من «لطائف الذخيرة وطرائف الجزيرة» للأسعد بن مماتي (ت ٦٠٦هـ)
الفن الثاني: من لطائف الذخيرة وطرائف الجزيرة
قال علي بن بسام بعد قصيدة أوردها لأحمد بن الدراج القسطلي ما قوله:
خوصٌ نفحن بنا البرى حتى انثنتأشلاؤهن كمثل أنصاف البرى
فمثله قول أبي جعفر بن هريرة التطيلي أحد العصريين يصنف إبلاً:
كأنصاف البرى وتدق عنهاشواها دقة تسع الجلالا
وقوله:
لله أي أهلة بلغت بنايمناك يا بدر السماء المقمرا
مثل قول المذكور:
كل هوجاء كالهلال عليهاكل ذي تدرإٍ كبدر الكمال
وقول الآخر:
وردت بها التنوفة وهي بدرفلم أصدر بها إلا هلالا
وقوله:
ورمى علي رداءه من دنوهمملك تخير للعلا فتخيرا
أشارة إلى قول الهذلي:
ولم أدر من ألقى عليه ثيابهسوى أنه قد سل عن ماجد محض
وأما قوله:
وإني في أفياء ظلك أشتكيشكية موسى إذ تولى إلى الظل
فإنه من القرآن الكريم وقد أقدمت عليه جماعة من الشعراء المتقدمين والمتأخرين منهم أبو العلاء المعري حيث يقول:
كنت موسى وافتك بنت شعيبغير أن ليس فيكما من فقير
وحسان المصصي قال:
كبنت شعيب إذ زفت لموسىولكن للثراء هنا مزيد
وقال الآخر وفيه خروج على الواجب:
وقد كان موسى خائفاً مترقباًفقيراً وآمنت المخافة والفقرا
وأما قوله:
وأبدي للسع الدبر وجهي منازعاًوقد فاز غيري سالماً بجنى النحل
فإنه من قول المتنبي:
ولابد دون الشهد من إبر النحل
ومثله قول ابن سارة الشنتربيني:
ولها قسمة بين الرواة وبينكمفمن قسمة ضيزى ومن قسمة عدل
بأفواههم منا جنى النحل كلمارووها وفي أستاهكم إبر النحل
أواصل أناء الأصائل بالضحىوزادي من جهدي، وراحلتي رجلي
وهذا ما أوضحه المتنبي في قوله:
لا ناقتي تحمل الرديف ولابالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها، ومشفرها زمامها، والشسوع مقودها
وأما قوله:
ومن شيمة الماء القراحوإن صفا
إذا اضطرمت من تحته النار أن يغلي
فهو ينظر إلى بيت عمارة بين عقيل:
وما النفس إلا نطفة بقرارةإذا لم تكدر كان صفواً غديرها
وزاد المعري عليه فقال:
والخل كالماء يبدي لي ضمائرهمع الصفاء ويخفيها مع الكدر
وأما قوله:
وذو غرة معروفة السبق في المدىوقد قرح التحجيل من حلق الشكل
فهو كقول المتنبي:
وإن تكن محكمات الشكل تمنعنيظهور جري فلي فيهن تصهال
وقال أبو الوليد بن زيدون:
ثوى صافنا في مربط الهون يشتكيبتصهاله ما ناله من أذى الشكل
وقاتل عبد الجليل:
أتتك على خلائقها جياديوإن كان الضياع لها شكالا
وكرره ابن زيدون فقال:
وأن الجواد الفائت الشأو صافنٌتخونه شكل وأذري به ربط
وقال أبو العلاء المعري يصف قصيدة:
حجبت فلم يرها الذي قيدت لهوغدت بآفاق البلاد تجول
كالطرف يقلقه اللحام صبابةبالجري وهو مقيد مشكول
وأما قول:
حتى بدا الصبح مشمطاً ذوائبهيطارد الليل موشياً أكأرعه
وألمّ المذكور فيه بقول الأعرابي خرجنا في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صور الأبدان فما كدنا نتعارف إلا بالآذان وأما قوله:
فيا ظلام نجوم الليل إذ عدمتبدر السماء وفي حجري مضاجعه
ومثله الإدريسي بن اليماني:
بدر ألم وبدر الليل ممحقٌوالأفق محلولك الأزجاء من حسد
تحير الليل فيه أين مطلعهأما درى الليل أن البدر في عضدي؟
وأما قوله:
نفوساً حنت قوس عطفي عليهافكنّ سهام قسي الخمول
قد قال الرضي:
هن القسي من النحول فإن سما طلب فانهن من النجاء سهام
وقال عبد المجيد بن عبدون:
جوانح كالقسي رمت ثبيراًبفتيان
أقلني
بل نبال
وحط بنا عن ناجيات كأنهاقسي رمت منا البلاد بأسهم
وقال أبو حفص بن برد:
إياك والموعد الخوان تقبلهفلا أمانة للعس المخاضيب
قال علي بن بسام وهذا من قول كثير:
فإن حلفت أن لا تخونك عهدهافليس لمخضوب البنان يمين
وأما قوله: فاكتب على جد ما قد الم تمثله قول ابن العميد:
متقلباً يأتيك اثبت عهدهكالخط يرسم في بسيط الماء
وأما قول الوزير أبو المغيرة عبد الوهاب بن حزم متمثلاً بقول الشاعر:
حانت منيته فاسود عارضهكما تسود بعد الميت الدار
فمثله قول علي بن بسام البغدادي قائله في أخيه:
حانت وفاتك يا أبا العباسفدع المكاس فلات حين مكاسي
ما بال وجهك بعد كثرة نورهقد سودوه بحالك الأنقاس
أين الدنانير الني عودتهاهيهات جاء الشعر بالإفلاس
قال علي بن بسام الأندلسي حضرت مجلس الوزير أبي محمد ابن عبدون بشنترين في جملة أصحاب المتوكل وكان فيهم رجل اسمه عبد المجيد فلما علم أن اسمي علي بن بسام قال أنت علي بن بسام حقاً؟ قلت: نعم، قال: وتهجو أباك وأخاك؟ فقلت له وأنت أيضاً عبد المجيد؟ قال: أجل، قلت: وفيك يتغزل ابن مناذر، فضحك الحاضرون من اتفاق الاسمين قال علي بن بسام ومما يتعلق بذكر العذار قول عبد الجليل أحد العصرين:
وأمرد يستهيم بكل وادوينصب للشجي خداً صليبا
دعوت دعاء مظلوم عليهوكان الله مستمعاً مجيبا
فطوقه الزمان بما جناهوعلق من عذاريه الذنوبا
أخذه أبو بكر الداني فقال:
بدا على خده عذارفي مثله يعذر الكئيب
وليس ذاك العذار شعراًلكنما سره غريب
لما أراق الدماء ظلماًبدت على خده الذنوب
وقال أبو الحسن البرقي من أبيات:
ما كنت إلا البدر ليلة تمهحتى قضت لك ليلة بمحاق
لاح العذار فقلت: وجه نازحإن ابن دأية مؤذن بفراق
هلا وصلت إذ الشمائل قهوةوإذ المحيا دونه الأحداق
وللمذكور:
وأزهر حيا بريحانةتضوع من عرفها المندل
وزاد بنفسج أصداغهفقلت الزيادة قد تقبل
وقال أيضاً:
بأبي الذي خط الجمال بوجهه لاماً بنون
وأظنه جعل المداد سواد أحداق الجفون
خافوا عليه من العيونفعودوه من العيون
قال وهذا كقول عبد الجليل:
ومعذرين كأنما بخدودهمطرق العيون ومنهج الأوراح
كأنما صقلوا الجمال وأظهروامشى النمال على متون صفاح
وقال أبو العلاء المعري في وصف السيف:
ودبت فوقه حمر المناياولكن بعدما مسخت نمالا
وقال أيضاً:
ولا حسبت صغار النمل يمكنهاسعى على اللج أو مشى على السعر
وقال أحد العصريين:
غدائر ماء ما تسوغ لواردترى النمل غرقى في غدير الأكارع
وقال عبد الجليل أيضاً في معنى بيته المتقدم:
ومشت لحاظي في جوانب خدهحتى أثرن بصفحتيه طريقا
وقال أبو محمد بن سارة الشنتريني:
ومعذر رقت حواشي حسنهفقلوبنا وجداً عليه رقاق
لم يكس عارضه المشيب وإنمانفضت عليه صباغها الأحداق
وقال بعض العصريين:
أيا لعبة بذوي الألباب لاعبةًفي أصل حسنك معنى غير متفق
خلقت بيضاء كالكافور ناصعةفصرت سمراء من مثواك في الحدق
وهو القائل:
وسوداء الأديم إذا تبدتترى ماء النعيم جرى عليه
رآها ناظري فصبا إليهاوشبه الشيء منجذب إليه
وسمع الوزير أبو جعفر قول ابن الجهم:
وعائب للسمر من جهلهمفضل للبيض ذي محك
قولوا عني: أما تستحي؟من جعل الكافور كالمسك؟
فعارضه بقوله:
وعائب للبيض ذي إفكمعارض الكافور بالمسك
دع عنك هذا وانقلب خاسئاً=ما النور مثل الظلم الحلك ولابن الجهم قوله:
غضن من الأبنوس أبدىمن مسك دارين لي ثمارا
ليل نعيم أظل فيهللطيب لا أشتهي نهارا
ولابن جرج أيضاً في مثله:
وسمراء باهي كلفة البدر وجههاإذا لاح في ليل من الشعر الجعد
محببة من حبة القلب لونها=وطينتها للمسك والعنبر الورد وقال ابن رشيق:
دعا بك الحسن فاستجيبييا مسك في صبغة وطيب
تيهي على البيض واستطيليتيه شباب على مشيب
ولا يرعك اسوداد لونفي أعين الناس والقلوب
ولأبي بكر الشطرنجي:
أشبهك النسك واشبهتهقائمة في لونه قاعدة
لا شك إذ لونكما واحدأنكما من طينة واحدة
وقال ابن الرومي:
سوداء لم تنتسب إلى برصالشقر ولا كلفة ولا بهق
ليست من العيس الأكفولا الفلح الشفاه الخبائث العرق
وبعض ما فضل السواد بهوالحق ذو سلم وذو نفق
ألا تعيب السواد خلكتهوقد يعاب البياض بالبهق
اكسبها الحب أنها صبغتصبغة حب القلوب والحدق
يفتر ذاك السواد عن يفقمن ثغرها كالالئ النسق
كأنها والمزاج يضحكهاليل تغري دجاه عن فلق
قال علي بن بسام وهذا مأخوذ من قول أبي النواس:
فقام والليل يجلوه الصباح كماجلا التبسم عن غز الثنيات
ومن تتمة قول ابن الرومي في وصف السوداء قوله:
لها حر يستعير وقدتهمن قلب صب وصدر ذي حنق
كأنما حره لذائقهما ألهبت في حشاه من حرق
يزداد ضيقاً على المراس كماتزداد ضيقاً أنشوطة الوهق
وصفت فيها الذي هويت على الوهم ولم يختبر ولم يذق
إلا بأخبارك التي وقعتمنك إلينا عن ظبية اليرق
قال ابن بسام وهو من قول النابغة:
زعم الهمام بأن فاها باردعذب إذا قبلته قلت ازدد
ومن قول المعتمد بن عباد:
ولكنها الأيام تردي بلا ظباوتُصمى بلا نبل وترمى بلا يد
وقول المتنبي:
وما الموت إلا سارق دق شخصهيصول بلا كف ويسعى بلا رجل
قال ابن بسام ومما أخذه من الشعر وحمله في منثور كلامه قول ابن هاني الأندلسي:
وركبت شاو مأرب ومطالبحتى امتطيت إلى الغمام الريحا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع