من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الثاني (٢)
يقول فيها:
فإنْ تسألوني بالنّساء فإنَّنيعليمٌ بأدْواء النّساءِ طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُهفليسَ له من وُدّهنَّ نصيبُ
يرِدنَ ثراءَ المالِ حيثُ علِمْنَهُوشرخُ الشَّباب عندهنَّ عجيبُ
حدَّثنا أبو بكر أحمد بن منصور المعروف بابن الخيَّاط النحويّ، ﵀، قال: أخبرني صَعوداً قال: كنَّا في مجلس أبي عكرمة الضَّبِّيّ، وكان أعلم النَّاس بأشعار العرب وأرواهم لها على شراسة كانت في خُلقه، فرأيناه نشيطاً فقلنا له: ما نظنّ أنَّ للعرب قصيدةً في صفة الحرب مثل قصيدة قيس ابن الخطيم الَّتي أوّلها:
أتعرفُ رسماً كاطِّراد المذاهبِلعَمْرةَ وحْشاً غيرَ مُوقِفِ راكبِ
فقال لنا أبو عكرمة: ويخلق ما لا تعلمون، فعلمنا أن عنده شيئاً يريد أن يفيدناه فقلنا له: وما ذاك، يا أستاذ؟ قال: للعرب قصيدتان في وصف الحرب ما لهم مثلهما، قلنا: ما هما؟ قال: قصيدة الرَّبيع بن زياد العبسيّ وهي:
جاءُوا معاً فيلقاً جأواءَ مُشعَلَةًللموت تُمري وللأبطال تقتسرُ
صَريفُ أنيابها صوتُ الحديد إذافَضَّ الحديثَ بها أبناؤها الوُفرُ
ودَرُّها الموتُ يُقرَى في مخالبهاللوارِدين يوفِّي شربَهُ القَدَرُ
منِ امْتراها مَرَتْ كفَّاه حتفَهماأوِ اجْتلاها بدا منها له غِيرُ
في جوّها البِيضُ والماذيُّ مختلطٌوالجُردُ والمُردُ والخطِّيَّةُ السُّمرُ
حتَّى إذا واجَهَتْهم وهْيَ كالحةٌشوهاء منها حِمامُ الموت ينتظرُ
جاءتْ بكلِّ كمِيٍّ مُعلِم ذَكَرٍفي كفِّه ذَكَرٌ يسعَى به ذكرُ
مُستوردين الوغَى للموت ردُّهميوم الحفاظ على ذُوّادهم عَسِرُ
لهم سرابيلُ من ماءِ الحديدِ ومننضحِ الدِّماءِ سرابيلٌ أُخرُ
مُظاهَراتٌ عليهم يوم بأسِهملَونانِ جُونٌ وأُخرَى فوقها حمُرُ
في يومِ حتفٍ يُهالُ النَّاظرون بهِما إنْ تبِينُ به شمسٌ ولا قمرُ
فالبِيضُ يهتفْنَ والأبصارُ طامحةٌممَّا ترَى وخدودُ القومِ تنعفرُ
نكسوهمُ مُرهفاتٍ غيرَ مُحدثةٍيشفِي اختلاسُ ظُباها مَن به صَعَرُ
هنديَّة كاشتعالِ البرقِ يعصِمُهمبها مغاويرُ عن أحسابهم غُيُرُ
أمَّا قوله: " جاءتْ بكلِّ كمِيٍّ مُعلِم ذَكَرٍ " البيت، فقد أتى به عمرو بن معدي كرب ولا يُدرى أيّهما أخذ من صاحبه، قال عمرو:
ذَكَرٌ على ذكرٍ يصولُ بأبيضٍذكَرٍ يمانٍ في يمينِ يمانِ
وأخذه مسلم بن الوليد فقال:
صمصامةٌ ذكَرٌ من تحتِه ذكَرٌفي كفِّه ذكَرٌ يَفري به الهامَا
قال أبو عكرمة: والقصيدة الأخرى الَّتي في صفة الحرب قصيدة ابن أحمر السّعديّ:
إذا الفيلق الجأواء صاحتْ كُماتُهاصياحاً وأبدتْ عن نواجذها الخضرِ
وحرَّشَها أبناؤها فتحلَّبتْعليهم دماً يُمَرَ بخطِّيَّةٍ سمرِ
وقد نازَلوها بالقنا فتنازَعوالدَى نحرِها كأساً أمرَّ من الصَّبرِ
يُديرونها والقوم تلَقَ صدورهمْصدورَ القنا والموتُ أدَنَ من الشِّبرِ
بموقف حتفٍ والمنايا شوارعٌمع القوم لا يعرُون عنها ولا تُعرِي
وصُمُّ القنا يفلِقْنَ حَبَّ قلوبهمعلى حنَقٍ والخيلُ حاميةُ الحُضرِ
وقد صدَقُوا إهمادَ ضربٍ كأنَّهُأجيجُ حريقٍ هاجَ مُضطرِمُ السَّعرِ
مع الصُّبح هاجوا ثمَّ أضحَوا ونارُهمتُشَبُّ وأمَسَى الشُّهبُ يَرْدين كالشُّقْرِ
وأمسَى العذاَرَى البِيضُ يهتفنَ حُسَّراًقياماً وأمسَى الحيُّ يَغبطُ ذا القبرِ
وأضحَوا يخوضونَ النَّجيع قدِ ارْتَدواعلى الحَلق الماذيّ بالعلَق الحُمرِ
وقد قُطعتْ أعضادهُم وتقطَّعتْبأيديهم البِيض الخفاف من البُهرِ
فما زالَ هذا دأْبَهم وفعالَهمبلا حاجزٍ للفجرِ يوماً إلى الفجرِ
قال صعودا: فلمَّا رأينا نشاطه سألناه عن أطبع قصيدة للعرب وأحسنها رونقاً وأكثرها ماءً، فقال لنا: لقد أكثرتم وأطلتم وسأنشدكم قصيدة
وأنا أُعطي الله عهداً أن عرَّفتكم من قالها، قالوا: نرضى بذلك، فأنشدنا:
ألا ما لعينِك مطروفةًبذكر الخيالِ الَّذي زارَها
لذكرِ خيالٍ سرَى مَوهناًفهاجَ على العينِ عُوَّارَها
تجاوَزَ نحويَ هولَ النُّجودِوسَهلَ البلادِ وأوعارَها
فبتُّ به جذِلاً ليلَتيإلى أنْ تبيَّنتُ أسحارَها
فلمَّا انتبهتُ وجدتُ الخيالَأمانيَّ نفسٍ وتذكارَها
وفاضَ من العينِ مُغرورِقٌمن الدَّمعِ ألْثَقَ أشفارَها
لذكرِ الَّتي دونَ أبياتهاتنائفُ تقطع مُزدارَها
وساجٍ من البحرِ مُغرورِقٌيُنهنهُ دونيَ أخبارَها
نزورُ الكلام قطيعُ القيامِ لم يُظلمِ الهمُّ أسهارَها
ولم تَشْتُ في صرمةٍ بالغضَاولا الحزنِ تنظرُ ميَّارَها
كأنَّ سُخاميَّةً عُتِّقتْثلاثينَ حولاً وأعصارَها
لقيصَرَ لم يُغْلها طابخٌولم يُتعِبِ الوطءُ عصّارَها
فأصفَى بعقوته نفسهُولم يدعُ للبَيع تجّارَها
يُعَلُّ بها بردُ أنيابهاإذا انْتابتِ الطَّيرُ أوكارَها
فيا ليتَها ساعفتْ بالوصولِ وقتاً وحُمِّلتُ أوزارَها
وكَفِّي لها الرّهنُ أنْ لا أخونَوأنْ لا أُضيِّعَ أسرارَها
متى ما أنلْ وُدّها صافيافقد قضَّتِ النَّفسُ أوطارَها
وكنَّا ونحنُ لها جيرةٌيطول تجنُّبُنا دارَها
حياءً على أنَّني اسْتَجَنُّعليها وأغبط زُوّارَها
إذا أنا أبثثتُها حاجةًأطالَ فؤادي إضمارَها
أرَتْني مَخايلَ يُعجبْنَنيلغيريَ تُنزلُ أمطارَها
فيا ليتَ شِعري هل أُبصرنَّبوادي العقيقين حُضَّارَها
وهل أشهدنَّ بتلك الهِضابِ سَحْبَ الذُّيولِ وتَجْرارَها
وعاذلةٍ باكرَتْني تلومُوتَفري من الغَيظ أطْمارَها
تخافُ عليَّ اجْتِنابي البلادَورَمْيي بنفسيَ أقطارَها
فقلتُ لتعلمَ ما نيَّتيوأنْ لستُ أحفلُ إكثارَها
أعاذلَ مهلاً فقِدْماً عصيتُمقالَ النِّساء وتأمارَها
دَعيني فلا أنا أرْجو الخلودَولا النَّفسُ تسبقُ مقدارَها
وليس القعودُ بمُنْجي النُّفوسبلِ اللهُ يكتبُ إنشارَها
وأرضٍ قطعتُ بلا صاحبٍإذا الآلُ ألبَسَ أطرارَها
لهوتُ ببِيضٍ حِسان الوُجوهِ لم يَلجِ الضِّحُّ أبشارَها
كمثلِ الجآذرِ يُلهينَنِيوأدْعو إلى اللَّهوِ أبكارَها
وخَيلٍ هديتُ وخيلٍ حميتُإذا هيَ لم تحمِ أدبارَها
وما زلتُ منذُ فهمتُ الشُّؤونونقضَ الأمور وإمْرارَها
لِزازَ خُصومٍ إذا أجْلبواأُكفكفُ بالصَّمتِ مِهذارَها
وكشَّافَ هولٍ وركّابَهُوحَلاّلَ بيدٍ وسيّارَها
عقرتُ لهم عندَ إرْمالهمقلوصي ولم أدعُ أيْسارَها
ولم أكُ إذْ خِفتُ إرمالَهمكمنْ يكسعُ الشَّوْلَ أغبارَها
فهذا بلائي وإنِّي امرؤٌحَلَبْتُ المعيشةَ أشطارَها
وكنتُ إذا ما أردتُ القَريضَتخبِّرُني الجنُّ أشعارَها
أرُوضُ صِعابَ قوافي القريضِ حتَّى تذِلَّ فأخْتارَها
قوافٍ يورِّدُها صاحبيإليَّ وأكْفيهِ إصْدارَها
قال صعودا: فوالله لقد جهدنا به كلّ الجهد أن يعرّفنا من قائل هذا الشِّعر فلم يفعل، فلما حضرته الوفاة كتب وصيَّته. فقلت له: ما لتلك القصيدة في قلبي حلاوة حتَّى أعرف قائلها، فإن رأيت أن تعرّفني من قالها. فضحك لي وقال: قد كنت أتوهّمك موضعاً للوصيَّة، وأمَّا الآن فما أرى لك عقلاً، انْبِذ إليَّ بكتاب الوصيَّة. أتراني كنت في حالٍ من الأحوال أسوأَ أخلاقاً منِّي وأنا أستبينُ الموتَ في حركاتي، والله لا عرفتَ قائلها منِّي أبداً. هات الوصيَّة وقمْ، فأخذها منِّي وانصرفت ومات في آخر يومه.
وقال سويد بن كراعٍ:
خليليَّ قُوما في عُطالةَ فانْظُراأناراً ترَى من نحو يَبْرِينَ أم برقا
فإنْ يكُ برقاً فهو في مُشمخِرَّةٍيُغادرُ ماءً لا قليلاً ولا طَرْقا
يهبُّ برَيعان السَّحاب كأنَّمايُقوِّدُ أفراساً مُجنَّبةً بُلْقا
وإنْ تكُ ناراً فهْيَ نارٌ بملتقًىمن الرِّيح تزهاها وتَعفِقها عَفْقا
لأُمِّ عليٍّ أوقدتْها طَماعةًلأوبةِ رُكبانٍ تكونُ لها وَفْقا
متى تَرفعا العينَ البصيرةَ تعلَمابأنَّ المنايا قد قطعنَ بنا خَرْقا
يُحاذرنَ رَوعاتِ السِّياط كأنَّمايُحاذرنَ نُشَّاباً رُمينَ به رَشْقا
وكائنْ قطَعنا بعدكم من تَنوفةٍمن الأرضِ لم تُقطعْ أضالِعُها عَزْقا
تقومُ بها الوجناءُ وهْيَ رذِيَّةٌكَلالاً وينسَى ذو المخالجة العشقا
المخالجة: المجاذبة إلى شيء آخر، ومنه سمِّي الخليج خليجاً لأنه جذَبه عن دجلة.
إذا غيَّرَ اللَّيلُ النَّارَ وأظلمتْرَمينا بها حتَّى تراءى لها فَتْقا
خُفاف بن ندبة السلَميّ:
إذا أنا وافاني حِمامي ومَضجعيوسُوِّي عليَّ جندلٌ وكثيبُ
فكلُّ وفاءٍ عند ذلك ميِّتٌوكلُّ رجاءٍ عند ذاك يَخيبُ
وكلُّ سنانٍ في الأنامِ ولِهْذِمٍومسرورةٍ وجْداً عليَّ تذوبُ
عُمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
غدا ناعيك حين غدا بخطبٍيَبُثُّ الشَّيبَ في رأسِ الوليدِ
ويُقعدُ قائماً يُشجِي حشاهُويُطلقُ للقيامِ حِبَى القعودِ
وأمستْ خُشَّعاً منه بِرازٌمُركَّبةَ الرَّواجبِ في الخدودِ
عقيل بن علقمة المُرّي:
أحقّاً عباد الله أنْ لستُ لاقياًعُمارةَ طولَ الدَّهر إلاَّ توهُّما
فأُقسمُ ما جشَّمتُهُ من عظيمةٍتَؤودُ كرامَ النَّاس إلاَّ تجشُّما
ولا قلتُ مهلاً وهْوَ غضبانُ قد غَلامنَ الغيظِ وسطَ القومِ إلاَّ تبسُّما
وله:
خليليَّ زُورا قبرَ عمرٍو فسلِّماعليه وجُودا بالدُّموعِ الجوامدِ
ولا تُعجلا بي أنْ أُلمَّ بأعظُمٍورمْسٍ بشرقيِّ الهَباءة هامدِ
وفي القبر نَفسي أو كنَفْسي رهينةٌأتَى دونَهُ مرُّ المنايا الرَّواصدِ
فبُوركتَ من قبرٍ وبوركتِ بُقعةًبها مكَّثت للَّحْد أيدي اللَّواحدِ
سقَى اللهُ أكفاناً هناك وأعظُماغيوثَ السَّواري والغوادي الرَّواعدِ
أَأَبكي على عمرٍو فكفَّايَ هالَتَاعليه التُّربَ من نَثيلٍ ولابدِ
كأنِّي لعمرٍو كنتُ أُبدي عداوةًبحَثْوِي عليه التُّربَ فوقَ الجلامدِ
بِشر بن أبي خازمٍ الأسديّ:
أسائلةٌ عُميرةُ عن أبيهاخِلالَ الجيشِ تعترِض الرِّكابا
تؤمّلُ أنْ يؤوبَ لها بنهبٍولم تعلمْ بأنَّ السَّهمَ صَابا
فإنَّ أباكِ قد لاقَى غُلاماًكميشَ القلبِ يلتهبُ الْتِهابا
فرَجِّي الخيرَ وانتظرِي إيابيإذا ما القارظُ العَنَزِيُّ آبا
فمن يكُ سائلاً عن بيت بِشرٍفإنَّ له بجَنبِ الهضبِ بابا
ثوَى في مُلحَدٍ لا بدَّ منهكفَى بالموتِ نأياً واغْتِرابا
رهينَ بِلًى وكلُّ فتًى سيَبْلَىفسُحِّي الدَّمعَ وانتحِبي انْتِحابا
مضَى قصدَ السَّبيل وكلُّ حيٍّإذا حانتْ منِّيَّتُهُ أجابا
فإنْ أهلِكْ عُميرَ فرُبَّ زحفٍيشبَّهُ نقعُهُ رهْواً ضَبابا
سموتُ له لأُلبسهُ بزحفٍكما لُفَّتْ شآميةٌ سَحابا
على رَبِذٍ قوائمُه إذا ماشأتْهُ الخيلُ ينسكبُ انْسكابا
شديد الأسرِ يحملُ أرْيَحيّاًأخا ثقةٍ إذا الحدَثانُ نابا
صَبوراً عند مُختلفِ العَواليإذا ما الحربُ أبرزتِ الكعابا
الحارث بن هلال التّميميّ وكان هرب في بعض الوقائع فعيَّرته امرأته بفراره فقال:
أعاذِلَ إنِّي لم أُلَمْ في قتالهموقد عضَّ سيفي كبْشَهم ثمَّ صمَّما
أعاذِلَ كم مِن يوم حربٍ شهدتُهُأكُرُّ إذا ما فارسُ القَوم أحْجَما
أعاذِلَ ما ولَّيتُ حتَّى تبدَّدتْرِجالي وحتَّى لم أجدْ مُتقدَّما
وحتَّى رأيتُ الوردَ يدمَى لَبانُهُوقد كعَّتِ الأبطالُ فانْتَعلَ الدَّما
أعاذِلَ أفْناني السِّلاحُ ومَن يُطلْمُقارعةَ الأبطال يرجع مُكلَّما
الضحَّاك بن قيس الحارثيّ:
سقَى اللهُ أجداثاً ورائي تركتُهابحاضرِ قِنَّسْرين من سَبَل القطرِ
ثَوَوا لا يُريدون الرَّواحَ وغالَهممن الموتِ أسبابٌ تجيءُ على قدرِ
لعمري لقد وارتْ وضمَّتْ قبورُهمأكُفّاً شدادَ القبضِ بالأسَلِ السُّمرِ
يُذكِّرُنيهم كلّ خيرٍ رأيتُهُوشرٍّ فما أنْفكُّ منهم على ذكْرِ
البيت الأخير مثل قول الآخر:
يذكرنيك الخير والشر والذيوأرجو والذي أتوقع
ومن هذا المعنى قول مسلم:
يذكِّرُنيكَ الفضلُ والجودُ والحِجَىوقِيلُ الخنَا والحلمُ والعلمُ والجهلُ
فألقاكَ عن مذمومِها متنزِّهاًوألقاكَ في محمودِها ولك الفضلُ
وأحمدُ من أخلاقِك البخلَ إنَّهبعِرْضك لا بالمالِ حاشا لك البخلُ
وما نعرف في هذا المعنى أحسن من هذه الأبيات، فكلّ من رامها قصَّر عنها ولم يبلغ مداها. ولله درُّ عبد الصمد بن المعذَّل فقد طرّف هذا المعنى وجوَّده بقوله:
بالله أحلفُ إنِّي لستُ أذكرُهُوكيفَ يذكرُهُ مَن ليس ينساهُ
شبيه بقول الآخر:
لمْ يُذكِّرْنِيك شوقٌ حادثٌإنَّما يذكُرْ مَن كانَ سَها
ومن المعنى الأوَّل قول الآخر:
ما ذرّ قرن الشَّمس إلاَّ ذكرتُهاوتُذْكِرُنيها ما دنتْ لغروبِ
وأذكرها ما بين ذاك وبين ذاوباللَّيل أحْلامي وعند هُبوبي
وبلَّيتُها شوقاً وبلاَّنيَ الهوَىوأعيا الَّذي بي طِبَّ كلّ طبيبِ
وأعجبُ أنِّي لا أموتُ صبابةًوما تلفٌ من عاشقٍ بعجيبِ
وكم لامَ فيها مِن مُؤدٍّ نصيحةًفقلتُ له أقصِرْ فغيرُ مُصيبِ
أتأمَنُ إنساناً يفارقُ قلبَهُأتَصلح أجسادٌ بغير قلوبِ
وكلّ محبٍّ قد سَلا غير أنَّنيغريبُ الهوَى يا ويحَ كلِّ غريبِ
المعنى الَّذي نحن في ذكره البيتان الأوَّلان وإنَّما ذكرنا غيرهما من هذه الأبيات لأنَّها من نسيب الأعراب وهو غرضنا وما شاكله من أشعارهم في هذا الكتاب. وأمَّا قول الخنساء فهو نوعٌ من هذا المعنى إلاَّ أنَّها أرادت بهذا البيت نفسه أنَّها تذكره عند طلوع الشَّمس لأنه وقت الغارة ووقت غروبها وهو وقت مجيء الأضياف.
أعرابيّ:
عدوُّ تِلادِ المال فيما ينوبُهُمَنوعٌ إذا ما منعُهُ كانَ أحْزَما
مُذلِّلُ نفسٍ قد أبتْ غير أن ترَىمَكارهَ ما تأتي من الحقِّ مغْنَما
أبو دهبل الجمحيّ ويقال إنَّها للخارجيّ:
أقولُ والرَّكبُ قد مالتْ عمائمُهموقد سقاهُم بكأس النَّشوةِ السَّهَرُ
يا ليتَ أنِّي وأثوابي وراحِلَتيعبدٌ لأهلكِ طولَ الدَّهرِ مُؤتجرُ
إنْ كانَ ذا قدَراً يُعطيكِ نافلةًمنَّا ويحرِمُنا ما أنصفَ القدَرُ
جِنِّيَّةٌ أولَها حِنٌّ يعلِّمُهارَميَ القُلوب بقوسٍ ما لَها وتَرُ
أخبرنا ابن دريد عن عبد الرحمن عن الأصمعي قال: سألتُ ذفافة بن مقدام العبسيّ، وكان فصيحاً، فقلت: هل كانت أوائل العرب تعرف الفتوَّة؟ قال: إيه الله لقد انتظم ذاك أخو بني مازن بقول:
إنَّ الفتوَّةَ والمُرُوءةَ لا تكونُ بغير زادِ
ولها عتادٌ يَقْتَفِيهِ المرءُ من خير العتادِ
نفسٌ تعفُّ عنِ الخَناويدٌ تهلَّلُ بالتِّلادِ
ومهنَّدٌ قَضَّابةٌومقلِّصٌ سلِسُ القيادِ
ومُفاضةٌ سَرْدٌ كأنَّ قتيرَها حدقُ الجرادِ
ومُسيِّعٌ بين الضُّلوعِ عتادَ مُمتنع الفؤادِ
طلاَّبُ أوتار العَشِيرَةِ فوقَ أوتار الأعادي
أمَّا قوله: " ومفاضة سرد " البيت، فقد أتى به جماعة من الشعراء ونظنّ الأصل فيه هذا البيت أو قول عمرو بن معدي كرب:
وكلّ مفاضةٍ كالنِّهْي زَغْفٍكأنَّ قتيرَها حدقُ الجَراد
من القديم الجيد في هذا المعنى قول النمر بن تولب:
وكأنَّما انطمرَتْ جنادبُ حَرَّةٍفي سرْدها فرمتْك عن أبصارِها
أخذه الأخطل فقال:
زَغْف كأنَّ قتيرَهاتَرميك من حَدَق الجنادبْ
وممَّن جوَّد هذا التشبيه وزاد فيه زيادةً بيّنة ابنُ سلام المكاري في قصيدته الَّتي يرثي فيها يحيى بن عمر العلويّ ﵇:
تضايق منها السّرْدُ حتَّى كأنَّهاتَخازَر فيها بالعيونِ الجنادبُ
هذا البيت أجود ما نعرف في هذا المعنى، فأمَّا قول ابن الروميّ:
تغلغَلَ الرّمحُ في الدِّرعِ الَّتي رُتِقتْرتْقاً فلو صُبَّ فيها الماءُ رشَحا
فهو عندنا خطأ لأنَّ هذه الصفة بالسُّور الحديد أولى منها بصفة الدّرع، وهذا من المبالغة الَّتي تُحيل المعنى.
حدَّثنا الصّوليّ عن أبي العيناء قال: حدَّثنا الزّبير بن بكّار قال: حدَّثني محمد بن إبراهيم اللّيثيّ قال: حدَّثنا محمد بن معن الغفاريّ قال: أقحمتِ السّنةُ ناساً من الأعراب فحلُّوا المذار فأبرقوا فإذا غلامٌ منهم قد عاد جِلداً وعظماً وهو رافع عقيرته يتغنَّى بأبيات قالها عند نظره إلى البرق وهي:
ألا يا سَنا برقٍ على قُلَل الحمَىليَهْنك من برقٍ عليَّ كريمُ
لمعنُ اقْتِذاءَ الطَّير والقومُ هُجَّعٌفهيَّجْتَ أحزاناً وأنت سليمُ
لمعتُ بحدّ المرفقين أشيمُهُكأنِّي لبرقٍ بالسّتارِ حميمُ
فهلْ من مُعيرٍ طرفَ عينٍ خليَّةٍفإنسانُ عَين العامرِيّ كليمُ
رمَى قلبَهُ البرقُ اليمانيُّ رميةًبذكر الحِمَى وَهْناً فكاد يهيمُ
فقلت: يا غلام! في دون ما بك ما يُفحم عن الشِّعر، فقال: أجل ولكنَّ البرق أنطقني، قال: فما مكث يومه ذلك حتَّى مات.
أمَّا قوله: " فهل من معير " البيت، فهو مثل قول العبَّاس:
نزح البكاءُ دموعَ عينك فاستعِرْعيناً لغيرك دمعُها مِدرارُ
مَن ذا يُعيرك عينَه تَبكي بهاأرأيتَ عيناً للبكاءِ تُعارُ
وقريب منه قول الآخر:
ولِي كبِدٌ مقروحةٌ مَن يَبيعنيبها كبداً ليستْ بذاتِ قُروحِ
أبَى النَّاسُ وَيبَ النَّاسِ لا يَشتَرونهاومَن يشتَرِي ذا عُرّةٍ بصحيحِ
وقع بين الأعراب وبين أخيه شرٌّ فقال:
ويزعم أقوام أتَوهُ بظنَّةٍبأنْ سوفَ تأتيني عقاربُهُ تَسري
فودَّتْ رجالٌ لو تمادتْ بنا الخُطاإلى الغيّ أو تُلفَى علانِيةً تجْرِي
أبتْ رَحِمٌ أطَّتْ لنا مُرجحِنَّةأماني العدَى والكاشح الحسِكِ الصَّدرِ
فقلْ لوُشاة النَّاس لن تُذهب الرُّقَىولا عاقداتُ السِّحرِ وُدَّ أبي عمرِو
أبو الميَّاح العبديّ:
ولا تعرضنْ للشَّرِّ من دون أهلهِإذا كنتَ خِلواً عن أذاعُ بمعزِلِ
ومَن يَقِ أعراضَ الرِّجالِ بعرضِهيُبِحْ مَحْرماً من والدَيْه ويجهلِ
ولا تكُ ممَّن يُغلقُ الهمُّ بابَهعليه بمِغلاقٍ من العجزِ مُثقِلِ
ولا تجعلِ الأرض العريضَ محلُّهاعليك سبيلاً وعْثةَ المتنقَّلِ
وإنْ خفتَ من دارٍ هواناً فوَلِّهاسواكَ وعن دارِ الأذَى فتحوَّلِ
وما المرءُ إلاَّ حيثُ يجعلُ نفسَهُففي صالح الأخلاقِ نفسَك فاجْعَلِ
مُرَّة بن منقذ يرثي جاهل بن ظالم:
جَسورٌ لا يروَّعُ عند همٍّولا يَثني عزيمتهُ اتِّقاءُ
حليمٌ في شراسته إذا ماحُبَى الحُلَماء أطلَقَها المِراءُ
حليمٌ في عشيرته فقيديطيب عليهِ في الملأِ الثَّناءُ
وإنْ تكنِ المنيَّةُ أقصدتْهُوحُمَّ عليه بالتَّلَفِ القضاءُ
فقد أودَى به كرمٌ ومجدٌوعَودٌ بالمكارمِ وابتداءُ
غنيّ بن مالك العُقيليّ:
ألاَ يا لقومٍ للمنيَّةِ ماتَنِيتكرُّ وما تشوى لِكِنٍّ قسيمُها
إذا كانَ بين المرءِ والدَّهر قسمةٌأبى الدَّهرُ أن يرْمِي بها أو يَضيمُها
فكيفَ يرجَّى العاذلاتُ تجلُّديوصَبْري إذا ما النَّفسُ صِيبَ حَميمها
قوله: " صِيبَ حميمها " بغير ألف لغةٌ فصيحة عنهم.
حدَّثنا ابن دريد عن أبي عبيدة، قال أبو حاتم: قال لي أبو عبيدة: تريد أن أنشدك شعراً يجمع لك فراسةَ الخيل؟ قلت: نعم، فأنشدني:
ذاك وقد أذعُرُ الوحوشَ بصَلْتِ الخدِّ رحبٍ لبانُهُ مُجزرْ
طويلِ خمسٍ قصير أربعةٍعريض ستٍّ مقلِّصٍ حشْوَرْ
حدت له تسعة وقد عريتتسع خفيه لناظر فنطره
ثمَّ لهُ تسعة كُسِين وقدأرحَبَ منه اللَّبانُ والمنخرْ
بعيد عشرٍ وقد قرُبنَ لهعشرٌ وخمسٌ طالتْ ولم تقصُرْ
نُقفيهِ بالمَحْض دون وِلْدَتِناوعُضُّهُ في آرِيِّه يُنثرْ
حتَّى شَتا بادناً يقال ألايَطوون من بُدنهِ وقد أُضمرْ
موثَّقُ الخَلْق جُرشُعٌ عَتَدٌمُنفرجُ الحُضْرِ حين يُستحضرْ
خاظِي الحَماتَين لحمُهُ زِيَمٌنهدٌ شديد الصِّفاق والأبهرْ
رقيق خمسٍ غليظ أربعةٍناتي المعَدَّين ليِّنُ الأشعرْ
ذكر ابن قتيبة أنَّ هذا الشِّعر لا يخرَّج من العروض ولا ندري على ما يُترك هذا القول مع صحَّة هذا الشعر في الذَّوق وسلوكه في السَّمع، ويضطرب في الذَّوق مثل:
أقفَرَ من أهلهِ ملحوبُفالقُطَبِيَّاتُ فالذَّنوبُ
ومثل:
هلْ بالدِّيار أن تُجيبَ صَمَمْلوَ انَّ رَبْعاً ناطقاً كلمْ
وفي هاتين القصيدتين وغيرهما من الأبيات الَّتي تجفو على السمع ولا يصححها الذَّوق عددٌ كثيرٌ لو تتبعنا ذلك في هذين الشِّعرين دون غيرهما لكثر واتّسع ما يجفو عنه السّمع إلاَّ أنَّا نعلم أنَّهم لم يذكروا شيئاً من ذلك إلاَّ بحجَّة ناطقة وليلٍ صحيح، غير أنَّ الذوق يصحِّح هذه الأبيات الَّتي قدَّمنا ذكرها في صفة الفرس ولا ينبو عنها السَّمع لاطِّرادها واستقامتها وإن كانوا قد ذكروا أنَّها خارجة عن جميع الأعاريض الَّتي لأتت بها أشعار العرب.
مسرور بن ميسرة الضّبّيّ:
ألم أكُ ناراً يصطَليها عدوّكموجِرزاً لِما ألجأتمُ من ورائيا
وباسطَ خيرٍ فيكمُ بيمينهِوقابضَ شرٍّ عنكمُ بشمالِيا
ألاَ لا تَخافا نَبوتي في ملمةٍوخافا المَنايا أنْ تَفوتكما بِيا
عاصم بن الحَدَثان الشَّاري:
وهُم إذا كسَروا الجفونَ أكارمٌصُبُرٌ وحين تُحلَّلُ الأزرارُ
يغشَوْن حومات المَنون وإنَّهافي الله عند نفوسهم لصغارُ
لا يشتَرون سوَى الثَّناء بمالِهموهمُ إذا مدُّوا الرِّماحَ تِجارُ
أخذ كلام هذا البيت الأخير وبعض معناه، وإنْ كان قد قصَّر في ذلك، من قول أبي الطَمحَان القينيّ:
إذا لبسُوا عمائمَهم ثَنَوهاعلى كرمٍ وإن سَفَروا أناروا
يبيعُ ويشترِي لهُم سواهمْولكن بالرِّماح همُ تِجارُ
إذا ما كنتَ جار بني خُرَيمٍفأنتَ لأكْرم الثقلَين جارُ
وقد رويت هذه الأبيات لأبي يعقوب الخُرَيميّ ولمن كانت فهي جيّدة الكلام صحيحة المعنى.
النعمان بن بشير الأنصاري:
وإنِّي لأُعطي المالَ من كانَ سائلاًوأُدركُ للمولَى المعاندِ بالظُّلمِ
فلا تعدُدِ المولَى شريكك في الغنَىولكنَّما المولَى شريكك في العدمِ
إذا مَتَّ ذو القربَى إليكَ برُحمِهِغشّك واستغنَى فليسَ بذي رحمِ
ولكنَّ ذا القربَى الَّذي يستخفُّهُأذاكَ ومِن يرمي العدوَّ الَّذي تَرمي
طريف الغَنَوي:
إنَّ قَناتي لنَبعٌ ما يليِّنُهاغمزُ الثِّقاف ولا وهنٌ ولا عارُ
متى أُجِرْ خائفاً تأمَنْ مسارحهُوإنْ أُخِفْ آمناً تغلقْ به الدَّارُ
عديّ بن الرِّقاع العامليّ ولا نعرف فيما خوطبت به الدَّار أحسن من هذه الأبيات:
فسُقيتُ من دارٍ وإنْ لم تسمعيأصواتَنا صوبَ الرَّبيع المُسبلِ
ورُعيت من دارٍ وإنْ لن تنطقيبجواب حاجتِنا وإن لم تعقِلي
قد كانَ أهلكِ مرَّةً لكِ زينةًفتبدَّلوا بدلاً ولم تستبدِلي
فأبْكي إذا بكتِ المنازلُ أهلَهامعذورةً وظلمتِ إنْ لم تفعلِي
لبعض الزّجّار:
ما مِن هوَى أُمامةَ اعْتذارُ
ولا لحسرٍ عندها اعْتمارُ
بيضاءُ في وجنتِها احْمِرارُ
بعَينها يحلو لها النُّضارُ
هيَ اللَّيالي وهوَ النَّهارُ
ولآخر يهجو:
لو كنتَ ريحاً كانتِ الدَّبوراأو كنتَ غيماً لم يكنْ مَطيرا
أو كنتَ ماءً لم يكنْ طَهوراأو كنتَ مُخّاً كنت مخّاً رِيرا
مثله لآخر:
لو كنتَ ماءً لم تكنْ بعذبِأو كنتَ سيفاً لم تكنْ بعَضبِ
أو كنتَ لحماً كنتَ لحمَ كلبِأو كنتَ عَيْراً لم تكنْ بنَدْبِ
مثله لآخر:
لو كنتمُ شاءً لكنتم نَقَداأو كنتم ماءً لكنتم زَبَدَا
أو كنتمُ طيراً لكنتمْ صُرَدَاأو كنتم عِدّاً لكنتم ثَمَدا
أو كنتمُ صُوفاً لكنتمْ قَرَدَاأو كنتم لحماً لكنتم غُدَدَا
أبو دؤاد الإياديّ:
نَعَى ابنُ حَريزٍ جاهلٌ بمصابهِفعمَّ نِزاراً بالبُكا والتَّحوُّبِ
نعاهُ لنا كاللَّيثِ يَحمي عرينهُوكالبدرِ يُعشي ضوءهُ كلّ كوكبِ
وأصبَر من عَودٍ وأهدَى إذا سَرَىمن النَّجمِ في داجٍ من اللَّيل غيهبِ
وأذْرَبَ من حدِّ السِّنان لسانُهُوأمضَى من السَّيف اليمانيّ المشطَّبِ
زعيم إيادٍ كلّها وخطيبهاإذا قامَ طأطأ رأسه كلّ مِشغبِ
سليل قرومٍ سادة الفضل قادةيبُذُّون يومَ الجَمْع أهلَ المحصَّبِ
أعرابيّ:
أبيتُ ويأبَى النَّاسُ لي أنْ يُذِلَّنيوقوفٌ ببابٍ ردَّني عنه حاجبُ
أَأُوجبُ حقّاً لامرئٍ غيرِ موجبٍلحقِّي لقد ضاقتْ عليَّ المذاهبُ
آخر:
إذا المرءُ أولاكَ الهوانَ فأولِهِهَواناً وإن كانتْ قريباً أواصرُهْ
فإنْ أنتَ لم تقدِرْ على أنْ تُهينهُفذرْهُ إلى اليومِ الَّذي أنتَ قادرُهْ
وقاربْ إذا ما لم تكنْ لك قدرةٌوصمِّمْ إذا أيقنتَ أنَّك عاقرُهْ
هذا مثل قول المنصور:
إذا مدَّ يدَه إليك عدوُّكولم تقدِر على قطعها فقبِّلْها
أعرابيّ من بني أسد قصر به ماله عن التزوج فقال:
زعم الكواسدُ أنَّني متزوجٌمنهنَّ أو متعزِّبٌ فمُطيلُ
يا ربّ إنَّ تعزُّباً أختارُهُإنْ كانَ ليس إلى المِلاح سبيلُ
وغالى أعرابيّ في امرأة فلامَه قومه وعنَّفوه فقال:
يقولون قد أغليتَها قلتُ إنَّمايُسامي غلاءَ المهرِ من كانَ غاليا
لعَمري لقد أغليتُها وهيَ أهلُهُعلى حين راعَ الشَّيبُ منِّي الغوانيا
مثله لآخر:
ابتَعتُ ظَبيةً بالغَلاء وإنَّمايُعطي الغلاء بمثلها أمثالِي
وتركتُ أسواءَ القِباح لأهلهاإنَّ القباحَ وإنْ رخصْنَ غوالِي
الحطيئة:
إذا خافك القومُ اللِّئامُ وجدتَهمسراعاً إلى ما تشتهِي وتُريدُ
وإنْ أمنوا شرَّ امرئٍ نصبوا لهعداوتَهم إمَّا رأوهُ يحيدُ
فداوهُمُ بالشَّرِّ حتَّى تذلَّهموأنتَ إذا ما رمتَ ذاك حميدُ
وهم إن أصابوا منكَ في ذاكَ غفلةًأتاكَ وعيدٌ منهمُ ووعيدُ
فلا تخشَهم واخشُنْ عليهم فإنَّهمإذا أمِنوا منك الصِّيالَ أسُودُ
تأبَّط شرّاً:
وفي عُنقي سيفٌ حسامٌ مهنَّدٌومُرهفةٌ زورٌ شدادٌ عُيورُها
سَماحيجُ أشباهٌ على قدْر واحدٍتبيدُ أعادِيها وتغلِي قدورُها
وصف نَبلاً فذكر أنَّه يقتل بها الأعادي ويصيد الحمُر الوحشية بها فيغلى من لحومها القدور.
أبو الجوين العبسيّ:
إنِّي امرؤٌ ما تستقرُّ دارهمِيعلى الكفِّ إلاَّ عابراتِ سبيلِ
أحكِّمُ فيها الحقَّ حتَّى أذلَّهاإذا زادَ عنها الحقّ كلُّ بخيلِ
مثله للغطمَّش الضَّبِّيّ:
ومَن يكُ كفُّه للمالِ سِجنافكفِّي للدَّراهمِ كالسَّبيلِ
يمرُّ الدرهمُ الصَّيَّاحُ فيهاجواداً ما يعرِّج للمَقيلِ
توبة بن الحميِّر:
وأُغبَط من ليلَى بما لا أنالُهُألا كلُّ ما قرَّتْ به العينُ صالحُ
فلو أنَّ ليلَى الأخيليَّةَ سلَّمتْعليَّ ودُوني جندلٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أوزَقاإليها صدًى من جانبِ القبر صائحُ
ولو أنَّ ليلَى في السَّماءِ تصاعدتْبطرْفي إلى ليلَى العيونُ الكواشحُ
وهل في غدٍ إنْ كانَ في اليوم علَّةٌدواءٌ لما تلقَى النُّفوسُ الشَّحائحُ
وهل تبكِنِي ليلَى إذا متُّ قبلَهاوقامَ على قبرِي النِّساءُ النوائحُ
كما لو أصابَ الموتُ ليلَى بكيتُهاوجادَ لها جارٍ من الدَّمعِ سافحُ
مالك بن وبَر الفزاريّ:
لا يبعِدِ اللهُ قوماً إنْ سألتهمُأعطَوا إنْ قلتُ يا قومِ انْصُروا نَصَروا
وإنْ أصابتهمُ نعماءُ سابغةٌلم يبطَروها وإنْ فاتتهمُ صَبَروا
ومثله لحمزة بن بِيض:
أغلق دون السّماح والجُودِ والنَّجدة باباً حديدُه أشِبُ
لا بطرٌ إنْ تتابعتْ نعمٌوصابرٌ في البلاءِ محتسبُ
برَّزتْ سبقَ الجِياد في مهَلٍوقصَّرتْ دون سبقك العربُ
وقريب منه وإن لم يكن بعينه:
أحبَّني النَّاسُ لحُبِّي لهموالسّعيِ في الحاجاتِ للنَّاسِ
وبسطِ معروفي وكفِّي لهموحفظِ إخواني وجُلاَّسي
إن أغنَ لم يخفَ غَنائي وإنْأفلستُ لم يُعلمْ بإفلاسِي
ابن الطَّثريَّة:
ألا قاتلَ اللهُ الهوَى ما أشدَّهوأصرعهُ للمرءِ وهوَ جليدُ
فقلْ للهوَى لا يألُوَنِّي جهدهُفليس على ما قد وجدتُ مَزيدُ
دعاني الهوَى من نحوها فأجبتُهُفأصبحَ بي يستنُّ حيث يريدُ
المرّار الفقعسيّ:
أبِالبينِ أمسَى أسفلُ العينِ يلمعُأمِ الهجر يخشاه الفؤادُ المروَّعُ
فيا سلْمَ لا ودعٌ على العيشِ دائمٌولا الوصلُ إلاَّ ريثَما يتقطَّعُ
فلو أنَّها إذ لم تجنَّ نصيحةًأجنَّ الهوَى منها ضميرٌ وأضلعُ
ولو أنَّها إذ لم تجُدْنا بنائلٍتعمِّي على الواشي كما كنتُ أصنعُ
أتانا رسولٌ من سُليمى بأنَّناغَنِينا وقد يغنَى المحبُّ وينفعُ
وبعضُ الغِنَى ممَّا يزيدُ ذَمامةوبعضُ الغِنَى ممَّا يزيدُ ويرفعُ
مُكنف بن نُميلة المُزَنيّ:
تذكَّر ليلَى أُمَّ بكرٍ وذكرُهاجوًى بين أطْلاح الضلوعِ وداءُ
وما ذكرُ ليلَى أُمِّ بكرٍ إذا نأتْبها الدَّارُ إلاَّ حسرةٌ وعناءُ
ولم تجزِني بالودِّ ليلَى ولم يكنْلنا عند ليلَى بالبناءِ قضاءُ
ولا خيرَ في وصلٍ إذا لم يكن لهعلى طولِ جرّ الحادثات بقاءُ
وما بحتُ بالسِّرّ الَّذي كانَ بينناوبينكِ إلاَّ أنْ يبوحَ بكاءُ
لعمري لئن قُنِّعتُ بالشَّيب وانكفابما فيه من ماء الشَّباب إناءُ
لقد كانَ ماءُ الحسنِ يدعو إلى الصِّبانساءَ أعارتْها العيون ظِباءُ
وله أيضاً:
يبوحُ بما تُخفِي حَشاً وضلوعُسقيمةُ أطراف الدُّموع جَزوعُ
لها عارضٌ يُبدي الضَّميرَ تهيجُهُطلولٌ تعفَّتْ باللِّوَى وربوعُ
ولي عبراتٌ كلّما عجتُ عوجةًعلى عرصاتٍ خيمُهنَّ صريعُ
وإنِّي لأشقَى النَّاسِ بالدَّمعِ كلّماتصدَّع شعبٌ أو أشتُّ جميعُ
يقولون لو عزَّيتَ قلبكَ لم يبحْضميرٌ ولم تنممْ عليك دموعُ
فقلتُ لهم لا ذنبَ لب إنْ تكلَّمتْدموعٌ جرَى في جريهنَّ نجيعُ
ذو الرُّمَّة:
وأشعثَ مثلِ السَّيفِ قد لاحَ جسمهُوَجيفُ المَهارَى والهمومُ الأباعدُ
سقاهُ الكرَى كأسَ النُّعاس فرأسُهُلدِين الكرَى من آخِر اللَّيل ساجدُ
مروان بن مالك الحنفيّ:
دلفْنا إليهم والسّيوفُ عِصيّناوكلٌّ لكلٍّ يومَ ذاك واكرُ
بجمعٍ تظلُّ الأُكْمُ ساجدةً لهإذا هزهزتْها في المَسير الحوافرُ
كلا ثَقَليْنا طامعٌ في غنيمةٍوقد قدّر الرحمنُ ما هوَ قادرُ
فلم أرَ يوماً كان أكثرَ سالباًومُستلباً والنَّقعُ في الجوّ ثائرُ
وأكثرَ منّا ناشئاً يبتغي العُلىيُضاربُ قِرناً دارعاً وهوَ حاسِرُ
إلى البيت الأخير نظر البحتريّ بقوله:
قطع القرائنَ واللَّواء لغيرهبالمشرفيّة حُسَّراً في الدُّرَّعِ
إياس بن مالك الحنفيّ:
أقضِّي الدهرَ في طلب الغَوانيعلى قلُصٍ يرُحْنَ ويغتدينا
وعيسٍ قد أضرَّ بها سِفاريوشَدِّي فوق مَحْزِمها الوضينا
كأنّا ما حلَلْنا ذاتَ عِرْقٍولم نكُ بالقصيبة راتعينا
بحَيٍّ تفتدي الأحياءُ منهيَحلّون الفضاءَ مُكابرينا
كرامٍ في حبائهمُ عفافٌوأسْدٌ ترْبِتُ الحربَ الزَّبونا
إذا نُدبوا لمَكْرُمةٍ أتَوهابلا نزَقٍ ولا مُتواكلينا
حرملة بن مقاتل:
ألا طرقتْنا أُمُّ سلْمٍ فأرَّقتْفيا حبَّذا إمامُها وطروقُها
وليلٍ بهيمٍ قد تجشَّمتُ نحوَهاوهاجرةٍ شهباءَ حامٍ وديقُها
فمَن بائعِي عَيناً بعينٍ مريضةٍونفساً بنفسٍ في وَثاقٍ طليقُها
وما ضرَبٌ في رأسِ صعبٍ ممرَّدِبتَنْهاتِهِ يستنزلُ العفرَ نِيقُها
بأطيبَ من فِيها لمنْ ذاق طعمهُوقد جفَّ بعد النَّومِ للنَّومِ ريقُها
إذا اعتلَّتِ الأفواهُ واستمكنَ الكرَىوقد جانَ من نجمِ الثُّريَّا خفوقُها
وما ذقتُ فاها غيرَ حالٍ رجوتُهُألا رُبَّ راجِي شربةٍ لا يذوقُها
أمَّا قوله: " فمن بائعي " البيت، فبيتٌ جيدٌ متساوي القسمين صحيح الصّدر والعجز. وشبيه به وإن كان دونه قول العامريّ:
فهل من معير جفن عين خليةٍفإنسان عين الماعري يحلم
وآخذه ابن الأحنف فقال: نزف البكاء " دموع عينك " البيتين ومثله:
ولي كبِدٌ مقروحةٌ مَن يَبيعُنيبها كبداً ليستْ بذاتِ قروحِ
أباها عليَّ النَّاسُ لا يشترونَهاومن يشترِي ذا علَّةٍ بصحيحِ
وأمَّا قوله: " إذا اعتلَّتِ الأفواهُ " البيت، فما نعلم أنَّ أحداً من المتقدمين ولا المحدثين جوَّد في هذا المعنى وأبدع وأتى بما لم يأتِ به غيره ولا يقدر عليه سواه غير ابن الرومي فإنَّه أبدع وطرَّف وملَّح بقوله:
تُعنِّتُ بالمسواك أبيضَ صافياًتكادُ عَذارَى الدُّرِّ منه تحدَّرُ
وما سرَّ عيدانَ الأراكِ برِيقهاتناوُحها في أيكِها تتهصَّرُ
لئنْ عدمتْ سُقيا الثَّرى إنَّ رِيقهالأعذبُ من هاتيك سُقياً وأخصرُ
وما ذقتُهُ إلاَّ بشَيم ابتِسامِهاوكم مَخبرٍ يُبديهِ للعينِ منظرُ
بدا لِي وميضٌ شاهدٌ أنَّ صوبهُغريضٌ وما عندِي سوَى ذاكَ مَخبرُ
تذود الكرَى عنه بنشرٍ كأنَّماتضوُّعُهُ مسكٌ ذكيٌّ وعنبرُ
وما تَعْتَريها آفةٌ بشريَّةٌمن النَّومِ إلاَّ أنَّها تتجبَّرُ
وغيرُ عجيبٍ طيبَ أنفاسِ روضةٍمُنوِّرةٍ باتتْ تُراحُ وتُمطرُ
كذلك أنفاس الرِّياحِ بسُحرةٍتطيبُ وأنفاسُ الأنام تغيَّرُ
هذه الأبيات النهاية في هذا المعنى.
حمار بن معقِّر البارقيّ؟ " معقِّر بن حِمار ":
أعاذلَ لو شهدت غداةَ قَوٍّونارُ الحرب يُسعرها الحتوفُ
وقد أبدتْ لنا أُمُّ المنايانياباً ما يفارقُها الصَّريفُ
وحامَى كلُّ قومٍ عن أبيهموصارتْ كالمَخاريقِ السُّيوفُ
فلا جُبنٌ فننكُلَ إنْ لَقيناولا هزمُ الجُيوش لنا طريفُ
أمَّا قوله: " وحامَى كلّ قومٍ عن أبيهم " البيت، ففي نهاية الحسن وشرف المعنى، وهو شبيهٌ بقول عمرو بن كلثوم:
كأنَّ سيوفَنا منَّا ومنهممخاريقٌ بأيدِي لاعِبينا
ومثله قول قيس بن الخطيم:
أجالدُهم يومَ الحديقةِ حاسراًكأنَّ يدي السَّيف مخراقُ لاعبِ
ومن أحسن ما نعرف في صفة الفرس قول جُحيش بن وابصة الأسديّ وهي قصيدة أوَّلها:
أيُّ مبكًى ومنظرٍ ومزارِواعتبارٍ لناظرٍ ذي اعتبارِ
بلدٌ كانَ آهلاً من ذَوي النَّجدةِ في النَّائباتِ والأخطارِ
مِن كهولِ جرَوا على الحلمِ والعِلْمِ بنَقض الأمور والإمرارِ
وشبابٍ إذا أفادوا أفاتُوا المالَ لا عُزّلٍ ولا أغْمارِ
وإذا أُفرغوا أجالُوا على الأرضِ كراديسَ مثل سودِ الحرارِ
خلفَها عارضٌ يمدُّ على الآفاقِ سِترينِ من حديدٍ ونارِ
نار حربٍ يشبّها الحدّ والدجدُّ فتُعشي نواظرَ الأبصارِ
بجيادٍ كأنَّهنَّ التَّماثيلُ ليومِ الهياج والمضمارِ
كلّ نهدٍ أقبَّ معتدل الخَلْقِ أمين القوَى عتيق النِّجارِ
ماجَ منه الجرانُ واشتدَّ عِلْباواهُ واحدودَبا دُوَين العذارِ
مًجفر الفَصّ مُكرب الرُّسغ دانِي الأخذِ مستعرضاً ككرِّ مغارِ
طال هاديه والذِّراعان والأضلاعُ منه فتمَّ في إجفارِ
ثمَّ طالتْ وأُيِّدتْ فخِذاهُفهوَ ثقفُ الوُثوب ثبتُ الخَبَارِ
وقصير الكراع والظَّهر والسَّاقِ قصير العسيب والقلب وارِ
وحديد الفؤاد والطَّرف والعُرقوبِ والسَّمع حدَّةً في وقارِ
ورحيب الفروج والجلد والشدقبن قدام منحز كالوجار
والعريض الوظيف والجَنب والأوْراكِ والجَبهة العريض الفَقارِ
وهوَ صافِي الأديم والعين والحافرِ غمرِ المَطال والإخطارِ
مطمئنّ النّسور بين حوامىكلّ لأْمٍ أصمَّ كامنقارِ
فبهذا نَفوتُ من يَطلب الثَّأرَ لَدَينا ولا نُفاتُ بثارِ
وقال زياد بن حَمَل العدويّ وكان أتى صنعاء فلم يستطبها وحنَّ إلى بلده:
لا حبَّذا أنتِ يا صنعاءُ مِنْ بلدٍولا شعوبُ هوًى منِّي ولا نُقمُ
وحبَّذا حين تُمسي الرِّيحُ باردةًوادِي أُشيٍّ وفتيانٌ بهِ هُضمُ
الدافعونَ إذا ما جرَّ غيرهمُعلَى العشيرةِ والكافُونَ ما جرَموا
والمطعمونَ إذا هبَّتْ شآميةٌوباكرَ الحيَّ من صُرَّادها صِرَمُ
حتَّى انجلَى حدُّها عنهم وجارهمُبنجوةٍ مِن حذارِ الشَّرّ معتصمُ
همُ البحورُ عطاءً حيث تسألهُموفي اللِّقاءِ إذا تلقَى بهمْ بُهَمُ
وهم إذا الخيلُ حالوا في كواثبهافوارسُ الخيل لا هبْلٌ ولا قزمُ
مُخدَّمونَ ثقالٌ في مجالسهمْوفي الرِّجالِ إذا رافقتهم خدمُ
لمْ ألقَ بعدهمُ حيّاً فأذكرَهمْإلاَّ يزيدهمُ حبّاً إليَّ همُ
كم فيهم من فتًى حلوٍ شمائلُهُجمّ الرَّماد إذا ما أخمدَ البَرَمُ
كأنَّ أصحابهُ بالقَفر يُمطرهممِن مُستحير غزيرٍ صوبهُ ديَمُ
غمرُ النَّدى لا يبيت الحقُّ يثمدُهُإلاَّ غدا وهوَ سامي الطَّرف مبتسمُ
إلى المكارمِ يَبنيها ويعمرُهاحتَّى ينالَ أُموراً دونها قُحَمُ
زارتْ رُوَيقةُ شُعثاً بعدما هجَمُوالدَى نواحلَ في أرساغها الخدَمُ
يشقَى بها كلّ مرباعٍ مودَّعةٍعرفاءَ يَشبو عليها تامِكٌ سنِمُ
وكانَ عهدي بها والمشيُ يبْهَظُهاإلى القريبِ ومنها النَّومُ والسَّأمُ
وبالتَّكاليف تأتي بيتَ جارتهاتمشِي الهُوَينا وما يبدو لها قدمُ
بل ليتَ شِعري متى أغدو تُعارضُنيجرداءُ سابحةٌ أو سابحٌ قدُمُ
نحو الأُمَيلح أو سَمْنان مبتكراًبفِتيةٍ فيهم المَرَّارُ والحكمُ
ليست عليهم إذا يَغدون أرديةٌإلاَّ جيادُ قسيِّ النَّبع واللُّجمُ
من غيرِ عُدمٍ ولكنْ من تبذُّلهمللصَّيد حين يَصيح القانصُ اللَّحِمُ
يغدو أمامهمُ في كلِّ مرْبأةٍطلاّعُ أنجدةٍ في كشحِهِ هضَمُ
وأنشدنا ابن دريد وذكر أنَّه أحسن ما وصف به خِباء ولقد صدق في ذلك، والشِّعر لطفيل بن عوف الغنويّ وهو الَّذي يقال له طفيل الخيل:
وبيتٍ تهبُّ الرِّيحُ في حجراتِهِبأرضِ فضاءٍ بابُهُ لم يحجَّبِ
سماوَتُهُ أسمالُ بردٍ مفوَّفٍوصهوتُهُ من أتحميٍّ معقَبِ
وأطنابُهُ أشطانُ جُردٍ كأنَّهاصدورُ القنا من بادئٍ ومعصَّبِ
يُكفُّ على قومٍ تُدرُّ رماحُهمعروقَ الأعادي من غريرِ وأشيبِ
وفينا ترَى الطُّولَى وكلَّ سَمَيدَعٍمدرَّبِ حربٍ وابنِ كلِّ مدرَّبِ
طويل نجادِ السَّيف لم يرضَ خُطَّةًمن الخسْف خوَّاضٍ إلى الحربِ محْرَبِ
وفينا رباطُ الخيل كلُّ مطهَّمٍرَجيلٍ كسِرْحان الغضا المتأوِّبِ
وكُمتاً مدمَّاةً كأنَّ متونَهاجرَى فوقَها واستشعرتْ لونَ مُذهبِ
وهَصْنَ الحصَى حتَّى كأنَّ فُضاضَهُذُرَى بردٍ من وابلٍ متحلِّبِ
يُبادرنَ بالفَرسان كلَّ ثنيَّةٍجُنوحاً كفرَّاط القطا المتشرِّبِ
إذا انقلبتْ أدَّتْ وجوهاً كريمةًمحبَّبةً أدَّينَ كلَّ محبَّبِ
خَدَتْ حولَ أطناب البيوتِ وسوَّفتْمَراداً إن تقرعْ عصا الحربِ تركَبِ
وللخيلِ أيَّام فمن يصطبرْ لهاويعرفْ لها أيَّامها الخيرَ يُعقبِ
هذا البيت مأخوذ من قول امرئ القيس:
والخيرُ ما طلعتْ شمسٌ وما غربتْمعلَّقٌ بنواصِي الخيل معصوبُ
وقول النَّبيّ ﷺ أصحّ الأقاويل يُشبه هذه الأبيات وهو: " الخيرُ ما طلعتِ الشَّمسُ وما غربتْ معلَّق بنواصي الخيل ".
ومن أجود أشعار الجاهلية، بل هي مقدّمة في قصائدهم، قصيدة سويد بن أبي كاهل وهي:
بسطتْ رابعةُ الحبلَ لنافوصلْنا الحبلَ منها ما انقطعْ
حرَّةٌ تجلو شَتيتاً واضحاًكشعاعِ البرقِ في الغيمِ سطعْ
صقلتهُ بقضيبٍ ناعمٍمن أراكٍ طيِّب حتَّى نصعْ
تمنحُ المرآةَ لوناً واضحاًمثلَ قرنِ الشَّمسِ في الصَّحوِ ارتفعْ
وأبيتُ اللَّيلَ ما أرقدهُوبعينيَّ إذا نجمٌ طلعْ
فإذا ما قلتُ ليلٌ قدْ مضَىعطفَ الأوَّلُ منهُ فرجعْ
رُبَّ مَن أنضجتُ غيظاً قلبهُقد تمنَّى ليَ موتاً لم يُطعْ
ويراني كالشَّجا في حلقهِعسِراً مخرجُهُ ما ينتزَعْ
مُزبدٌ يخطرُ ما لم يرَنيفإذا أسمعتُهُ صوتي انقمَعْ
قد كفاني اللهُ ما في نفسهِومتى ما يكْفِ شيئاً لم يُضعْ
لم يضرْني غير أن يحسدَنيفهوَ يزقُو مثلَ ما يَزقو الضِّوَعْ
ويحيِّني إذا لاقيتُهُوإذا يخلُو به لحمي رتَعْ
ساءَ ما ظنُّوا وقد أبليتُهمعند غايات المَدَى كيف أقَعْ
كيف يرجون سِقاطي بعدماجُلِّلَ الرَّأسُ بشيبٍ وصلَعْ
أنفضُ الغيبَ برجمٍ صائبٍليس بالطَّيشِ ولا بالمرتجَعْ
فارعُ الصَّوت فما يجهدُنيثَلِبٌ عَودٌ ولا شَخْتٌ ضرَعْ
هل سويدٌ غيرُ ليثٍ خادرٍأجدبتْ أرضٌ عليه فانتجَعْ
كم مُسرٍّ ليَ حِقداً قلبُهُفإذا قابلهُ شخصي ركَعْ
ورِثَ البغضةَ عن آبائهحافظُ العقل لِما كانَ استمَعْ
فسعَى مَسعاتهم في قومِهمثمَّ لم يظفرْ ولا عجزاً ودَعْ
زرعَ الدَّاءَ ولم يدركْ بهتِرةً فاتتْ ولا وهياً رقَعْ
مُقعياً يَرمي صفاةً ولم تُرمْفي ذُرَى عَيطاءَ ليست تُطَّلَعْ
غلبتْ عاداً وردَّتْ قيصراًوأبتْ هضبتُها أنْ تُقتلَعْ
لا يراها النَّاسُ إلاَّ فوقَهمفهيَ تأتي كيفَ شاءتْ وتدَعْ
فهوَ يرمِيها ولا يبلُغُهاوَرَهَ الأحمقِ يرضَى ما صنَعْ
كَمِهَتْ عيناهُ حتَّى ابيضَّتَافهوَ يلحَى نفسَه لما نزَعْ
إذ رأَى أنْ لم يضرْها جهدُهُورأَى خلقاءَ ما فيها طمَعْ
وعدوٍّ جاهلٍ ناضلتُهُفي تراخِي الدَّارِ عنكم والجُمَعْ
فتَساقيْنا بمُرٍّ مَقِرٍفي مقامٍ ليس يثنيهِ الفزَعْ
وارْتَمينا والأعادي حُضَّرٌبنبالٍ ذاتِ سمٍّ قد نقَعْ
بنبالٍ كلُّها مَذروبةٌلم يطقْ صنعتَها إلاَّ صنَعْ
خرجتْ عن بِغضةٍ بيِّنةٍفي شبابِ الدَّهرِ والدَّهرُ جَذَعْ
فتحارَضْنا وقالوا إنَّماتنصُرُ الألسنُ من كانَ ضَرَعْ
ثمَّ ولَّى وهْوَ لا يحمي اسْتَهُطائرُ الإترافِ عنه قد وقَعْ
ساجدَ المنخِر لا يرفعُهُخاشِع الطَّرفِ أصمَّ المُستمَعْ
فرَّ منِّي هارباً شيطانُهُحين لا يُعطي ولا شيئاً منَعْ
ورأَى منى مقاماً ثابتاًصادق الحملة كتام الجزع
ولساناً صَيرفيّاً صارماًكالحُسام العَضْب ما مسَّ قطَعْ
فكفاني اللهُ ما في نفسهِومتَى ما يكفِ شيئاً لم يُضَعْ
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع