من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
ابن مفرغ الحميرى
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميرىّ، حليف لقريش، يقال إنّه كان عبدا للضّحّاك بن عبد عوف الهلالىّ فأنعم عليه، ويقال سمّى أبوه مفزّغا لأنّه كان خاطر على شرب سقاء لبن، فشربه حتّى أتى عليه. ولمّا ولى سعيد بن عثمان بن عفّان خراسان استصحبه، فلم يصحبه، وصحب عبّاد بن زياد بن أبى سفيان، فلم يحمده، وكان عبّاد طويل اللحية عريضها، فركب ذات يوم وابن مفرّغ معه فى موكبه، فهبّت الريح فنفشت لحيته، فقال ابن مفرغ:
ألا ليت اللّحى كانت حشيشافنعلفها دوابّ المسلمينا
وقال أيضا:
سبق عبّاد وصلّت لحيتهوكان خرّازا تجور فريته
فبلغ ذلك عبّادا فجفاه وحقد عليه، فقال ابن مفرغ بعد انصرافه عنه:
إنّ تركى ندى سعيد بن عثمان فتى الجود ناصرى وعديدى
واتّباعى أخا الرّضاعة واللّؤم لنقص وفوت شأو بعيد
قلت واللّيل مطبق بعراه:ليتنى متّ قبل ترك سعيد
فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذّبه، وسقاه التّربذ فى النبيذ، وحمله على بعير، وقرن به خنزيرة، فأمشاه بطنه مشيا شديدا، فكان يسيل (منه ما يخرج) على الخنزير فتصئ، فكلّما صاءت قال ابن مفرّغ:
ضجّت سميّة لمّا مسّها القرنلا تجزعى إنّ شرّ الشيمة الجزع
وسميّة: أمّ زياد، فطيف به فى أزقّة البصرة وأسواقها، والناس يصيحون (خلفه اين جيست) لما يسيل منه، وهو يقول:
آبست نبيذ استعصارات زبيبست
سميّه رو سفيدست
فلمّا ألحّ عليه ما يخرج منه قيل لابن زياد: إنّه لما به، فأمر به، فأنزل، فاغتسل، فلمّا خرج من الماء قال:
يغسل الماء ما فعلت وقولىراسخ منك فى العظام البوالى
ثمّ دسّ إليه غرماءه يقتضونه ويستعدون عليه، ففعلوا ذلك، فأمر ببيع ما وجد له فى إعطاء غرمائه، فكان فيما بيع له غلام كان ربّاه يقال له برد، كان يعدل عنده ولده، وجارية له يقال لها الأراكة، فقال ابن مفرّغ:
يا برد ما مسّنا دهر أضرّ بنامن قبل هذا ولا بعنا له ولدا
أمّا الأراك فكانت من محارمناعيشا لذيذا وكانت جنّة رغدا
ولولا الدّعىّ ولولا ما تعرّض لىمن الحوادث ما فارقتها أبدا
وقال قصيدة له، وهى أجود شعره:
وشريت بردا ليتنىمن بعد برد كنت هامه
أو بومة تدعو الصّدىبين المشقّر واليمامه
(وأوّل الشعر:
أصرمت حبلك من أمامهمن بعد أيّام برامه
ثم إنّ عبيد الله بن زياد أمر به فحمل إلى سجستان إلى عبّاد بن زياد، فحبس بها، فكان ممّا قال فى الحبس (قوله):
حىّ ذا الزّور وانهه أن يعوداإنّ بالباب حارسين قعودا
من أساوير لا ينون قياماوخلاخيل تسهر المولودا
وطماطيم من سبابيج غتميلبسونى مع الصّباح قيودا
لا ذعرت السّوام فى غلس اللّيل مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى من المخافة ضيماوالمنايا يرصدننى أن أحيدا
وكان الحسين بن على رضى الله عنه تمثّل بهذين البيتين الآخرين حين بلغته بيعة يزيد بن معاوية، فعلم من حضر أنّه سيخرج عليه.
وقال ابن مفرّغ لمعاوية:
ألا أبلغ معاوية بن حربمغلغلة عن الرّجل اليمانى
أتغضب أن يقال أبوك عفّوترضى أن يقال أبوك زان
وأشهد أنّ إلّك من زيادكإلّ الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنّها حملت زياداوصخر من سميّة غير دان
وإنما أخذ:
وأشهد أن إلّك من زياد
من حسّان بن ثابت، قال حسّان:
وأشهد أنّ إلّك من قريشكإلّ السّقب من ولد النّعام
وقال أيضا:
إنّ زيادا ونافعا وأبابكرة عندى من أعجب العجب
إنّ رجالا ثلاثة خلقوامن رحم أنثى مخالفى النّسب
ذا قرشىّ كما يقول، وذامولى، وهذا ابن عمّه عربى
فلمّا طال حبسه بعث رجلا أنشد على باب معاوية، واليمن أجمع ما كانت بباب معاوية، قوله:
أبلغ لديك بنى قحطان قاطبةعضّت بأير أبيها سادة اليمن
أمسى دعىّ زياد فقع قرقرةيا للعجائب، يلهو بابن ذى يزن
فدخل أهل اليمن إلى معاوية فكلّموه، فوجّه رجلا على البريد فى إطلاقه، فصار إلى سجستان، فبدأ بالحبس فأطلقه، وقرّب إليه دابّة من بغال البريد.
فلمّا استوى عليها قال:
عدس ما لعبّاد عليك إمارةنجوت وهذا تحملين طليق
طليق الذى نجّى من الحبس بعدمالاحم فى درب عليك مضيق
ذرى وتناسى ما لقيت فإنّهلكلّ أناس خبطة وحريق
قضى لك حمحام بأرضك فالحقىبأهلك لا يؤخذ عليك طريق
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع