من «الخزل والدأل بين الدور والدارات والديرة» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الباب الثالث القولُ في ذكرِ الديرةِ التي مفردُهَا دَيْرٌ (٤)
وفي كل بيت عشرون مائدة منقورة في الصخر، وفي كل منها قبالة برفوف، وباب يغلق عليها، وفي كل قبالة آلة المائدة التي تقابلها من غضارة وطوفرية وسكرجه، لا تختلط آلة هذه بآلة تلك. ولرأس الدير مائدة لطيفة على دكان لطيف في صدر البيت، يجلس عليها وحده، وحجرها ملصق بالأرض، وكل هذا من العجائب.
وإذا جلس رجل في صحن الدير رأى مدينة الموصل. وبين الدير وبينها سبعة فراسخ.
وكتب على حائط دهليز في الدير:
يا ديرُ متّى سقتْ أطلالكَ الدّيمُوأنهلَّ فيكَ على سكّانكَ الرّهمُ
فما شفى غلتّي ماءٌ على ظمأكما شفى حرَّ قلبي ماؤكَ الشبمُ
ولنْ يحلّكَ ذو يأسٍ، به سقمٌإلاّ تحلّلَ عنهُ اليأسُ والسّقمُ
دير المحرق: هذا الدير على رأس جبل في الصعيد الأدنى، غربي النيل بمصر. وهو دير مليح نزه، حسن العمارة.
والنصارى هناك يعظمونه، ويسافرون إليه من النواحي ويزعمون أن المسيح ﵇ نزل به لما ورد مصر وأنه أقام فيه أياماً.
دير المحلى: بشاطئ جيحان، من الثغر الشامي، بقرب المصيصة.
وهو دير نزه، حسن، مشرف على رياض نضرة، وأزهار وبساتين مثمرة، يسقيها نهر جيحان.
قيل في هذا الدير أشعار كثيرة، منها قول ابن أبي زرعة الدمشقي:
دير محلى، محلّةُ الطّربِوصحنهُ صحنُ روضةِ الأدب
والماءُ والخمرُ فيه قد سكباللضّيفِ من فضةِ ومنْ ذهبِ
دير محمد: من نواحي دمشق بالغوطة، منسوب إلى محمد بن الوليد الأموي.
قال الحافظ أبو القاسم: هو محمد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن العاصي بن أمية الأموي، أمه أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان وكان عمر بن عبد العزيز يراه أهلاً للخلافة. وإليه تنسب المحمديات التي فوق الأرزة.
ودير محمد الذي عند المنيحة، من إقليم بيت الآبار.
وتزوج محمد بن الوليد هذا ابنة عمه يزيد بن عبد الملك.
دير محزاق: من أعمال خوزستان.
دير مديان: قال الشابشتي: هذا الدير على نهر (كرخايا) ببغداد. وكرخايا نهر يشق من المحمول الكبير، ويمر على العباسية، ويشق الكرخ، ويصب في دجلة، وكان قديماً عامراً، والماء فيه جارياً، ثم انطم، وانقطعت جريته بالبثوق التي انفتحت في الفرات.
وهو دير حسن، نزه يقصده الناس وأهل اللهو لما حوله من بساتين. وفيه يقول الحسين بن الضحاك:
حثَّ المدامَ، فإنَّ الكأسَ مترعةبما يهيج دواعي الشّوق أحيانا
إنّي طربتُ لرهبانٍ مجاوبةٍبالقدس، بعدَ هدوِّ الليلِ رهباناً
فاستنفرتْ شجناً منّي ذكرتُ بهكرخَ العراق وأحزاناً، وأشجانا
فقلتُ والدّمعُ منْ عينيَّ منحدرٌوالشّوقُ يقدحُ في الأحشاءِ نيرانا
يا ديرَ مديانَ، لا عرِّيتَ منْ سكنما هجتَ منْ سقم، يا دير مديانا
هلْ عندَ قسّكَ منْ علمٍ فيخبرنيأنْ كيفَ يسعدُ وجهُ الصّبرِ من بانا
سقياً ورعياً (لكرخايا) وساكنهابينَ الجنينة والروحاءِ من كانا
وروى غير الشابشتي هذا الشعر في دير مران، والصواب ما كتبته هنا، والله تعالى أعلم.
دير مران: بلفظ التثنية للمر، المضموم الميم، وبفتح رائه.
قال الخالدي: هذا الدير بالقرب من دمشق، على تل مشرف على مزارع زعفران، ورياض حسنة. وهو مبني بالجص، وأكثر فرشه بالبلاط الملون، وهو دير متسع كبير، وفيه رهبان كثيرون، وبداخل هيكله صورة دقيقة المعاني، عجيبة.
وفيه يقول أبو بكر الصنوبري:
أمرُّ بديرِ مرانٍ، فأحياوأجعلُ بيتَ لهوي بيتَ لهيا
ويبردُ غلتّي بردى فسقياًلأيامٍ على بردى ورعيا
ولي في بابِ جيرونٍ ظباءٌأعاطيها الهوى ظبياً فظبياً
ونعمَ الدّارُ دارياً، ففيهاحلالي العيشُ حتّى صار أريا
سقتْ دنيا دمشقَ لنصطفيهاوليسَ نريدُ غيرَ دمشقَ دنيا
تفيضُ جداولُ البلّورِ فيهاخلالَ حدائقٍ ينبتنَ وشيا
مظلّلة فواكهها بأبهى ال??مناظرِ في نواضرها وأهيا
فمنْ تفّاحةٍ لم تعدُ خدّاًومنْ رمّانةٍ لم تخطِ ثديا
وله في هذا الدير أيضاً:
متى الأرحلُ محطوطهْوعيرُ الشوقِ مربوطهْ
بأعلى ديرِ مرانٍفداريا، إلى الغوطهْ
فشطي بردى من جن??بِ بسطِ الأرض مبسوطهْ
رباعٌ تهبطُ الأنهارُ منها خيرَ مهبوطه
وروضٌ أحسنتْ تكتي??بهُ المزنُ وتنقيطه
وقدَّ الوردُ والآسُلنا فيهِ فسطاطيهْ
ووالى طيرهُ ترجي??عهُ فيه، وتمطيطه
محلٌّ لا ونتْ فيهمزادُ المزنِ معطوطه
وقال الطبراني: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، قال: سمعت أبا مسهر يقول: كان يزيد بن معاوية بدير مران فأصيب المسلمون بسبي وقتل بأرض الروم، فأنشد يزيد:
وما أبالي بما لاقتْ جمعهمُبالغذْ قدونة من حمّى ومن مومِ
إذا اتّكأتُ على الأنماطِ مرتفعاًبديرِ مران، عندي أمُّ كلثومِ
يريد زوجه، وهي أم كلثوم بنت عبد الله يبن عامر بن كريز.
فبلغ معاوية قوله، فقال: ليلحقن بهم، ويصيبه ما أصابهم، وإلا خلعته، فتهيأ يزيد للرحيل، وكتب إليه:
تجنّى لا تزالُ تعدُ ذنباًبتقطعَ حبلَ وصلكَ منْ وصالي
فيوشكُ أنْ يريحكَ من بلائينزولي في المهالك وارتحالي
ودير مران: أيضاً على جبل مشرف عند كفر طاب، بقرب المعرة. يزعمون أن قبر عمر بن عبد العزيز ﵁ فيه، وهو مشهور هناك، يزار إلى الآن.
دير مرتوما: بميا فارقين، من ديار بكر، على فرسخين من المدينة، وهو على جيل عال، يجتمع الناس إليه وتحمل إليه الهدايا من كل موضع، وتنذر له النذور، يرتاده أهل البطالة والخلاعة والشرب.
وتحت هذا الدير صهاريج تجتمع فيه مياه الأمطار.
قال الشابشتي: ومرتوما شاهد فيه، تزعم النصارى أن له ألف سنة وأكثر، وأنه شاهد المسيح ﵇.
وقال: إنهم يحفظونه في خزانة خشب، لها أبواب تفتح في أيام أعيادهم، فيظهر منه نصفه العلوي، وهو ظاهر قائم، لكن شفته وأنفه مقطوعان، قيل: إن امرأة احتالت به، حتى قطعت أنفه وشفته، ومضت بهما، وبنت عليهما داراً في البرية، في طريق تكريت.
دير مرجرجس: هذا الدير بالمزرفة، وهي قرية كبيرة على دجلة، فوق بغداد كانت قديماً من أحسن البلاد عمارة، وأطيبها بقعة، وكانت ذات بساتين عجيبة، وفواكه غريبة.
وكان هذا الدير بطرف المزرفة، بينه وبين بغداد أربعة فراسخ، ومن منتزهات بغداد، ومن المواضع المقصودة، لقربه وطيبه، وهو على شاطئ دجلة، وبين يديه البساتين، وتجاوزه الحانات. وفيه يقول أبو [جفنة] القرشي:
ترنّمَ الطّيرُ بعدَ عجمتهِوانحسرَ البردُ في أزمتهِ
وأقبلَ الوردُ والبهارُ إلىزمانِ قصفٍ يمشي برمتهِ
ما أطيبَ الوصلَ إن نجوتُ ولمْيلسعني هجرهُ بحمتهِ
ومثلث لونِ النجيع صافيةٌتذهبُ بالمرِ فوقَ همّته
نازعتهُ منْ سداهُ لي أبدافي العشقِ والفسقِ مثل لحمتهِ
في دير مرجرجسَ وقدْ نفحَ ال??فجرُ علينا أرواحَ زهرته
دير مرجريس: فوق بلد، بينها وبين جزيرة ابن عمر. وهو على ثلاثة فراسخ منها على جبل عال يراه المسافر من فراسخ كثيرة.
وعلى باب الدير شجرة عجيبة لا تعرف [ما هي]، ثمرها كاللوز في شكله وطعمه.
وبالدير زرازير كثيرة لا تفارقه شتاء ولا صيفاً، ولا يقدر الصيادون على صيدها. وفي الجبل أفاع تخرج ليلاً، لا يقدر أحد أن يسير فيه من أجلها. نقلته عن الخالدي.
دير مرحنا: هذا الدير بمصر، على شاطئ بركة الحبش، قريب من النيل، وإلى جانبه بساتين أنشأ بعضها تميم بن المعز، ومجلس على عمد رخام، حسن البناء، مليح الصنعة، مصور، أنشاه أيضاً تميم بن المعز.
وبقرب هذا الدير بئر تعرف ببئر [مماتي]، عليها شجرة جميز، يجتمع الناس إليها، ويتنزهون عندها، ويشربون، وهذا الموضع نزه، طيب، من مواطن اللعب واللهو والطرب، خصوصاً في أيام زيادة النيل، حين تمتلئ البركة، فهو أحسن منتزه بمصر، وفيه يقول ابن عاصم:
يا طيبَ أيامٍ سفحتُ مع الصّباطوع الهوى فيها بسفح المنظر
فالبركةُ الغناءُ، فالديرُ الذيقدْ هاجَ فرطَ صبابتي وتفكيري
فاشربَ على حسن الرياضِ وغنّني[وانظر إلى الساقي الأغنِّ الأحور
فلعلَّ أيامَ الحياة قليلة]ولعلني قدّرتُ ما لم يقدر
وقال أيضاً يذكره:
عرجْ بجميزةِ العرجا مطياتيوسفحِ حلوان، والممْ بالتويتاتِ
والممْ بقصرِ ابن بسطام فربتماسعدتُ فيهِ بأيّامي وليلاتي
وأقرأ على ديرِ مرحنا السلامَ فقدْ أبدى تذكرهُ من صباباتي
وبركةِ الحبشِ اللاتي ببهجتهاأدركتُ ما شئت من لهوي ولذاتي
كأن أجبالها من حولها سحبٌتقشعتْ بعدَ قطرٍ عن سماواتي
كأنَّ أذنابَ ما قدْ صيدَ فيهِ لنامنْ أبرميسَ، وراي بالشبيكاتِ
أسنّةٌ خضبتْ أطرافها بدمُأوْ دستجٍ، نزعوهُ منْ جراحاتِ
منازلاً كنتُ أغشاها، وأطرقهاوكنَّ قدماً مواخيري وحاناتي
وقال أمية بن أبي الصلت المغربي يذكر هذا الدير:
يا ديرَ مرحنّا، لنا ليلةٌلو شريتْ بالنّفسِ لم تبخسِ
بتنا به في فتيةٍ أعربتْآدابهم عنْ شرفِ الأنفسِ
والليلُ في شملة ظلمائهِكأنّهُ الراهبُ في البرنسِ
نشربها صهباءَ مشمولةًتغني عنِ المصباحِ في الحندسِ
وهي إذْ نفسَ عن دنهاأذكى منَ الرّيحانِ في المجلسِ
يسعى بها أهيفٌ طاوي الحشايرفلُ في ثوبٍ منَ السّندسِ
تجنيكَ خدّاهُ وألحاظهُنوعينِ من وردٍ، ومنْ نرجسِ
قدْ عقدَ المئزرَ في خصرهِعلى قضيبِ البانةِ الأملسِ
يفعلُ في الشّربِ بألحاظهِأضعافَ ما يفعلُ بالأكؤس
وقال تميم يذكره:
أيا ديرَ مرحنّا سقتكَ رعودُمن الغيثِ تهمي مرّةً وتعودُ
فكم واصلتنا في [رباكَ أوانسٌ]يطفنَ علينا بالمدامةِ غيدُ
وذكره إبراهيم الكاتب القيرواني، فقال:
وفي بئرِ دوسٍ مسترادٌ وملعبٌإلى ديرِ مرحنّا إلى ساحلِ البحرِ
دير مرقس: من نواحي كورة الجزر، من نواحي حلب. فقال حمدان بن عبد الرحيم، وهو من أهالي تلك النواحي، وكان شاعر عصره بعد الخمسمائة:
ألا هلْ إلى حث المطايا إليكمُوشمِّ خزامى حربنوش سبيلُ
وهل غفلاتُ الدّهرِ في ديرِ مرقسٍتعودُ، وظلُّ اللهوِ فيه ظليلُ؟
إذا ذكرتْ لذاتها النفسُ بعدكمتلافى عليها رنّةٌ وعويلُ
بلادٌ بها [أمسى] الهوى غيرَ أنّنيأميلُ معَ الأفدارِ حيثُ تميلُ
[دير مرجش: سمعت به، ولا أعرف موضعه].
دير مر عبدت: بذات الأكيراح، من نواحي الحيرة، على سبعة فراسخ منها، من جهة الغرب، وهو منسوب إلى مر عبدا بن حنيف بن وضاح اللحياني، وكان من ملوك الحيرة. وهو دير ابن وضاح، وفيه يقول ابن خارجة:
إلى الدّساكر، بالديرِ المقابلهامن الأكيراحِ، أو ديرِ ابنِ وضّاحِ
دير مر ماجرجس: بنواحي المطيرة، من سامرا.
قال فيه أبو الطيب القاسم بن محمد النميري، وكان صديقاً لابن المعتز:
نزلتُ بمر ماجرجس خيرَ منزلِذكرتُ بهِ أيامَ لهوٍ مضينَ لي
تكنّفنا فيه السرور، وحفّنافمنْ أسفلٍ يأتي السرورُ ومنْ علِ
وسالمتِ الأيامُ فيه وساعدتْوصارتْ صروفُ الحادثاتِ بمعزلِ
يدير علينا الكأسَ ظبيٌ مقرطقٌيحثُّ به كاساته، ليسَ يأتلي
فيا عيشُ ما أصفى! ويا لهوُ دمْ لناويا وافدَ اللذاتِ حييتَ فانزلِ
وقد ذكر الشابشتي هذا الدير في كتابه مع (مرجرجس) ولعله هو.
دير مرماري: هو من نواحي سامراً، من جنونها، عند قنطرة وصيف.
كان ديراً عامراً، كثير الرهبان، وحوله كروم وشجر، وهو من المواضع النزهة والبقاع الطيبة الحسنة، وكان لأهل اللهو به إلمام، وفيه يقول الفضل بن العباس بن المأمون:
أنضيتُ في (سر منْ را) خيلَ لذاتيونلتَ فيها هوى نفسي وحاجاتي
عمّرتُ فيها بقاعَ اللهوِ منغمساًفي القصفِ ما بينَ أنهارٍ وجنّاتِ
بديرِ (مرمارِ) إذ نحيي الصبوح بهِونعملُ الكأس فيه بالعشيّاتِ
بين النواقيسِ والتقديسِ آونةًوتارةً بينَ عيدانٍ وناياتِ
وكم بهِ منْ غزالٍ أغيدٍ غزلٍيصيدنا باللّحاظِ البابلياتِ
وقال الشابشتي: ودير قنى يقال له: دير مر ماري.
دير مر ماعوث: على شاطئ الفرات، في الجانب الغربي.
وهو في موضع نزه، تحيط به البساتين، إلا أن العمارة حوله قليلة، وللعرب عليه خفارة، وفيه جماعة من عبار الرهبان ونساكهم، لهم حوله مزارع ومباقل. وفي صدر هيكله صورة حسنة عجيبة، وفيه يقول الشاعر الكندي المنبجي:
يا طيبَ ليلةِ ديرِ مرماعوثِوسقاهُ ربُّ الناسِ صوبَ غيوثِ
وسقى حماماتٍ هناكَ صوادحاًأبداً على سدرِ هناك وتوثِ
وموردِ الوجناتِ من رهبانهِهو بينهم كالظّبي بينَ ليوثِ
ذي لثغةٍ فتّانةٍ إذْ يخرجُ الط??اوسَ، حينَ يقولُ كالطّاووث
طاولتُ منهُ قبلةً فأجابني:لا والمثيحِ، وحرمةِ الناقوثِ
أتراكَ ما تخشى عقوبةَ خالقٍتعثيهِ بين شمامثٍ وقثوثٍ
حتّى إذا ما الرّاحُ سهّلَ حثُّهامنهُ العسيرَ برطلهِ المحثوثِ
نلتُ الرضا، وبلغتُ قاصيةَ المنىمنهُ برغمِ رقيبهِ الديوثِ
ولقد سلكتُ معَ النّصارى كلَّ ماسلكوهُ غيرَ القولِ بالثالوثِ
بتناولِ القربانِ، والتفكيرِ للص??لبانِ والتمسيحِ بالطيبوث
ورجوتُ عفوَ اللهِ متّكلاً علىخيرِ الأنامِ نبيّهِ المبعوثِ
دير مروان: بالشام، وبه كانت وفاة الوليد بن عبد الملك.
دير مر يحنّا: قال الشابشتي: هذا الدير إلى جانب تكريت، على دجلة، وهو دير كبير عامر، كثير القلايات والرهبان، مطروق، مقصود، لا يخلو من المتطربين والمنتزهين، ولكل من طرقه ضيافة على قدر المضاف، وله مزارع وغلات كثيرة وبساتين وكروم. وهو للنسطورية، وعلى باب هذا الدير صومعة عبدون الراهب، وهو رجل من الملكانية، بنى الصومعة، ونزلها، فصارت تعرف به، وقد بنى إلى جانبها بناء ينزله المجتازون، فيقيم لهم الضيافة.
وفي هذا الدير يقول عمرو بن عبد الملك الوراق:
أرى قلبيَ قدْ حنّاإلى ديرِ مريحنّا
إلى غيطانهِ الفيحِإلى بركتهِ الغنّا
إلى ظبيٍ منَ الإنسِيصيدُ الإنسَ والجنّا
إلى غصنٍ منَ الآسِبهِ قلبيَ قدْ جنا
إلى أحسنِ خلقِ الل??هِ إنْ قدَّسَ أو غنّى
فلما انبلج الصّبحبزلنا بيننا دنّا
ولمّا دارتِ الكأسُأدرنا بيننا لحن
ولمّا هجعَ السُّمّارُ، نمنا، وتعانقنا
دير مريونان: ويقال له: عمر مريونان.
وهو بالأنبار، على الفرات، حسن، كبير، كثير القلايات والرهبان، وعليه سور محكم البناء، كالحصن له، والجامع ملاصقه، وله ظاهر حسن، ومنظر عجيب في الربيع.
وفيه يقول الحسين بن الضحاك:
آذنكَ الناقوسُ بالفجروغرَّدَ الراهبُ في العمرِ
واطرّدتْ عيناكَ في روضةٍتضحكُ عنْ حمرٍ وعن صفر ِ
وحنَّ مخمورٌ إلى خمرهِوجاءتِ الكأسُ على قدرِ
فأرغبْ عن النومِ إلى شربهاترغبْ عن الموتِ إلى النّشرِ
وقال كشاجم يذكره:
اغدُ يا صاحبي إلى الأنبارنشربِ الرّاحَ في شبابِ النّهارِ
واعمرِ العمرَ بالّلذاذة والق?ص??ف، وحثِّ الكؤوسِ والأوتارِ
واغتنمْ غفلةَ الزمانِ وبادرْوافترصْ لذّةَ الليالي القصارِ
دير المزعوق: ويقال له: دير ابن المزعوق.
وهو دير قديم بظاهر الحيرة، كثير الرهبان، حسن العمارة.
وفيه يقول محمد بن عبد الرحمن الثرواني:
قلتُ له، والنجومُ طالعةٌفي ليلةِ الفصحِ، أوّلَ السحرِ:
هلْ لكَ في مارفايثونَ، وفيديرِ ابنِ مزعوقٍ غيرِ مختصرِ
يفيضُ منه النسيم من طرفِ الش??امِ، وريحُ النّدى عنِ المدرِ
ونسألُ الأرض عن بشاشتهاوعهدها بالربيعِ والمطرِ
في شربِ خمرٍ، وصدعِ محسنةٍتلهيكَ بينَ اللسانِ والوترِ
دير مسحل: دير قديم بين حمص وبعلبك، من شمالي حمص. ذكر في فتوح الشام، وقتل أهله شر حبيل ابن عمرو، من رجال خالد بن الوليد، ﵁.
دير المطبرة: بفتح الميم، ثم كسر الطاء المهملة، بوزن (فعلية)، من المطر، وقد يقال: بيعة المطيرة.
هذا الدير بقرية من نواحي سامرا، يقال لها المطيرة. قال البلاذري: وبيعة المطيرة محدثة، بنيت في أيام المأمون، وهي منسوبة إلى مطر بن فرازة الشيباني، وكان يرى رأي الخوراج وإنما هي المطرية، فغيرت إلى المطيرة.
دير المعافر: بمصر: ويقال: إنه دير مرحنا، الذي تقدم، وفيه يقول صالح بن موسى، وهو من شعراء مصر:
إنّي لمثلكَ ناصحٌفاجنحْ إليّ، ولا تغرْ
باكرْ إلى ديرِ المعافرِ، آنَ أوقاتِ البكرْ
دير المغان: بحمص، في خربة بني السمط، تحت تلهم.
وهو دير قديم، عظيم الشأن عندهم، كبير القدر، فيه رهبان كثيرة، وترابه عجيب، يختم عليه للعقارب، ويهدى إلى البلاد قاطبة، وتتنافس النصارى في موضع المقبرة فيه، ويدور حوله سور عال، وبداخله شجر، وثمار كثير ة.
دير مقرونة: بصعيد مصر الأدنى، من أعمال أشمونين، غربي النيل. وهو في مكان نزه، فيه بساتين ونخل كثير.
دير ملكساوا: بفتح أوله، وسكون ثانيه، وكسر الكاف، ثم ياء مثناه من تحت، وسين مهملة.
وهو دير صغير، فوق الموصل، بينه وبينها نحو فرسخ ونصف فرسخ وهو مطل على دجلة.
دير منصور: دير كبير عامر في هذه الأيام، وموضعه مطل على نهر الخابور، شرقي الموصل، في مكان نزه، وهو كثير الرهبان. رايته قبل سنة، وبقربه المزارع والبساتين والكروم والمعاصر.
دير ميخائيل: في ثلاثة مواضع: أحدها بمصر، إزاء حلوان.
والثاني بالموصل، ويقال له: دير مارنخايال.
والثالث بدمشق، ويقال له: دير البخت. وقد ذكرته.
دير ميسون: بسامرا، وهو في موضع نزه، وحوله البساتين والكروم ورهبانه كثيرون، والناس يقصدونه للنزهة، لطيب هوائه، وعذوبة مائه، ونضرته وحسن موضعه.
أنشد الشابشتي لأبي عثمان الناجم فيه:
يا ربُّ ديرٍ عمرتهُ زمناًثالثَ قسيّسهِ وشمّاسهْ
لا أعدمَ الكأسَ من يدي غنجٍيغلو على المسكِ طيبُ أنفاسهْ
كأنّما البدرُ لاحَ في ظلمِ اللي??لِ إذا حلَّ بينَ جلاّسه
كأنَّ طيبَ الحياةِ واللهوِ واللّ??ذاتِ طرَّ اً جمعنَ في كاسه
في ديرِ ميسونَ ليلةَ الفصحِ والل??يلُ بهيمٌ، صعبٌ بحرَّاسهْ
دير ميماس: دير قديم، كثير الرهبان، عامر، بين دمشق وحمص، على نهر يقال له: ميماس. وإليه نسب.
وهذا الدير في موضع نزه، وبين يديه النهر، ومن خلفه المزارعُ والبساتينُ، وبه شاهدٌ، يزعمون أنَّ صاحبهُ من حواريي عيس ﵇.
زعم الرهبان فيه أنه يشفي الأمراض، وكان البطين الشاعر قد أصابه مرض، فحملوه إلى الدير، ليستشفي فيه، فغفل عنه أهل الدير، فبال قدام قبر الشاهد، واتفق أن مات عقيب ذلك، فشاع بين أهل حمص أن الشاهد قتله، فقصدوا الدير ليهدموه على أهله، وقالوا: نصراني يقتل مسلماً، لا نرضى بهذا، أو تسلموا لنا عظام الشاهد، لتحرقها، فسعت النصارى عند أمير حمص، ورشته، فدفع عنه أهل حمص، فقال شاعر يذكر القصة:
يا رحمتا لبطينِ الشّعرِ إذْ لعبتْبهِ شياطينهُ في ديرِ ميماسِ
وافاهُ وهو عليلٌ يرتجى فرجاًفردَّهُ ذاك في ظلماتِ أرماسِ
وقيل: شاهدُ ذاك الدّيرِ أتلفهُحقاً مقالة وسواسٍ وخنّاسٍ
أأعظمٌ بالياتٌ ذاتُ مقدرةٍعلى مضرَّةِ ذي بطشٍ، وذي باسِ
لكنّهمْ أهلُ حمصٍ لا عقول لهمبهائمٌ غيرُ معدودين في الناسِ
وقال ديك الجن يذكره:
في ديرِ ميماسٍ، ويا بعد مابين مغيثيك وميماس
واجتاز بهذا الدير أبو نواس وأشجع السلمي، وكان لهما فيه أشعار وحكايات.
[دير ناعس: قرية بقرب بعلبك].
دير نجران: في ثلاثة مواضع.
أحدها باليمن. لآل عبد المدان بن الديان وهو من بني الحارث بن كعب.
ومن هذا الدير كان القوم الذين قدموا على النبي ﷺ، وأرادوا مباهلته، وكان بنو عبد المدان بن الديان قد بنوا بيتاً على مثال الكعبة، وكان مربعاً، مستوي الأضلاع والأقطار، مرتفعاً عن الأرض، يرتقى إليه بدرجة كالكعبة، فكانوا يحجون إليه هم وبعض العرب ممن يحل الشهر الحرم، ولا يحج الكعبة، وكانت تحجه خثعم قاطبة.
وكان أهل ثلاثة بيوتات يتبارون في بناء البيع: أهل المنذر بالحيرة، وآل غسان بالشام وبنو الحارث بن كعب بنجران.
وقد بنيت دياراتهم في مواضع نزهة، حولها الشجر والرياض والغدران، وجعلوا في حياطاتها الفسافس، وفي السقوف الذهب، الصور.
وبقي بنو الحارث بن كعب على هذا الأمر حتى جاء الإسلام فحضر إلى مجلس النبي ﷺ العاقب والسيد وإيليا أسقف نجران، وأرادوا المباهلة، ثم استعفوه منها قبل أن تتم.
وكانوا يركبون إليها كل أحد، وفي أعيادهم، في الديباج المذهب والزنانير المحلاة بالذهب ويقضون صلواتهم، ثم ينصرفون إلى نزههم، وتأتيهم الوفود والشعراء للشرب والمتعة والغناء، قال الأعشى يذكرهم:
وكعبةُ نجران حتم علي??كِ، حتى تناخي بأبوابها
نزور يزيد وعبد المسيحوقيساً، همُ خير أربابنا
إذا الحبراتُ تلوَّتْ بهمْوجرُّوا أسافلَ هدّابها
وشاهدنا الوردُ والياسمي??نُ والمسمعات بقصّابها
ومزهرنا معملٌ دائماًفأي الثلاثةِ أزرى بها؟
وثانيها: بأرض دمشق، من نواحي حوران، قرب بصرى، وهو قريب من دير الراهب بحيرا، الذي ورد إليها النبي ﷺ، وعرفه الراهب بحيرا في القصة المعروفة في أخبار معجزاته ﵊.
وهذا الدير عظيم، كبير، عجيب العمارة، وله ينادي في البلاد، من نذر نذرا لنجران المبارك، والمنادي راكب على فرس يطوف به عامة نهاره.
وللسلطان على هذا الدير قطيعة تؤخذ من النذور المهداة إليه وثالثهما: بأرض الكوفة، بنته نصارى نجران اليمن لما أجلاها [عمر] ﵁ عن جزيرة العرب فمن أجلى من النصارى، فقدموا الكوفة، وابتنوا ديراً هناك، ومنازل، وسموه دير نحران، باسم نجرانهم التي باليمن، وكانوا من آل عبد المدان بن الديان.
دير نجم: من أهل اشمونين غربي النيل، بالصعيد الأدنى بمصر.
[دير نصر: يسر من رأى. هكذا سمعت به، ولا أعرفه].
دير نعم: أظنه قرب رحبة مالك بن طوق، على الفرات، لأن هناك موضوعاً اسمه (دير نعم). وقيل: هو موضع آخر. قال بعض الشعراء يذكره:
قضت وطراً من دير نعمٍ وطالما
ولعله مضاف إلى (نعم) حصن من حصون اليمن، والله أعلم بالصواب.
دير النعمانية: بين واسط بغداد، على شاطئ دجلة. والنعمانية من أعمال الزاب الأعلى، وفيها قصبته.
دير النقيرة: في جبل قرب المعرة. قيل: بهذا الدير قبر عمر بن عبد العزيز ﵁، والصحيح أن قبره في دير سمعان.
وبهذا الدير قبر الشيخ أبي زكرياء يحيى المغربي، وكان صالحاً، وقبره يزار في أيامنا.
دير النمل: بقرب مدينة (بلد) بالموصل، في شماليها، يبعد عنها نحو فرسخ.
دير نهيا: مهيا: بلدة صغيرة بالجيزة من أرض مصر، وديرها من أحسن ديارات مصر، وأنزهها موضعاً، وأجملها موقعاً. وهو عامر بمن فيه من الرهبان، وآهل بالسكان، وله من النيل منظر عجيب، لأنه محاط بماء النيل من جميع الجهات، وفي أرضه أنواع من الأزهار، وأصناف من الثمار.
وله خليج تكثر فيه الطيور، ويتوافد إليه الصيادون من أجلها.
قال العباس بن البصري يذكره:
يا منْ إذا سكر النديمُ بكأسهِغريتْ لواحظه بسكرِ الفيقِ
طلع الصباحُ، فأسقني تلك التيظلمتْ فشبّهَ لونها بالزئبقِ
وألقَ الصّبوحَ بنورِ وجهكَ إنهلا يلتقي الفرحانُ حتّى يلتقي
قلبي الذي لم يبقِ فيه هواكمُإلا صبابةَ نار شوقٍ قد بقي
أو ما ترى وجه الربيعِ وقد زهتْأزهارهُ بنهارهِ المتألقِ
وتجاوبتْ أطيارهُ، وتبسمتْأشجارهُ عن ثغرِ زهر مونقِ
لم يغذها طلُّ الرّذاذِ ببردهِحتى تفتّحَ كل جفنٍ مطبقٍ
والبدرُ في وسطِ السماءِ كأنّهُوجهٌ منيرٌ، في قباءٍ أزرقِ
يا للديّارات الملاحِ، وما بهامن طيبٍ يومٍ مرَّ لي بتشوق
أيامَ كنتُ، وكان لي شغلٌ بهاوأسيرُ شوقِ صبابتي لم يطلق
يا ديرَ نهيا ما ذكرتكَ ساعةًإلا تذكرّتُ السوادَ بمفرقي
والدهرُ غضٌّ، والزمانُ مساعدٌومقامنا ومبيتنا بالجوسق
يا ديرَ نهيا إن ذكرتَ فإنّنيأسعى إليكَ على الخيولِ السُّبقِ
وإذا سئلتَ عنِ الطيورِ وصيدهاوصنوفها، فأصدق وإن لم تصدق
فالغرُّ، فالكروانُ، فالفارور إذْيشجيكَ في طيرانهِ المتحلّق
أشهدتَ حربَ الطّيرِ في غيطانهِلمّا تجوَّقَ فيه كلُّ مجوَّق
والزُّمّجُ الغضبانُ في رهطٍ لهينحطُّ بينَ مرعَّدٍ، ومبرِّق
ورأيتَ للبازيِّ سطوةَ موسرِولغيرهِ ذلُّ الفقير المملق
كمْ قد صبوتُ بغرَّتي في شرَّتيوقطعتُ أوقاني برميِ البندقِ
وخلعتُ في طلبِ المجونِ حبائليحتّى نسبتُ إلى فعالِ الأخرق
ومهاجرٍ، ومنافرٍ، ومكابرٍقلقَ الفؤادُ بهِ، وإنْ لم يقلق
لو عاينَ التفّاحُ حمرةَ خدّهِلصبا إلى ديباجِ ذاكَ الرَّوِّنقِ
يا حاملَ السّيف الغداةَ، وطرفهُأمضى من السيفِ الحسامِ المطلق
لا تقطعّنَّ يدُ الجفاءِ حبائليقطعَ الغلامِ العودَ بالإستبرقِ
وارفقْ بعبدكَ، لا تطلْ أشجانهُوأعدلْ بهِ، يا صاحبَ الثغر والنقي
وقال فيه أيضاً:
أتنشطُ للشُّربِ يا سيّديويومكَ هذا دقيقُ الدروزِ؟
فعندي لكَ اليومَ مشويتّانسرقتهما منْ دجاجِ العجوزِ
أتنشطُ عندي على نبقتينِعلى لوزتينِ، على قطرميزِ
وتقصدُ نهيا وديراً لهابهِ مطرحُ الوردِ والمرنجورِ
دير النوبهان: لا أعرفه، ولكني وجدته في شعر لأبي نواس، يقول فيه:
بحجّكَ قاصداً ما سرجساناًفديرَ النوبهانِ، فديرَ فيقِ
وبالمطرانِ إذْ يتلو زبوراًيعظمهُ ويبكي بالشهيقِ
أما والقربِ من بعدِ التنائييمين فتىً لقاتلهِ عشيقِ
لقد أصبحت زينةَ كلِّ ديرٍوعيداً مع جفائكَ والعقوقِ
دير الوليد: بالشام. ولا أدري أين يكون، إلا أن من فسروا قول جرير:
لمّا تذكّرتُ بالدّيرينِ أرّقنيصوتُ الدّجاجِ، وضربٌ بالنواقيسِ
قالوا: أراد دير الوليد، والله أعلم بالصواب.
دير ونا: موضع بمصر، نقلته عن العمراني.
دير هرميس: بكسر الهاء وضمها، ثم راء ساكنة وميم، وياء مثناة من تحت، وآخره سين.
وهرميس هو إدريس النبي ﵇.
وهذا الدير بمنف من أرض مصر، وعنده هرم هو قبر قرباس، وكان فارس مصر، وقيل: إنه كان يعد بألف فارس، فإذا لقيهم وحده لم يقفوا له، وينهزموا. ولما مات جزعوا عليه ودفنوه بدير هرميس، وبنوا عليه الهرم مدرجاً.
دير هزقل: بكسر الهاء، وزاي معجمة ساكنة، وقاف مكسورة، وآخره لام. وأصله حزقيل بالحاء المهملة، والياء قبل اللام، ثم نقلوه إلى هزقل.
وهو دير قديم، مشهور، بين البصرة وعسكر مكرم قريب من دير العاقول، وفيه يعالج المجانين. ويقال: هذا هو الدير هو [المراد] بقوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها).
قال بعض علماء التفسير: هناك أحيا الله تعالى حمار عزير.
حدث أبو بكر الصولي، عن الحسين بن يحيى أن أبا عباد ثابت بن يحيى، وكان كاتباً للمأمون، غضب على بعض الكتاب، فقذفه بدواة أمامه، فسال الدم من وجهه، فندم وقال: صدق الله حيث يقول: والذين إذا ما غضبوا هم يغفرون فبلغ ذلك المأمون، فانتبه، وعاتبه فيه وقال: ويحك! أنت كاتب الخليفة، وما تحسن قراءة آية؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني أقرأ من السورة الواحدة ألف آية، أو أكثر، فضحك المأمون منه، وقال: من أي السور؟ وقال: مما نشاء. فقال المأمون: من سورة الكوثر شئت، ثم أمر بإخراجه من ديوان الكتابة فقال في ذلك دعبل الخزاعي:
أولى الأمورِ بضيعةٍ وفسادأمرٌ يدبّرهُ أبو عبّادِ
حرقٌ على جلسائه، فكأنهمْحضروا لملحمةٍ، ويومِ جلادِ
يسطو على كتابهِ بدواتهِفمرمِّلٌ ومضمّخٌ بمداد
فكأنّهُ منْ ديرِ هزقلِ مفلتٌحردٌ يجرُّ سلاسلَ الأقيادِ
وقالوا للمأمون يوماً: هجاك دعبل، فقال: من يجرؤ على هجاء أبي عباد مع سرعة انتقامه وعجلته جرؤ على هجائي مع أناتي وعفوي. قلت: وبدير هزقل كانت قصة المبرد وهي برواية الخالدي: قال المبرد: اجتزت بدير هزقل، فقلت لمن معي: اصعدوا بنا ننظر إليه، فدخلناه، فرأينا في بعض بيوته رجلاً كهلاً مشدوداً إلى أساطين ثابتة، وعليه أثر النعمة، فدنونا وسلمنا، فرد السلام، وسأل عن مقدمنا، فقلنا: من البصرة. قال: فما أقدمكم إلى هذا البلد، قلنا: لسماع الشعر، فأنشدنا:
اللهُ يعلمُ أنّني كمدُلا أستطيعُ أبث ما أجدُ
نفسان لي: نفسٌ تضمنّهابلدٌ، وأخرى حازها بلدُ
وأرى المقيمةَ ليسَ ينفعهاصبرٌ، وليسَ يفوقها جلدُ
وأظن غائبتي كشاهدتيبمكانها تجدُ الذي أجدُ
ثم قال: تنشدوني أو أنشدكم؟ قلنا: أنشدنا، فقال:
لمّا أناخوا قبيلَ الصّبحِ عيسهمُوأرحلوها، وسارتْ بالهوى الإبلُ
وقلّبتْ من خلالِ السّجفِ ناظرهاترنو إليَّ، ودمعُ العينِ منهملُ
وودّعتْ ببنانٍ خلتهُ عنماًناديتُ: لاحملتْ رجلاكَ يا جمل
ويلي من البين! ماذا حلَّ بي وبهامن نازحِ الوجد حلَّ البينُ وارتحلوا
يا راحل العيسِ! عرّجْ كي أودِّعهمْيا راحلَ العيس! في ترحالكَ الأجل
إني على العهد، لم أنقضْ مودَّتهمْيا ليتَ شعري بطولِ العهدِ ما فعلوا
قلنا: ماتوا. قال: وأنا والله أموت، فتمطي، وتمدد، ومات، فما برحنا حتى دفناه.
قلت: وبدير هزقل كانت القصة المعروفة لأبي هذيل العلاف.
دير هند الصغرى: بالحيرة، وهو منسوب إلى هند بنت النعمان بن المنذر، المعروفة بالحرقة.
بنته هند وترهبت فيه. وكانت سكنته دهراً إلى أن عميت وماتت، فدفنت فيه، وهو من أعظم ديارات الحيرة، وأعمرها وموضعه نزه، وحوله بساتين وأشجار.
قال هشام بن الكلبي: غضب كسرى على النعمان بن المنذر، فسجنه، فنذرت ابنته هند بأن تبنى ديراً تسكنه حتى تموت إن رد الله أباها إلى بلده وملكه، فخلى كسرى عن أبيها، فوفت بنذرها، وبنت الدير، وعاشت فيه إلى أن ماتت، فدفنت فيه.
ولهند قصة مع خالد بن الوليد، ﵁، ذكرتها في المعجم، وهي التي قالت له:
فبينا نسوس الناسَ والأمرُ أمرناإذا نحنُ فيهم سوقةٌ نتنصّف
فتباً لدينا لا يدومُ نعيمهاتقلّبُ تاراتٍ بنا وتصرَّفُ
وهي القائلة لقومها، وقد سألوها: ما فعل بك خالد بن الوليد؟
صانَ لي ذمّتي، وأكرم وجهيإنّما يكرمُ الكريمَ الكريمُ
ولهند أيضاً قصة معروفة مع المغيرة بن شعبة.
ولهذا الدير ذكر عند الشعراء. قال فيه معن بن زائدة الشيباني الأمير، وكان له منزل قريب من الدير:
ألاَ ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةًلدى دير هندٍ والحبيبُ قريب
فنقضي لباناتٍ بلقيا أحبّةٍويورقُ غصنٌ للسّرورِ رطيبُ
وقال فيه أيضاً:
لئنْ طال في بغدادَ ليلى فربمّايرى بجنوبِ الدّيرِ وهو قصير
دير هند الكبرى: وهذا الدير بالحيرة أيضاً، بنته هند الكبرى، أم الملك عمرو بن هند، وهي ابنة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندي.
وفي صدر هيكله مكتوب: "بنت هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر، الملكة بنت الأملاك، وأم الملك عمرو بن المنذر، أمة المسيح، وأم عبده، وأمة عبده، في زمن ملك الأملاك. خسرو أنوشروان، وفي زمن أفريم الأسقف، فالإله الذي بنت له هذا الدير يغفر خطيئتها، ويترحم عليها وعلى ولدها، ويقبل بها وبقومها إلى أمانة الحق، ويكون معها ومع ولدها الدهر الداهر".
حدث عبد الله بن مالك الخزاعي، قال: خرجنا مع الرشيد إلى الحيرة للنزهة، ولنرى آثار المنذر، فدخلنا دير هند الصغرى، ورأينا قبر النعمان، وقبر هند ابنته إلى جنبه، ثم خرجنا إلى دير هند الكبرى بظاهر الحيرة، فرأينا شيئاً مكتوباً على حائطه من الأعلى، فدعا الرشيد بسلم، وأمر بأن يقرأ ما فيه، فكان هذه الأبيات:
إنَّ بني المنذر عام انقضُّوابحيثُ شاد البيعةَ الرَّاهبُ
تنفحُ بالطِّيبِ ذفاريُّهمْوعنبرِ يقطبه القاطبُ
والقزُّ والكتّانُ أثوابهمْلم يجلب الصوف لهمْ جالبُ
والعزُّ والملك لهم دائمٌوقهوةٌ ناجودها ساكب
أضحوا وما يرجوهمُ واحدٌخبراً، ولا يرهبهمْ راهبُ
كأنهمْ كانوا بها لعبةًسار إلى أين بها الراكبُ؟
فأصبحوا في طبقاتِ الثّرىبعد نعيمٍ، لهم، راتبِ
شرُّ البقاياَ منْ بقيِ بعدهمُقلٌّ وذلٌّ جدُّهُ خائبُ
قال: فبكى الرشيد حتى ابتلت لحيته.
دير هند: قرية من قرى دمشق من إقليم بيت الآبار، كان منزلا لعبد الكريم بن أبي معاوية بن أبي محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
قاله ابن أبي العجائز.
وقيل: كان في القرية دير قديم بناه بعض بني جفنة الغساني.
دير يحنس: بضم يائه المثناة التحتية، وفتح حائه المهملة، ونون مشددة مفتوحة، وآخره سين مهملة.
قال الشابشتي: هذا الدير بسمنود، من أعمال حوف مصر، قيل: إذا كان يوم عيده أخرج شاهده من الدير في تابوت، يوضع على وجه الأرض، فيسير، ولا يقدر أحد أن يمسكه، أو يحبسه حتى يرد البحر، فبغطس فيه، ثم يرجع إلى مكانه.
قلت أنا: وهذا من تهاويل النصارى وترهاتهم، ولا أصل له، والله أعلم.
دير يونس: قال الشابشتي: هذا الدير ينسب إلى يونس بن متى النبي ﵇. وباسمه بني، وهو في الجانب الشرقي لدجلة، يقابل الموصل، بينه وبين دجلة فرسخان في موضع يعرف بنينوى، ونينوى هي مدينة يونس ﵇.
وأرضه نوار وشقائق، وحوله البساتين، ويقصده الناي في أيام الربيع.
وتحت هذا الدير عين تعرف بعين يونس يقصدها الناس ليغتسلوا منها.
وفيه يقول أبو شأس:
يا ديرْ يونسَ جادتْ أرضكَ الدِّيمُحتّى ترى ناضراً والنورْ تبتسمُ
لم يشف في ناجرٍ ماءٌ على ظمأكما شفى حرَّ قلبي ماؤكَ الشّبمُ
ولم يحلَّكَ محزونٌ بهِ سقمٌإلاّ تحلّلَ عنهُ ذلكَ السّقمُ
أستغفرُ اللهَ من فتكي بذي غنجٍجرى عليَّ بهِ في ربيعكَ القلمُ
الديرة البيض: هما ديران، أطلق عليهما لفظ الجمع، نزهان بالصعيد، من أرض مصر في الجانب، الغربي من نيلها، فيهما رهبان كثيرون، يقصدهما الناس لنزاهتهما.
ولهما عيد واحد في اليوم الحادي والعشرين من [بؤونة] وهذان الديران في موضع واحد، يحيط بهما سور له أربعة أبواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه جل وعلا المرجع والمآب.
تم الكتاب على يد كاتبه العاجز عز الدين عبد العزيز ابن محمد بن أبي بكر المقري الشافعي اليمني.
وكان الفراغ من نسخه بمكة المكرمة، ليلة الجمعة، رابع جمادى الأولى من سنة خمس وستين وسبعمائة.
ونسخه لنفسه عبد العزيز بن عبد الله الموسى في الخامس والعشرين من صفر الخير من سنة عشر وثلاثمائة وألف، من هجرة سيد المرسلين عليه وآله الطيبين أفضل الصلاة وأتم التسليم آمين آمين آمين. والحمد لله رب العالمين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع