بَلْ الكلام
فخبر أن ما فيه من الفضائل لم يفن ولكن فني الكلام فجعل) لنفاد كرمه نهاية من نفاد الكلام وابن الرومي خبر أنه لم يفن ما فيه ولكن فني الكلام (فهذا أبلغ من الأول وهو أخصر. وقال البصير:
مدحت الأمير الفتح طالبُ عُرفَهُوهل يستزاد قائل وهو راغبُ
فأفنى فنونَ الشعر وَهي كثيرةٌوما فنيت آثارُهُ والمناقبُ
وقول ابن الرومي:) بل الكلام (اختصار يفوق فيه غيره وكلام المتنبي
أشرح وفي لفظه جزالة فهو بعد ابن الرومي أحق بما قال، وقد ملح القائل بقوله:
بأبي شكري قليلُوأياديك كثيرة
لمْ يقل فيك لسانيقَطْ فاستوفى ضميره
ويتلو هذه القصيدة أبيات أولها:
لَيسَ الغليل الذي حُماه في الجسدِمثل الغليل الذي حماهُ في الكبدِ
أقسمت ما قتل الحمّى هوى ملكقبل الأمير ولا اشتاقت إلى أحدِ
فلا يلمها رأت شيئاً فأعجبهافعاودتك ولو ملك لمْ تَعد
أما البيت الأول من هذه الأبيات فإنه يريد أنه من حمى الأمير محموم الكبد فهذا يشبه قول القائل:
قَدْ قلت للدهر على أننيأناس أن يرجع عن ظلمه
أسقمتَ من أهوى وعاقبتنيحكمت في الحبِ سوى حلمه
فقال لم تفهم وكل امرئآفته النقصان من فهمه
قد نلت من قلبك لما أشتكىأضعاف ما قد نلت من جِسمه
وهذا الشعر لولا سؤالات فيه وجوابات لكان البيت الأخير أحسن من قول أبي الطيب، فأما قوله: أقسمت ما قتل الحمى..... البيت فالحمى عرض يستولي على الأجسام، والعبارة عن الأعراض بالقتل والشوق فاسدة، وأما قوله:
فلا يلمها رأت شيئاً فأعجبهافعاودتك ولو ملك لم تعد
الحمى تعاود من الأجسام ما لا يعجب ولا يستحسن كمعاودتها المعجب المستحسن فقد صارت عليه معلولة، فأما قول القائل:
حمّاك خماشة حماك عاشقة لَوْلمْ تكن هكذا ما قبلتْ فاكا
فله في قوله في الحمى خماشة وعاشقة أصح من علة أبي الطيب لأن الناس يشبهون آثار ما تبقيه الحمى من آثارها في فم المحموم بالتقبيل فيحسن أن يعبر عن الحمى بالتخميش والعشق لأن التقبيل موضوع لمن هذه صفته من العاشق والمعشوق فكلام هذا القائل أملح وعليه أرجح وهو أولى بما قال.
ويتلوها أبيات أولها:
أهْوِنْ بطول الثواء والتَّلفوالسِّجْنِ والقيْدِ يا أبا ذُلَفِ
قال فيها:
غَيْر اختيارٍ قبلْتُ برّكَ بيوالجوع يُرضى الأُسود بالجيفِ
هذا يقرب من قول ابن أبي عيينة:
ما كنت إِلاَّ كلحْم مَيْتٍدعا إلى أكْلِهِ اضْطِرَارُ
ويقارب هذا قول ابن المعتز:
خُذْ ما أتاكَ من اللئامِ إذا نأى أهْلُ الكَرَمْ
فالليثُ يفترس الكلاب إِذا تعذرتِ الغَنمْ
وقد أخذ هذا المعنى الخليع الحماني وكان قد خرج في سفر له فقطع عليه الطريق فرجع إلى ناحية فيها بعض الأمراء من التنوخيين وكان جائعاً عارياً راجلاً فوقف بين يديه فأنشده:
أنا شاكرٌ أنا ناشرٌ أنا ذاكرٌأنا راجلٌ أنا جائعٌ أنا عارُ
هي ستة فكن الضمين لنصفهاأكن الضمين لنصفها بعيار
أجمل وأطعِمْ وأكسي ولك الوفاعِنْد اختيار مَحَاسنِ الأخبارِ
والعارُ في مدحي لغيرك فاكفنيبالجود منك تعرّضي للعارِ
والنارُ عندي كالسؤال فهل ترىأن لا تكلفني دُخول النارِ
فحمله وكساه وأطعمه وخرج من عنده فلقيه بعض أهله فقال أيرضى لنفسك أن تقبل عطاء التنوخي فقال:
وَقالوا قَدْ قَتلت جَدّي تنوخفقلتُ الليث يَفْترس الكَلابا
إِذا أبيضَ الحِسام فَحلّ عَنْهيصيبُ الضريبة ما أصابا
وأجود هذه الأبيات قول ابن أبي عيينة وهو أولى به من غيره المنية في معنى الجيف والجوع يرضى بها والمضطر صفة تقع بالإنسان والأسود فما عم جميع المضطرين كان أرجح من تخصيص الأسود بالجوع وذكر السجن فقال:
كُنْ أيّها السِّجنُ كيف شئت فَقَدْوطّنْتُ للموت نَفْس مُعْتَرِفِ
لو كان سُكناي فيك مَنْقصةًلمْ يكن الدّرّ ساكِنَ الصَّدفِ
فالبيت المتقدم من قول كثير:
فقلتُ لها يا عَزَّ كلُّ مُصيبةٍإِذا وطّنتْ يوماً لها النَّفْسُ ذَلَّتِ
وهذا يدخل في باب المساواة وقوله: لمْ يكُنْ الدرّ ساكن الصَّدفِ مأخوذ من قول أبي هفان:
تَعَجبتْ درّ من شَيبي فَقلتُ لهالا تَعْجبي فطلوع البْدر في السُّدف
وَزادها عجباً أنْ رُحْتُ في سَملٍوما دَرتْ درّ أنّ الدّرّ في الصدفِ
ويلي هذه الأبيات قصيدة أولها:
أيا خَدَّدَ الله وَرْدَ الخُدُودوَقَدَّ قُدودَ الحسانِ القُدُود
ورد الخدود هو حمرتها والتحديد للخد يكون لا للحمرة وكان ينبغي أن يقول ألا خدود الله الخدود والمليح فيها قول محمد بن يحيى الأسدي:
حادثات الفراق كُل أوانٍمُولعات بالمستهام العميد
كَمْ قلوبٍ قَدْ أحرقْت في صدورٍوخدود قَدْ غادرتْ في خدودِ
هذه المجانس المليح وقد دعا أبو الطيب على أحبابه دعاه على أعدائه بأن يخدد الله خدودهم ويقد قدودهم والقد القطع طولاً والقط القطع عرضاً وليس الدعاء بمثل هذا من شأن شعر المحدثين اللطاف العشاق الظراف ولعل مثل هذا أن يرد في شعر من غلبت عليه عنجهية الإعراب ويكون ذلك خارجاً عن الرقة والصواب كقول كثير:
رَمى الله في عَينْي بُثينَة بالقذىوفي الغُر من أنيابها بالقَوادحِ
وهذا مما عيب به مع تقدمه، فأما المتأخرون فيقولون كما قال الديك:
كيفَ الدّعاءُ على مَنْ خان أو ظلماومالكي ظالمٌ في كُلّ ما حَكما
لا واخذ الله من أهْوى بجفوَتِهِعنّي ولا أقتصّ لي منه ولا ظَلما
فهذا تجنب الدعاء على الظالمين لأن مالكه محبوبه متهم ويسأل الله أن لا يقتصّ له منهم ولا ينتقم.
قال أبو محمد: وقد سلكت أنا هذا المسلك فقلت:
فَهمٌ غالط منى فَهِمَاجاءني يسألُ عما عَلمَا
مُقْسم ما بلغتهُ علّتيكاذبُ والله فيما زعما
كيف لم يبلغه عن سقميوهو المهدي إليّ أسقّما
رزق المظلوم منا رحمةثم لا أدعو على من ظلما
قال أبو محمد: وقد قلت في معناه أيضاً:
إنْ كنتَ تعلمُ ما بيوأنتَ بي لا تُبالي
فصارَ قَلبكَ قَلْبيوصِرت في مثل حَالي
بلْ عِشْتَ في طيب عَيشٍتقيك نَفسي وَمالي
دَعوْتُ إذْ ضاق صدريعليك ثُم بَدَالي
فهذا مذهب العشاق وإشفاق الرفاق ومثل هذا قول الرشيد في الفضل بن الربيع:
يعز عليّ بأن أراك عليلاًأو أن يكون بِكَ السّقام نَزيلا
فَرددت أني مالك لِسلامتيفأغيرها لك بكرةً وأصيلا
فتكون تشفى سالماً لِسَلامتيوأكون دُونك للسّقام بَدِيلا
ويروى للواثق:
لا بِك السّقم ولكنْ حَلّ بِيوبأهلي وأمي وأبي
قيل لي إنك صَدعت فَماخَالطت سمعي حتى ديربي
وقال آخر:
فَقْلتُ للسّقم عُدْ إلى بدنيإنساً بشيء يكون مِنْ سَنيك
وقال آخر:
قد سرني أنهم قد سرهم سقميفازددت سقماً ليزدادوا به فرحا
هذا المذهب المعتاد فأما أن يقول العاشق لمعشوقه:) خدَّد الله خدك وقدَّ قدّك وأعمى بصرك وطمس حسنك (فهذه دعوات المستضعف من المظلومين على الأعداء القاهرين لا على الأحباب المعشوقين وقد عد الناس جريراً من الجفاة لقوله.
طوقتك صائدةُ القُلوب وليس ذاوَقْتَ الزَّيارةِ، فارجعي بِسَلامِ
وقد اتبع هذا الجفاء بجفاء مثله فقال في خروجه أعني المتنبي:
فكانَتْ وكُنْتَ فداءَ الأميروزَالَ من نِعْمةٍ في مَزيدِ
ومما لم يسبق إليه أن جعل محبوبه فداء الأمير الذي رغب إليه وأظنه قال هذه القصيدة أول زمان عشقه قبل أن يرق.
وقال المتنبي:
لَقْد حالَ بالسّيف دُون الوعيدوحَالتْ عَطاياه دُون الوعُود
وهو من قول البحتري:
تمضي المنايا داركا ثُم يُتبعُهابيضَ العطايا ولمْ يُوعد ولم يِعِدِ
والمعنى المعنى وهو يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
فأنجُمُ أموالِهِ في النُّحوسِوأنجم سُؤاله في السُّعودِ
صدر هذا البيت لفظ ينظر من مثله في أن يجعل أمواله منحوسة وإن كان
مراده تفريقها وتبديدها، وأحسن من هذا قول أبي تمام:
طَلعتْ نُجومك للخليفة أسعداوعلى ابن ميخائيل كُن نَحوسا
وكقوله أيضاً:
رَأى بابكُ منه التي طَلَعتْ لَهُبنحسٍ وللدِّين الحَنيفِ بأسعَدِ
فجعل النحوس لعدوه والسعود له ولدينه وليس في الحالتين لفظ يكره سماعه ولا وقوعه وهو في اللفظ الراجح على لفظ من أخذ عنه وصاحبه أحق به.
وقال المتنبي:
ولَوْ لمْ أخف غَير أعدائهعَلْيه لبشّرتُهُ بالخُلُودِ
يشبه قول القائل:
زَعم الفرزدق أنْ سيقتلُ مَرْبعاًأْبشِرْ بطولِ سلامةٍ يا مَرْبَعُ
وبعد هذا البيت:
رمَى حَلبا بنواصي الخُيُولِوسُمْر يُرقنَ دماً في الصَّعيدِ
الصعيد: الأرض التي لم يخالطها سبخ، وقال ثعلب: هي الأرض التي فيها رفعة. قال أبو محمد: فإن كان مراده أن الرماح تريق السلام فيما سمي صعيداً خاصة فليس كذلك يريق الدم في أصناف الأرضين عبر الصعيد وإن كان عبّر عن الصعيد بالأرض أي أرض كانت، فما أفاد فائدة لأن الدم إذا أريق ما يقع إلا على الأرض وهذا من الحشو المذموم.
وقال المتنبي:
وبيضٍ مُسافرةٍ ما يُقمن لا في الرقابِ ولا في الغُمُودِ
قال أبو تمام:
فَلاَ تَطلبُوا أسيافَهُمْ في جُفُونِهمفَقدْ أسكنتْ بين الطُّلى والجَماجمِ
) فأبو تمام يمنع من كونها في غمودها في حال ويجعل سكناها بين الطلى والجماجم (وأبو الطيب يذكر أنها لا تقيم في الغمود ولا في الرقاب فتكون مرة كذا ومرة كذا وقد قال أبو الطيب في قصيدة له:
إلى الهامِ تُصْدر عَنْ مِثْلِهِتَرى صدراً عنْ وُرودٍ وُروُدا
يقول إن سيوفه تصدر عن هام إلى هام فكان صدرها ورود فهي لا تبرح بين الهام وهو معنى أبي تمام بعينه فما لا يبرح الهام والطلى أمدح مما يكون في الغمد وقتاً ثم ينتقل إلى الهام والطلى وكلام أبي تمام أرجح ووصفه وأمدح فهو أحق بقوله ممن أخذ منه، وقال ابن الرومي:
ما ضم سيفاً لنا غمد ولا برحتْضَريبتاه من الأعناق والجزرِ
يخبر أنه لا يضم سيفه ودعا بأن لا يبرح ضريبتاه من الأعناق والجزر وخبر بالبأس والكرم جميعاً فرجح لفظه على لفظ أبي تمام فاستحق ما أخذ.
وقال المتنبي:
يُروَن من الذُّعْرِ صَوتَ الرياحِصَهيل الجيادِ وخَفْقَ البُنُودِ
هذا في معنى قول جرير:
تَركوك تَحْسِبُ كل شَيء بَعْدَهمخَيلاً تشدّ عليكمُ ورَجالا
وقول جرير أبلغ لأنه جعل كل شيء يخيفهم وخصّ أبو الطيب الرياح فهذا أرجح.
وقال المتنبي:
سَعوا للمعالي وهُمْ صبيةٌوسادُوا وجادُوا وهُمْ في المُهُودِ
وهذ) ا (مبالغة مستحيلة غير ممكنة لأن السيادة وقود العساكر لم يكن قط لمن هو في المهد، وإنما كان في المسيح ﵇ كلام في المهد خرج به عن عادة البشر لتظهر المعجزة في نبوته.
وأما قول ابن بيض:
بَلغت لعشر مَضتْ مِنْ سَنيكما يبلغُ السيد الأشيب
وقال البحتري:
قَدْ أكمل الحلمَ واشتدَّتْ شكيمتُهُعلى الأعادي ولْم يَبْلغْ مدى الحُلُم
فقد وسعا ما كان يبعد فهو إلى الإمكان أقرب من ذكر عدة السنين ومن سبق بلوغ الحلم، وقد تمكن مع زائد الفضل وإفراط النبل أن يكون في صبي من التمييز بازاء ما هو في شيخ هو دونه في الفضل وقال سوار بن أبي شراعة:
تَعرف السؤدد في مَولدِهموتراهُ سيداً إن أيفعا
ومعرفة السؤدد بظهور صحة التمييز في الطفل وما يخالف به أشكاله من الصبيان فإذا أيفع كان سيداً على مذهب ابن بيض والبحتري، فأما إطلاق السيادة على الأطفال وقود الجيوش فمحال واضح وكذب فاضح وعلى كراهية العلماء المبالغة المستحيلة فأصحاب الأبيات التي قبله أصح معنى وأحق بما أخذ منهم.
وقال المتنبي:
أمالِكَ رّقِي ومن شأنُهُهبات اللُّجَين وعْتقُ العَبيدِ
لو قال:) من شأنه هبات التضار لنا والعبيد (.
كان أمدح لأن الذهب واهبه أسمح من واهب الفضة لنفاسته وارتفاع قيمته وإلا من فساده إذا أكثر) وعتق العبيد (يستعاض عليه بالأجر في الآخرة والواهب العبيد منهم ليوصف بالجود لا ليعاض عرضاً يصل إليه) من (منفعته.
يليها أبيات:
أجابه منه للضبّ الشاعر بها حين هَجاه الضبّ
أيها أتاك الحمام فاحترمك غير سفيه عليك مِنْ شتمك
ولا فائدة فيها فيطلب لها استخراج سرقه، وقال فيه أيضاً:
أي شعرٍ نَظرتْ فيه لضبّأوحد ماله على الدهر عونُ
يقول فيها:
يا لك الويل ليس يعجز موسى رجل حشو خلده فرعونُ
هذا معنى ينظر إلى قول أبي نولس:
فإِن يكن باقي إفك فرعونفيكم فإِنّ عصى موسى بكف خَصيب
وقال ابن الحاجب:
وإذا المرء فرعنته لهاةكنت موسى فرعون ذي الأوتادِ
وقال المتنبي:
أنا في عينيك الظلام كَماأنّ بياض النهار عَندك جُون
وهذا يشبه بيتاً لابن الرومي من أبيات يذكرها لجودتها وهي:
بحقهم إن باعدوني وقربواسواي، وتقريبُ المباعد أوجبُ
رأى القوم لي فضلاً يعاريه نقصهمفمالوا إلى ذي النقص، والشكل أقربُ
بهائم لا تصغي إلى شدو مَعْبدٍوأمّا على جافي الحداء فَتطربُ
خَفافيش أغشاها نهار بضوئِهولاءمها قطع من الليل غيهبُ
فشبههم بالخفافيش التي من شأنها أن لا تبصر بالضوء ويكون بصرها في الظلام وخبر أبو الطيب أنه عين الهجو ظلام كما أن النهار عنده أسود ولم يذكر العلة الموجبة لذلك فكلام من جعل المهجّوين مثالاً صحيحاً أرجح كلاماً وأولى بما قال.
يليها أبيات أولها:
أبا عَبْد الإِلهِ مُعاذُ أنّيخَفي عَنْك في الهيجا مَقامي
يقول فيها:
أمثلي تَأخُذُ النكباتُ مِنهويجزعُ من مُلاقاة الحِمام
وليس هذا من المعاني البديعة ولا الألفاظ الرفيعة ولكنه إذا أخذه أوجب علينا إخراج أصله وهذا من قول أبي هفان:
أمثلي يخوف بالنائباتِويَخشى بوائق صرف الزمنِ
أذاقني الله مُر الهَوىوأدخلني في حرامي إذن
فزاد على أبي الطيب بما يزيل الشك في مخافته وبالغ حتى سخف لفظه.
وقال المتنبي:
ولَوْ برز الزمان إليّ شخصاًلخضّبَ شَعْرَ مفرقه حُسامي
هذا من قول دريد:
لَوْ مُثّل الحتف لَهُ قرناً لماصدّتْهُ عنه هَيبةٌ ولا انثنى
ومعنى) ابن (دريد لا يفيد غير أَلاَّ نهاب شخص الموت لو مثل له وقول أبي الطيب أحسن عند مدح من المبالغة لأنه شرط يخصب مفرقه بحسامه فأبو الطيب أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
وما بَلَغتْ مشيتَها اللياليولا سارتْ وفي يَدِها زمامي
قال البحتري:
لَستُ الذي إنْ عارضتهُ مُلمَّةٌألقى إلى حُكم الزَّمان وفوَّضَا
يليها أبيات أولها:
أنا عين المسوّد الجحجاحِهَيّجتني كلابُكُمْ بالنُّباحِ
ولو قال:
أنا عين الصارم الكلاحهيجتني كلابكم بالنباحِ
واحتمل غثاثة الكلاح كان بالمعنى أوقع أن يجعل نفسه ليثاً ويجعلهم كلاباً تنبحه والأبيات فارغة.
قال ابن المعتز:
سَمع الليث نباحاً منكمْفَلهُ في وسطِ الغابةِ زارُ
يليها أبيات أولها:
ألذّ من المُدامِ الخندريسِوأحلى مَنْ مُعطاةِ الكُئُوسِ
مُعطاة الصَّفائحِ والعَوَالوإقحامي خميساً في خَميسِ
هذا شعر يحتاج أوله إلى ما بعده وهو معيب عند الشعراء يسمى التضمين وذلك أن يبتدئ معنى في بيت لا يتم إلا بالبيت الثاني، وقد قال إسحاق بن خلف ما فيه التضمين والمعنى:
لَسلُ السيوف وشقُّ الصُّفوفوخوضُ الحُتوف، وضربُ القُللْ
ألذّ من المسمعاتِ القيانوحُث المدامة في يوم طَلْ
ولا فرق بين المبنى والمعنى فهو داخل في قسم المساواة والأول أحق بما قال.
وقال المتنبي:
وموتي في الوغَى عيشي لأنيرأيتُ العيش في أربِ النفوسِ
صدره من قول أبي تمام:
يَستعذبونَ مناياهُمْ كأنَّهمُلا ييأسوُنَ من الدنيا إذا قُتِلوا
ولأبي تمام فيه زيادة يرجح بها، وتمام البيت من قول الأحوص:
فما العيشُ إلا ما تَلذُّ وتَشتهيوإنْ لامَ فيه ذو الشَّنان وفَنّدا
ولكن أبا الطيب قد أختصر الطويل في الموجز القليل فاستحق ما قال.
يليها أبيات وهما:
إذا ما سربْتَ الخمْرَ صرفاً مُهنّأشربنا الذي من مثله شرب الكَرْمُ
ألا حَبّذا قَومٌ نداماهم القنايُسقونها) رياً (وساقيهم العزْمُ
أما ما ذكره من شرب الشارب الخمر فإنه يشرب من مثل ما شرب الكرم فإنه نسي قوله:
فإن تكُنْ تغلِبُ الغلباءُ عُنصرهافإِنَّ في الخمر معنى ليس في العِنَبِ
فجعل العنب لا يلحق الخمر فكيف يجعل ذلك مثل الماء وهل للماء تسخية البخيل وتشجيع الجبان وزوال الهموم وصحة الجسم هذه فضائل لا توجد في الماء فكيف يكون الشرب للخمر كالشرب للماء، وقد خبر الله عنها بمنافع لولا التحريم ما تركت فقد ماثل بين شيئين مختلفين وبينهما فرق لا يخيل.
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع