من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر أبو علي خبر أبي الأسود مع امرأته
ع واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان أحد بني الدؤل من كنانة، وهو يعد في التابعين
والمحدثين والشعراء والبخلاء والنحويين لأنه أول من عمل في النحو كتاباً. ويعد في العرج والمفاليج والبخر. وشهد مع على صفين. وولى البصرة لابن عباس. وهو من المشهورين بالتشيع في على، وكانت امرأته قشيرية يقال لها أم عوف، وكانت بنو قشير عثمانية. وكان أصهاره لا يزالون يردون عليه قوله، فقال أبو الأسود:
يقول الأرذلون بنو قشيرطوال الدهر لا تنسى عليا
فقلت لهم وكيف يكون تركىمن الأعمال ما يقضي عليا
أحب محمدا حباً شديداوعباسا وحمزة والوصيا
بنو عم النبي وأقربوهأحب الناس كلهم إليا
فإن يك حبهم رشدا أصبهوليس بمخطىء إن كان غيا
لم يشك أبو الأسود في أنه رشد، وهو على تأويل قول الله ﷿: " وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ". وإنما قضى زياد بالابن للمرأة، وكان قد بلغ مبلغا يوجب أن يقضي به لأبيه، وهو استيفاؤه سبعة أعوام، كما قالت أمه في الحديث، لأنها كانت عثمانية، وأبو الأسود من شيعة علي.
وأنشد أبو علي لجندل الطهوي:
قد خرب الأنضاد نشاد الحلقمن كل بال وجهه بالي الخرق
وقد فسره أبو علي، ومثله:
برح بالعينين خطاب الكثبيقول إني خاطب وقد كذب
وإنما يخطب عساً من حلب
قوله بالعينين: هو موضع بالبحرين، وهو الذي ينسب إليه خليد عينين، وقيل أراد عيني النظر. وهو جندل بن المثنى الطهوي غلبت عليهم أمهم طهية بنت عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وهم أبو سود وجشيش وعوف، بنو مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو شاعر راجز إسلامي يهاجى الراعي. وذكر أبو علي خبر الزبير عن يوسف بن عبد العزيز بن الماجشون عن عمه يوسف بن الماجشون قال: ذكر شعر الحارث بن خالد وشعر عمر ابن أبي ربيعة عند ابن أبي عتيق إلى آخر الخبر ع الماجشون: اسمه يعقوب ابن أبي سلمة، وأسم أبي سلمة دينار، وقيل ميمون مولى لآل المنكدر سمى الماجشون لأنه كان أبيض تعلوه حمرة، وهو اسم لثياب مصبغة بضرب من الصبغ، لقبته بذلك سكينة بنت على بن الحسين، والماجشون المورد بالفارسية. وعبد العزيز المذكور في الحديث هو أبو عبد الله ابن أبي سلمة فعبد العزيز ابن أخي الماجشون، ولكنهم قد غلب عليهم هذا الإسم. وعبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله هذا الفقيه الضرير صاحب مالك، لم يلدهم الماجشون. وأما ابن أبي عتيق فاسمه عبد الله بن محمد بن عبد الله
ابن أبي بكر. وقوله: لشعر ابن أبي ربيعة لوطة بالقلب: أي لصوق وكل شيء ألصقته بشيء فقد لطته به، ومنه حديث أبي بكر أنه قال لعمر ﵄: والله إنك لأحب الناس إلى، ثم قال: أللهم! أعز، والولد ألوط بالقلب. فأما الحارث فهو الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم شاعر إسلامي، وهو أحد شعراء قريش المعدودين، وكان ذا قدر فيهم، وكان العرب تفضل قريشا في كل شيء إلا في الشعر، حتى كان فيهم عمر والحارث والعرجي وأبو دهبل وعبد الله بن قيس الرقيات، فأقرت العرب أيضا لها بالشعر. ويروي أنه قيل لابن المسيب: لم كانت قريش أضعف العرب شعرا؟ وهي أفصح العرب لسانا. فقال: لأن مكان رسول الله منها قطع متن الشعر عنها. وعكرمة بن خالد أخو الحارث من جلة التابعين يروى عن جماعة من الصحابة. ولهما أخ ثالث يقال له عبد الرحمن شاعر مجيد.
وأنشد أبو علي:
متئد المشي بطيئاً نقرهكأن نجر الناجرات نجره
ع هذا وهم وكلام لا معنى له، وإنما هو: أكرم نجر الناجرات نجره كذا أنشده يعقوب الذي رواه أبو علي عنه وغيره وهو الصحيح. والنقر المذكور في البيت قبله هو: إلصاق طرف اللسان بالحنك والتصويت.
وأنشد أبو علي لزهير:
له في الذاهبين أروم صدقوكان لكل ذي حسب أروم
ع بعده:
وعود قومه هرم عليهومن عاداته الخلق الكريم
كما قد كان عوده أبوهإذا أزمت بهم سنة أزوم
قوله عليه: أي على نفسه. أي تلك العادة عادة منه على نفسه وأزمت: عضت.
وأنشد أبو علي للفرزدق:
لبئست هدايا القافلين أتيتمبها أهلكم يا شر جيشين عنصرا
ع هذا أول القصيدة، وبعده:
رجعتم عليهم بالهوان فأصبحواعلى ظهر عريان السلائق أدبرا
يمدح الحجاج، ويعني بالجيشين أصحاب ابن الأشعث وأصحاب هميان بن عدي السدوسي، يقول: أصبح أهلك على ظهر مركب عري أدبر. والسلائق: آثار الدبر. وهذا مثل ضربه لسوء حالهم.
وأنشد أبو علي لجرير:
حتى أنخناها إلى باب الحكم
ع أول الرجز:
أقبلن من جنبي فتاخ وإضم
على قلاص مثل خيطان السلمقد طويت بطونها طي الأدم
إذا قطعن علما بدا علمفهن بحثاً كمضلات الخدم
حتى تنتاهين إلى باب الحكم ويروى: أقبلن من ثهلان أو وادى خيم يقول: يبحثن بمناسمهن الأرض، كما تبحث النساء المضلات خلا خيلهن في التراب. ويعنى: الحكم بن أيوب ابن أبي عقيل الثقفي، مدحه وهو وإلى البصرة، فكتب الحكم إلى الحجاج إني قدم على أعرابي باقعة، فكتب إليه أن يحمله معه إليه، فلما دخل على الحجاج قال له: بلغني أنك ذو بديهة فقل في هذه الجارية لجارية قائمة على رأسه. فقال جرير: مالي
أن أقول حتى أقايلها؟ فقال بلى: فتأملها وأسألها، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: أمامة، فقال:
ودع أمامة حان منك رحيلإن الوداع لمن تحب قليل
مثل الكئيب تمايلت أعطافهفالريح تجبر متنه وتهيل
هذي القلوب صواديا تيمتهاوأرى الشفاء وما إليه سبيل
فقال له الحجاج: قد جعل الله لك السبيل إليها خذها، فضرب بيده على يدها فتمنعت، فقال:
إن كان طبكم الدلال فإنهحسن دلالك يا أميم جميل
فاستضحك الحجاج، وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة، فهي أم بنيه.
وأنشد أبو علي للقلاخ:
ومثل سوار رددناه إلىإدرونه ولؤم أصه على
ع هو القلاخ بن حزن من بني منقر بن عبيد بن مقاعس، وقال ابن قتيبة: هو القلاح بن جناب من ولد حزن بن منقر، وهو القائل:
أنا القلاخ بن جناب بن جلاأخو خناثير أقود الجملا
وإدرونه: قبيح فعله وقذره، قاله يعقوب، قال أبو علي: الإدرون والدرن سواء.
وأنشد أبو علي:
وعزة قعساء لا تناصي
ع أي لا تقاوم ولا تعالي مأخوذ من الناصية، وكذلك قوله بعد هذا:
حتى أنتصى من هاشم في محتدأكرم بذلك محتداً وصميما
ع أي صار في أعلى المحتد الكريم وتسنمه. والبيت للحزين الدؤلي.
وأنشد أبو علي لأوس:
غنى تأوى بأولادهالتهلك جذم تميم بن مر
ع بعد البيت:
وخندف أقرب بأنسابهمولكننا أهل بيت كثر
فإن تصلونا نواصلكمواوإن تصرمونا فإنا صبر
يقول: ما أقرب أنسابنا، ولكننا كثرنا فتقاطعنا. ومعنى تأوي: تتجمع، ويروي تعاوي: أي يدعو بعضهم بعضا.
وأنشد أبو علي للعجاج: بين ابن مروان قريع الإنس ع هذا الرجز يمدح به الوليد بن عبد الملك، وأتصاله بعد الشطر المذكور:
وابنة عباس قريع عبسضياء بين قمر وشمس
أزهر لم يولد لنجم النحسبين نجيب لم يعب بوكس
وحاصن من حاصنات ملسمن الأذى ومن قراف الوقس
في قنس مجد فوق كل قنس
كانت أم الوليد وسليمان ولادة العبسية. والوكس: النقص، يقال: وكسنى يكسنى، أي نقصني. والحاصن والحصان: العفيفة. ملس: لم يعلق بهن أذى ولا ريبة، كما قال آخر:
ومكللات بالعيون طرقننا ورجعن ملسا
والقراف: المداناة والمماسة، ومن هذا قيل للجماع قراف. والوقس: الجرب، أراد أن يقول: من قراف المكروه كله.
وأنشد أبو علي للعجاج أيضا:
كالجبل الأسود في جنث العلم
ع أول الرجز:
زل بنو العوام عن آل الحكم
وشنئوا الملك لملك ذي قدمضخم الإيادين شديد المدعم
كالعلم الأسود في جنث العلمدمخ ومثل إضم إلى إضم
قوله وشنئوا الملك: يقول كلهم أبغضوا ذلك فسلموه إليهم، يعني ابن الزبير وعبد الملك بن مروان. وذي قدم: أي سابقة. والإيادان: الناحيتان المشرفتان. والمدعم: المعتمد. والعلم: الجبل. ودمخ: جبل بنجد بين اليمامة وضرية. وإضم: جبل لأشجع وجهينة قرب المدينة.
وأنشد أبو علي:
من الأكرمين منصبا وضريبةإذا ما شتا تأوي إليه الأرامل
وقبله:
وإني لمهد من ثنائي مدحةإلى ماجد يبغي لديه الفواضل
من الأكرمين.
وأنشد أبو علي لحميد الأرقط:
ليس الأمير بالشحيح الملحد
ع قال حميد: وهو من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم يمدح الحجاج:
قلت لعنسي وهي عجلي تعتديلا نوم حتى تحسري وتلهدي
أو تردى حوض أبي محمدليس الأمير
يعرض بابن الزبير في قوله: بالشحيح الملحد يريد أنه ألحد في الحرم. وفي قوله:
ولا بوبر بالحجاز مقرد
والوبر: دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون حسنة العينين لا ذنب لها تدجن في البيوت. والمقرد: اللاصق بالأرض من فزع أو ذل. وقوله: حتى تحسري وتلهدي يقال لهد البعير يلهد إذا عض الحمل غاربه وسنامه حتى يؤلمه.
وأنشد أبو علي لأبي الغريب النصري:
إن امرأ أخر من أصرناألأمنا طخساً إذا ينسب
ع أبو الغريب: أعرابي له شعر قليل، أدرك الدولة الهاشمية، قال أبو زياد الكلابي كان أبو الغريب عندنا شيخا قد تزوج فلم يولم فاجتمعنا على باب خبائه وصحنا.
أولم ولو بيربوعأو بقراد مجدوعقتلتنا من الجوع
فأولم، وأجتمعنا عنده فأعرس بأهله، فلما أصبح غدونا عليه فقلنا:
يا ليت شعري عن أبي الغريبإذ بات في مجاسد وطيب
معانقاً للرشء الربيبأغمد المحفار في القليب
أم كان رخوا نائس القضيبفصاح إلينا نائس القضيب والله!
وأنشأ يقول:
سقياً لعهد خليل كان يأدم ليزادي ويدهب عن زوجاتي الغضبا
كان الخليل فأضحى قد تخونهمر الزمان وتطعاني به الثقبا
وهو القائل في هذا المعنى:
يا صاح أبلغ ذوي الزوجات كلهمأن ليس وصل إذا استرخت عرا الذنب
وأنشد أبو علي عن أحمد بن يحيى بيتا لم يحفظ صدره وهو:
ولا أذأ الصديق بما أقول
ع وصدره:
أند عن القلي وأصون عرضيولا أذأ الصديق بما أقول
وقال ابن دريد وذأته عيني: حقرته. وقال الأموي وذأته: قمعته.
وأنشد أبو علي لدكين الراجز:
ليست من القرق البطاء دوسر
ع هو دكين بن رجاء الفقيمي راجز إسلامي. ودوسر: اسم الفرس. والدسر: الدفع الشديد. وقوله قد سبقت قيسا: يريد خيل قيس فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وأنشد أبو علي:
أعجف إلا من عظام وعصب
ع هو لأبي محمد عبد الله بن ربعي بن خالد الفقعسي راجز إسلامي، قال:
من كل محبوك قراه منتجبأعجف إلا من عظام وعصب
يخلط في التجراء جداً بلعب
قال أبو علي عن الأصمعي: أسرع الأرانب أرانب الخلة وذلك أنها تطويها ولا تفتقها والحمض يفتقها.
ع يفتقها أي يكثر لحمها ويسمنها، ومنه قول الأعرابي يذم رجلا: والله ما فتقت فتق السادة، ولا مطلت مطل الفرسان.
وأنشد أبو علي:
وصاحب صدق لم تناني شكاتهظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر
ع ومثله:
إلى معشر لا يظلمون سقاءهمولا يأكلون اللحم إلا مقددا
وقال آخر:
عجيز من عامر بن جندبغليظة الوجه عقور الأكلب
تبغض أن تظلم ما في المروب
والمروب: السقاء.
وأنشد أبو علي عن ابن دريد:
جبت نساء العالمين بالسببفهن بعد كلهن كالمحب
ع هذا يرويه ابن دريد عن أبي عثمان الأشنانداني، ثم قال وقالت امرأة من قريش وهي ترقص ابنها:
لأنكحن ببةجارية خدبةتجب أهل الكعبة
ببة: لقب ابنها واسمه عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب، أي تغلب نساء قريش بحسنها. وقال الهذلي في المحب الساقط:
دعاك إليها مقلتاها وجيدهافملت كما مال المحب على عمد
يقال عمد الجمل إذا فضخ سنامه أو عقره الرجل. وأختلف في معنى ببة، فقال الخليل: ببة يوصف به الأحمق، وقيل إن عبد الله بن الحارث كان كثير اللحم في صغره فلذلك سمي ببة.
وقال ابن جنى: ببه حكاية الصوت الذي كانت ترقصه به وليس باسم، إنما هو كقولك قب: اسم لوقع السيف، وليس في الكلام اسم أوله باءان إلا ببة، وقول عمر: حتى يصير الناس بباناً واحدا: أي شيئاً واحدا، فأما الببر والببغا فعجميتان.
وأنشد أبو علي لعمر:
إن تبخلي لا يسلي القلب بخنكموإن تجودي فقد عنيتني زمنا
ع ومثله قوله في أخرى:
قد كنت حملتني غيظا أعالجهفإن تجودي فقد عنيتني حججا
وقوله أيضاً:
إن تبذلي لي نائلا أشغى بهسقم الفؤاد فقد أطلت عذابي
وأنشد أبو علي لعبيد الله بن عبد الله:
كتمت الهوى حتى أضر بك الكتمولامك أقوام ولومهم ظلم
وفيه:
فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرةعلى إثر هند أو كمن سقي السم
ع هو عبد الله بن عجلان النهدي أحد من شهر بالعشق وقتله. وقوله: أو كمن سقي السم هذا من القلوب إنما هو أو كمن سقي السم فقلب.
وأنشد أبو علي له أيضا:
فلو أكلت من نبت عيني بهيمةلهيج منها رحمة حين تأكله
ع هذه الأبيات تروي لكثير في قصيدته التي أولها:
لمن طلل أقوى من الحي نازله
وقد تقدم ذكر عبيد الله وهو أشعر الفقهاء، وكان ابن المسيب إذا لقيه قال له: أأنت الفقيه الشاعر؟ فيقول: لابد للمصدور من أن ينفث وكان محمد بن شهاب الزهري تلميذا لعبيد الله، وكان يخدمه وقال: صحبته سنين كثيرة فما سألته قط إلا وكأني فجرت به بحرا، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين انتهى إليهم العلم، وكان عمر بن عبد العزيز في إمرته المدينة يصحبهم ويشاورهم، فماتوا جميعا قبل خلافته، فكان يتوجع أن لا يكون منهم أحد حياً يستعين به في أمره، وكان أكثر تفجعه لفقد عبيد الله، وكان يقول: وددت أن لي منه مجلسا بكذا وكذا.
وذكر أبو علي قول الأحنف في خطبته: اقبلوا عذر من اعتذر إليكم ع قد نظم الشاعر هذا المعنى أحسن نظم فقال:
أقبل معاذير من يأتيك معتذراواسمع مقالته إن بر أو فجرا
فقد أطاعك من يعطيك ظاهرهوقد أجلك من يعصيك مستترا
خير الرجال الذي يغضي لصاحبهولو أراد انتصارا منه لأنتصرا
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع