من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
القاسم بن القاسم بن عمر بن منصور الواسطي
أبو محمد: مولده بواسط العراق في سنة خمسين وخمسمائة في ذي الحجة، ومات بحلب في يوم الخميس
رابع ربيع الأول سنة ست وعشرين وستمائة، أديب نحوي لغوي فاضل أريب، له تصانيف حسان ومعرفة بهذا الشان.
قرأ النحو بواسط وبغداد على الشيخ مصدق بن شبيب، واللغة على عميد الرؤساء هبة الله بن أيوب، وقرأ القرآن على الشيخ أبي بكر الباقلاني بواسط، وعلى الشيخ علي بن هياب الجماجمي بواسط أيضا، وسمع كثيرا من كتب اللغة والنحو والحديث على جماعة يطول شرحهم عليّ: منهم أبو الفتح محمد بن أحمد بن بختيار الماندائي وأحمد بن الحسين بن المبارك بن نغوبا، سمع عليه المقامات عن الحريري، فانتقل من بغداد إلى حلب في سنة تسع وثمانين وخمسمائة فأقام بها يقرىء العلم ويفيد أهلها نحوا ولغة وفنون علوم الأدب.
وصنّف بها عدة تصانيف وهي على ما أملاه عليّ هو بباب داره من حاضر حلب في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة: كتاب شرح اللمع لابن جني. كتاب شرح التصريف الملوكي لابن جني أيضا. كتاب فعلت وأفعلت بمعنى على حروف المعجم. كتاب في اللغة لم يتم إلى هذه المدة. كتاب شرح المقامات على حروف المعجم ترتيب العزيزي. كتاب شرح المقامات آخر على ترتيب المقامات. كتاب شرح المقامات آخر على ترتيب آخر. كتاب خطب قليلة. كتاب رسالة فيما أخذ على ابن النابلسي الشاعر في قصيدة نظمها في الامام الناصر لدين الله أبي العباس صلوات الله عليه أولها: الحمد لله على نعمه المتظاهرة، والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرة، وبعد فإنه لما أخرت الفضائل عن الرذائل، وقدمت الأواخر على الأوائل، ونبذ عهد القدماء، وجهل قدر العلماء، وصار عطاء الأموال باعتبار الأحوال لا باختيار الأقوال، وظهر عظيم الاجلال بالأسماء لا بالأفعال، علمت أن الأقدار هي التي تعطي وتمنع، وتخفض وترفع، فأخملت عند ذلك من ذكري وقدري، وأخفيت من نظمي ونثري. «ولأمر ما جدع قصير أنفه».
(ومن شعر نفسه):
وما لي إلى العلياء ذنب علمتهولا أنا عن كسب المحامد قاعد
وقلت أصبر على كيد الزمان وكدّه، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده:
فلو لم يعل إلا ذو محلّتعالى الجيش وانحطّ القتام
إلى أن بلغني ممن يعوّل عليه، ويرجع في القول إليه، عن بعض شعراء هذا الزمان، ممن يشار إليه بالبنان، أنه أنشد عنده بيت للوليد، يشهد له بالفصاحة والتجويد، وهو قوله:
إذا محاسني اللائي أدلّ بهاصارت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
فقال مقال المفتري، كم قد خرينا على البحتري، فصبرت قلبي على أذاته، وأغضيت جفني على قذاته، حتى ابتدرني بالبادرة، التي يقصّر عنها لسان الحادرة.
فلو كان النابلسيّ، كابن هانىء الأندلسي، لزلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها. فيا لله العجب متى أشرفت الظلمة على الضياء، أو علت الأرض على السماء، وأين السها من القمر؟ وكيف يضاهى الغمر بالغمر؟ فإنّا لله وأفوض أمري إلى الله، أفي كل سحابة أراع برعد، وفي كل واد بنو سعد:
وإني شقيّ باللئام ولا ترىشقيا بهم إلا كريم الشمائل
لقد تحككت العقرب بالأفعى، واستنّت الفصال حتى القرعى.
وطاولت الأرض السماء سفاهةوفاخرت الشهب الحصى والجنادل
وما ذلك التيه والصلف، والتجاوز للحدّ والسرف؟ إلّا لأنه كلما جرّ جريرا، اعتقد أنه قد جرّ جريرا، وكلما ركب الكميت، ظنّ أنه قد ارتكب الكميت، وكلما أعظم من غير عظم، وأكرم من غير كرم، شمخ بأنفه وطال، وتطاول إلى ما لن ينال، وزعم أنه قد بلّد لبيدا، وعبّد عبيدا، ولا والله ليس الأمر كما زعم، ولا الشعر كما نظم، ولكنها المكارم السلطانية الملكية الظاهرية التي نوّهت بذكره فسترها، ورفعت
من قدره فكفرها- بقوله ما أذكره إذا انتهيت إليه. ولما طلب العبد كراعا، فأعطي ذراعا، خرج على من يعرفه، وبهرج على من يكشفه، فقلت: لا مخبأ بعد بوس، ولا عطر بعد عروس:
وما أنا بالغيران من دون جارهإذا أنا لم أصبح غيورا على العلم
وقصدت قصيدا من شعره، يزعم أنها من قلائد درّه، قد هذّبها في مدة سنين، ومدح بها أمير المؤمنين، وقال فيها: فانظر لنفسك أي درّ تنظم:
فكان لعمري ناظما غير أنهكحاطب ليل فاته منه طائل
«فواعجبا كم يدّعي الفضل ناقصووا أسفا كم يظهر النقص فاضل»
وتتبعت ما فيها من غلطاته، وأظهرت ما خفي فيها من سقطاته، ولبست له جلد النمر، واندفقت عليه كالسيل المنهمر، بعد أن كتبها بخطه، وزيّنها بإعرابه وضبطه:
وابن اللبون إذا مالزّ في قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
فوجدته قد أخطأ منها في واحد وعشرين مكانا، عدم فيها تمكنا من العلم وإمكانا، فمنها ستة عشر موضعا توضحها الكتابة والنظر، ومنها خمسة توضحها المجادلة والنظر، فهذا من جيّد مختاره، وما يظهر على اختياره، وان وقع إليّ شيء من مزوّق شعره، أو منوّق مستعاره، لأعصبنّه فيه عصب السّلمة، ولأعذّبنه تعذيب الظّلمة:
فان قلتم إنا ظلمنا فلم نكنبدأنا ولكنّا أسأنا التقاضيا
ولو أنه اقتصر على قصوره، وأنفق من ميسوره، وستر عواره، ولم يبد شواره، لطويته على غرّه، ولم أنبّه على عاره وعرّه، فان «من سلك الجدد أمن العثار» وسلم من سالم النقع المثار، ولكن كان «كالباحث عن حتفه بظلفه» فلحق
بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
(الكهف:) وخطؤه في هذه القصيدة ينقسم قسمين: قسم فاته فيه أدب الدرس فيقسم أيضا قسمين قسم لفظي وقسم معنوي، فأما القسم اللفظي فانه ينقسم أيضا قسمين قسم لغويّ وقسم صناعي، فأما القسم اللغوي فانه كذا وكذا، لم يحتمل هذا المختصر ذكره.
وأنشدني لنفسه من قصيدة:
ديباج وجهك بالعذار مطرّزبرزت محاسنه وأنت مبرّز
وبدت على غصن الصبا لك روضةوالغصن ينبت في الرياض ويغرز
وجنت على وجنات خدك حمرةخجل الشقيق بها وحار القرمز
لو كنت مدعيا نبوة يوسفلقضى القياس بأن حسنك معجز
وأنشدني لنفسه من قصيدة:
زهر الحسن فوق زهر الرياضمنه للغصن حمرة في بياض
قد حمى ورده ونرجسه الغضّ سيوف من الجفون مواضي
فإذا ما اجتنيت باللحظ فاحذرما جنت صحة العيون المراض
فلها في القلوب فتكة باغرويت عنه فتكة البرّاض
وإذا فوّقت سهاما من الهدب رمين السهام بالأغراض
واغتنم بهجة الزمان وبادرشمس أيامه الطوال العراض
بشموس الكؤوس تحت نجومفي طلوع من أفقها وانقضاض
واجل من جوهر الدنان عروسانطقت عن جواهر الأعراض
كلما أبرزت أرتك لها وجهـ انبساط يعطيك وجه انقباض
فعلى الأفق للغمام ملاءطرّزتها البروق بالايماض
وكأن الرعود إرزام نوقفصلت دونها بنات المخاض
أو صهيل الجياد للملك الظاهر تسري بالجحفل النهاض
وأنشدني لنفسه يهجو ابن النابلسي [الشاعر]:
لا تعجبنّ لمدلويهـ إذا بدا شبه المريض
قد ذاب من بخر بفيهـ بدا من الخلق البغيض
وتكسّرت أسنانهبالعضّ في جعس القريض
وتقطعت أنفاسهعرضا بتقطيع العروض
وأنشدني لنفسه يهجو ابن النابلسي المذكور:
يا من تأمل مدلويهـ وشكّ فيما يسقمه
انظر إلى بخر بفيهـ وما أظنّك تفهمه
لا تحسبنّ بأنهنفس يغيره فمه
لكنما أنفاسهنتنت بشعر ينظمه
وأنشدنا لنفسه في ذي الحجة سنة عشرين وستمائة بحلب»
أرى بغضي على الجهلاء داءيموت ببعضه القلب العليل
فهم موتى النفوس بغير دفنوأحياء عزيزهم ذليل
يغطّون السماء بكلّ كفّلها في الطول تقصير طويل
ويبدون الطلاقة من وجوهكما يبدو لك الحجر الصقيل
إذا قاموا لمجد أقعدتهممسالك ما لهم فيها سبيل
وإن طلبوا الصعود فمستحيلوان لزموا النزول فما يزول
كذاك السّجل في الدولاب يعلوصعودا والصعود له نزول
وأنشدنا لنفسه بالتاريخ:
لنا صديق به انقباضونحن بالبسط نستلذّ
لا يعرف الفتح في يديهإلا إذا ما أتاه أخذ
فكفه «كيف» حين يعطيشيئا وبعد العطاء «منذ»
وأنشدني لنفسه أيضا:
لا ترد من خيار دهرك خيرافبعيد من السراب الشراب
رونق كالحباب يعلو على الكاس ولكن تحت الحباب الحباب
عذبت في النفاق ألسنة القوم وفي الألسن العذاب العذاب
وأنشدني لنفسه أيضا موشحة على طريقة المغاربة:
في زهرة وطيببستاني من أوجه ملاح
أجلو على القضيبريحاني والورد والاقاح
ما روضة الربيعفي حلّة الكمال
تزهو على ربيعمرّت به الشمال
في الحسن كالبديعبالحسن والجمال
ناهيك من حبيبنشوان بالدلّ وهو صاح
إن قلت والهيبيحيّاني من ثغره براح
كم بتّ والكؤوستجلى من الدنان
كأنها عروسزفّت من الجنان
تبدو لنا الشموسمنها على البنان
لم أخش من رقيبينهاني ألهو إلى الصباح
مع شادن ربيبفتان زندي له وشاح
خيل الصبا بركضتجري مع الغواه
في سنّتي وفرضيلا أبتغي سواه
وحجتي لعرضيما تنقل الرواه
عن عاقل لبيبأفتاني أنّ الهوى مباح
والرشف من شنيبريان ما فيه من جناح
وأنشدني لنفسه موشحة:
أي عنبريه في غلائل الغلسمن زبرجديه تنبه النّفس
جادها الغمامفانتشى بها الزّهر
وابتدا الكمامأعينا بها سهر
وشدا الحمامحين صفّق النهر
وارتدت عشيّه كملابس العرسحللا سنيّه ما دنت من الدّنس
واملأ الكؤوسافضة على الذهب
واجلها عروساتوّجت من الشهب
تطلع الشّموسافي سنا من اللهب
فلها مزيه في الدجى على القبسبحلى شهيّه كمحاسن الّلعس
يخبر سناهاعن تطاير الشرر
فاز من جناهامن قلائد الدّرر
فإذا تناهىفي الخلائق الغرر
قلت ظهريه أظهرت لملتمسمن علا أبيّه ما تنال بالخلس
وأنشدني لنفسه أيضا:
لا خير في أوجه صباحتسفر عن أنفس قباح
كالجرح يبنى على فسادبظاهر ظاهر الصلاح
فقل لمن ماله مصونأصبت في عرضك المباح
وأنشدني أيضا لنفسه:
جدّ الصبا في أباطيل الهوى لعبوراحة اللهو في حكم النهى تعب
وأقرب الناس من مجد يؤثلهمن أبعدته مرامي العزم والطلب
وقادها كظلام الليل حاملةأهلّة طلعت من بينها الشهب
منقضّة من سماء النقع في أفقشيطانه بغمام الدرع محتجب
واسودّ وجه الضحى مما أشار بهوأشرق الأبيضان الوجه والنسب
في موقف يسلب الأرواح سالبهاحيث المواضي قواض والقنا سلب
لا يرهب المرء ما لم تبد سطوتهلولا السنان استوى الخطيّ والقصب
إن النهوض إلى العلياء مكرمةلها التذاذان مشهود ومرتقب
والملك صنفان: محصول وملتمسوالمجد نوعان: موروث ومكتسب
والناس ضدان: مرزوق ومحترمتحت الخمول ومغصوب ومغتصب
والطاهر النفس لا ترضيه مرتبةفي الأرض إلا إذا انحطت لها الرتب
والفضل كسب فمن يقعد به نسبينهض به الأفضلان العلم والحسب
لله درّ المساعي ما استدرّ بهاخلف السيادة إلا أمكن الحلب
وحبذا همة في العزم ما انتدبتلمبهم الخطب إلا زالت الحجب
وموطنا يستفاد العزّ منه كماأفادت العزّ من سلطانها حلب
ومنها:
مؤيد الرأي والرايات قد ألفتذوائب القوم من راياتها العذب
إن نازلوه وقد حقّ النزال فمنأنصاره الخاذلان الجبن والرعب
أو كاتبوه فخيل من كتائبهتجيب لا المخبران الرسل والكتب
مغاور ينهب الأعمار ذابلهفي غارة الحرب والأموال تنتهب
في جحفل قابلوا شمس النهار علىمثل البحار بمثل الموج يضطرب
حتى كأنّ شعاع الشمس بينهمفوق الدّروع على غدرانها لهب
ما أنكر الهام من أسيافه ظبةوإنما أنكرت أسيافه القرب
ما يدفع الخطب إلا كلّ مندفعفي مدحه الأفصحان الشعر والخطب
ومن إذا ما انتمى في يوم مفتخرأطاعه العاصيان العجم والعرب
وأنشدني من قصيدة لنفسه أيضا:
أفي البان أن بان الخليط مخبّرعسى ما انطوى من عهد لمياء ينشر
نعم حركات في اعتدال سكونهاأحاديث يرويها النسيم المعطر
يودّ ظلام الليل وهو ممسّكلذاذتها والصبح وهو مزعفر
أحاديث لو أن النجوم تمتعتبأسرارها لم تدر كيف تغوّر
يموت بها داء الهوى وهو قاتلويحيا بها ميت الجوى وهو مقبر
فيا لنسيم صحّتي في اعتلالهوصحوي إذا ما مر بي وهو مسكر
كأن به مشمولة بابليةصفت وهي من غصن الشمائل تعصر
إذا نشأت مالت بلبك نشوةكما مال مهزوز يماح ويمطر
وقال يمدح الوزير جمال الدين القاضي الأكرم أبا الحسن علي بن يوسف بن ابراهيم الشيباني القفطي من صعيد مصر ويلتمس منه أن يرتبه في خدمة:
يا سيدي قد رميت من زمنيبحادث ضاق عنه محتملي
وأنت في رتبة إذا نظرتإليّ صار الزمان من قبلي
والنظم والنثر قد أجدتهمافيك فلا تترك الإجادة لي
فداك قوم إذا وقفت بهمرأيتني واقفا على طلل
تشغل أموالهم مساعيهمفهم عن المكرمات في شغل
تحمي حماها أعراضهم فإذاماتت حماها سور من البخل
معاول الذمّ فيه عاملةإعمالها في مغائر الجبل
نعلك تاج إذا رفعتهملرأس حاف منهم ومنتعل
فاسمع حديثي فلي مغازلةتبثّ شكوى في موضع الغزل
قد كنت في راحة مكمّلةأحيي المعالي بميّت الأمل
أرفل في عزة القناعة فيذيل على النائبات منسدل
فعندما طالت البطالة بيوصار لي حاجة إلى العمل
قال أناس نبّه لها عمرافقلت حسبي رأي الوزير علي
يعني عمر بن الوبار أحد حجاب أتابك طغرل شهاب الدين الخادم المستولي في أيامنا على حلب وقلعتها:
قد بتّ من وعده على ثقةأمنت في حليها من العطل
فالأكرم ابن الكرام لو سبقتوعوده بالشباب لم يحل
يفرّ من وعده المطال كماتفرّ آراؤه من الزلل
أخلاقه حلوة المذاق فلوشبهتها ما ارتضيت بالعسل
بمنطق لو سرت فصاحتهفي اللّكن لا ستعصمت من الخطل
تمجّ أخلاقه إذا كتبتماء المنى من أسنة الأسل
وان سطت في ملمة نسيتصفّين منها ووقعة الجمل
تنظم درّا على الطروس كماينظم درّ الحليّ في الحلل
مبيّن علمه لسائلهمسائلا أشكلت على الأول
لكلّ علم في بابه علميهدي إلى قبلة من القبل
أيّ جمال ما فيه أجملهعلى وجوه التفصيل والجمل
جلّ الذي أظهرت بدائعهمنه معاني الرجال في رجل
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع