من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
العضديات (٣)
كلّ عليلٍ فوقها مختال
يمسك فاه خشية السّعال
من مطلع الشّمس إلى الزّوال
يعني: كل قائد مختال فوق هذه الخيل، كأنه عليل؛ هيبةً منه، ولا يصول خشية نفور الصيد فهو يمسك فاه خشيةً من أن يسعل.
وقيل: أراد أن العليل إذا كان يمسك فاه إذا حضره السعال وهو مع الرئيس، فكيف يكون حال من دونه؟! وهم كذلك من مطلع الشمس إلى وقت الزوال. ومثله لأبي تمام:
فالمشي همسٌ والنّداء إشارةٌخوف انتقامك والحديث سرار
فلم يئل ما طار غير آل
وما عدا فانغلّ في الأدغال
وما احتمى بالماء والدّحال
من الحرام اللّحم والحلال
إنّ النّفوس عدد الآجال
لم يئل: أي لم ينج. وغير آل: أي غير مقصر. وانغل: دخل والأدغال: جمع دغل، وهو الشجر الملتف. واحتمى: أي امتنع. والدحال: جمع دحل، وهو المطمئن من الأرض يجتمع فيها ماء السماء وينبت القصب.
يقول: لم ينج من الطير ما طار غير مقصر في الطيران. يعني: لم ينج منها طائر مجد في الطيران، فكيف المقصر؟! ولم ينج أيضاً ما انغل فيما بين الأشجار الملتفة. ولم ينج أيضاً ما امتنع بالدحال من الصيد الحرام اللحم كالخنزير والسباع، والحلال اللحم كالظباء والأيائل. وقوله: إن النفوس عدد الآجال مثل منه. وروى عدد بضم العين. والمعنى: أن النفوس معدة للموت، والأجل يدركها متى شاء وروى بفتح العين. يعني: أن لكل نفس أجلاً، فآجالها مثل أعدادها.
سقياً لدشت الأرزن الطّوال
بين المروج الفيح والأغيال
روى: الطوال: وهو الطويل، والطوال، وهي جمع طويل، فكأنه جعل لكل موضع منها دشتاً طويلاً لسعته، والدشت: الصحراء، وهي فارسي معرب أبدل منه السين شيناً علامة للتعريب. والأرزن: هو الخشب، وأضاف الدشت إليه لأنه ينبت فيه، والمروج: جمع مرج، وهو كل موضع فيه ماء وعشب لا ينقطع. والفيح: جمع أفيح وفيحاء وهو الواسع. والأغيال: جمع غيل، وهو الشجر الملتف، وأراد به الأجمة هنا.
مجاور الخنزير للرّئبال
داني الخنانيص من الأشبال
مشترف الدّبّ على الغزال
مجتمع الأضداد والأشكال
مجاور وما بعده نصب على الحال من دشت الأرزن. أي سقاه الله تعالى من هذه الأحوال. والرئبال: الأسد. والخنانيص: جمع خنوص، وهو ولد الخنزير. والأشبال: جمع شبل، وهو ولد الأسد. والمشترف والمشرف بمعنى. وذلك لأن الدب جبلي والغزال سهلي. فيكون مشرفاً يعني به: أن هذا الدشت سهلي جبلي قد اجتمع فيه صيد السهل والجبل، وقد حصل فيه الأضداد والأشكال.
كأنّ فنّاخسر ذا الإفضال
خاف عليها عوز الكمال
فجاءها بالفيل والفيّال
عوز الشيء: فقدانه. والهاء في عليها وجاءها لدشت الأرزن ردها إلى معنى الصحراء والأرض والناحية.
يقول: هذه الصحراء قد اجتمع بها جميع الحيوان إلا الفيل، فلما خشى الأمير أن تقصر عن حد الكمال جاءها بالفيل والفيال حتى كملت.
فقيدت الأيّل في الحبال
طوع وهوق الخيل والرّجال
تسير سير النّعم الأرسال
معتمّةً بيبّس الأجذال
طوع: نصب على الحال. والأيل ها هنا جمع الأيل، والمعروف في جمعه الأيائل. والوهوق: جمع وهق: وهو الحبل. والرجال: جمع راجل.
يقول: قاد الأيل، وهو الثور الوحشي في الحبال، وأنها طوع حبال الخيل والرجال. يعني: أنها متمكنة لا يتعذر عليهم صيدها. والنعم الأرسال: القطع من الإبل، واحدها: رسل. والأجذال: جمع جذل، وهو أصل الشجرة إذا قطع أعلاه وأراد به ها هنا قرون الأيل، وجعلها معتمة بالقرون؛ لإحاطتها برءوسها، وتعطفها عليها. واليبس: جمع يابس.
يقول: أقبلت الأيائل تسير كأنها قطع الإبل المتصلة، من كثرتها، وشبه قرونها بأصول الأشجار اليابسة.
ولدن تحت أثقل الأحمال
قد منعتهنّ من التّفالي
لا تشرك الأجسام في الهزال
قوله: ولدن: أي الأيائل ولدت تحت أثقل الأحمال، وهي قرونها، جعلها أثقل الأحمال لطولها وكثرة شعبها.
وقيل: أراد بأثقل الأحمال الجبال؛ لأنه تولد في مغارات الجبال. وقول: قد منعتهن من التفالي: يعني: أن القرون قد منعتها من أن يدنو بعضها من بعض فيفلى بعضها رءوس بعض كسائر الحيوانات. ثم ذكر أن القرون لا تشارك الأجسام في الهزال، ولا تنقص كما تنقص الأجسام.
إذا تلفّتن إلى الأظلال
أرينهنّ أشنع الأمثال
يقول: إذا تلفتت الأيائل، ونظرت أظلالها، رأت منها أشنع منظر وأقبح مثال؛ لطول قرونها وكثرة شعبها.
كأنّما خلقن للإذلال
زيادةً في سبّة الجهّال
كأن هذه القرون خلقت للإذلال، زيادة في سبة الجهال. يعني بذلك قول الناس: لفلان قرنان. فإذا زاد في السب قال: له قرون الأيل.
والعضو ليس نافعاً في حال
لسائر الجسم من الخبال
الخبال: الفساد، وجعل القرن عضواً مجازاً لاتصاله بالأعضاء.
يقول: إن العضو وإن عظم لا يمنع صاحبه من الموت والفساد.
وأوفت الفدر من الأوعال
مرتدياتٍ بقسيّ الضّال
أوفت: أي أشرفت، وقيل أقبلت. والفدر: جمع فدور، وهو المسن من الأوعال، وهي تيوس الجبل. والضال: السدر البري، والعرب تتخذ منها القسي شبه قرونهاً لطولها وانعطافها بالقسي، وجعلها مرتدية بها، لانعطافها من رءوسها إلى أكفالها.
نواخس الأطراف للأكفال
يكدن ينفذن من الآطال
النواخس: من نخست الدابة بعود: دفعتها به، والآطال: الخواصر، واحدها إطل.
يقول: طالت قرونها حتى نخست أكفالها، وأطراف هذه القرون تكاد تنفذ في الخواصر؛ لحدتها واعتراضها.
لها لحىً سودٌ بلا سبال
يصلحن للإضحاك لا الإجلال
يقول: لهذه الفدر: وهي التيوس، لحىً سود، ليس لها شوارب، ولحاها تصلح لأن يضحك منها ويسخر من صاحبها، ولا تصلح للإجلال، بخلاف سائر اللحى، وكان القياس أن يقول: بلا أسبلة، لكن أقام الواحد مقام الجمع.
كلّ أثيثٍ نبتها متفال
لم تغذ بالمسك ولا الغوالي
الأثيث: كثير النبت يقال شعر أثيث إذا كان صفيقاً كثيفاً. والمتفال: المنتنة الرائحة. والغوالي: جمع الغالية.
يقول: لكل منها لحية كثيفة ملتفة الشعر منتنة الريح لم تغذ بالمسك ولا الغالية.
ترضى من الأدهان بالأبوال
ومن ذكيّ المسك بالدّمال
الدمال: السرجين.
يقول: تستعمل البول بدل الدهن، والبعر بدل المسك. وقيل: إن الوعل يشرب بوله، فهو ينصب على لحيته.
لو سرّحت في عارضي محتال
لعدّها من شبكات المال
بين قضاة السّوء والأطفال
سرحت: أي مشطت، وعارضا الرجل: جانبا وجهه. يعني: أن لحيته كبيرة تصلح للعدول والقضاة، فلو كانت في وجه رجل صاحب حيلة لعدها من الشبكات التي يصطاد بها المال، بين قضاة السوء والأطفال. يعني: يأكل بها أموال الأيتام التي في حجر القضاة.
شبيهة الإدبار بالإقبال
لا تؤثر الوجه على القذال
القذال: مؤخر الرأس.
يقول: إن وجهها مثل أقفائها في كثرة الشعر، وإقبالها مثل إدبارها، ففي وجهها من شعر نواصيها ما يشبه أذنابها، فلا يتميز إقبالها من إدبارها ولا وجهها من قفاها.
وقيل: إنها رميت من كلا الجانبين، فهي ما بين النبال أقبلت أم أدبرت. ثم أخبر أنه لا يؤثر في الرمي بعض الأعضاء على البعض، بل هو مرمي من خلفه وقدامه.
فاختلفت في وابلي نبال
من أسفل الطّود ومن معال
يعني: اختلفت الأوعال في وابلين من السهام: من أسفل الطود، وهو الجبل، ومن فوقه. يعني: ان الرماة كانوا يرمونها من أعلى الجبل ومن تحته، وشبه كثرة السهام بالمطر الوابل. وقول: من معال. أي: من أعلى الجبل.
قد أودعتها عتل الرّجال
في كلّ كبدٍ كبدي نصال
العتل: القسي الفارسية الواحد عتلة، وهي القسي التي نشاهدها، وكبدي النصل: جانباه.
يقول: قد رمتها قسي الرجال، من فوق ومن تحت، فأثبتوا في كبد كل وعل سهمين. والهاء في أودعتها للوعول.
فهن يهوين من القلال
مقلوبة الأظلاف والإرقال
يهوين: أي يسقطن من القلال. أي: من رءوس الجبال. يعني: أنها كانت تسقط من أعالي الجبال معكوسة على رءوسها إلى أسفل، فأظلافها فوق جسومها، وكذلك عدوها معكوس مقلوب. والإرقال: ضرب من السير السريع.
يرقلن في الجوّ على المحال
في طرقٍ سريعة الإيصال
يرقلن: أي يسرعن. والمحال: جمع محالة، وهي فقار الظهر. أي كانت تهوي على ظهورها في طرق سريعة الإيصال لها إلى الأرض.
ينمن فيها نيمة الكسال
على القفيّ أعجل العجال
الهاء في فيها للطرق. والنيمة: الهيئة للنائم، كالجلسة والكسال: جمع كسلان. والعجال: جمع عجلان. والقفى: جمع قفا.
يقول: ينمن في الطرق التي يهوين فيها كما تنام الكسالى على أقفائها، تشبيهاً بنوم الكسلان الذي إذا نام لا يحب الحركة والعجلة ولا ينتبه بالتحريك.
لا يتشكّين من الكلال
ولا يحاذرن من الضّ؟ لال
يعني: لا تشكو كلالا؛ لأن هويتها حركة طبيعية، فلا مشقة عليها فيها ولا يحاذرن من الضلال. يعني أنها لا تخطئ الحضيض؛ لأن المرمى من شاهق لا ينفك من الهوى والسقوط.
فكان عنها سبب التّرحال
تشويق إكثارٍ إلى إقلال
الهاء في عنها للأيائل، والوعول.
يقول: كان سبب رحيلنا عن صيد الوحش تشويق الإكثار منها إلى الإقلال. يعني: كثر الصيد حتى شوقنا الإكثار، بما أدخل علنيا من الملال إلى الإقلال منها، فكان ذلك سبب رحيلنا.
فوحش نجدٍ منه في بلبال
يخفن في سلمى وفي قتال
البلبال: الهم. وسلمى: أحد جبلي طيئ، والآخر أجأ. وقتال: جبل بالقرب من دومة الجندل. والهاء في منه لأبي شجاع.
يقول: الوحش التي في نجد، لما سمعت بما صنع الأمير هنا خافت واضطربت في جبالها.
نوافر الضّباب والأورال
والخاضبات الرّبد والرّئال
والظّبي والخنساء والذّيّال
الضباب: جمع ضب. والأورال: جمع ورل وهي دابة أكبر من الضب على خلقته. والخاضبات: النعام إذا أكلت الزهر احمرت أطراف جناحها. والربد: جمد أربد وربداء، وهو الذي يضرب لونه إلى لون الرماد. والرئال: جمع الرأل، وهو فرخ النعام. والخنساء: البقرة الوحشية. والذيال: الثور الوحشي. ونوافر نصب على الحال من الوحش. أي: يخفن منه على هذه الحال. يعني: هذه الحيوانات الوحشية نافرة في نجد خوفاً منه.
يسمعن من أخباره الأزوال
ما يبعث الخرس على السّؤال
الازوال: جمع زول، وهو العجب.
يقول: وحش نجد يسمعن من أخبار عضد الدولة أخباراً عجيبة تبعث الخرس على السؤال لعجبها.
وقيل: أراد بالخرس الوحوش؛ لأنها لما سمعت بأخباره أقبلت مع خرسها يسأل بعضها بعضاً على هذا الخبر العجب.
وقيل: إن الهاء في أخباره تعود إلى الصيد. أي: يسمعن من أخبار الصيد.
فحولها والعوذ والمتالي
تودّ لو يتحفها بوالي
يركبها بالخطم والرّحال
الفاء فاء الجواب، وقيل: الفاء أصل، وهي فحول بضم الفاء جمع فحل. والعوذ: جمع عائذة، وهي القريبة العهد بالنتاج. والمتالي: جمع متلية، وهي التي يتلوها ولدها. والخطم: جمع خطام
يؤمنها من هذه الأهوال
ويخمس العشب ولا يبالي
وماء كلّ مسيلٍ هطّال
يعني: أنها تتمنى أن يبعث والياً، حتى يركبها بالأزمة والرحال، ويؤمنها هذا الوالي من أن يقصدها لصيدها، ولا يروعها بأهوالها، ويأخذ منها خمس العشب الذي ترعاه وخمس الماء الذي تشربه.
يا أقدر السّفّار والقفّال
لو شئت صدت الأسد بالثّعال
أو شئت غرّقت العدى بالآل
السفار: جمع المسافر. والقفال: جمع قافل، وهو الراجع من سفره. والثعالي: الثعالب. وأبدل الياء من الباء.
يقول لعضد الدولة: يا أقدر مسافر وراجع لو شئت أن تصيد الأسود بالثعالب لأمكنك ذلك؛ لسعادة إقبالك. والآل: السراب. يعني: لو شئت أن تفرق أعداءك بالسراب لأمكنك.
ولو جعلت موضع الإلال
لآلئاً قتلت بالآلي
الإلال: الحراب، واحدتها آلة، والآلئ: جمع لؤلؤة.
يعني: لو جعلت بدل الحراب لآلئ، لأمكنك أن تفعل بها ما تفعل بالحراب؛ لسعادة جدك فلا يتعذر عليك شيء ترومه.
لم يبق إلاّ طرد السّعالي
في الظّلم الغائبة الهلال
على ظهور الإبل الأبّال
السعال: جمع سعلاة، وهي الغول. وقيل: السعلاة أخبث الجن. والإبل الأبال: التي قد اجتزأت بالعشب عن الماء، الواحد: الأبل. يقال: أبلت الإبل تأبل أبلاً.
يقول: لم يبق إلا أن تطرد السعالي في الظلمات التي لا يطلع فيها القمر، على الإبل التي تجزئ بالرطب عن الماء.
فقد بلغت غاية الآمال
فلم تدع منها سوى المحال
في لا مكانٍ عند لا منال
الهاء في منها للآمال.
يقول: قد بلغت جميع الآمال، ولم تترك منها إلا ما هو المحال، وهو ما لا يحويه مكان، ولا يصل إليه منال، وهو المحال؛ لأن كل شيء لا بد من أن يحويه مكان ويدركه منال، خلا الله ﵎ فإنه لا يحويه مكان، ولا يدركه منال ولا مثال، وهو موجود حي.
وقيل: أراد قد بلغت ما يصح بلوغه فلم يبق إلا وراء العالم الذي لا يحويه مكان ولا يناله منال.
يا عضد الدّولة والمعالي
النّسب الحلي وأنت الحالي
بالأب لا بالشّنف والخلخال
حلياً تحلّى منك بالجمال
الحالي: الذي يلبس الحلي وحلياً نصب على المصدر.
يخاطب عضد الدولة ويقول: النسب زينة لك، كما أن الحلي زينة للابسه، فأنت حالي بمفاخر أبيك، لا بالحلي الذي هو الشنف والخلخان. وقوله: حلياً تحلى منك بالجمال يعني: أن كرم نسبك حلى عليك، وأنت أيضاً حلى بالنسب حليته الجمال فنسبك يزينك وأنت تزينه بجمالك.
وربّ قبحٍ وحلىً ثقال
أحسن منها الحسن في المعطال
المعطال: العاطل، التي لا حلي عليها. يعني: حسن الحلي بحسن لابسه، فإن الحسن على المرأة العاطل أحسن من الحلي الثقيل على المرأة القبيحة. وهذا كما قال في موضع آخر:
وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
فخر الفتى بالنّفس والأفعال
من قبله بالعمّ والأخوال
من قبله: أي من قبل فخره بعمه وخاله.
يقول: الفتى من يفخر بأفعاله ونفسه قبل افتخاره بأعمامه وأخواله. والباء في قوله بالعم متعلق بمحذوف. أي: لا يفخر أحد بعمه وخاله، ويترك نفسه وأفعاله. وقيل: إن الباء وما بعدها في موضع نصب على الحال من الهاء في قبله وتعلقها أيضاً بمحذوف. أي: من قبله كائناً بالعم والخال.
وقال أيضاً يمدحه ويودعه في شعبان سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. وهي آخر ما سار في شعره، وفي أثناء هذه القصيدة كلام جرى على لسانه كأنه ينعى نفسه، وإن لم يقصد ذلك.
فدىً لك من يقصّر عن مداكافلا ملكٌ إذاً إلاّ فداكا
الفداء: بكسر الفاء يمد ويقصر، وإذا فتح يقصر لا غير والمدى: الغاية.
يقول: لعضد الدولة جعل الله فداءك من يقصر عن مداك في الفضل والجود، فإذا أجيبت لي هذه الدعوة، فداك كل ملك، فلم يبق في الدنيا ملك، إلا وهو فداك؛ لأنهم كلهم مقصرون عن معاليك، فكأني قلت: فداك سائر الملوك والخلائق.
ولو قلنا فدىً لك من يساويدعونا بالبقاء لمن قلاكا
قلاك: أي أبغضك.
يقول: لو قلنا جعل الله فداك من يساويك، لكنا قد دعونا لمن يبغضك بالبقاء لقصوره عن محلك وانحطاطه عن مساواتك. يعني: إذا قلت فداك من يساويك. كأني قلت لا فداك من هو دونك. وهذا اقتضاء.
وآمنّا فداءك كلّ نفسٍوإن كانت لمملكةٍ ملاكا
ملاك الشيء: قوامه الذي يقوم به. أي: لو قلنا فداك من يساويك، لكنا قد جعلنا كل نفس آمنة من أن تكون فداك، وإن كانت قواماً لممالك؛ لأن كل ملك مقصر عن علاك، فهو خارج عن هذه الدعوة لو دعوتها، فلهذا تركتها.
ومن يظّنّ نثر الحبّ جوداًوينصب تحت ما نثر الشّباكا
يظن: يفتعل من الظن، وأصله يظتن فقلبت التاء طاء لموافقة الطاء في الإطباق. ثم أبدلت الطاء ظاء لتدغم في الظاء بعدها، ثم أدغم فيها الظاء فصار اللفظ بالظاء يظن وموضع من نصب عطفاً على كل ويجوز أن يكون موضعه جراً عطفاً على كل نفس ويجوز أن يكون رفعاً على الاستئناف.
يقول: وكنا أيضاً آمنا. فداك من ينثر الحب وينصب تحته الشباك. وهذا مثل لمن يبذل الأموال وغرضه أن يجر بها نفعاً إلى نفسه، وهو يظن أن ذلك جود، وهو ليس بجواد في الحقيقة، لأنه كالتاجر يطلب ببذل الأموال الأرباح، وأما الجواد فمن يحسن ولا يطلب جزاء على ما فعله، ولا يجر نفعاً إلى نفسه. ولابن الرومي مثل ذلك:
رأيتك تعطي المال إعطاء واهبٍإذا المرء أعطى المال إعطاء مشتري
ومن بلغ التّراب به كراهوقد بلغت به الحال السّكاكا
الكرى: النوم. والسكاك: الهواء.
يقول: آمنا. فداك كل من بلغه نومه وغفلته وخمول ذكره وجهله بالتراب، وإن بلغته حاله وغناؤه للسماء.
والكرى أيضاً: دقة الساقين، وهذا إشارة إلى ضعفه وخموله.
فلو كانت قلوبهم صديقاًلقد كانت خلائقهم عداكا
الصديق: يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وكذلك العدو، وقد أتى بلفظ الجمع في قوله: عداكا لأن القاقية أدته إلى ذلك، والأحسن أن يقول: عدوا ليطابق قوله صديقاً.
والمعنى: أن جميع من ذكرته لو كانوا يحبونك بقلوبهم فإن خلائقهم أعداؤك لكونهم أضداد لك، والضد يبغض ضده، فأخلاقهم تبغضك لقصور أصحابها عن شأوك.
لأنّك مبغضٌ حسباً نحيفاًإذا أبصرت دنياه ضناكا
الضناك: السمينة التي ضاق جلدها بشحمها. لما استعار لقلة الحسب النحافة، استعار لكثرة المال السمن والضخامة.
يقول: إن خلائقهم أعداؤك؛ لأنك تبغض من كثر ماله وقل حسبه ومجده.
أروح وقد ختمت على فؤاديبحبّك أن يحلّ به سواكا
يقول: أحسنت إلي إحساناً ملكت به، حتى صرت مضطراً إلى حبك، وشغلت به قلبي. كما في الخبر: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فأنا أروح عنك مختوماً على قلبي بحبك، فلا يشغل بحب ملك غيرك.
وقد حمّلتني شكراً طويلاًثقيلاً لا أطيق به حراكا
الحراك: الحركة. يعني: أروح عنك وقد حملتني من شكرك ما لا أطيق له حملاً، ولا أقدر على القيام به، لكثرة ما أفضت علي من إحسانك، فكيف أتفرغ إلى حمل نعمة غيرك؟؟! إشارة بالعود إليه.
أحاذر أن يشقّ على المطايافلا تمشي بنا إلاّ سواكا
روى: إلا سواكا ومساكا وهما المشي الضعيف المضطرب. يقال: سوكت الإبل، إذا تمايلت في مشيتها من الضعف والهزال.
يقول: أخاف أن أشكرك، فيثقل على المطايا فلا تقدر على المشي تحته، إلا مشياً ضعيفاً من كثرة ما حملناه من العطايا، ومن كثرة ما تقلدنا من الشكر ونحن عليها.
لعلّ الله يجعله رحيلاًيعين على الإقامة في ذراكا
الذرا: الناحية والكنف.
يقول: أرجو أن يجعل الله تعالى هذا الرحيل سبباً لإقامتي في ذراك. يعني: إنما أمضى لأصلح شأني وأحمل أهلي وأقيم في ظلك ساكن النفس رخي البال.
فلو أنّي استطعت حفضت طرفيفلم أبصر به حتّى أراكا
يقول: لو قدرت بعد رحيلي عنك لغمضت طرفي، فلم أنظر إلى أحد حتى أرجع إليك؛ لشدة شوقي إليك، واهتمامي بسرعة العود، ومثله لآخر:
غمضت عيني لا أرى أحداًحتّى أراهم آخر الدّهر
وكيف الصّبر عنك وقد كفانينداك المستفيض وما كفاكا؟
المستفيض: من فاض الماء، إذا سال.
يقول: أصبر عنك وقد أفضت علي من نعمائك حتى كفاني ما أعطيتنيه، وأغناني؟ وأنت بعد لم يكفك البذل والإنعام!
أتتركني وعين الشّمس نعليفتقطع مشيتي فيها الشّراكا؟!
يقول: قد بلغت بقصدي إليك المنزلة الرفيعة، حتى صارت عين الشمس أو نفسها نعلي! فإذا فارقتك زالت عني هذه المنزلة، وانحططت عن الدرجة التي أوصلتني إليها، فكأن مشيتي قطعت شراك نعلي، حتى سقطت عن رجلي، وهذا مثل: يعني: لا أحط نفسي وأنت ترفعني. أي: لا أبعد عنك وأنت تقربين. وقوله: أتتركني كأنه يقول: لا تتركني أضيع الشرف الذي وصلت إليه بقصدك، كأنه يعرض بالرغبة في المقام عنده.
أرى أسفي، وما سرنا، شديداًفكيف إذا غدا السّيرا بتراكا؟؟!
ابتراكا: أي شديداً. يقال: ابتركت الناقة في سيرها إذا سارت سيراً شديداً ومثله لسحيم:
أشوقاً ولمّا يمض بي غير ليلةٍفكيف إذا حثّ المطيّ بنا شهرا؟!
إلا أن في قوله: وما سرنا زيادة حسنة. وقد جعل مكان الشوق الأسف لأنه قال: وما سرنا فإذا لم يسر فلا شوق هناك. ومثله قول قيس:
أشوقاً ولمّا يمض بي غير ليلةٍرويد الهوى حتّى تعبّ لياليا
ومثله لبعضهم:
وقد كنت أبكي والنّوى مطمئنةبنا وبكم من علم ما البين صانع
وهذا الشّوق قبل البين سيفٌوها أنا ما ضربت وقد أحاكا!
يقال: ضربه فما أحاك فيه السيف. أي: لم يقطع.
يقول: عمل في الشوق وأنا بعد لم أرحل عنه، فكأنه سيف قطع من بدني قبل أن أضرب به. شبه الشوق بالسيف، ونفسه بمن أثر فيه السيف، ثم تعجب بأن أثر فيه السيف قبل الضرب به.
إذا التّوديع أعرض قال قلبيعليك الصّمت لا صاحبت فاكا
أعرض: أي قرب وظهر، ونصب الصمت بعليك لأنه إغراء: أي الزم الصمت.
يقول: كلما أردت أن ألفظ بالوداع قال لي قلبي: اسكت لا صحبت فاك: أي أهلكه الله تعالى وفرق بينك وبين فيك قبل أن تنطق بالوداع.
وقيل: المعنى أن القلب قال لي: اسكت بعد رحيلك عنه، ولا تمدح غيره، فلا صاحبت فاك.
ولولا أنّ أكثر ما تمنّىمعاودةٌ لقلت: ولا مناكا!
أي: ما تتمنى، فحذف تاء المخاطبة. يعني: قال قلبي عندما أردت التوديع: اسكت فلا صحبت فاك إن نطقت بالوداع ومدحت بعده غيره. وقال أيضاً: لولا أنك تتمنى الرجوع إليه، لقلت لا صاحبت مناك أيضاً.
قد استشفيت من داءٍ بداءٍوأقتل ما أعلّك ما شفاكا
أعلك: أي أمرضك.
يقول: قال قلبي تداويت من شوقك إلى أهلك بفراق عضد الدولة، وكل واحد منهما سقم، غير أن أقتل ما أسقمك، ما استشفيت به. يعني: أن فراق أهلك أعلك، وفراق عضد الدولة الذي استشفيت به، فهو أقتل لك وأدحى في الإهلاك. من الذي أعلك.
وقيل: هذا من قول المتنبي إلى قلبه وهو قريب من قول القائل:
المستجير بعمرو عند كربتهكالمستجير من الرّمضاء بالنّار
فأستر منك نجوانا وأخفىهموماً قد أطلت لها العراكا
النجوى: السر. والعراك: الصراع.
يقول لعضد الدولة: أستر منك مناجاتي مع قلبي، وأخفي منك هموماً لا أزال أعاركها.
إذا عاصيتها كانت شداداًوإن طاوعتها كانت ركاكا
الركاك: جمع ركيك، وهو الضعيف. والهاء في عاصيتها وطاوعتها للهموم، وأراد بالهموم: ما يهمه من الشوق. أي: إن عاصيت الهموم، واخترتك على أهلي كانت قوية وإن طاوعتها كانت ركيكة؛ لأني أختار لقاء الأهل على جوارك والتشرف بك. وهذا رأي ضعيف.
وكم دون الثّويّة من حزينٍيقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية: مكان بالكوفة. وقوله: دون الثوية أي أقرب إلينا من الثوية.
يقول: كم لي بقرب الثوية من حزين على فراقي، إذا قدمت عليه سر بلقائي، فكأن قدومي قال له: هذا السرور الآن، بذلك الحزن الذي كان، ولولا كان ذلك الحزن، لم يكن هذا السرور.
قال ابن جني: ولم يقل بعد قوله يقول: إن شاء الله تعالى.
ومن عذب الرّضاب إذا أنخنايقبّل رجل تروك والوراكا
الرضاب: قطع الريق. وتروك: اسم ناقة وهبها له عضد الدولة والوراك شبه مخدة يتخدها الراكب تحت وركه، يتورك عليها.
يقول: كم دون الثوية من حبيب حلو الريق إذا وصلت إليه يقبل الناقة ومخدتي التي هي على الناقة.
يحرّم أن يمسّ الطّيب بعديوقد علق العبير به وصاكا
صاك به: أي لصق به.
يقول: هذا الحبيب قد حرم على نفسه أن يمس الطيب بعد غيبتي عنه، وهو مع ذلك طيب الجسم، كأن العبير لصق به، وهو من قول امرئ القيس:
وجدت بها طيباً وإن لم تطيّب
والمصراع الأول من قول الآخر:
فيا ليل إن الغسل ما دمت أيّماعليّ حرامٌ لا يمسّني الغسل
ويمنع ثغره من كلّ صبٍّويمنحه البشامة والأراكا
البشام: شجر يتخذ منه المساويك، وكذلك الأراك. والهاء في يمنحه للثغر.
يقول: هذا الحبيب يمنع ثغره من كل من يشتاق إليه، فلا يمكنه من تقبيله ورشفه، ومع ذلك يجود بثغره على مساويك البشام والأراك. يصفه بالعفة.
يحدّث مقلتيه النّوم عنّيفليت النّوم حدّث عن نداكا
يقول: إن الحبيب العذب الرضاب، إذا نام رآني في النوم، فليته رأى في النوم ما حبوتني به من المال والإكرام، فيعذرني في فراقي له.
وأنّ البخت لا يعرقن إلاّوقد أنضى العذافرة اللّكاكا
البخت: جمع البختي، ويعرقن: من قولهم أعرق الرجل، إذا أتى العراق. والعذافرة: الناقة الشديدة. وقيل: الشحيمة. واللكاكا: جمع لكيك، وهو الكثير اللحم وروى بضم اللام، فيكون صفة لواحدة وفاعل أنضى ضمير الندى.
يقول: وليت النوم أخبره أن البخت لا تصل إلى العراق، إلا وقد أنضى نداه النياق بثقله وكثرته.
وما أرضى لمقلته بحلمٍإذا انتهبت توهّمه ابتشاكا
الابتشاك: الكذب. وتوهمه: أي تتوهمه المقلة، فحذف تاء التأنيث، والهاء في مقلته لعذب الرضاب، وفي توهمه للحلم.
لما قال: ليت النوم حدث عن نداك رجع وقال: لا أرضى أن يرى في النوم ما أنا عليه من الشرف؛ لأنه إذا انتبه من نومه توهمه كذباً، وعده من أضغاث الأحلام والأماني الباطلة.
ولا إلاّ بأن يصغي وأحكيفليتك لا يتيّمه هواكا
أي لا أرضى بأن يرى ذلك في النوم، وإنما أرضى بأن أحكى له وهو يسمع، فليته لا يصير متيما بحبك فينصرف عني ولم يعشقك من وصفي مكارمك وإحسانك.
وكم طرب المسامع ليس يدريأيعجب من ثنائي أم علاكا؟!
يقول: كم من سامع يطربه ثنائي عليك، فلا يدري: أمدحي لك أحسن، أم علاك؟ إذ كل واحد منهما يطرب.
وذاك النّشر عرضك كان مسكاًوذاك الشّعر فهرى والمداكا
النشر: الرائحة الطيبة، والفهر: الحجر قدر ملء الكف. والمداك: حجر مبسوط يسحق عليه الطيب.
ويجوز أن يريد بالنشر: نشر مكارمه بالشعر.
يقول: الذي أنشره من إحسانك وفضلك، إنما هو فعلك، فهو بمنزلة ريح المسك يفوح، ولكن عرضك كان المسك، وكان شعري الذي يتضمن ثناءك بمنزلة الفهر، والمداك يسيره وينشره، وليس يزيد فيه شيئاً، كما أن الفهر والمداك يشيعان نشر المسك ويظهران جوهره، ولا يزيدان فيه شيئاً، كذلك شعري يشيع معاليك من غير أن يزيد فيها شيئاً.
فلا تحمدهما واحمد هماماًإذا لم يسم حامده عناكا
أي: لا تحمد فهري ومداكي على ما يظهران من طيب عرضك. أي: لا تحمدني على شعري وحمدي لك، ولكن احمد هماماً. أي: نفسك التي أسدت الثناء وقوله: إذا لم يسم حامده عناكا أي: إذا قلت مدحاً ولم أسم فيه أحداً، فإنما عنيتك به وهذا مثل قول أبي نواس:
إذا نحن أثنينا عليك بصالحفأنت كما نثني وفوق الّذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحهلغيرك إنساناً فأنت الّذي نعني
أغرّ له شمائل من أبيهغداً يلقي بنوك بها أباكا
أغر: صفة للهمام، والشمائل: الأخلاق. والهاء في بها للشمائل.
يقول: أحمد هماماً أغر، فيه شمائل من أبيه: أي مشابهة وأخلاق. وقوله: غداً يلقي بنوك بها أباكا أي بتلك الشمائل. يعني: أنهم إذا كبروا أشبهوا شمائل أبيك كما أشبهته أنت. أي كلكم يشبه فعله فعل أبيه، وينزع إلى كرم أصله.
وفي الأحباب مختصٌّ بوجدٍوآخر يدّعي معه اشتراكا
يعني: في الناس من هو محب على الحقيقة، مختص بالوجد على فراق أحبته، وفيهم من يدعي الاشتراك معه في الوجد وهو كاذب في دعواه.
وقيل: أراد بالمختص نفسه لأجل فراقه، ومن تداني مختص بود ذلك الوجد، وذلك الوجد لفراقك، وليس عند غيري شعري، إلا مجرد الدعوى.
وقيل: أراد بالمختص بالوجد نفسه لأجل فراقه، ومن يدعي الاشتراك: زوجته، تدعى مشاركة والدته في الحزن لأجله.
إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍتبيّن من بكى ممّن تباكا
يعني: أن الذي يبكي بوجد وحرقة قلب، يظهر ممن يتكلف البكاء رياءً، وإن اشتبهت دموعهما في جريانها على الخدود.
أذمّت مكرمات أبي شجاعٍلعيني من نواي على أولاكا
أي: مكرمات أبي شجاع قد دخلت عيني في ذمتها ومنعتها من أن تكون من أولئك. أي: ممن يخادع ويظهر من الود خلاف ما يبطن.
يعني: مكارمك وإحسانك منعتني من دعوى المحبة بحضرتك وإظهار خلافها في غيبتك، فإن الإنسان مطبوع على حب من أحسن إليه، فإذا أبعدت أضمرت من مودتك مثل ما أظهر الآن بحضرتك.
فزل يا بعد عن أيدي ركابٍلها وقع الأسنّة في حشاكا
يخاطب البعد يقول: يا بعد زل عن أيدي إبلي، فإنها تنفذ فيك وتفعل في حشاك فعل الأسنة. يشير إلى سرعة سيره وعوده.
وقيل: أراد بذلك أنها تطوي البعد وتنفذه، فكأنها أثرت فيه هذا التأثير.
وأيّا شئت يا طرقي فكونيأذاةً أو نجاةً أو هلاكا
يعني: إذا سرت وعضد الدولة راض عني، فلا أبالي أي شيء كان في طريقي: هلاكاً أو نجاة، فإن سعادة جده تدفع ما أحذره.
فلو سرنا وفي تشرين خمسٌرأوني قبل أن يروا السّماكا
السماك: كوكب يطلع على أهل الكوفة لخمس خلون من تشرين الأول.
يقول: لو سرت إلى أهلي من شيراز في اليوم الذي يطلع في عشيته عليهم السماك، لوصلت إليهم قبل طلوع السماك. أي: كانت سعادته وإقباله يطويان لي البعد ويسهلان علي الطريق.
وقيل: لم يكن بين قول هذا وبين تشرين الأول دون عشرة أيام، وكان بشيراز، وبين شيراز وبغداد مئتا فرسخ.
يشرّد يمن فنّاخسر عنّيقنا الأعداء والطّعن الدّراكا
يشرد: يطرد ويبعد. والطعن الدراك: المتتابع.
يقول: إن يمن عضد الدولة إذا سرت وهو عني راض يبعد كل مكروه وينفي كل محذور. غير أنه لم ينفعه يمن فناخسر.
وألبس من رضاه في طريقيسلاحاً يذعر الأبطال شاكا
يقال: رجل شاكي السلاح، وأصله شائك، فحذف عين الفعل منه فصار شاكا. وقيل: شاكي السلاح وهذا مقلوب من شائك، وشاكا صفة للسلاح.
يقول: إذا سرت وهو عني راض قام رضاه لي مقام السلاح التام في دفع الأعداء وتخويف الأبطال. وهذا مثل قوله:
ومن يصحب اسم ابن العميد محمّدٍيسر بين أنياب الأساود والأسد
ومن أعتاض منك إذا افترقناوكلّ النّاس زورٌ ما خلاكا
يقول: إذا فارقتك لم أجد منك عوضاً يقوم مقامك، فجميع الناس غيرك قول بلا فعل، ووعد بلا إنجاز، ودعوى بلا معنى. ومثله قول عمران بن حطان، في مرثية مرداس:
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفهما النّاس بعدك يا مرداس بالنّاس
وما أنا غير سهمٍ في هواءٍيعود ولم يجد فيه امتساكا
يقول: إني وإن رحلت عنك، فإني لا ألبث حتى أعود راجعاً إليك كالسهم إذا رمي في الهواء لا يقف، بل ينعكس فيعود منخفضاً وهذا معنى حسن في سرعة السير والعود، والأصل فيه قول الآخر:
رماني بأمر كنت منه ووالديبريئاً ومن قعر الطّوىّ رماني
حييّاً من إلهي أن يرانيوقد فارقت دارك واصطفاكا
حيياً نصب على الحال. أي: أرجع وأنا أستحي من إلهي أن يراني فارقت دارك، وأنت صفوته. أي: إذا كان الله تعالى قد اصطفاك من بين خلقه استحييت منه أن أفارقك وأوثر عليك غيرك، وهو قد اختارك واصطفاك. أي: وهو فعل ماض.
وروى ابن جني ﵀ اصطفاكا بكسر الطاء وهو مصدر اصطفى وأصله المد، غير أنه قصر ضرورة. والأول أولى وأحسن في المعنى. ويجوز حيي بالرفع. أي أنا حيي من الله تعالى أن أفارقك، وقد اصطفاك ووكل إليك أمر العباد وأحوال البلاد.
هذا آخر ما سار من شعر أبي الطيب المتنبي رحمه الله تعالى.
وخرج من عند عضد الدولة، حتى إذا قرب من بغداد وخرج من دير العاقول خرج عليه فرسان ورجال من أسد وشيبان فقتل بين الصافية ودير العاقول وذلك يوم الاثنين لست ليال بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاث مئة وقتل معه عبده وقتل ابنه بعده.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع