من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
زيادات من شعر المتنبي
نعني بالزيادات الأبيات والقطع التي لم تثبت في النسخ التي بين أيدينا لهذا الشرح ولكن اطمأنت نفوسنا من نسبتها إلى المتنبي.
ومما لا ريب فيه أن المتنبي أسقط من ديوانه بعض القطع التي قالها في صباه أو ارتجلها ولم يجدها، أو استحى مما فيها، كما أسقط أبياتاً من قصائده حين إعادة النظر في ديوانه، وكذلك سها النساخ عن قطعة أو بيت، فمن أجل هذا وقع الخلاف بين النسخ في أبيات قليلة، ولسبب من ذلك يجد الباحث في بعض القطع حذفاً وإثباتاً وتقديماً وتأخيراً، أشرنا إليه في دراستنا ونبهنا عليه في موضعه من النص.
وفي النسخة التي اعتمد عليها شارحنا، قطع وأبيات مثبتة في متن الديوان ومشروحة. اعتبرها غيره من الشراح من زيادات الديوان، وذلك مثل قول أبي الطيب:
فديت بماذا يسرّ الرسولوأنت الصحيح بذا لا العليل
عواقب هذا تسوء العدووتثبت فيك وهذا يزول
فقد ذكر البيتان في زيادات الديوان الذي حققه الدكتور عبد الوهاب عزام ولم يذكرا في التبيان، وإن ذكرهما الواحدي في صلب الديوان واتفق مع شارحنا في ذلك.
وليرجع الباحث إلى القطعتين رقمي و المثبتين في آخر السيفيات، ولينظر هوامشهما ليقف على مدى الخلاف في إثباتهما عند سائر الشراح.
ولقد أحببت أن أتتبع زيادات شعر المتنبي فأثبتها لحقاً لهذا الشرح، ولكن رأيت أن جمع الزيادات كلها يطول، ويدخلنا في نقد طويل، نزيف به بعض القصائد والقطع التي نسبت إلى الشاعر. وقد سبقنا العالم الثبت عبد العزيز الميمني الراجكوتي ونشرها في كتاب على حدة زيادات ديوان شعر المتنبي فكفانا مئونة هذا الجهد وسأكتقي بالزيادات التالية التي اطمأنت نفسي إليها مع ذكر مصادرها: أول شعر نظمه وهو صبي يتغزل:
بأبي من وددته فافترقناوقضى الله بعد ذاك اجتماعا
فاقترفنا جولاً فلمّا التقيناكان تسليمه عليّ وداعا
وقال يمدح محمد بن عبيد الله العلوي الكوفي:
يا ديار العباهر الأترابأين أهل الخيام والأطناب؟
قذفت بالبدور عنك ظهورالبدن قذف القسيّ بالنّشاب
غادة تجعل الخليّ شجيّاوتصيب المحبّ بالأوصاب
صدّها، يذهل العقول، بالوصل تردّ العقول بعد ذهاب
يا شبابي ترفّقن بشبابينمت عن ليتي وبتّ لما بي
تالفاً بين ميتة وحياةٍواقفاً بين رحمةً وعذاب
خذ إلهي من الملاح لجسمٍحلن ما بينه وبين الثّياب
سوءةٌ للّتي شكوت فقالت:سوءةٌ للممخرق الكذّاب
أعتبت بالصدود بعد عتابورمت بالنّقاب بالعنّاب
بعناب تسودّت من حشائيبسواد ومن دمي بخضاب
وتمشّت من الفؤاد بنعلٍحرّ وجهي له مكان التّراب
آه لم يدر ما العذاب فؤادلم يذق طعم فرقة الأحباب
ابعدي فالسّلوّ أجمل عنديمن حضور البكا على الغيّاب
ووقار الفتى بغير مشيبكصبوّ امرئ بغير شباب
سقّني ريقها وسقّ نديميمن سلاف ممزوجة برضاب
واسق أطلالها وإن هجرتنايا إله السماء، نوء السحاب
مضلخمّ الرّوقين مثعنجر الودق مسفّ الجهام، داني الرّباب
مسبلا مثل راحة ابن عبيد اللهمعطى الورى بغير حساب
يستقلّ الكثير معتذراً من أخذه طالباً إلى الطّلاّب
فنفوس الأموال غير رواضعنه، والسائلون غير عضاب
إنّ جود الوسمىّ بل زبد البحر ترامى عبابه بحباب
دون جدوى أبي الحسين إذا ما اشتغل الشّعر بالعطايا الرّغاب
وقال يمدح ابن كيغلغ وهو في حبسه:
شغلي عن الرّبع أن أسائلهوأن أطيل البكاء في خلقه
بالسّجن والقيد والحديد وماينقض عند القيام من حلقه
في كل لصٍّ إذا خلوت بهحدّث عن جحده وعن سرقه
لو خلقت رجله كهامتهإذاً لباري البزاة في طلقه
بدّلت جيرانه وبليتهفي خطّ كفّ الأمير من ورقه
يا أيها السيد الهمام أبا العبّاس والمستعاذ من حنقه
أعنى الأمير الذي لهيبتهيخفق قلب الرّضيع في خرقه
المظهر العدل في رعيّتهوالمعتدي حلمه على نزقه
لما تأمّلته رأيت لهمجداً تضلّ الصّفات في طرقه
نظرت من طبعه إلى ملكٍيغضى حماة الشام من خلقه
لو ما ترى سفكه بقدرتهكان دم العالمين في عنقه
يا من إذا استنكر الإمام بهمات جميع الأنام من فرقه
في كلّ يوم يسري إلى عملٍفي عسكر لا يرى سوى حدقه
تشتعل الأرض من بوارقهناراً وتنبو السيوف عن درقه
قد أثّر القيظ في محاسنهوفاح ريح العبير من عرقه
كأنّ الشمس؛ لم تزر بلداًفي الأرض إلاّ طلعت في أفقه
الله يا ذا الأمير في رجلٍلم تبق من جسمه سوى رمقه
كم ضوء صبح رجاك في غدهوجنح ليل دعاك في غسقه
ناداك من لجّة لتنقذهمن بعد ما لا يشكّ في غرقه
وقال يمدح أحمد بن الحسن:
أتظعن يا قلب مع من ظعنحبيبين أندب نفسي إذن
ولم لا أصاب وحرب البسوس بين جفوني وبين الوسن
وهل أنا بعدكم عائشٌوقد بنت عنّي وبان السّكن؟!
فدى ذلك الوجه بدر الدّجىوذاك التّثنّي تثنّى الغصن
فما للفراق وما للجميع؟وما للرّياح وما للدّمن؟
كأن لم يكن بعد أن كان ليكما كان لي بعد أن لم يكن
ولم يسقني الرّاح ممزوجةًبماء اللّثى لا بماء المزن
لها لون خدّيه في كفّهوريحك يا أحمد بن الحسن
ألم يلفك الشّرف اليعربيّوأنت غريبة أهل الزّمن
كأنّ المحاسن غارت عليكفسلّت لديك سيوف الفتن
لذكرك أطيب من نشرهاومدحك أحلى سماع الأذن
فلم يرك النّاس إلا غنوابرؤياك عن قول: هذا ابن من؟
ولو قصد الطّفل من طيّئلشارك قاصده في اللّبن
فما البحر في البرّ إلا نداكوما النّاس في الباس إلا اليمن
وقال يعاتب:
إنّي لغير صنيعة لشكوركلا وإنّ سواءك المغرور
مالي أراني منك تحت سحابةٍظمآن أستسقي وأنت مطير
أنت الأمير، وغيرك المأموروعظيم شغلٍ في جداك يسير
وقال يمدح أبا دلف:
ليس العليل الّذي حمّاه في الجسدبل العليل الّذي حمّاه في الكمد
أقسمت ما قبّل الحمّى سوى ملكٍقبل الأمير، ولا اشتاقت إلى أحد
فلا تلمها رأت شيئاً فأعجبهافعاودتك ولو ملّتك لم تعد
أليس من محن الدّنيا أبا دلفٍألا نزورك والرّوحان في بلد؟
وقال معاتبا:
أتاني عنك قولٌ فازدهانيومثلك يتّقي أبداً ويرجى
ولولا ظنّةٌ خلعت فؤاديوجدت إليك طرقاً منك نهجا
فلمّا جئت أشرق منك بدرٌوكان لتمّه الإسعاد برجا
وكتب إليه الضرير الضبي:
قد صحّ شعرك والنّبوّة لم تصحوالقول بالصدق المبيّن يتّضح
فالزم مقال الشّعر تحظ برتبةٍوعن النّبوّة لا أباً لك فانتزح
تربح دماً قد كنت توجب سفكهإنّ التمتّع بالحياة لمن ربح
فأجابه المتنبي:
نار الذراية من لساني تقتدحيغدو عليّ من النّهي ما لم يرح
بحرٌ لو اغترفت لطائم موجهبالأرض والسّبع الطّباق لما نزح
أمري إليّ، فإن سمحت بمهجةٍكرمت عليّ، فإنّ مثلي من سمح
وقال أيضاً يفتخر بنفسه:
لي منصب العرب البيض المصاليتومنطقٌ صيغ من درٍّ وياقوت
وهمّةٌ هي دون العرش منكبهاوصار ما تحتها في لجّة الحوت
وقال يهجو حيدرة قاضي طرابلس:
هيناً فقدت من الرّجال بليدامن كان عند وجوده مفقودا
غلب التّبسّم يوم مات تفجّعيوغدا به رأي الحمام سديدا
يا صاحب الجدث الّذي شمل البريية جوده لو كان لؤمك جودا
قد كنت أنتن منه يوم دخولهريحاً وأكثر في الحياة صديدا
وأذلّ جمجمةً وأعيا منطقاًوأقلّ معروفاً وأذوى عودا
أسلمت لحيتك الطويلة للبلىوثويت لا أجراً ولا محمودا
وروى الأطبّة أنّ ما بك قاتلحمق شفاؤك كان منه بعيدا
وفساد عقلك نال جسمك معدياًوليفسدن ضريحه والدّودا
قسمت ستاه بنيه ميراث استهمن بعده فغدت بغايا سودا
لو وصّلوا ما استدخلوا من فيشةفي طولهم وصلوا السماء قعودا
أولاد حيدرة الأصاغر أنفساًومناظراً ومخابراً وجدودا
سودٌ ولو بهر النّجوم بياضهمقلّ ولو كثروا التّراب عديدا
بليت بما يجدون كلّ بخيلةٍحسناء كيلا تستطيع صدودا
شيءٌ كلا شيءٍ لو أنّك منهمفي عسكر مجرٍ لكنت وحيدا
أسرف فإنّك صادقٌ في شتمهمفي كلّ شيءٍ ما خلا التّحديدا
وقال أيضا يهجو آل حيدرة:
يا آل حيدرة المعفّر خدّهمعبد المسيح على اسم عبد مناف
تربا الكلاب بأن يكون أباً لهاويرين عاراً شدّة الإقراف
لا تجمعوا لغة النّبيط وتيهكموأصولكم وأسامي الأشراف
وكتب إليه الضبي الشاعر الضرير وهو في الحبس:
أطللت يا أيّها الشّقيّ دمكلا رحم الله روح من رحمك
أقسمت لو أقسم الأمير علىقتلك قبل العشاء ما ظلمك
فأجابه المتنبي:
إيهاً أتاك الحمام فاخترمكغير سفيهٍ عليك من شتمك
همّك في أمردٍ تقلّب فيعين دواةٍ لصلبه قلمك
وهمّتي في انتضاء ذي شطبٍأقدّ يوماً بحدّه أدمك
فاخسأ كليباً واقعد على ذنبٍواطل بما بين إليتيك فمك
ومن شعر المتنبي مما ليس في ديوانه بل رواه الشيخ تاج الدين الكندي بسند صحيح متصل به بيتان وهما.
أبعين مفتقر إليك نظرتنيفأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم؛ لأنّنيأنزلت آمالي بغير الخالق
وله في سيف الدولة، وكان قد أمر بخيمة فصنعت له، فلما فرغ منها نصبها لينظر إليها، وكان على الرحيل إلى العدو، فهبت ريح شديدة فسقطت، فتشاءم بذلك ودخل الدار واحتجب عن الناس، فدخل عليه المتنبي بعد ثلاثة أيام، فأنشده حيث قال:
يا سيف دولة دين الله دم أبداوعش برغم الأعادي عيشةً وغدا
هل أذهل الناس إلا خيمةٌ سقطتمن المكارم حتى ألقت العمدا
خرّت لوجهك نحو الأرض ساجدةًكما يخرّ لوجه الله من سجدا
وقيل للمتنبي: مالك لم تمدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالبي ﵁ فقال:
وتركت مدحي للوصيّ تعمّداًإذ كان نوراً مستطيلاً شاملا
وإذا استقلّ الشّيء قام بذاتهوكذا ضياء الشّمس يذهب باطلا
وللمتنبي وليس في ديوانه أيضا: يتغزل:
وحبيب أخفوه منّي نهاراًفتخفّي وزارني في اكتئام
زارني في الظّلام يطلب ستراًفافتضحنا بنوره في الظّلام
قال عبد الله بن المحسن بن علي بن كوجك: قرأت قصيدة لأبي الطيب يرثي بها أبا بكر بن طغج الإخشيدي ويعزي ابنه أنوجور بمصر وليست في ديوانه أولها:
هو الزّمان مننت بالذي جمعافي كلّ يومٍ ترى من صرفه بدعا
إن شئت مت أسفاً أو فابق مضطرباقد حلّ ما كنت تخشاه وقد وقعا
لو كان ممتنعٌ تغنيه منعتهلم يصنع الدّهر بالإخشيد ما صنعا
قال وهي طويلة لم يحضرني منها إلا هذه الأبيات وجاء في بدائع الزهور لابن إياس: وقد رثاه أي رثا محمد بن طفج أبو الطيب المتنبي بهذه الأبيات: وذكر الأبيات الثلاثة السابقة ثم زاد الأبيات التالية:
ذاق الحمام فلم تدفع عساكرهعنه القضاء، ولا أغناه ما جمعا
لو يعلم اللّحد ما قد ضمّ من كرمٍومن فخارٍ ومن نعماء لا تسعا
بالحد طل إنّ فيك البحر محتساًوالليث مهتصراً والجرد مجتمعا
يا يومه لم تخصّ الفجع فيه لقدكلّ الودى؛ برزءٍ الإخشيد قد فجعا
ولما خلص إلى العراق هجا كافور بقصائد كثيرة، وكان هجاه من قبل أيضا تلويحاً وتصريحاً منها ما هو مثبت في ديوانه ومنها ما لم يثبت فمن ذلك هذه القصيدة وهي توجد في بعض النسخ دون بعض:
قطعت بسيري كلّ يهماء مفزعوجبت بخيلي كلّ صرماء بلقع
وثلّمت سيفي في رءوسٍ وأذرعٍوحطّمت رمحي في نحور وأضلع
وصيّرت رأيي بعد عزمي رائديوخلّفت آراءً توالت بمسمعي
ولم أترك أمراً أخاف اغتيالهولا طمعت نفسي إلى غير مطمع
وفارقت مصراً والأسيود عينهحذار مسيري تستهلّ بأدمع
ألم تفهم الخنثى مقالي وأنّنيأفارق من أقلى بقلبٍ مشيّع
ولا أرعوي إلاّ إلى من يودّنيولا يطّبيني منزلٌ غير ممرع
أبا النّتن كم قيّدتني بمواعدٍمخافة نظمٍ للفؤاد مروّع
وقدّرت من فرط الجهالة أنّنيأقيم على كذبٍ رصيفٍ مضيّع
أقيم على عبدٍ خصيٍّ منافقلئيم رديء الفعل للجود مدّعي
وأترك سيف الدّولة الملك الرّضيكريم المحيّا أروعاً وابن أروع
فتىً بحره عذبٌ، ومقصده غنىًومرتع مرعى جوده خير مرتع
تظلّ إذا ما جئته الدّهر آمناًبخير مكانٍ بل بأشرف موضع
وقال يهجو كافوراً:
أفيقا خمار الهمّ نغّصني الخمراوسكري من الأيّام جنّبني السّكرا
تسرّ خليليّ المدامة والّذيبقلبي يأبى أن أسرّ كما سرّا
لبست صروف الدّهر أخشن ملبسٍفعرّقنني ناباً ومزّقنني ظفرا
وفي كلّ لحظٍ لي ومسمع نغمةٍيلاحظني شزراً ويوسعني هجرا
سدكت بصرف الدّهر طفلاً ويافعاًفأفنيته عزماً ولم يفنني صبرا
أريد من الأيام ما لا يريدهسواي ولا يجري بخاطره فكرا
وأسألها ما أستحقّ قضاءهوما أنا ممّن رام حاجته قسرا
ولي كبدٌ من رأي همّتها النّوىفتركبني من عزمها المركب الوعرا
تروق بني الدّنيا عجائبها وليفؤادٌ ببيض الهند لا بيضها مغري
أخو هممٍ رحّالةٍ لا تزال بينوىً تقطع البيداء أو أقطع العمرا
ومن كان عزمي بين جنبيه حثّهوخيّل طول الأرض في عينه شبرا
صحبت ملوك الأرض مغتبطاً بهموفارقتهم ملآن من شنفٍ صدرا
ولمّا رأيت العبد للحرّ مالكاًأبيت إباء الحرّ مسترزقاً حرّا
ومصر لعمري أهل كلّ عجيبةٍولا مثل ذا المخصيّ أعجوبةً نكرا
يعدّ إذا عدّ العجائب أوّلاًكما يبتدي في العدّ بالإصبع الصّغرى
ومنها يذكر أم كافور:
فيا هرمل الدّنيا ويا عبرة الورىويا أيّها المخصيّ من أمّك البظرا
نوبيّةٌ لم تدر أنّ بنيّها النّويبيّ بعد الله يعبد في مصرا
ويستخدم البيض الكواعب كالدّمىوروم العبدّي والغطارفة الغرّا
قضاءٌ من الله العليّ أرادهألا ربّما كانت إرادته شرّا
ولله آياتٌ وليست كهذهأظنّك يا كافور آيته الكبرى
لعمري ما دهرٌ به أنت طيّبٌأيحسبني ذا الدّهر أحسبه دهرا
وأكفر يا كافور حين تلوح ليففارقت مذ فارقتك الشّرك والكفرا
عثرت بسيري نحو مصر فلالعاًبها ولعاً بالسّير عنها ولا عثرا
وفارقت خير النّاس قاصد شرّهموأكرمهم ظرّاً لأنذلهم طرّا
فعاقبني المخصيّ بالغدر جازياًلأنّ رحيلي كان عن حلبٍ غدرا
وما كنت إلا فائل الرّأي لم أعنبحزم ولا استصحبت في وجهتي حجرا
وقد أرى الخنزير أنّي مدحتهولو علموا قد كان يهجي بما يطرا
جسرت على دهياء مصر ففتّهاولم يكن الدّهياء إلا من استجرا
سأجلبها أشباه ما حملته منأسنّتها جرداً مقسطلةً غبرا
وأطلع بيضاً كالشّموس مطلّةًإذا طلعت بيضاً وإن غربت حمرا
فإن بلغت نفسي المنا فبعزمهاوإلا فقد أبلغت في حرصها عذرا
وقال وقد كثرت الأمطار بآمد:
أآمد هل ألمّ بك النّهارقديماً أو أثير بك الغبار
إذا ما الأرض كانت فيك ماءًفأين بها لغرقاك القرار
تغضّبت الشّموس بها عليناوماجت فوق أرؤسنا البحار
حنين البخت ودّعها حجيجٌكأن خيامنا لهم جمار
فلا حيّا الإله ديار بكرٍولا روّت مزارعها القطار
بلادٌ لا سمينٌ من رعاهاولا حسنٌ بأهليها اليسار
إذا لبس الدّروع ليوم بؤسفأحسن ما لبست بها الفرار
قال ابن عساكر: وقرأت في بعض الكتب أنه لما خرج المتنبي بأرض سلمية من عمل حمص في بني عدي الكلبيين، قبض عليها بن علي الهاشمي في ضيعة له يقال لها كوتكين وأمر النجار فجعل في رجله قرمة، وفي عنقه، من خشب الصفصاف.
زعم المقيم بكوتكين بأنّهمن آل هاشم بن عبد مناف
فأجبته: مذ صرت من أبنائهمصارت قيودهم من الصّفصاف
ولما أن صار معتقلاً في الحبس كتب إلى الوالي:
بيديّ أيّها الأمير الأريبلا لشيءٍ إلاّ لأنّي غريب
أو لأمٍّ لها إذا ذكرتنيدم قلبٍ بدمع عين سكوب
إن أكن قبل أن رأيتك أخطأت فإنّي على يديك أتوب
عائبٌ عابني لديك ومنهخلقت في ذوي العيوب العيوب
وحكى الصفدي في شرح لامية العجم أن ابن المستكفي اجتمع بالمتنبي في مصر وروى عنه قوله يتغزل:
لا عبت بالخاتم إنسانةًكمثل بدر في الدّجى النّاجم
وكلّما حاولت أخذي لهمن البنان المترف النّاعم
ألقته في فيها فقلت انظرواقد أخفت الخاتم في الخاتم
وقال أبو بكر الشيباني: حضرت عند أبي الطيب وقد أنشده بعض الحاضرين:
فلو أنّ ذا شوقٍ يطير صبابةًإلى حيث يهواه لكنت أنا ذاكا
وسأله إجازته فقال:
من الشّوق والوجد المبّرح أنّنييمثّل لي من بعد لقياك لقياكا
سأسلو لذيذ العيش بعدك دائماًوأنسى حياة النّفس من قبل أنساكا
وله في عبد العزيز الخزاعي قبل رحيله من مصر:
لئن مرّ بالفسطاط عيشي فقد حلابعبد العزيز الماجد الطّرفين
فتىً زان قيساً بل معدّاً فعالهوما كلّ سادات الشّعوب بزين
تناول ودّي من بعيدٍ فنالهجرى سابقا في المجد ليس برين
وقال بهجو الضبي الشاعر:
أيّ شعري نظرت فيه لضبٍّأوحدٍ ماله على الدّهر عون
كلّ بيتٍ يجيء يبرز فيهلك من جوهر الفصاحة لون
يالك الويل ليس يعجز موسىرجلٌ حشو جلده فرعون
أنا في عينك الظّلام كما أنّبياض النّهار عندك جون
وله في بستان المنية بمصر قبل رحيله وقد وقعت حيطانه من السيل:
ذي الأرض عمّا أتاها الأمس غانيةًوغيرها كان محتاجاً إلى المطر
شقّ النّبات عن البستان ريّقهمحيّياً جاره الميدان بالشّبحر
كأنّما مطرت فيه صوالجةٌتطرّح السّدر فيه موضع الأكر
وله في معاذ الصيداني:
معاذٌ ملاذٌ لزوّادهولا جار أكرم من جاره
كأنّ الحطيم على بابهوزمزم والبيت في داره
وكم من حريق أتى مرّةًفلم يعمل الماء في ناره
وله فيه يعاتبه:
أفاعل بي فعال الموكس الزّاريونحن نسأل فيما كان من عار
قل لي بحرمة من ضيّعت حرمتهأكان قدرك ذا أم كان مقداري؟!
لا عشت إن رضيت نفسي ولا ركبترجلٌ سعيت بها في مثل دينار
وليّك الله لم صيّرتني مثلاًكالمستجير من الرّمضاء بالنّار
وكتب إلى علي بن أحمد الماذرائي في حاجة كانت له بالرملة قال:
إنّي سألتك بالّذيزان الإمامة بالوصيّ
وأبان في يوم الغدير لكلّ جبّار عويّ
فضل الإمام عليهموبولاية الرّب العليّ
إلا قصدت لحاجتيوأعنت عبدك يا عليّ
وكان من نباهته أن تطلع الشعراء إلى شعره منذ صباه. وقد ادعى بعضهم قصيدته:
جللا كما بي فليك التبريحأغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح؟
فأخذ أبو الطيب الدواة وكتب لوقته قطعة لم يجز أن تروى عنه وأولها:
لم لا يغاث الشّعر وهو يصيحويرى منار الحقّ وهو يلوح
يا عصبةً مخلوقةً من ظلمةٍضمّوا جوانبكم فإنّي يوح
قال ابن العديم: ونقلت من هذا المجموع مجموع صالح بن إبراهيم بن رشدين بخطه. ذكر لي أبو العباس بن الحوت الوراق ﵀ أن أبا الطيب المتنبي أنشده لنفسه هذين البيتين:
تضاحك منّا دهرنا لعتابناوعلّمنا التّمويه لو نتعلّم
شريفٌ زغاويٌّ، وزانٍ مذكّرٌوأعمش كحّال، وأعمى منجّم
وقد وجد له مرويات أخر منها ما لا يستحسن إثباته هنا. ومنها ما ليس في ذكره إجداء. على أن الكثير من ذلك ليس من جيد شعره. ولمن طلب المزيد أن يرجع إلى كتاب الأستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي.
لأن الحي مولع بآثار من ذهب حريص على التنقيب عنها وتخليدها على تراخي الزمن.
اللهم إن أخطأت فالخير أردت، وإن أصبت فلك الحمد.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع