تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح الواحدي (٧)

فيقال له: ألا ينظر العروضي إلى قول أبي الطيب: توسدنا الثوية، أي: اتخذناها وسادة ثم وصف ترابها بالطيب فقال:

......كأنَّ ثَراهَا عَنْبَرٌ في المَرافِقِ

أي: في الوسائد التي اتخذناها من أرضها. فان كان ابن جني أراد ذلك فقد أصاب،

ويكون موافقا للعروضي فيما ذكره من تصعلكه وتصعلك اصحابه؛ بل يزيد على ما أرداه من ذلك، ويجوز ان تكون المرافق هنا الأيدي، ويكون من قول الحادرة:

عَرَّسْتُهُ وَوِسَادُ رأسِيَ سَاعِدٌخَاطي البَضيعِ عُرُوقُهُ لم تَدْسَعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

وما ذكر من التصعلك بقطع السيوف وجعلها كالمدى فقد ذكرت ما فيه في البيت الذي قبله

وقوله:

بلادٌ إذا زَارَ الحِسَانَ بِغَيْرهاحَصَى تُرْبِهَا ثَقَّبْنَهُ للمَخَانِقِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي إذا حُمل حصى هذه البلاد إلى النساء الحسان بأرض غيره ثقبنه لحسنه ونفاسته. والحصى مرفوع بفعله.

وأقول: ويحتمل ان يكون الحصى فاعلا ومفعولا، وكذلك النساء بأن تكون مزورات له وزائرات لنفاسته.

وقوله:

سُهَادٌ لأجفانٍ وشَمْسٌ لنَاظِرٍوسُقْمٌ لأبدانٍ ومِسْكٌ لناشِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

قال: قال ابن جني: قد اجتمعت فيها الأضداد: فعاشقها لا ينام شوقا إليها، وإذا رآها كأنه يرى بها الشمس، وهي سقم لبدنه، ومسك عند شمه. وقد جعل البيت من صفة المليحة.

وقال العروضي: البيت من صفات القطربلي، والخمر تجمع هذه الصفات.

فيقال له: أن الأولى أن تكون من صفات المليحة لأنها مرفوعة، وصفاتها مرفوعة؛ هكذا جاءت الرواية.

والقطربلي منصوب، فلا يستقيم ان تكون هذه الصفات المرفوعة جارية عليه إلا

بإضمار مبتدأ.

هذا من جانب اللفظ والإعراب.

وأما من جانب المعنى فكذلك؛ وذلك إنه يقول: إن هذه المليحة تُسهر عاشقها مع إنها شمس بادية له غير محجوبة عنه، وذلك بخلاف المعتاد. وتُسقم بدنه مع إنها مسك إذا شمها، والرائحة الطيبة لا يحدث عنها سقم البدن وضعفه بل قوته بقوة قلبه وذلك منها بخلاف المعتاد أيضا.

وقوله:

أتاهُمْ بها حَشْوَ العَجاجَةِ والقَنَاسَنَابِكُهَا تَحْشُو بطونَ الحَمَالِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

قال: يقول: أتاهم بالخيل وقد أحاطت بها الرماح والعجاج فهي حشو هاذين، وحوافرها تحشو العيون بما تثير من الغبار.

قال ابن جني: تحشو الجفون بالعجاجة.

وقال العروضي: أحسن من هذا وأبلغ؛ إن الخيل تطأ رؤوس القتلى فتحشو حمالقها بسنابكها كما قال:

......وموطِئُهَا من كلِّ باغٍ مَلاغِمُهْ

فأما أن يرتفع الغبار فيدخل فلا كثير فخر في هذا.

وأقول: هذا الذي ذكره العروضي ليس بشيء ولا يشبه معنى هذا البيت، معنى البيت الذي أشار اليه، وما أعلم لم جعل الخيل تحشو حمالق القتلى بسنابكها إذا وطئت رؤوسها، دون أقدامها وآنفها وآذانها! وإنما يصف هذه الكتيبة بكثرة العجاج وتكاثفه إلى أن يحشو بطون الحمالق، وذلك يدل على كثرتها ويدل عليه قوله:

أتاهم بها حَشْوَ العَجاجةِ والقَنَا .........

وقوله فيما بعد:

ومَلْمُومَةٌ سَيْفيَّةٌ...... .........

وقوله:

...... ......... قَرِيبةُ بَيْنِ البِيضِ......

وفي ذلك كثير فائدة كبير افتخار.

وقوله:

فهاجوكَ أهْدَى في الفَلا من نُجومِهِوأبْدَى بيوتاً من أدَاحي النَّقَائِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

قال: حركوك بحربهم فكنت أهدي في الفلاة من النجم، واظهر بيوتا فيها من مواضع بيت النعام.

وأقول: إنه أراد بأبدى من البادية، أي بيوتك الزم للبدو من لزوم بيوت النعام له؛ يصفه بكثرة الغزو، وقلة مقامه في المدن. وإذا كان كذلك، فالبادية الأعراب الذين هاجوه دونه في ذلك.

وقوله:

تَعَوَّدَ أنْ لا تَقْضَمَ الحَبَّ خَيْلُهُإذا الهامُ لم تَرْفَعْ جُنُوبَ العَلائِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

قال: يروى: جيوب وجنوب وترفع وترقع.

قال: جنوب العلائق نواحيها، وجيوبها ما جيب من أعلاها؛ أي فُتح، وجيب المخلاة فمها، فعلى هذا يروى: لم ترقع جيوب ويكون المعنى: إذا الرؤوس لم تسد جيوب المخالي؛ يقول: تعودت خيله أن لا تقضم إلا من المخلاة لأنها أبدا تسافر. ويجوز أن يريد بالهام هام الأعداء وإنها، لكثرتها، اجتمعت حتى توضع عليها مخالي دوابه فترفعها إليها، وقد تعودت خيله في اعتلافها ذلك، وهذا قول ابن جني حكاه عن أبي الطيب.

وأقول: هذا تفسير ابن جني في ترفع بالفاء، ومن روى بالقاف أراد بالهام أيضا هام الأعداء وأراد أن مخاليها إذا جيبت؛ أي: قورت من طول الغزو، رقعت

برؤوس الأعداء؛ أي: سدت؛ أي: قد الفت ذلك فلا تنكره، وهذا أبلغ من الأول والبيت الذي بعده اقرب إلى تقوية هذا الوجه من الأول وهو قوله:

ولا تَرِدُ الغُدْرانَ إلاَّ وماؤُهَامن الدَّمِ كالرَّيحانِ تحت الشَّقائِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

وذلك لمخالطة الرؤوس لما يعلف كمخالطة الدم لما يشرب، ويضعف تفسيره بالهام هام الخيل ويؤيد هام القتلى.

وقوله:

وأفْرَحَتِ المَقاوِدُ ذفْرَيَيْهَاوصَعَّرَ خَدَّهَا هذا العِذَارُ

قال: الصحيح رواية من يروي بالفاء - يعني في أفرحت - ومعناه: أثقلت؛ يقال: أفرحه الدين: إذا أثقله.

يقول: لمّا وضعت المقاود على العرب لتقودهم إلى طاعتك أثقلت مقاودك رؤوسهم لأنك ضبطتهم ومنعتهم عن التلصص والغارة، فصاروا كالدابة التي تُقاد بحكمة شديدة، وشكيمة ثقيلة.

ومن روى بالقاف جعلهم قرحا؛ أي: بالغت في رياضتهم حتى جعلتهم كالقرح في الذل والانقياد.

والصحيح هو الأول لأن الذفرى لا تختص بالذل والانقياد إلا على بعد.

فيقال له: الرواية بالقاف اكثر، ولم يرد بذلك ما ذكرته من إنه جعلهم قرحا، ولكن: أقرحت من القرح؛ أي: جعلت المقاود في ذفرييها قروحا بشدة ضبطها لها وأخذها منها، وهو مثل ضربه لسيف الدولة في إذلالهم، وذلك أشبه بالاستعارة وابلغ في المعنى.

وقوله:

وغَيَّرها التراسُلُ والتَّشَاكيوأعْجَبَهَا التَّلَبُّبُ والمُغَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

قال: أي: غيرها عن الطاعة، إنها كانت ترسل لك الرسل وتشكو ما يجري عليها

من سراياك.

فيقال له: الصحيح ما قال ابن جني، ويقوله كل بصير! أي: غيرها عن الطاعة إنها راسلت وتشاكت ما يجري عليها من سيف الدولة؛ أي: من إذلالها وضبطها ومنعها مما كانت معودة له من العيث في البلاد والفساد. وهذا أشبه بالحال واحسن، واصح في الاستعمال.

وقوله:

وظَلَّ الطَّعْنُ في الخَيْلَيْنِ خَلْساًكأنَّ المَوتَ بينهما اخْتِصَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

قال: يقول: اختلسوا الطعن فأسرع فيهم الموت حتى كأنه وجد طريقا مختصرا إليهم.

وأقول: بيان ذلك أن الطعن الخلس هو السريع، فلما أسرعوا الطعن، وكان الموت مع الطعن، كان الموت أيضا سريعا لسرعة ما أوجبه؛ فسرعته اختصاره.

وقوله:

مَضَوْا مُتَسَابِقي الأعْضاءِ فيهلأرْؤسِهِمْ بأرجُلِهِمْ عِثَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

قال: يقول: هربوا والرجل تسابق الرأس، والرأس يسابق الرجل سراعا في الهرب وخوفا من القتل، فهذا معنى قوله:

...... مُتَسَابقي الأعضاء...... .........

وقوله:

......لأرؤسِهِمْ بأرْجُلِهِمْ عِثَارُ

قال ابن جني: إذا ندر رأس أحدهم فتدحرج تعثر برجله أو رجل غيره.

قال: وهذا إبداع لان المعهود أن تعثر الرجل لا الرأس.

قال الواحدي: وأبين مما قاله وأجود أن يقال: بأرجلهم عثار لأجل رؤوسهم؛ أي: لأجل حفظها ينهزمون.

وأقول: هذا الذي ذكره لا يقوله محصل، فضلا عن أن يستجده على الوجه الأول! والأظهر - فيما قال ابن جني - أن يكون رأس المقتول الذي طار رأسه يعثر برجل غيره؛ لأنه إذا ضرب الرأس فطار عن الجسد فبعيد أن يسبقه الجسد فيكون قدامه حتى يعثر به، فالعدو والحركة من الجسد بعد سقوط الرأس بعيد إلا ما يحكى عن هدبة ابن خشوم وتحريكه رجله بعد سقوط رأسه ثلاثا. وإنما الرأس إذا ندر عن جسد أحدهم تدحرج فعثر برجل آخر فكأنه يسابقها.

وقوله:

وكلِّ أصَمَّ يَعْسِلُ جانِبَاهُعلى الكَعْبَيْنِ منه دَمٌ مُمَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

قال: أراد بالكعبين اللذين في عامله وهما يغيبان في المطعون؛ فلذلك وصفهما بأن عليهما دما، ويجوز أن يريد الكعب الأعلى والكعب الأسفل؛ لأن الطعن يقع بهما.

ويجوز أن يريد بالتثنية الجمع، وهو قول ابن جني.

وأقول: يجوز أن يريد بالكعبين الأعلى والأسفل، ولكن على غير ما ذكر لأن الطعن لا يكون بأسفل الرمح، وإنما خص الكعبين بالذكر؛ لأن الأعلى به يقع الطعن، والأسفل، لكثرة الطعن بالأعلى يكثر الدم حتى يصل إليه، فاستغنى بذلك عن ذكر ما بينهما لأن الدم لا يصل إليه إلا وقد وصل إلى جميع كعاب الرمح.

ويحتمل أن يريد بالكعبين نفوذ الأعلى بقوة الطعن ونفوذ الرمح إلى الكعب الأسفل.

وقوله:

فكانوا الأُسْدَ ليس لها مَصَالٌعلى طَيْرٍ وليسَ لهَا مَطارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

قال: قال ابن جني: كانوا قبل ذلك اسدا، فلما غضبت عليهم وقصدتهم، ولم تكن لهم صولة على طير لضعفهم، ولم يقدروا أيضا على الطيران فأهلكتهم. وعلى هذا القول يكون البيت من صفة المنهزمين.

وقال العروضي: هذا من صفة خيل سيف الدولة؛ يقول: كانوا اسودا ولا عيب عليهم إذ لم يدركوا هؤلاء؛ لأن الأسد القوي لا يمكنه أن يصيد الطائر لأنه لا مطار للأسد. والمعنى أنهم أسرعوا في الهرب إسراع الطير في الطيران وهذا كالعذر لهم في التخلف عمن لم يلحقوهم من سرعان الهرّاب.

وأقول: الصحيح ما ذكرته في شرح ابن جني.

وقوله:

فهم حِزَقٌ على الخَابورِ صَرْعَىبهم من شُرْبِ غَيْرِهمُ خُمَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

قال: الحزق: الجماعات؛ أي ظنوا أنهم المقصودون، فهربوا وتفرقوا في الهرب، فصاروا جماعات، فكان الذنب لغيرهم وتعب الهرب لحقهم.

وأقول: لم يرد بذلك تعب الهرب، وإنما ذلك لخوف الطلب، وقد بينه فيما بعده بقوله:

حِذَارَ فَتىً...... .........

وقد ذكرته في شرح ابن جني مبينا.

وقوله:

أيا رامياً يُصْمِي مَرامِهِيُرَبِّي عداهُ ريشَهَا لِسهَامِهِ

قال: أي: أعداؤه يجمعون الأموال والعدد وهو يأخذها فيتقوى بها على قتالهم؛ فكأنهم يربون الريش لسهامه حيث يجمعون المال له. فالريش مثل لأموالهم والسهام مثل له.

وأقول: أن السهام هاهنا مثل لأصحابه وفرسانه، يصفهم بالنفوذ في أوامره، والمضاء في مقاصده، والأقدام في الحرب كقوله:

......وأقْدَامُ بين الجَحْفَلينِ من النَّبْلِ

وقوله:

أَسِيرُ إلى إقطاعِهِ في ثِيَابهِعَلَى طِرْفِهِ مِنْ دَارِهِ بِحُسَامِهِ
للشاعر ابن الأبار البلنسي، من قصيدة «هنيئا له عادى أعادي إمامه»

قال: هذا تفصيل ما أجمله النابغة في قوله:

وما أغْفَلْتُ شُكْرَكَ فانْتَصِحْنيوكيف ومن عطائِكَ جُلُّ مالي

وقد فصله النابغة أيضا في قوله:

وإنَّ تلاَدِي إنْ نَظَرْتُ وشِكَّتيورُمْحي وما ضَمَّتْ إليَّ الأناملُ
حِبَاؤُكَ والعيسُ الهجانُ كأنهانعاجُ الملا تَرْدي عليها الرَّحَائلُ

وأقول: إن قول النابغة حسن، إلا أن قول أبي الطيب أخصر لفظا وأكثر معنى واصنع وانصع لأنه ذكر الخمسة الأشياء وعدى الفعل إليها بخمسة أحرف الجر من غير حشو حرف ولا زيادته. وهذا التركيب لم يتفق لأحد من الشعراء في هذا المدح الذي لم يمدح بمثله غير سيف الدولة من الكبراء.

وقوله:

ولا زالتِ الشَّمسُ التي في سمائِهِمُطِالعَةَ الشَّمسِ التي في لِثامِهِ

قال: قال ابن جني: أضاف السماء إليه، لإشرافها عليه كما قال الآخر:

إذا كوكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرَةٍسُهَيْلٌ أذاعتْ غَزْلَهَا في القَرائبِ

وأقول: هذا ليس بشيء! لأن السماء تشرف عليه وعلى غيره، فالسماء سماء كل أحد لعلوها عليه، وإنما أضافها إليه دون غيره واختصه بالذكر لشرفه كقوله تعالى: (مَن كَانَ عَدُوّاً وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) ومثله كثير. والبيت الذي انشده يصلح أن يكون استشهادا لما ذكرته. وجعل الشمس تطالع شمس لثامه - ويعني وجهه - لتكسب النور منه كقوله في موضع آخر:

تَكسَّبُ الشمسُ منكَ النورَ طالعةًكما تكَسَّبَ منها نُورَهَا القَمَرُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

قاسَمَتْكَ المَنُونُ شَخْصَيْنِ جَوْراًجَعَلَ القَسْمَ نَفْسَهُ فيه عَدْلاَ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: المنون: المنية والدهر، ويجوز تذكيره وتأنيثه.

يقول: قاسمك الموت أو الزمان شخصين؛ يعني أختيه.

وأقول: لم يستدل على أن المنون الدهر ولا على جواز تذكيره وتأنيثه، والذي يدل عليه قول أبي ذؤيب:

أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهَا تَتَوَجَّعُوالدَّهْرُ ليس بِمُعْتِبٍ من يَجْزَعُ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

فقد روي: ريبها وريبة.

وقوله:

......والدَّهْرُ ليسَ بمُعْتِبٍ من يَجْزَعُ

يدل على أن المنون الدهر؛ لأنه تفسير للاول، فالتذكير في قوله: وريبة راجع إلى الدهر، والتأنيث راجع إلى الأيام لأنها هي الدهر لقوله:

هل الدَّهْرُ إلاَّ ليلة ونهارهاوإلاَّ طلوع الشمس ثم عيارها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «هل الدهر إلا ليلة ونهارها»

...... صفة للمذكر والمؤنث، والمعنى على هذا التفسير في المنون واحد.

وقوله:

قارَعَتْ رُمْحَكَ الرِّماحُ ولكنتَرَكَ الرَّامِحِينَ رُمْحُكَ عُزْلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

قال: أي: غلبتهم حتى سلبت رماحهم فتركتهم عزلا لا سلاح معهم.

وأقول: القول الجيد، ما ذكرته في شرح أبي العلاء.

وقوله:

وَقِسيٍّ رُمِيتَ عنها فَرَدَّتْفي قُلوبِ الرُّماةِ عنك النِّبَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: يقول: رب قسي لهم كانوا يرمونك عنها، فلما هربوا أخذت تلك القسي فقوتلُوا بها ورموا بالسهام عنك، والتقدير: فردت عنك النصال في قلوب الرماة الذين كانوا يرمونك.

وأقول: الأحسن أن يكون ضرب القسي والنبال مثلا للمكائد وما يصدر عنها من

الأذى؛ أي: أعدوا لك مكائد بالأذى فعادت إليهم.

وقوله:

أخَذُوا الطُّرْقَ يقطعون بها الرُّسْلَ فكانَ انقطاعُهَا إرسَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: يقطعون بتلك الطرق عن النفاذ إلى سيف الدولة، لئلا يبلغه الخبر أنهم يقصدون الحدث فلما أبطأت الأخبار وتأخرت عن عادتها، تطلَّع سيف الدولة لما وراء ذلك فوقف على الأمر فكان الانقطاع كالإرسال.

قال: وهذا كقوله:

قَصَدوا هَدْم سُورها فَبَنَوْهُ .........

وأقول: لم يرد قطع الأخبار وإبطاءها وتأخرها عن عادتها بقوله:

...... ......... فكانَ انقطاعُها إرسالا

وإنما هذا كما تقول: أردت بذلك الكلام حبس زيد فكان حبسه اطلاقه؛ أي: حبسه الذي أردته ولم يقع؛ أي: كان سببا له وذلك من حسن المجاز. وكذلك قوله: انقطاع الأخبار ارسالها؛ أي: لم يقدروا على قطعها وقتا من الأوقات لشدة تيقظ سيف الدولة ورعايته للأمور وضبطه وحفظه لها.

وهو كما قال:

قَصَدوا هَدْم سُورها فَبَنَوْهُ .........

كأنه قال: فكانوا سبب بنائه، فكذلك يقال في الأخبار، وهو أبلغ من قطعهم الأخبار بحفظهم الطرق وتطلع سيف الدولة وتنبيهه من ذات نفسه.

وقوله:

أبصَرُوا الطَّعْنَ في القلوبِ دِرَاكاًقبلَ أن يُبْصِروا الرِّماحَ خَيَالاَ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: فيه تقديم وتأخير؛ لأن المعنى ابصروا الطعن في القلوب دراكا خيالا قبل أن يبصروا الرماح؛ أي: لشدة خوفهم وتصورهم ما صنعت بهم قديما رأوا الطعن

متداركة متتابعة في قلوبهم تخيلا قبل أن يروا الرماح.

وأقول: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير كما ذكر، ولكن الكلام جار على سننه! والمعنى أنهم لشدة خوفهم منك أبصروا طعنك في قلوبهم متدراكا قبل أن يبصروا رماحك خيالا؛ أي: قبل أن يتخيلوها على بعد، وهو مثل قوله:

يَرَى في النَّومِ رُمْحَكَ في كُلاَهُويَخْشَى أنْ يَراهُ في السُّهادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وقوله:

وإذا حاوَلَتْ طِعَانَكَ خَيْلٌأبْصَرَتْ أذْرُعَ القَنَا أَمْيَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: يقول: الأعداء إذا أرادوا طعانك رأوا اذرع القنا لطولها وسرعة وصولها إليهم أميالا.

وقال ابن جني: ذلك لشدة الرعب.

قال: وهو كقوله تعالى: (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ).

هذا كلامه.

أمَّا شِدَّةُ الرُّعْبِ فلَهُ وَجْهٌ.

وأمَّا احتجاجُهُ بالآية فَخَطأ.

وأقول: لم يبين وجه الخطأ، وأرى أن قول ابن جني صواب؛ وذلك أن الخائف يرى البعيد قريبا، والصغير كبيرا، فما يمنعه أن يرى القصير طويلا؟ ولم يرد ابن جني أن الذراع مثليه على الحقيقة حتى يدخل عليه إنه جعل الذراع ميلا، والميل أذرع كثيرة، بل يريد أن الخائف يرى الشيء أكبر مما هو، ويرى القليل أكثر مما هو عليه، وسواء كان ذلك مثليه أو أمثاله وذلك على قدر الخوف.

وقوله:

ووجوهاً أخافَهَا منكَ وَجْهٌتركَتْ حُسْنَهَا له والجَمالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: قوله: ووجوها عطف على الأيدي من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، لأنه

ليس يريد: وينفض وجوها والمعنى ويغير وجوها؛ أي يغير ألوانها ويصغرها ومعنى أخافها: أخاف أصحابها.

فيقال له: فإن كان أخافها بمعنى أخاف أصحابها، واستعمال ذلك كثير كقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) وأشباه ذلك. فما المانع أن تُعطف ووجوها على أبديا من حيث اللفظ والمعنى، ولا يحتاج إلى تقدير فعل غير الأول عاملا في المعطوف، وذلك ظاهر لا خفاء فيه؟

وقوله:

أقسَمُوا لا رأوكَ إلا بقَلْبٍطَالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: قوله: إلا بقلب أي: إلا والقلب معهم؛ يريد: حلفوا ليحضرن عقولهم، وليعملن أفكارهم في ذلك.

قال: طالما غرت العيون الرجال، أي: كذبهم عنك كثيرا ما رأوه بعيونهم مما يوهمهم أنهم يقاومونك.

وأقول: إن هذا المثل في قوله:

......طالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ

لم يرد به سيف الدولة وحده والروم كما ذكره من كثرة ما غرتهم أعينهم مما يوهمهم مقاومته، ولكن هذا مثل لكل أحد. يقول: هؤلاء الروم لحزمهم وجدهم وشدة بأسهم وأقدامهم، اقسموا لا رأوك إلا بقلوبهم دون أعينهم؛ فإن العيون قد تغر الرجال بأن تخطئ في إدراك المرئي بالزيادة والنقص في إدراك الصغير كبيرا؛ كالجسم الذي تراه في قعر الماء الصافي، وإدراك الكبير صغيرا كرؤية الكواكب والجبال على بعد.

وقوله:

أيُّ عَيْنٍ تأمَّلَتْكَ فَلاقَتْكَ وطَرْفٍ رَنَا إليكَ فآلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: هذا متناقض الظاهر لأنه ينكر أن تمسكه عين تديم إليه النظر في المصراع الأول، وفي الثاني ينكر أن يعود طرف رنا إليه ولم يشخص.

قال: والمعنى يحمل على عيون الأعداء والاولياء، فعين العدو لا تليقه؛ لأنه لا يديم النظر إليه هيبة له. وعين الولي تتحير فيه فتبقى شاخصة فلا تؤول إلى صاحبها. وهذا مما لم يتكلم فيه أحد.

فيقال له: قولك: هذا مما لم يقله أحد مسلّم، وليس لاقتك من لاق كما ذكرت، ولكن من لاقى لأنه في ذكر الحرب والقتال. يقول: أي عين تأملتك في الحرب فلاقتك ولا تهرب منك؟ أي: ذلك بعيد، وأي طرف رنا إليك فآل؛ أي رجع سالما ولم يذهب ويهلك؟ ويعني بالعين والطرف صاحبهما، وهذا استفهام بمعنى الإنكار والنفي.

وقوله:

غَصَبَ الدهرَ والملوكَ عليهافَبنَاهَا في وَجْنَةِ الدهر خَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: يعني استنقذها من أيدي الدهر والملوك؛ يقال: غصبته على كذا: أي: قهرته

عليه، وقوله:

...... ......... في وَجْنَة الدهر خَالا

يجوز أن يريد به الشهرة، كشهرة الخال في الوجنة، ويجوز أن يريد ثبوتها ورسوخها فيكون كقول مزرد:

فمن أرْمِهِ منها بسَهْمٍ يَلُحْ بهِكشامَةِ وَجْهٍ ليس للشَّامِ غَاسِلُ

وأقول: ويجوز أن يكون أراد حسّن الدهر بها، كما يحسّن الخد، وهو الأولى، ويدل عليه ما يعده من قوله:

فهيَ تَمْشي مَشْيَ العَروسِ اخْتِيَالاًوتَثَنَّى على الزَّمانِ دَلالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

وقوله:

وَظُباً تَعْرِفُ الحَرَامَ من الحِلِّ فَقَدْ أفْنَتِ الدِّمَاَء حَلاَلاَ

قال: قال ابن جني: هذا مثل ضربه؛ أي سيوفه معودة للضرب؛ أي تعرف بالدربة الحلال من الحرام.

وقال ابن فورجة: العادة والدربة ليستا مما يعرف به الحلال والحرام في الناس فكيف فيما لا يعقل! وإنما يعني أن سيف الدولة غاز للروم وهم كفار فلا يقتل إلا من حل دمه ونسب ذلك إلى سيوفه.

هذا كلامه.

وأظهر مما قاله أن يقال: إنما عنى بمعرفة الحلال والحرام أصحابها، فكأنه قال: وذوي ضبا يعرفون الحرام من الحلال، فلما حذف المضاف عاد الكلام إلى المضاف إليه.

وأقول: الأحسن من قال ابن فورجة: وأن يحمل الكلام على المجاز بجعل ذلك للسيوف دون أصحابها، لأن به تحصل الاستعارة، وتكمل الصناعة، وتختصر الألفاظ، وليس ذلك من باب: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) بلا مرية. ومثله قوله:

تَحَرَّجَ عن حَقْنِ الدِّماءِ كأنمايَرَى قتلَ نَفْسٍ تَرْكَ رأسٍ على جِسْمِ

فإنه صفة لسيف الممدوح، وهو صحيح، لا للممدوح.

وقوله:

يَقْمُصْنَ في مِثْلِ المُدَى من بَاردٍيَذَرُ الفحولَ وهُنَّ كالخِصْيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

قال: يقول: هذه الخيل تثب في هذا النهر الذي هو كالمدى بضرب الريح اياه حتى صيرته طرائق كأنها مدى.

وأقول: لم يرد بذلك شكل الماء؛ وإنما أراد حدته بشدة برده، فجعله كالمدى لمّا كان يقلص خصي الفحول فيجعلها كالخصيان.

وقوله:

يَغْشَاهُمُ مَطرُ السَّحابِ مُفَصَّلاًبِمُثَقَّفٍ ومُهَنَّدٍ وسِنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

قال: يعني أن وقع السلاح بهم، كوقع المطر يأتي دفعة دفعة، وأراد بالسحاب الجيش وبالمطر الوقعات التي تقع بهم من هذه الأسلحة التي ذكرها، وهي تقع بهم مفصلة لأنهم يضربون تارة بالرماح وتارة بالسيوف.

وأقول: الأظهر؛ إن القتال كان في يوم مطر، وجعل قطر السحاب يهمي عليهم بمنزلة العقد، وهو مفصل بما ذكره من رمح وسيف وسنان كما يفصل العقد من الدر بغيره من الجوهر، وهذا من أحسن التشبيه وأغرب البديع.

وقوله:

رفَعَتْ بك العُرْبُ العِمَادَ وصَيَّرَتْقِمَمَ الملوكِ مَوَاقِدَ النِّيرانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

أي: قاتلوا الملوك وأوقدوا على رؤوسهم نار الحرب.

وأقول: لم يرد نار الحرب، وإنما أراد نار الحطب؛ أي: جعلت رؤوس الملوك أثافي القدور، موضع الأثافي من الحجارة؛ يصف عز العرب به وقهرهم وغلبهم من سواهم من الملوك حتى فعلوا بهم ذلك.

وقوله:

ولَّى صوارِمَهُ إكْذَابَ قولِهِمُفهنَّ ألسِنَةٌ أفواهُهَا القِمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال: ولى سيف الدولة سيوفه أن تكذبهم فيما قالوا من الصبر على القتال، فكذبتهم بقطع رؤوسهم، وجعلها كالألسنة تعبر عن تكذيبهم، وأمّا جعلها ألسنة جعل رؤوسهم كالأفواه لأنها تتحرك في تلك الرؤوس.

وأقول: إن كان أراد الرؤوس تبريتها عن الأجسام فلا يحسن التشبيه بأن تجعل أفواها للسيوف التي هي كالألسنة. وإن كان أراد بالقطع الشق فيها والتفليق منها فذلك أحسن، لأن بذلك تصير كالأفواه وهي فيها كالألسن، فلا يصلح التمثيل

وتكمل الاستعارة وتتحرك، كما ذكر في تلك الرؤوس، إلا على هذا التقدير، وهذا موضع لا يتنبه له إلا من نزع إلى هذه الصناعة بعرق وضرب فيها بقدح.

وقوله:

والنَّقْعُ يأخُذُ حَرَّاناً وبُقْعَتَهاوالشَّمسُ تُسْفِرُ أحْيَاناً وتَلْتَثِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال: حران على بعد من سروج؛ يعني أن الغبار وصل إليها لعظم الحرب.

وأقول: إنه توهم بالبيت الذي قبله، وهو قوله:

فَلَمْ تُتِمَّ سَرُوجٌ فَتْحَ ناظِرِهَاإلاَّ وجيشُكَ في جَفْنَيْهِ مُزْدَحِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

إنه كان قتال على سروج، وإن النقع لقوته واشتداده يصل منها إلى حران وبقعتها، وليس الأمر كذلك، بل حران وسروج من بلاد سيف الدولة متوسطة في مملكته، فليس النقع لقتال في تلك البلاد، وإنما ذلك صفة لكثرة جيشه في دخوله إلى بلاد الروم، وممره بحران وغيرها من بلاده، ولهذا قال بعده:

سُحْبٌ تَمُرُّ بِحصْنِ اللرَّان ممسِكَةًوما بهَا البُخْلُ لولا أنَّها نِقَمُ

فجعل هذا الجيش، لكثرته، يتوالى كالسحب، وتلك السحب على حصن الران وغيره من بلاده ممسكة لأنها نقم لا نعم وديم، لئلا يؤذيها ويهلكها. والشيخ الواحدي لا شك إنه غر من هذه البلاد لبعده عنها، فكان ينبغي - إذ لم يحققها - أن لا يفسرها ولا يتعرض لذكرها!

وقوله:

وجَاوَزوا أرْسَنَاياً مُعْصِمينَ بهوكيفَ يَعْصِمُهُمْ ما ليس يَنْعَصِمُ

قال: يقول: قطعوا هذا النهر ممسكين بقطعه ليعصمهم عنك، وكيف يعصمهم ما ليس ينعصم منك لأنك تقطعه وتركبه بالسفن وراءهم.

فيقال له: لا حاجة به، في قطع أرسناس، إلى السفن مع وجود الخيل، ألا ترى إلى قوله قبل هذه القصيدة:

حتى عَبَرْنَ بأرْسَنَاسَ سوابحاً .........

وما بعده؟! فما بعد بذلك عهد ولا طال عليه طول، وإلى ما بعده ببيت من قوله، يعني ارسناس:

ضربْتَهُ بصدور الخيل...... .........

والذي يليه:

تَجَفَّلَ الموجُ عن لَبَّاتِ خيلِهمُ .........

فإن ذلك قريب منك غير بعيد عنك!

وقوله:

وفي أكُفِّهِمُ النَّارُ التي عُبِدَتْقبلَ المَجُوس إلى ذَا اليومِ تَضْطَرِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال: يعني السيوف التي كانت مطاعة في كل وقت قبل إن عبدت المجوس النار، وهي نار تضطرم إلى هذا اليوم؛ أي تتوقد وتبرق.

وأقول: إنه جعل سيوفه وفضلّها على نار المجوس؛ بأن جعلها قبلها وبعدها في قوله:

......قبلَ المَجُوس إلى ذَا اليوم تَضْطَرِمُ

وذلك أن نار فارس انطفأت عند مولد النبي ﷺ كما جاء في الحديث، وهذه النار التي هي السيوف لم تنطفئ بل تضطرم إلى اليوم.

وقوله:

وقد تَمَنَّوا غداةَ الدَّرب في لَجَبٍأنْ يُبصروكَ فلمَّا أبْصروكَ عَموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

ذكر عن ابن جني في تفسير عموا وجهين:

أحدهما: هلكوا وزالت أبصارهم.

والثاني: عموا عن الرأي والرشد.

قال: وكلاهما ليس بالوجه، وذكر وجها من عنده، وهو: أنهم أرادوا ان يبصروك

فلما أبصروك غضت هيبتك أبصارهم وعيونهم فكأنهم عموا.

وأقول: إن هذا الوجه لا يزيد على الوجه الثاني من شرح ابن جني، وفيه وجه رابع قد ذكرته قبل.

وقوله:

تَرُدُّ عنه قَنَا الفُرْسَانِ سَابغةٌصَوْبُ الأسِنَّةِ في أثْنائِها دِيَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال: أي تمنع الرماح من النفوذ فيه درع سابغة، قد تلطخت بالدماء التي تسيل من الأسنة عليها.

وأقول: إنه لم يفهم معنى هذه الاستعارة، ولم يرد بصوب الأسنة الدم، وإنما يصف كثرة سقوط الأسنة على درعه فجعل ذلك كالديم في الكثرة.

وقوله:

أُجِلُّ قَدْرَكِ أن تُسْمَيْ مُؤَبَّنَةًومن يَصِفْكِ فَقَدْ سَمَّاكِ للعَرَبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

قال: مؤبنة: مرثية، من التأبين وهو مدح الميت، أي: أنت أجل من أن تعرفي باسمك، بل وصفك يعرفك بما فيك من المحاسن والمحامد التي ليست في غيرك.

وأقول: رواية ابن جني: مؤبنة من التأبين، وروى غيره: مؤنثة وذلك إنه لما قال مبتدئا:

يا أختَ خيْرِ أخٍ يا بنتَ خير أبٍ .........

أغناه أن يقول: يا خولة لأنه أجلها عن التسمية بالتأنيث إذ هو دون التذكير، فوصفها بصفات تغني عن التسمية وتقوم مقامها في التعريف بإضافتها إلى خير أخ وخير أب، لأن عنده إذا قيل ذلك عرف أنهما سيف الدولة وأبوه لاشتهارهما بالفضل على الناس. وانتصب مؤنثة بأنها مفعول ثان. ومن قال مؤبنة نصبها على الحال؛ أي: أجل قدرك في حال التأبين وإنما أصفك بصفات تقوم مقام الاسم.

وقوله:

كلَّمَا صَبَّحَتْ دِيَارَ عَدُوٍّقالَ تلكَ الغُيُوثُ هذي السُّيُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

قال: أي كلما أتت متوالية صباحا للغارة دار عدو، قال العدو: تلك التي رأينا قبل كانت بالإضافة إلى هؤلاء غيوثا عند الإضافة إلى السيول؛ يريد كثرة مواليه.

وقال ابن جني: هذا مثل: عنى بالغيوث سيف الدولة، وبالسيول مواليه، وذلك إن السيل عن الغيث يكون، كذلك مواليه، به قدروا وغزوا.

وأقول: المعنى ما قال ابن جني، ويحتمل أن تكون السيول النعم التي ذكرها قبل؛ تحيي مواليه، وتقتل أعاديه لكثرتها. وقد ذكرت فيه وجها آخر في شرح التبريزي.

وقوله:

بِعَزْمٍ يَسِيرُ الجِسْمُ في السَّرجِ راكباًبه ويَسِيرُ القلبُ في الجسْمِ مَاشِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

قال: يقول: سرنا بعزم قوي كان الجسم، وهو مقيم في السرج، يسبق السرج، وكان القلب، وهو مقيم في الجسم، يسبق الجسم.

وأقول: هذا الذي قاله ليس بشيء! والوجه ما ذكرته في شرح الكندي آخرا.

وقوله:

نَجُوزُ عليها المُحْسِنينَ إلى الذينَرَى عندهم إحسَانَهُ والأيَادِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

قال: أي نتخطى على هذه الخيل المحسنين؛ يعني سيف الدولة وعشيرته، إلى الذي يحسن إليهم وينعم عليهم وإنه فوقهم؛ يعني الأسود.

وأقول: لم يرد بقوله:

نَجُوزُ عليها المُحْسِنينَ...... .........

سيف الدولة وعشيرته، لأن أولئك خلاهم وراءه، وهم البياض والمآقي. وإنما عنى بالمحسنين من عداهم ممن جاوزه بعدهم في ولايته من دمشق إلى مصر.

وقوله:

ليتَ الحوادثَ باعَتْني الذي أخَذَتْمنِّي بِحِلْمِي الذي أعْطَتْ وتَجْريبي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

قال: يقول: الحوادث أخذت مني الشباب، وأعطتني الحلم والتجربة، فليتها باعت ما أخذت مني بما أعطت.

قال: وهذا من قول ابن جبلة:

وأرَى اللَّياليَ ما طَوَتْ من قُوَّتيأدَّتْهُ في عَقْلي وفي إفْهَامي
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فيقال له: إلا أن فيه زيادة وهو إنه تمنى أن يباع ما أخذ منه، وهو الشباب، بالذي

أعطيه وهو الحلم والتجربة. وذلك أن حال الشبيبة قد يجد فيه مثل ما أعطيه، ولا يجد في حال الشيب مثل ما اخذ منه، وجعل ذلك توطئة لما اعتزمه من مدح كافور بأنه شاب، وإن عنده ما عند الإنسان من الحلم والتجريب، وهذا من لطيف البديع، ودقيق التوليد والتفريع وحسن التخلص.

وقوله:

يَحُطُّ كلَّ طَويلِ الرُّمْحِ حَامِلُهُعن سَرْجِ كلِّ طَويلِ البَاعِ يَعْبُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

قال: يقول: حامل خاتمه ينزل الفارس الطويل الرمح من سرج الفرس، وذلك أن الفرس إذا رأى خاتمه سجد له فنزل عن فرسه.

وأقول: يحتمل أن يكون حامله فاعلا ومفعولا، والأحسن أن يكون مفعولا صفة أو بدلا من كل طويل الرمح، والفاعل في البيت الأول:

...... طينُ خَاتَمِهِ .........

وذلك إنه إذا رآه حطه عن سرجه هيبة له وخوفا منه، ونفاذا لأمره وانساط قدرته من غير واسطة؛ لأن حامله أن حطه - أعني: كل طويل الرمح - برؤيته إياه فهو

الأول، وإن حطه بجذبه وإكراهه على النزول فليس بشيء، لأن الأول اسهل وابلغ، وجعل حامله مفعولا بدلا من كل تأكيد لطويل الرمح إنه حامله، واحتراز

من ان يكون غير حامله، فحطه مع ذلك أبلغ.

وقوله:

ولا يَرُوعُ بمَغْدورٍ به أَحَداًولا يُفَزِّعُ مَوْفُوراً بِمَنْكُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

قال: أي لا يغدر بأحد من أصحابه ليروع به غيره، ولا ينكب أحدا بظلم وأخذ مال ليفزع به موفورا، وهو الذي لم يؤخذ ماله أي إنه حسن السيرة.

وأقول: لم يكن كافور عند أبي الطيب ولا عند غيره بهذه الصفة، وإنما مدحه بذلك ليلزمه به خوفا على نفسه وماله منه، كما بالغ في مديح عضد الدولة بحفظ الطرق وأمن السبل بقوله:

أُرُوضُ النَّاسِ من تُرْبٍ وخَوْفٍوأرْضٍ أبي شُجاعٍ في أمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وما بعده في ذلك، وهي خمسة أبيات، والصحيح إنها اربعة، وذلك حذق منه وفطانة به ليؤكده عنده، ويزيده محافظة عليه، وكل ذلك خوفا على نفسه، وإشفاقا على ماله، لما رأى من خشونة تلك البلاد، ووعورة تلك الجبال، ومع ذلك فلم ينج حذر من قدر، والذي خاف منه وقع فيه!

وقوله:

فُتْنَ المَهَالِكَ حتَّى قالَ قائِلُهَاماذا لَقِينَا من الجُرْدِ السَّراحِيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

قال: قال ابن جني: أي ضجت المفاوز من سرعة خيلي ونجاتها وقوتها، وعلى ما قال: المهالك: المفاوز.

والمعنى أن خيله قطعت المفاوز حتى لو كان بها قائل لقال: ماذا لقينا من هذه الخيل، وتذليلها إيانا بالوطء، وقطعها البعد في سرعة، ونجاتها من غوائل الطرق.

وقال ابن فورجة: المهالك إذا أطلقت لم يفهم منها المفاوز، وإنما يفهم الأمور المهلكة، يعني أن هذه الخيل لم يعلق بها شيء من الهلاك، حتى تعجبت المهالك من نجاتها بسلامة منها.

هذا كلامه.

وآخر البيت يدل على ما قال ابن جني.

وأقول: أما قول ابن فورجة: إن المهالك إذا أطلقت لم يفهم منها المفاوز فغير صواب، وذلك لأن المهلكة المفازة، وقد استشهد عليها ببيت معروف وهو قول الخنساء:

ورُفْقَةٌ حَارَ هاديها بمَهْلَكَةٍكأنَّ ظُلْمَتَهَا في اللُّجَّةِ القَارُ

ولا خلاف أن الفلاة تسمى مهلكة فجمعها على مهالك وكذلك سميت الفلاة مفازة تفاؤلا بالسلامة والظفر، واشتياقا من التطير بذكر الهلاك، لأن أصلها

مهلكة. فما ذكره ابن جني وجه حسن، وما ذكره ابن فورجة مثله في الجودة. وأما قول الواحدي: أن آخر البيت يدل على ما قال ابن جني؛ يعني: ولا يدل على ما قال ابن فورجة، فغير سديد لأن قوله:

......مَاذَا لَقِينَا من الجُرْدِ السَّرَاحيبِ

يجوز أن يستعار هذا القول للمفاوز، كما ذكر، ويجوز أن يستعار للأمور المهلكة؛ كأنها تقول للخيل: ماذا لقينا منها بتنجيتها من أردنا إهلاكه، وتسليمها من حاولنا إتلافه؛ لأن القول منهما استعارة ومجاز لا حقيقة.

وقوله:

أبَى خُلُقُ الدُّنْيَا حَبيباَ تُدِيمُهُفما طَلَبي منها حَبِيباً تَرُدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال: تديمه: من فعل الدنيا، وكذلك ترده؛ أي: تدفعه. ويجوز أن يريد: ترده إلى الوصل.

فيقال له: الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرتهما هو الصحيح الجائز، والأول لا يجوز لأن ذلك لا يطلب، والبيت الذي بعده يدل على ما قلت، وهو قوله:

وأسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّراًتَكَلُّفُ شِيْءٍ في طباعِكَ ضِدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

يقول: إن الدنيا من طباعها التفرقة بين الأحباء فكيف أروم منها رد الحبيب؛ أي وصله والاجتماع به، وهو ضد طباعها. فترده بمعنى تدفعه لا معنى له.

وقوله:

ووعدُكَ فِعْلٌ قبل وَعْدٍ لأنهنَظِيرُ فَعَالِ الصَّادق القَوْلِ وَعْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

كان كافور وعد أبا الطيب وحلف له ليبلغنه جميع ما في نفسه، لمّا أنشده القصيدة المهموزة يهنئه بالدار، وكان في نفس أبي الطيب الولاية، والارتفاع عن درجة الشعر لكثرة فضله، وعزة نفسه وانفه لمّا أسن وكبر عن قيامه قيام المنشد المستعطي تارة والمستعطف أخرى، وكان لا يطمع بذلك من سيف الدولة ولا يخرجه عن كونه شاعرا. فهذا من بعض أسباب فراقه له، ولم يفارقه من قلة عطاء، لأن اقطاعه له كان كثيرا؛ فهذا مقطعا قرية اسمها بصف، مغلها، كما ذكر، عشرة آلاف دينار، وهذا سوى الإطلاق والخلع التي كانت تصير إليه في كل عام، فحمله البطر والكبر والأنفة من الشعر، على أن فارقه وأوقع في نفسه إنه يصير إلى كافور، وهو أسود خصي، يتلهى به ويخدعه ليوليه بعض الولايات فيتقوى بها فربما غلبه على ما في يده، أو أقام على طاعته فزاد ماله، وارتفع شانه، وعلت منزلته، ورأى سيف الدولة إنه قد زاد عما كان عليه عنده، وارتفع عما كان يسومه منه. فاقتضى كافورا بهذا البيت والأبيات التي بعده، وسامه أن يجربه ببعض أعماله، ويختبره ببعض أشغاله، ليعلم موقعه من حسن التدبير وجودة السياسة، فانعكس عليه قياسه، وانتفض رأيه مما لقي من هوان كافور له بقيامه بين يديه، وتوكيله عليه، وقلة اهتمامه به وكثرة غفلته عنه، أضعاف إكرام سيف الدولة له، وقربه منه! وهذه الأبيات، بل القصيدة من جيد الشعر وحر الكلام.

وقوله:

فَأحسن وَجْهٍ في الوَرَى وَجْهُ مُحْسِنٍوأيْمَنُ كفٍّ فيهُمُ كفُّ مُنْعِمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

قال: هذا البيت يوري عن هجائه بقبح الصورة، وإنه لا منقبة له يمدح بها غير إنه أن أحسن الإعطاء فوجهه أحسن الوجوه بالإحسان، ويده أيمن الأيدي بالإنعام، وكذلك البيت الذي بعده.

وأقول: ليس في هذا البيت ولا الذي بعده تورية عن هجائه بقبح صورته وإنه لا منقبة له يمدحلها، ولا ما يدل على ذلك، ولكن إن كان فيه تعريض له بالعطاء، وتحريض عليه فربما؛ كأنه يقول: لا يشينك سوادك إن كنت محسنا كما ان غيرك لا يزينه بياضه إن كان مسيئا، بل أحسن الوجوه وجه محسن.

وقوله:

وما عَدِمَ اللاَّقوكَ بأساً وشِدَّةًولكنَّ من لاقَوْا أشَدُّ وأنْجَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

قال: يقول: لم يعدم هؤلاء الذين لقوك محاربين شجاعة وشدة إقدام، أي كانوا شجعاء اشداء، ولكن أصحابك كانوا أشد منهم وأنجب، وهو كقول زفر بن الحارث:

سَقَيْنَاهُمُ كأساً سَقَوْنَا بِمِثْلِهَاولكنَّهم كانوا على المَوْتِ أصْبَرَا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «تذكرت والذكرى تهيج للفتى»

وأقول: إن قوله: ولكن أصحابك كانوا أشد منهم وأنجب ليس بشيء! ولو قال: ولكنك أنت كنت أشد منهم وأنجب، ورد الفعل إليه لكان هو الوجه، وقوله:

ثَنَاهُمْ...... .........

فيما بعد، يدل على ما قلت، ويكون أصحابه في ذلك تبعا له، فلا تجعل لهم دونه.

وقوله:

كلَّمَا أنْبَتَ الزَّمَانُ قَنَاةًرَكَّبَ المَرْءُ في القَنَاةِ سِنَابَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

قال: يقول: إذا انتدب الزمان للإساءة بما جبل عليه صارت عداوة المعادي مددا لقصده فجعل القناة مثلا لما في طبع الزمان، وجعل السنان مثلا للعداوة.

وأقول: هذه العبارة غير مرضية، والجيد لو قال: جعل الدهر، بما عرف من غدره بأبنائه، إذا انبت قناة فكأنما أنبتها لأذاهم ولم يقنع أحدنا منه بذلك الأذى حتى زاده بأن ركّب في تلك القناة سنابا، وذلك مثل لعداوة بعضنا بعضا، وهذا البيت تفسير لما قبله من قوله:

وكأنَّا لم نَرْضَ فِينَا بِرَيْبِ الدَّهْرِ حتَّى أعَانَهُ من أعَانَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهو من قول الآخر:

أعَانَ عليَّ الدَّهْرَ إذ حَكَّ بَرْكَهُكَفَى الدَّهْرُ لو وكَّلْتَهُ بي كافِيَا

وقوله:

غَيْرَ أنَّ الفَتَى يُلاقِي المَنَايَاكَالِحاتٍ ولا يُلاقِي الهَوَانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

قال: يعني إن الحر أحب إليه الموت من أن يلقى ذلا وهوانا.

وأقول: إنه هوّن مراد النفوس فيما قبل وحقّره في جنب التعادي والتفاني فيه، ثم استثنى منه ما أفضى تركه إلى هوان، فإن لقاء الموت كالحا دون لقائه.

وقوله:

زمَلَّنِيَ الفِراشُ وكانَ جَنْبييمَلُّ لِقَاَءهُ في كُلِّ عامِ

قال: يعني إن مرضه قد طال حتى مله الفراش، وكان هو يمل الفراش، وإن لاقى جنبه في العام مرة واحدة لأنه أبدا كان يكون في السفر.

وأقول: قوله: مرة واحدة ليس بشيء! لأنه لا دليل في الكلام عليه، والمعنى ذكرته في شرح الكندي.

وقوله:

إذا ما فَارقَتْني غَسَّلَتَنْيكأنَّا عاكِفَانِ على حَرَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

قال: يريد إنه يعرق عند فراقها فكأنها تغسله لعكوفهما على ما يوجب الغسل، وإنما خص الحرام لحاجته إلى القافية وإلا فالاجتماع على الحرام كالاجتماع على

الحلال في وجوب الغسل.

وأقول: ليس ذلك لحاجته إلى القافية، وإنما ذلك لمعنى لم يتنبه له، وهو إنه لمّا قال:

وزَائِرَتي كأنَّ بها حَياءًفليسَ تَزُورُ إلاَّ في الظَّلامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

أخبر إنها غريبة منه؛ أي: معشوقة له وليست بزوج ولا سرية، فعكوفهما على جماع لا يكون إلا من حرام!

وقوله:

كأنَّ الصُّبْحَ يَطْرُدُهَا فَتَجْريمَدَامِعُهَا بأربْعَةٍ سِجَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

قال: يعني إنها تفارقه عند الصبح فكأن الصبح يطؤدها، وكأنها تكره فراقه فتبكي بأربعة آماق؛ يريد كثرة الرخصاء، والدمع يجري من المؤقين فإذا غلب وكثر جرى من اللحاظ أيضا فأراد بالأربعة: لحاضين ومؤقين. ولك يعرف ابن جني هذا فقال: أراد الغروب وهي مجاري الدمع، والغروب لا تنحصر بأربعة ذات سجام فحذف المضاف.

فيقال له: أما قولك: الدمع يجري من المؤقين فصحيح.

وأما قولك: إذا كثر حري من اللحاظ فليس بمعروف، والصحيح ما قال ابن جني وذلك ان لكل عين غربين، فلذلك قال: بأربعة سجام؛ قالت فاطمة الخثعمية:

يا عَيْنُ بَكِّي عند كلِّ صَبَاحِجُودي بأربعةٍ على الجِرَّاحِ
للشاعر فاطمة الزهراء، من قصيدة «قد كنت لي جبلا ألوذ بظله»

تريد العينين.

وقوله:

لياليَ عند البِيضِ فَوْدايَ فِتْنَةٌوفَخْرٌ وذاكَ الفَخرُ عِنْدِيَ عَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: تمنيت ذاك ليالي كان رأسي فتنة عند النساء لحسن شعري وسواده، وكن

يفتخرن بوصلي وذاك الفخر عيب عندي لأني أعف عنهن، وازهد في وصالهن.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.