من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الثاني (٦)
هذا معنى ظريف غريب يقول: إنَّه وإن كانَ بخيلاً فهو طلق الوجه حسن البِشر فقاصده ينصرف شاكراً له وإن لم ينلْ منه شيئاً سوى طلاقة وجهه، وما أشبهه بقول الآخر:
أتيتُ ابنَ وهْبٍ أبتغِي فضلَ عُرفهِوما زالَ حلوَ المنعِ حلوَ المذاهبِ
فأصفَحَني عن حاجتي بطلاقةٍسلوتُ بها عن مُنفساتِ الرَّغائبِ
مثله لأبي هِفَّان:
أوسعتُ عَمراً ثنائي حين أوسعَنيبِرَّ اللِّسان ووشكَ الصَّرفِ إذ صرَفا
حسبتُ باقيَ زادِي من مَواهبهِوقمتُ أعقدُ حبلَ الرَّحلِ منصرِفا
فأُبتُ منه إلى أهلِي وبي رَمَقٌلا مَطلَ عانيتُ منه لا ولا خُلُفا
ما نعرف من نظائر هذا المعنى غير ما ذكرنا ههنا.
المجنون:
قالتْ لجارتها يوماً تُسائلُهالمَّا استحمَّتْ وألقتْ عندها السَّلَبا
نَشدتُكِ اللهَ لمَّا قلتِ صادقةًأصادقٌ صفةُ المجنون أم كذَبا
وإلى هذا المعنى نظر عُمر بن أبي ربيعة بقوله:
ولقدْ قالتْ لأترابٍ لهاوتعرَّتْ ذاتَ يومٍ تبتَرِدْ
أكما ينعتُنِي تنظُرْنَنيعمْرَكنَّ اللهَ أمْ لا يقتصِدْ
فتضاحكنَ وقد قُلنَ لهاحسَنٌ في كلِّ عَين مَن تَوَدّْ
أمَّا قوله: " فتضاحكن " البيت، فهو مثل قول الآخر:
فعين الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌولكنَّ عينَ السُّخط تُبدِي المَساوِيا
إلاَّ أنَّ هذا جمع معنيين وهما الرِّضا والسُّخط.
ابن أُذينة اللَّيثيّ: (*)
وقد قالتْ لأترابٍلها زُهرٍ تلاقَينا
تعالَين فقد طابَلنا اللَّيلُ تعالَينا
وغابَ البَرَمُ اللَّيلَةَ والعينُ فلا عَينا
فأقبلنَ إليها مُثقَلاتٍ يَتهادَينا
إلى مثلِ مَهاة الرَّمْلِ تكسو المجلسَ الزَّينا
تمنَّين هواهُنَّفكنَّا ما تمنَّينا
فبَينا ذاك سلَّمتُفرَحَّبنَ وفدَّينا
مثل معنى هذه الأبيات قول ابن ميَّادة، ولا ندري أيَّهما أخذ من الآخر:
وكواعبٍ قد قلنَ يومَ إقامةٍقولَ المُجدِّ وهنَّ كالمُزَّاحِ
يا ليتنا من غير أمرٍ مُنكرٍطلعتْ علينا العِيس بالرَّمّاحِ
بَينا كذاك رأينَنِي مُتعصِّباًبالبُرد فوق جُلالةٍ سِرداحِ
فيهنَّ صفراءُ التَّرائب طَفلةٌبيضاءُ مثلُ غَريضة التُّفّاحِ
رَيَّشن حين أردْن أنْ يقتُلْنَنانَبْلاً مقذَّذةً بغير قِداحِ
ونظرنَ من خَلَل السُّتور بأعيُنٍمرضَى مُخالطُها السّقامُ صِحاحِ
أخذ هذا المعنى العبَّاس بن الأحنف فقال:
ما على العَين لي ولا أمْلكُ دمعيَ ذكرَ فوزٍ لرازِي
برزتْ في خرائدٍ خَفِراتٍمُثقلاتِ الصُّدور والأعجازِ
يتلذَّذنَ بالحديثِ على ظَهْرِ كثيبٍ قد حُفَّ بالأقوازِ
بَيْن ظَهر العَقيق والحوص ليلاًونجومُ السَّماءِ ذاتُ انحيازِ
فتملَّين إذ خلوْن وأكثرْنَ وأوجَزن أيَّما إيجازِ
فتمنَّعتْ لِقايَ فَوزٌ ودُونيفلواتٌ تَحارُ فيها الجَوازِي
نقص العبَّاس في أبياته هذه من المعنى لأنَّه لم يذكر أنَّ فوزاً لمَّا تمنَّته جاءها كما ذكر ذلك غيره، وقد أخذه ابن المعتز فأتى به في نهاية الجودة بقوله:
قالتْ لأترابٍ خلَون معاًوبكتْ فبلَّلَ دمعُها النَّحْرا
يا ليتهُ في مجلسٍ مَعنانَشكو إليه النَّأيَ والهَجْرا
قالت ألا تنظُرَنْ قال بلَىصدقَتْ مُناكِ ولُقِّيتُ يُسْرا
ونهَضْنَ يُحلِينَ الحديثَ لناكيلا يكُنَّ على الهوَى وَفْرا
يا ليلةً يُنحَى الحَسودُ بهالا زِلتُ أشكُرُ بعدكِ الدَّهْرا
خشور بن قبيصة العامليّ:
نظرتُ حيالَ الشَّمس من مشرق الضُّحىوأوفيتُ من لبنانَ رُكناً عَطَوَّدا
إلى ظُعُنٍ للمالكيَّة غُدوةًفيا لك مِن مرأًى أشاقَ وأبْعَدا
بعينَينِ لم يَستأنِسا فيضَ عَبرةٍولم تَرِدا جَوَّ العراق فترْمَدا
إلى البيت الأخير نظر العبَّاس بن الأحنف في قوله:
بكتْ غيرَ آنِسةٍ بالبُكاءِترَى الدَّمعَ في مُقلَتَيها غَريبا
مثله قول ابن المعتز:
وتُديرُ فاترَتَين من ألْحاظهالم تَعرِفا غيثَ الدُّموع فتَمْرَها
قُحافة بن منظور العَمِّيّ:
لعمرك إنِّي يوم سَلْعٍ للائمٌلنفسِي ولكنْ ما يرُدُّ التَّلوّمُ
أأمكنتُ من نفسي عدُوِّي ضَلَّةًألهفي على ما فات لو كنتُ أعلمُ
لعمري لقد كانت فِجاجٌ عريضةٌوليلٌ سُخاميّ الجَناحَين أدهمُ
ولو شئتُ إذ بالأمر يسرٌ لقلَّصتْبرَحْلي فَتلاءُ الذِّراعينِ عيهَمُ
عليها دليلٌ بالفَلاة نهارَهُوباللَّيل لا يُخطِي لها القصدَ مَنسِمُ
مُزوِّد أخو الشَّمَّاخ:
أعددتُ بيضاءَ للحروبِ ومَصقولَ الغِرارَين يفصِمُ الحَلَقا
وفارجاً نبعةً وملءَ جَفِيرٍ من نصالٍ تخالُها وَرَقا
وأرْيَحِيّاً عضْباً وذا خُصَلٍمُخلولقَ المتْن سابحاً تَئِقا
يَملأُ عينيك في الفِناء ويُرضيكَ وَقاراً إنْ شئتَ أو نَزَفا
سنان بن بهدلة اللَّيثي:
ومولَى خاشعٍ تحت العَواليخَضِيبَ النَّحرِ أسلمَهُ القريبُ
جعلتُ لِنحره نحرِي مجنّاًوقد بلغتْ حناجِرَها القلوبُ
مثله لمزاحم العُكليّ:
ومُستلحَمٍ بين الأسنَّة قد رأَىحِياضَ المنايا والرِّماحُ شوارعُ
عَطفتُ عليه والسُّيوفُ كأنَّهاخلالَ القَنا قرنٌ من الشَّمس طالعُ
مسكين الدَّارميّ:
ذَريني أُمَّ مسكين ذرينيفإنَّ الحقَّ يُودِي بالبعيرِ
وناجيةٍ نحرتُ لشَرْب صدقٍولم أعبَأ بتصريف الدُّهورِ
كأنَّ جبينَها كُركيُّ ماءٍقليلُ الرِّيشِ مقتولٌ كَسيرُ
ولا واللهِ رَبّكَ ما أُباليلمن كانَ العشيرُ من الجزورِ
وإذا كانَ القُتارُ أحبّ ريحاًإلى الفتَيات من ريحِ العَبيرِ
ابن الدُّمَينة:
أيا كبِدَينا أجْمِلا قد وَجدتُمابأهلِ الحِمَى ما لم تجدْ كبِدانِ
إذا كبِدانا خافَتا صرفَ نيَّةٍوعاجلَ بينٍ ظلَّتا تجِبانِ
يخبِّرُ طَرفانا بما في قلوبناإذا استَعجمتْ بالمنطقِ الشَّفتانِ
أحسنُ ما قيل في الخِباء قولُ مُضرِّس الأسدي:
وظلّ كظلّ المَضْرَحِيّ رفعتُهُيطيرُ إذا هبَّتْ له الرِّيحُ طائرُهْ
لبيضِ الوجوهِ أدلجوا كلَّ ليلهمويومهمُ حتَّى استرقَّتْ ظهائرُهْ
فأضحَوا نَشاوَى بالفَلا بينَ أرحُلٍوأقواسُ نبعٍ من خِباءٍ شواجرُهْ
أخَذنا قليلاً من كَرانا فوقعتْعلى ظَهْر رشَّاشٍ غليظٍ حَزاورُهْ
رُقاداً به العجلانُ ذو الهمّ قانعٌومَن كان لا يسرِي به الهمُّ حاقرُهْ
مثله لأبي الهندي:
وفِتيانِ صدقٍ من تميمٍ وجوهُهموإنْ سفعتهنَّ الهواجرُ وضَّحُ
رفعتُ لهم يوماً خباءً ممدَّداًبستَّة أرماحٍ تسَفُّ وتطمحُ
تخفِّضهُ أيديهمُ فكأنَّهظَليمٌ على هاماتهم يترجَّحُ
كأنَّا ربَطنا بالخباء مشهّراًمن الخيلِ مِلواحاً يسيرُ ويرمحُ
مُهلهل بن ربيعة التَّغلبي:
ليسَ مثلِي يخبِّر القومَ عنهمأنَّهم قُتِّلوا وينسَى القِتالا
لم لأرِمْ حومةَ الكتيبة حتَّىحُذيَ المُهرُ من دماءٍ نِعالا
ما نعرف في الاعتذار من الفرار أحسن من هذين البيتين لأنَّه قال: لم أبرح حتَّى قاتلتُ قتالاً شديداً، وقد كنَّا قدَّمنا قبل هذا الموضع أشياء من اعتذارهم وحججهم في ذلك، ونذكر ههنا بعض ما أغفلناه هناك، فمن ذلك قول ابن عنقاء الهُجَيميّ:
أجاعلةٌ أُمُّ الحُصَين خَزايةًعليَّ فِراري أنْ لقيتُ بني عبسِ
فليسَ الفرارُ اليومَ على الفتَىإذا عُرفتْ منه الشَّجاعةُ بالأمسِ
ومثله زُفَر بن الحارث وقد فرَّ يوم مرج راهط في شعر له:
فلم تُبلَ منِّي نبوةٌ قبل هذهفِراري وتركي صاحبيَّ ورائيا
عشيَّة أجرِي بالقَرينِ فلا أرَىمن النَّاسِ إلاَّ مَن عليَّ ولا لِيا
أيذهبُ يومٌ واحدٌ إنْ أسأتُهُبصالحِ أيَّامي وحُسنِ بلائيا
فلا تحسَبوني إنْ تغيَّبتُ غافلاًولا تفرَحوا إن جئتُكم بلقائيا
فقد ينبتُ المرعَى على دِمَن الثَّرَىوتبقَى حَزازاتُ النُّفوس كما هِيا
فهذان الشاعران ذكرا أنَّ فرارهما كان مرّةً واحدةً في الدَّهر، وقد اعتذر غيرهما بغير هذا فقال:
قالت أُمامةُ لم تكنْ لك عادةٌأن تتركَ الأصحابَ حتَّى تُعذرا
لو كانَ قتلٌ يا أُمامَ فراحةٌلكنْ فررتُ مخافةً أنْ أُوسَرا
فهذا ذكر أنَّ فراره لم يكن خوفاً من القتل بل من الأسر، وقد أخذ هذا المعنى بعض المحدثين فقال:
أطال إساري في الصَّبابة هجرُهُوعند الشّجاع الأسرُ شرٌّ من القتلِ
وممَّن ذكر أنَّه يقاتل وهو يرى وجهاً للقتال ويفرُّ إذا لم يرَ لذلك وجهاً عمرو بن معدي كرب بقوله:
ولقد أملأُ رحلَيَّ بهاحذرَ الموت وإنِّي لفَرورُ
ولقد أعطِفُها كارِهةًحين للنَّفسِ من الموتِ هَريرُ
كلّ ما ذلك منِّي خُلُقٌوبكلٍّ أنا في الحربِ جَديرُ
وقريب من هذا قول أبي خراش:
فإنْ تزعُمي أني جبُنتُ فإنَّنيأفرُّ وأرمِي مرَّةً كلّ ذلكِ
أُقاتلُ حتَّى لا أرَى لي مُقاتلاًوأنجُو إذا ما خفتُ بعضَ المهالكِ
وقد ذكر بعضهم وقد عُبِّر بالفرار أنَّه لم يفرَّ حتَّى فرَّ أصحابه، وهو عبد الله بن الحميّر العقيليّ أخو توبة، وكان لقي حرباً ففرَّ فاعترضه بعض أصحابه فقال له: أردِفني، فلم يفعل وقال:
غداةَ يقولُ القَينُ هل أنتَ مُردِفيوما بين ظهر القَين والرُّمح إصبعُ
فقلتُ له يا بنَ المُريبة إنَّهابربٍّ خفيفً واحدٍ هي أسرعُ
فإنْ يكُ عاراً يومَ وجٍّ أتيتُهفِراري فذاك الجيشُ قد فرَّ أجمعُ
وممَّن آثر القتل على الفرار بنو ماويَّة بنت الأحبّ وكانوا سبعة قتلوا بأجمعهم في بعض حروب خثعم، فقالت أُمُّهم ترثيهم:
هوتْ أُمُّهم ماذا بهم يومَ صُرِّعوابجَيْشان من أوتاد مُلكٍ تهدَّما
أبَو أن يفرُّوا والقَنا في نُحورهمولم يرتَقوا من خَشية الموت سُلَّما
ولو أنَّهم فرُّوا لكانوا أعزَّةًولكنْ رأوا صبراً على الموتِ أكرَما
وإلى هذه الأبيات نظر أبو تمَّام في قوله يرثي محمَّد بن حُميد:
وقد كانَ فوتُ الموتِ سهلاً فردَّهإليه الحفاظُ المرُّ والخلقُ الوعرُ
ونفسٌ تعافُ الفقرَ حتَّى كأنَّههو الكفرُ يومَ الرَّوعِ أو دونه الكفرُ
فأثبتَ في مستنقعِ الموت رجْلَهوقال لها من تحتِ أخمَصك الحشرُ
ولمَّا وقعت الهزيمة على مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أميَّة، بموضع من أرض مصر يقال له أبو صير أهاب بالنَّاس ليرجعوا، فلم يلووا عليه، فنضا سيفه وقاتل قتال مستقتلٍ، فقال له المسوِّدة لما رأوا من وافر بأسه وشجاعته: يا هذا، لا تقتل نفسك ولك الأمان، فتمثَّل بأبيات تمثَّل بها الحسين صلوات الله عليه يوم قُتل وقد بُذل له الأمان، وهي:
أذُلُّ الحياة وذُلُّ المماتوكلاًّ أراهُ طعاماً وَبيلا
فإنْ كانَ لا بدَّ إحداهُمافسِيروا إلى المَوت سَيراً جميلا
ومثل هذا ما يُروى لأبي تمَّام - ما نظنُّه له -:
رحِم اللهُ جعفراً فلقد كانَ أبِيّاً شَهماً وعاش كريما
مثَّل الموتَ بين عينيه والذُّلَّ فكُلاًّ رآهُ حظّاً لَئيما
ثمَّ سارتْ به الحميَّةُ قُدْمافأماتَ العِدى ومات كريما
كعب بن الأشقريّ في المغيرة بن المهلَّب:
كم حاسدٍ لك قد عَطلتَ همَّتَهُمُغرًى بشتم صروف الدَّهر والقدرِ
كأنَّما أنت سهمٌ في مَفاصلهإذا رآكَ ثنَى طَرْفاً على عَوَرِ
كم حسرةٍ منك تَرْدِي في جَوانحهلها على القلبِ مثلُ الوخْز بالإبرِ
أنتَ الكريمُ الَّذي لا شيءَ يُشبهُهُلا عيبَ فيك سوَى أنْ قيلَ من بشَرِ
البيت الأخير من هذه الأبيات مدحٌ مخرجه مخرج الذَّمّ وقد ذكره عبد الله بن المعتز في كتاب ألَّفه ولقَّبه بكتاب البديع، وهذا المعنى كثير في الشعر القديم والمحدث، فمن ذلك قول ابن المولى:
ألا بأبينا جعفرٍ وبأُمِّناإذا ما أُسودُ الحرب سارَ لواؤُها
ولا عيبَ فيه غير ما خوفِ قومِهعلى نفسِهِ أن لا يطولَ بقاؤُها
والأصل في هذا المعنى وهو النهاية في الجودة والصحة والإصابة قول النابغة الذبياني:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهمبهنَّ فلولٌ من قِراع الكتائبِ
وقد أخذ السَّموأل بن عاديا لفظ النابغة في هذا البيت ومعناه فقال:
ولا عيبَ فينا غير أنَّ سيوفنابها من قِراع الدَّارِعين فلولُ
ومن هذا المعنى قول جُويَّة بن عطيَّة السَّعدي:
ولا عيبَ فينا غير أنَّه فِصالَناعِجافٌ فقلنا نحن بالبازل البزما
وأنَّا نرَى أنَّ السُّيوفَ لئيمةٌإذا لم نجدْ فيها من أعدائنا الدَّما
هذا مثل بيت النابغة إلاَّ أنَّ بيت النابغة أجود، ومثله قول النابغة الجعديّ:
فتًى تمَّ فيه ما يسرُّ صديقَهُعلى أنَّ فيه ما يسوءُ الأعادِيا
فتًى كمُلتْ أخلاقُه غيرَ أنَّهجوادٌ فما يُبقي من المالِ باقيا
ومثله قول أبي الأسود:
يقولون نصرانيَّةٌ أُمُّ خالدٍفقلتُ ذَروها كلُّ نفسٍ ودِينُها
فإنْ تكُ نصرانيَّةٌ أُمُّ خالدٍفإنَّ لها وجهاً جميلاً يَزينُها
ولا عيبَ فيها غيرَ زُرقةِ عَينهاكذاك عِتاقُ الطَّير زرقٌ عُيونها
ومثله قول نُصيب أو غيره:
سمعتُ بذكر النَّاس هنداً فلو أزلْأخا دَنَفٍ حتَّى نظرتُ إلى هندِ
فأبصرتُ هنداً حرَّةً غير أنَّهاتصدَّى لِقتل المسلمين على عَمْدِ
ومثله قول ابن الرّوميّ:
ولا عيبَ فيها غيرَ أنَّ ضجيعَهاوإن لم تُصبهُ السَّاهريَّةُ يسهرُ
ومثله قول ابن رابعة اليربوعيّ:
ولا عيبَ فينا غير رَدّ نسائكمإليكم ولولا نحن عُدنَ حوامِلا
وأنَّا كشَفْنا العارَ عنكم بوقعةٍأذلَّتْ من الأعداءِ رأساً وكاهِلا
ومثله قول الفضل بن الرَّبيع:
لا عيبَ فيَّ سوَى مُداعبتيعِيناً يَصِدنَ الأُسدَ بالمُقَلِ
ما ضرَّني أن قال ذو حسدٍأتلفتَ مالَ أبيك في الغزلِ
ومثله للشنفرى يذكر فرسه:
ولا عيبَ في اليَحموم غير هُزالهعلى أنَّه يوم الهِياج سَمينُ
وكم مِن عظيم الخَلق عَبْلٍ موثَّقٍحواهُ وفيه بعد ذاكَ جُنونُ
ومثله قول أبي هِفَّان:
عيبُ بني مَخْلَدٍ سَماحُهموأنَّهم يُتلفونَ ما مَلَكوا
وأن فيهم لِمن يلايِنُهملِينٌ وفيهم لغيرهم حَسَكُ
ومثله للقطاميّ:
جزَى اللهُ خيراً والجزاءُ بكفِّهبني دارمٍ عن كلِّ جانٍ وغارمِ
همُ حَمَلوا رَحْلي وأدُّوا أمانتيإليَّ وردُّوا فيَّ ريشَ القوادمِ
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ قُدورَهمعلى المالِ أمثالُ السِّنين الحَواطمِ
وأنَّ مَواريثَ الأولَى يرِثونَهمكنوزُ المعالِي لا كنوزُ الدَّراهمِ
وما ضرَّ منسوباً أبوه وأُمُّهإلى دارمٍ ألاَّ يكونَ لهاشمِ
ومثله قول ابن أبي أميَّة الكاتب:
خلا من العيبِ غير أنْ فترتْمنهُ جفونٌ ومالَ كالغُصُنِ
لا شيء فيه يقول عائبُهُقد تمَّ لو أنَّ ذاك لم يكُنِ
البيت الثاني من هذين البيتين هو من غير هذا المعنى الَّذي نحن فيه، ومثله قول الآخر:
ليس فيها ما يقالُ لهُكمَلَتْ لو أنَّ ذا كمَلا
كلُّ جزءٍ من محاسنهاقائمٌ في حُسنه مثَلا
قد أتينا من هذا المعنى بنظائر كثيرة، وهو يتَّسع لولا أن قد ذهبنا لاختصاره ههنا، ويقرب من هذا المعنى الَّذي ذكرناه ههنا معنًى آخر، وهو ضدُّه، وسبيله أن لا يثبت معه لا للتّقارب بل للتضادّ، وقد أكثرت الشعراء مثله في القديم والمحدث، ولم يذكره ابن المعتز في كتاب البديع على معرفته بالشعر وحُسن نقده، فلا ندري لأيّ حالٍ أغفله، وقد ذكر أنَّه استغرق في كتابه جميع معاني الشعر الَّذي يقال له البديع، وهذا المعنى ذمٌّ مخرجه مخرج المدح، فمن ذلك - وهو الأصل - قول طرفة بن العبد:
ولا خيرَ فيه غيرَ أنَّ له غنًىوأنَّ له كشْحاً إذا قامَ أهْضَما
وأنَّ جوارِي الحيِّ يعكُفْنَ حولَهعُكوفَ النَّصارَى حول عيسى بن مَريَما
ومثله قول النّجاشيّ أو غيره:
قُبيّلة لا يَغدِرون بذمَّةٍولا يظلِمون النَّاسَ حبَّةَ خردَلِ
ولا يَرِدون الماءَ إلاَّ عشيَّةًإذا صدَرَ الورَّادُ عن كلِّ منهلِ
وقد تكلَّمنا على هذين البيتين في موضعهما من الكتاب؛ ومن هذا المعنى قول جوَّاس بن القَعْطل:
رأيتُ أبا القعقاع لا يكرهُ الخَناولكنَّه يسرِي إليه فيُسرعُ
يُحسِّرُ رأساً لا يقنَّعُ للخناولكنَّه للمكرُماتِ يُقنَّعُ
ولا خيرَ فيه غيرَ أنَّ سَوامَهيُعنِّي الَّذي يرجو نَداه ويخدَعُ
ومثله قول الكميت بن معروف:
لا خيرَ في عمرو بن مُرَّة غير ما خَلْقٍ ومنظَرْ
ودراهمٍ كثُرتْ يُشَدُّ على خواتمها وتُطمرْ
وسَوارحٍ مثل الدَّباوصوافِنٍ كالرِّيح ضُمَّرْ
هي نُهْزةٌ للسَّائلينَ وعن حقوق الحيِّ تُحظرْ
والدَّهرُ يهدِمُ ما بنَىويُذلُّ عزَّةَ مَن تجبَّرْ
ومثله قول العُجير:
رأيتكمُ لا تُنكرونَ دنيَّةًولا تَدفعونَ الحقَّ والحقُّ مُقبلُ
فإنْ نالَكم ذُلٌّ بَخَعتم بكلِّ مايَرومُ العدوُّ منكمُ ويؤمِّلُ
ولا خير في أقوالكم غير أنَّهاتَروق العيونَ كثرةً حين تُنقلُ
ومثله قول دِعبل في مالك بن طوق إذ عُزل:
لا خيرَ فيك سوَى كلامٍ طيّبٍومَواعدٍ تُدنِي وفِعلٍ يُبعِدُ
وأُبوَّةٍ في تغلبٍ لو أنَّهاللكلب كانَ الكلبُ فيها يزهدُ
ومثله قول أبي تمَّام في مالك أيضاً ورهطه:
كثرتْ فيهم المواشيُ إلاَّأنَّها من مَناكحٍ ودِياتِ
ومثله لابن الروميّ:
كثرتْ دراهمُ خالدٍلكنَّها من دَخلِ عِرسِهْ
ما شئتَ من خيرٍ يخبِّرُ زائراً عن طِيب نفسِهْ
ومثله لعمارة بن عقيل:
ولا خيرَ فيه غيرَ أنَّ جيادَهُمسوَّمةٌ ليستْ بهنَّ كُلومُ
وأسيافُهُ لم تدرِ ما طعمُ ضربةٍفهنَّ صِحاحٌ ما بهنَّ ثُلومُ
مثله:
أغرَّك أنْ كانت لبطنك عُكنةٌوأنَّك مَكفيٌّ بمكَّةَ طاعمُ
ومثله لأحمد بن يوسف الكاتب:
كنيفُ ديوانك مختومُوأنتَ في دَينك مرْكومُ
أحسنُ ما فيك على أنَّهأقبحُ ما في الأُمَّةِ اللُّومُ
ومثله قول دِعبل في أبي تمَّام:
تشبَّهتَ بالأعراب أهل التَّعجرُفِفدلَّ على فَحواكَ قبحُ التَّكلُّفِ
لسانٌ نُباطيٌّ إذا ما صرفتهُإلى جهة الأعرابِ لم يتصرَّفِ
وشيخُك شيخٌ صالحٌ غيرَ أنَّهمليءٌ بتحبيرِ الرِّداءِ المفوَّفِ
لئن كانَ للأشعار والنَّحو حافظاًلقد كانَ من حفَّاظ سُورة يوسفِ
نسب أباه في هذا البيت إلى الحياكة لأنَّ أكثر الحاكة يحفظون سورة يوسف.
ومن المعنى الَّذي نحن فيه قول الأسلميّ في قومٍ كانوا يقولون أنَّهم من ولد عقيل بن أبي طالب، وكان شكَّ في نسبهم:
يقولونَ طبعُ الطَّالبيِّين مرَّةٌوطبعُكم فيما يقولون بلغمُ
فإنَّهم أومَوا إلى دَفع حقِّكمولا ذنبَ لِي إنَّ الأطبَّاء أعلمُ
وقد أكثر مَخلد بن بكَّار الموصليّ في هذا المعنى، ونحن نذكر بعض ذلك، فمنه قوله:
أنتُ عندِي جَدَلِيٌّليس في ذاكَ كلامُ
عربيٌّ عربيٌّعربيٌّ والسَّلامُ
لك من ميراثِ آبائك قِسِيٌّ وسِهامُ
وضِبابٌ مُخضَباتٌويَرابيعٌ وهامُ
وقذَى عينيك صَمغٌونواصيك ثَغامُ
شَعرُ ساقَيك وفَخْذيْكَ خُزامَى وثُمامُ
قاعدٌ في وسْط سلمَىوحَواليك سِلامُ
أنتَ لو جُلتَ كذى لانْجَفَلتْ منك نَعامُ
أنا ما ذَنبي إذا كذَّبَني فيك الأنامُ
وبدتْ منك سَجايانَبَطِيَّاتٌ لئامُ
وقَفاً يَحلف ما إنْأعرَقَتْ فيك الكرامُ
وله أيضاً مثله من قصيدة:
أُريِّثُ عن عِرضه العالَمينوأرفعُ من ذِكره الخامِلا
ولو أنَّ في الصَّبرِ لِي مُبغِضاًلأمَّمه حافياً راجِلا
فما لي أُقاتلُ فيه الأنامَفأقطَع في حبِّه الواصِلا
أنا قلتُ شهوتُهُ خارِجوقد زَعموا يشتهي داخِلا
وقد زعموا أنَّه حامِلٌومَن رأى ذكَراً حامِلا
وقد قَرَفوا أُمّه بالبَلاءفقلتُ اخْسَئوا قتمُ باطِلا
فقالوا كيف يكون الصَّميمُ ينكِحُ ذا عدَمٍ وائِلا
ولو لم يكنْ ههنا ريبةٌلمَا نكحَ النَّاهقُ الصَّاهِلا
وقد قيل في أُخته ما سمعتَوقد صدَّق الفاعلُ القائِلا
أرادتْ وتِربٌ لها نُزهةًفصادفَتا ثمِلاً جاهِلا
فكان من الأمرِ ما قد علمتَفآبتْ إلى أهلها حامِلا
وله أيضاً في هذا المعنى:
أنت عندي صَليبةٌ كم تصيحُشَعرُ فخذَيك والمفارِقِ شِيحُ
عينُك القاصِعاءُ أنفك دَأماءُ وأُذناك نافِقاءُ فسيحُ
شَعرُ إبْطَيك أبْهُقانٌ وصُدغاكَ شُكاعَى خلاله
قد عَدَدْناك في الذُّرى بعدَ وهمٍفاعْف واصفحْ إنَّ الكريمَ صَفوحُ
قد أتينا من هذين المعنيين بما فيه مقنعٌ وتركنا منهما أضعاف ما ذكرنا.
أنشدنا أبو بكر بن دريد، ﵀، لجَهم بن خلف المازنيّ وزعم أنَّه أجود ما قيل في ذِكر الحمَام:
أبكيتَ أنْ صدحتْ حمامةُ أيكةٍورقاءُ تهتفُ في الأراكِ وتسجَعُ
عجباً لمبكَى عينها وجُمودِهاوللوعةٍ في صدرها ما تقلِعُ
هيَّاجة الأحزان مِطراب الضُّحىتَبكي بشجوٍ دائمٍ وتفجَّعُ
غَرَدتْ بلحنٍ فاستجابَ لصَوتهاوُرقٌ على فَنَن الغُصونِ تفجَّعُ
يُسعدنَ فاقدةً أُنيحَ لفَرخهاسَوذانِقٌ شاكِي المَخالب أسفَعُ
فانقضَّ من جوِّ السَّماء كأنَّهبرقٌ تلألأَ من سحابٍ يلمَعُ
فحَواه بين مخالبٍ مَذْرُوبةٍومضَى كلمحِ البرقِ أو هوَ أسرَعُ
من بعدِ ما طارتْ به من عُشّهاواخْضرَّ منه الطَّوقُ فهْوَ ملمَّعُ
أودَى بواحدها الزَّمانُ وريبُهُإنَّ المنايا بالأحبَّةِ تفجَعُ
أفتِلك أم كُدريَّةٌ بتَنوفةٍغَبراءَ يُصبحُ آلُها يترفَّعُ
باتتْ تلظَّى للورود ودُونهايَهْماءُ طامسةُ المعالم بلقَعُ
فغدتْ لوِرْدٍ قبلَ فُرَّاط القطاتنجُو نجاءً في الرِّياحِ وتمزَعُ
عُلويّةٌ تطوِي الفِجاجَ وتنتَحيبلَبانها في الرِّيحِ حين ترفَّعُ
فبدَا لها حَوْمٌ وقد متَعَ الضُّحىمُتحيِّرٌ يستنُّ فيه الضّفدَعُ
فدنتْ ونادتْ باسمِها ثمَّ ارتوتْمن باردٍ للكُدرِ فيه مشرَعُ
حتَّى إذا نهِلتْ وبلَّتْ نحرَهاوتحاملَتْ عادتْ إليه تكرَعُ
فبدتْ لها من حَمأةٍ مَسنونةٍحَدَمٌ ومن طِين الشَّرائع ترفَعُ
ناطتْ إداوتَها إلى حَيزومهاوتروَّحتْ عجلَى النّجاء تسرَّعُ
لمُزَغَّبٍ ألِفَتهُ بين تنائففيها لكُدْريّ القطا مستودَعُ
فتناوبتْهُ على المساءِ فصوَّبتْما أُرْبِغَتْ طوراً تفوق وترقَعُ
فسقتْهُ أنفاساً فأدنَى جِيدَهُمن جِيدها وفؤادُهُ لا ينقَعُ
أما وصف الحمام من الشعراء المتقدمين والمحدثين فكثيرٌ جداً إلاَّ أنَّ هذا المعنى الَّذي ذكرناه قليلٌ فيه، ونحن نختار منه شيئاً، فمن ذلك قول ابن الطَّثْريَّة:
تذكَّرتُ ليلَى أنْ تغنَّتْ حَمامةٌوأنَّى بليلَى والفؤادُ قريحُ
يمانيَّةٌ أمستْ بنجرانَ دارُهاوأنتَ عراقيٌّ هواكَ نَزوحُ
ومن دون ليلَى سبسبٌ مُتماحلٌيُجيبُ صداهُ البومَ حين يَصيحُ
يظلُّ به سربُ القطا متحيِّراًإذا ماجَ بحرُ الآلِ وهْوَ يلوحُ
تَجوب من البيداءِ كَدراءُ جَونةٌسماويَّةٌ عجلَى النّجاء طَموحُ
تُبادرُ جَوناً تَنسج الرِّيحُ مَتنهُله حَبَبٌ في جانبَيه يَسيحُ
عليه دِفاقٌ في الغُدَيَّات واردٌولآخرَ في بَرد العشِيِّ يروحُ
فعبَّتْ وعبَّ السِّربُ حتَّى إذا ارتوتْذكرنَ فِراخاً دونهنَّ طَروحُ
ملأنَ أداوَى لم يشِنْهنَّ خارِزٌبسَيْرٍ ولا يُلفَى بهنَّ جروحُ
فطِرن يُبادرنَ الضِّياءَ تقدَّمتْعليهنَّ مِغلاةُ النّجاء طَموحُ
إلى ابنٌ ثلاثٍ بالفلاة كأنَّمابجَنْبَيه من لَفْح السّموم جُروحُ
فظلَّتْ تُسقِّيه نِطافَ إداوَةٍله غَبْقةٌ من فضلها وصَبوحُ
ومن هذا المعنى قول أبي صفوان الأسديّ:
وقد شاقَني نوحُ قُمريَّةٍهتوفِ الغَداةِ طَروب العِشا
من الوُرق نوَّاحةٍ باكرتْعَسيبَ أشاءٍ بذات الغضَى
فغنَّتْ عليه بلحنٍ لهايَهيجُ على الصِّبّ ما قد مضَى
فلم أرَ باكيةً مثلَهاتبكِّي ودَمعتُها لا تُرَى
أضلَّتْ فُرَيخاً فطافتْ بهوقد عَلِقتهُ حبالُ الرَّدَى
فلمَّا بدَا اليأسُ منها بكتْعليه وماذا يرُدُّ البُكا
وقد صادَهُ ضَرِمٌ مُلحَمٌخفوقُ الجَناح حثيثُ النَّجا
حديدُ المخالبِ عارِي الوظيفِ ضارٍ من الزُّرقِ فيه قَنا
فباتَ عَذوباً على مَرقَببشاهقةٍ صَعبةِ المُرتقَى
فلمَّا أضاءَ له صُبحُهُونكَّبَ عن منكبيهِ النَّدَى
وحتَّ بمَخطمه جامداًعلى خَطْمِه من دماءِ القَطا
تصعَّدَ في الجوِّ ثمَّ اسْتَدارَ طار حَثيثاً إذا ما انْصَمَى
فآنسَ سربَ قَطا قاربٍجبَى منهلٍ لم تَمِحْهُ الدَّلا
غدونَ بأسقيَةٍ يَرتوينَلزُغبٍ مُطرَّحةٍ بالفَلا
يُبادرنَ وِرداً فما يَرعوينعلى ما تخلَّفَ أو ما وَنَى
تذكَّرنَ ذا عَرْمَضٍ طامياًيجولُ على حافتَيه الغُثا
به رفقةٌ من قطاً واردٍوأُخرى صوادرُ عنه رِوَا
فملأنَ أسقيةً لم تُشدّبخرزٍ وقد شُدَّ منها العُرا
فأقعصَ منهنَّ كُدريَّةًومزَّقَ حَيزومها والحشَى
فطارَ وغادرَ أشلاءهاتطيرُ الجنوبُ بها والصَّبا
يَخَلْن حفيفَ جَناحيه إذتدلَّى من الجوِّ برقاً بدَا
فولَّين مجتهداتِ النَّجاجَوافِل في طامسات الصُّوَى
ومن جيّد ما ذُكر به الحَمام، وإن لم يكن فيه ذكر القطا، قول حميد ابن ثور:
وما هاجَ هذا الشَّوقَ إلاَّ حمامةٌدعتْ بقلوبٍ في حمَامٍ ترنُّما
من الوُرق حمَّاءُ العِلاطَين باكرتْعَسيبَ أشاءٍ مطلعَ الشَّمس أسحَمَا
إذا زعْزعتْهُ الرِّيح أو لعبتْ بهأرنَّت عليه مائلاً أو مُقوَّما
تُنادي حمامَ الجَلْهَتَيْنِ وترعَوِيإلى ابنِ ثلاثٍ بين عُودين أقْتَما
مُطوَّق طوقٍ لم يكنْ عن جَعِيلةٍولا ضربِ صَوَّاغ بكفَّيه دِرهما
بنَتْ بيتَهُ الخرقاءُ وهْيَ رفيقةٌله بين أعوادٍ بعَلياءَ سُلَّما
كأنَّ على أشداقهِ نَوْرَ حنوةٍإذا هو مدَّ الجِيدَ منهُ ليطْعَما
فلمَّا اكْتَسَى الرِّيشَ السُّخامَ ولم تجدْلها معه في ساحةِ العُشِّ مجثمَا
أُتيحَ لها صقرٌ مُنيفٌ فلم يدعْلها ولداً إلاَّ رِماماً وأعظُما
فأوْفتْ على غصنٍ ضُحَيّاً فلم تدعْلباكيةٍ في شجوِها مُتلوَّما
عجبتُ لها أنَّى يكونُ غِناؤهافصيحاً ولم تفتحْ بمنطقِها فَما
ولمْ أرَ محزوناً له مثلُ شجوِهاولا عَرَبيّاً شاقهُ صوتُ أعجَمَا
أما قوله: " مطوّق طوق " البيت، فمثل قول مجاشع الجرميّ:
صدوحُ الضُّحَى معروفةُ اللَّحن لم تزلْتقودُ الهوَى من شَجوها ويقودُها
جزوعٌ جمودُ العَين دائمة البُكاوكيف بُكا ذي عبرةٍ وجمودُها
مطوَّقةٌ لم يضربِ القَينُ فِضَّةًعليها ولم يعطلْ من الطَّوق جِيدُها
وأما قوله: " كأنَّ على أشداقه " البيت فقد تقدَّمت نظائره، ومن هذا المعنى في ذكر الحمام وليس فيه ذكر الصَّقر بل ذِكر رامٍ رمَى فأصاب، قول محمد بن يزيد الحِصنيّ:
أشاقكَ برقٌ أم شجَتْك حمامةٌلها فوقَ أغصان الأراكِ نَئيمُ
أضافَ إليها الهمّ فقدانُ آلفٍوليلٌ يسدُّ الخافقَين بَهيمُ
أنافتْ على ساقٍ بليلٍ فرجَّعتْوللوجدِ منها مُقعدٌ ومُقيمُ
تَميدُ إذا ما الغصنُ مادتْ مُتونهُكما مادَ من ريِّ المُدام نديمُ
فباتتْ تُناديه وأنَّى يُجيبُهامَنوطٌ بأطراف الجناحِ سَهيمُ
رَماه فأصْماهُ فطارتْ ولم يطرْفظلَّ لها ظلٌّ عليه يحومُ
قرينةُ إلفٍ لم تفارقهُ عن قلًىغداةَ غدَا يومٌ عليه مشومُ
وراحتْ بهمٍّ لو تضمَّنَ مثلهُحشَى آدميٍّ راحَ وهْوَ رميمُ
فللبرقِ إيماضٌ وللدَّمعِ واكفٌوللرِّيحِ من نحو العراقِ نسيمُ
وللطَّائرِ المحزون نغمٌ كأنَّهاعلى كبدِ الصِّبّ المُحبِّ كلومُ
غناءٌ يروعُ المُنصتينَ وتارةًبكاءٌ كما يبكِي الحميمَ حميمُ
فطوراً أشيمُ البرقَ أين مصابُهوطوراً إلى إعوالِ تلك أهيمُ
ومن دونِ ذا يشتاقُ من كانَ ذا هَوىويعزُبُ عنه الحلمُ وهْوَ حليمُ
عِكرمة بن مُخاشن البلويّ:
دعتْ فوقَ ساقٍ دعوةً لو تناولتْبها الصّمَّ من أعلى أبانٍ تحدَّرا
تُبكِّي بعينٍ تجري دموعُهاولكنَّها تُجري الدُّموع تذكُّرا
مُحلاّةُ طوقٍ ليس يُخشَى انْفِصامهُوصدرٌ كمقطوفِ البنفسج أخْضَرا
تنازعُها ألوانُ شقرٍ صقالُهاترَى لتَلالي الشَّمس فيها تحيُّرا
فما نعرف في هذا المعنى أحسن منه ولا أصحّ تشبيهاً لمن تأمَّله ووقف عليه، وما نعرف له نظيراً فنورده، لقد تأتَّى لهذا الأعرابيّ تشبيهٌ حسنٌ صحيحٌ.
وأمَّا قوله: " تنازعها ألوان شُقر " البيت، فإليه نظر البحتري بقوله:
إذا قابلَتْه الشَّمسُ ردَّ ضياءهَاعليها صقالُ الأقحُوان المنوِّرِ
وأمَّا قوله: " تبكِّي بعين " البيت، فقد أخذه ديك الجنّ فقال:
حمائمُ وُرقٌ في حمَى وَرَقٍ خُضرلها مقلٌ تُجري الدُّموعَ ولا تجرِي
تكلَّفنَ إسعادَ الغريبة إذ بكتْوإنْ كنَّ لا يدرينَ كيف جوَى الصَّدرِ
لها حُرَقٌ لو أنَّ خنساءَ أعولَتْبهنَّ لأدَّتْ حقَّ صخرٍ إلى صخرِ
فقلتُ لنفسي ههنا طلبُ الأسَىومَعدنُه إذ فاتني طلبُ الصِّبرِ
طلَبنا ولو أُعطَى المنَى لصحبتُهاحَماماً ولو تُعطَى المُنَى لروتْ شِعري
ومن مليح ما قيل في هذا المعنى قول ابن المعتز:
وبكيتُ من حُزنٍ لنوحِ حمامةٍدعتِ الهديلَ فظلَّ غيرَ مُجيبها
ناحتْ ونُحنا غير أنَّ بكاءَنابعيوننا وبكاؤها بقلوبِها
نذكر ههنا قطعةً نختارها من مراثي العرب إذ كانت مراثيهم تصدر عن قلوبٍ قرحةٍ فتجود لذلك ألفاظها وتحسن معانيها، فمن ذلك قول الشَّمردل يرثي أخاه:
أَلوف لأضياف الشِّتاء كأنَّمايراهُ الحَيا أيتامُهُ وأراملُهْ
رخيصُ نضيجِ اللَّحمِ مُغْلٍ بِنيِّهِإذا بردتْ عند الشِّتاءِ أناملُهْ
إذا ما أتَى يومٌ من الدَّهر بيننافحيَّاك عنِّي شرقُهُ وأصائلُهْ
وكلُّ سَنا صبحٍ أضاءَ ومغربٍمن الشَّمس وافَى جُنحَ ليلٍ أوائلُهْ
أبَى الصَّبرَ أنَّ العينَ بعدك لم تزلْيخالطُ جفنَيها قذًى لا يزايلُهْ
وكنتُ أُعيرُ الدَّمعَ قبلك من بكَىفأنتَ على مَن ماتَ بعدك شاغلُهْ
يذكِّرني هيفُ الجنوبِ ومُنتهَىنسيم الصَّبا رمْساً عليه جنادلُهْ
وهاتفةٌ فوقَ الغصونِ تفجَّعتْلِفقدِ حمامٍ أفردتهُ حبائلُهْ
وسَورةُ أيدي القوم إذ حُلَّتِ الحُبَىحُبَى الشِّيب واستَغْوَى أخا الحِلم جاهلُهْ
فعينيَّ إذ أبْكاكما الدَّهرُ فابْكِيالمنْ نصرُهُ قد بانَ منَّا ونائلُهْ
إذا استعبرتْ عُوذُ النِّساء وشمَّرتْمآزرَ يومٍ لا تُوارَى خلاخلُهْ
وثِقْنَ به عند الحفيظة فارْعَوَىإلى صوتهِ جاراتهُ وحلائلُهْ
وكنتُ به أغشَى القتالَ فعزَّنيعليه من المقدارِ ما لا أُقاتلُهْ
الأبَيرد اليربوعيّ يرثي أخاه:
فإنْ تكنِ الأيَّامُ فرَّقنَ بيننافقد عذرتْنا في صَحابتنا العذرُ
وكنتُ أرَى هجراً فراقك ساعةًألا لا بلِ الموتُ التَّفرُّقُ والهجرُ
فتًى إنْ هو استغنَى تخرَّقَ في النَّدَىوإنْ فاتَ مالٌ لم يضعْ متنهُ الفقرُ
فتًى يشتَري حسنَ الثَّناء بمالهإذا السَّنةُ الشَّهباء قلَّ بها القطرُ
ويعلمُ أنَّ الدَّائراتِ دوائرٌعلى المرءِ حتَّى يدركَ العسرةَ اليسرُ
إلى الله أشكُو في بُرَيدٍ مُصيبتيوبثِّي وأحزاني يضيقُ بها الصَّدرُ
وقد كنتُ أستعفِي الإلهَ إذا اشتكَىمن الأجْرِ لي فيهِ وإنْ سرَّني الأجرُ
فتَى الحيِّ والأضيافِ إن روَّحَتهمُبَلِيلٌ وزادُ السَّفْرِ إنْ أرملَ السَّفْرُ
سلكتْ سبيلَ العالمين فما لهُموراءَ الَّذي لاقيتَ مَعدًى ولا قصرُ
وأبليتَ خيراً في الحياةِ وإنَّماثوابكَ عندي اليومَ أن ينطقَ الشَّعرُ
أمَّا قوله: " فتى يشتري حسن الثَّناء " والبيت بعده فقد أخذ صدرَيهما لفظاً أبو نواس فجعلهما بيتاً واحداً وهو قوله:
فتًى يشتري حسنَ الثَّناء بمالهويعلمُ أنَّ الدَّئراتِ تدورُ
لبيد بن ربيعة العامريّ يرثي أخاه أرْبَد:
ما إنْ تُعرِّى المنونُ من أحدٍمن والدٍ مُشفقٍ ومن ولدِ
أخشَى على أربدَ الحتوفَ ولاأفرَقُ نَوءَ السِّماك والأسَدِ
فجَّعَني الرَّعدُ والصَّواعق بالفارسِ يومَ الكريهةِ النَّجُدِ
الحاربِ الجابرِ الحريبِ إذاجاءَ نكيباً وإنْ تعُدْ يعُدِ
لا تبلغُ العينُ كلَّ نهمتهاليلةَ تُمسي الجيادُ كالقِدَدِ
كلُّ بني حرَّةٍ مصيرهمُقُلٌّ وإنْ أكثرتْ من العددِ
يا عينُ هلاَّ بكيتِ أربدَ إذقُمنا وقامَ الخصومُ في كبَدِ
إنْ يشغَبوا لا يبالِ شغبهمُأو يقصدوا في الخِصام يقتصِدِ
النمِر بن تولب يرثي إخوته:
بينَ البَديّ وبين برقة ضاحكٍغوثُ اللهيف وفارسٌ مقدامُ
ومقابرٌ بين الرُّسيس وعاقلٍدرستْ وفيها مُنجبونَ كرامُ
جزعاً جزِعتُ عليهمُ فدعوتُهملو يسمعونَ وكيف يُدعَى الهامُ
لا تبعدُوا وغدَا السَّلامُ عليكمُوسرَى فقد يتفرَّقُ الأقوامُ
فأبِيت مسروراً برؤيةِ من أرَىفإذا انتبهتُ إذا هيَ الأحلامُ
الفرزدق في ابنَين له ماتا:
وكم متمنٍّ أنْ أموتَ وقد بَنَتْحَياتي له شمّاً عظاماً قبابُها
فلا تحسَبا أني تضعضعَ جانِبيولا أنَّ نارَ الحربِ يخبُو شهابُها
بقِيتُ وأبقتْ من قَناتي مَصابَتيعَشَوزَنةً زَوراءَ صمّاً كعابُها
على حدثٍ لو أنَّ سلمَى أصابَهابمثل بَنِيِّ ارْفضَّ منها هضابُها
فما زلتُ أرمِي الحربَ حتَّى تركتُهاكسيرَ الجناحِ ما يَدِفُّ عُقابُها
إذا ما امْتراها الحالبونَ عصبتُهاعلى القسرِ حتَّى ما يدِرُّ عِصابُها
وأقْعتْ على الأذنابِ كلُّ قبيلةٍعلى مضضٍ منِّي وذلَّتْ رقابُها
أخٌ لكما إنْ عضَّ بالحربِ أصبحتْذَلولاً وإنْ عضَّتْ به فُلَّ نابُها
كثيِّر يرثي عبد العزيز بن مروان:
تقولُ ابنة البكريّ يوم لقيتُهالعمرك والدُّنيا متينٌ غرورُها
لأصبحتَ هدَّتك الحوادثُ هَدَّةًنعمْ فشَواهُ الرَّأس بادٍ قتيرُها
فأنساكَ سلمَى والشَّبابَ الَّذي مضَىوفاةُ ابنِ ليلَى إذ أتاكَ خبيرُها
فإنْ تكُ أيَّام ابنِ ليلَى سبقْنَنيوطالتْ سِنِيَّ بعدهُ وشهورُها
فإنِّي لآتٍ قبرهُ فمسلِّمٌوإنْ لم تكلّمْ حفرةٌ مَن يزورُها
ترَى القومَ يُخفون التَّبسُّمَ عندهُويُنْذرهم عُورَ الكلام نَذورُها
ليلَى الأخيليَّة في تَوبة:
أعَيني ألا أبكِي توبةَ بن الحُمَيِّربدمعٍ كسَحِّ الجدولِ المتفجِّرِ
لتبكِ عليه من خَفاجةَ نسوةٌبماءِ شؤون العَبرة المتحدِّرِ
سمعنَ بِهَيْجا أرهقتْ فذكرنَهولا يبعثُ الأحزانَ مثلُ التّذكُّرِ
كأنَّ فتَى الفِتيان توبةَ لم يُنخْبنجدٍ ولم يهبطْ مع المتغوِّرِ
ولم يردِ الماءَ السِّدامَ إذا بدَاسَنا الصُّبح في بادِي الحواشي المنوِّرِ
قتلتمْ فتًى لم يُسقطِ الرُّعبُ رمحهُإذا الخيلُ جالتْ في قناً متكسِّرِ
وبيداءَ مِمْحال يحارُ بها القطاقطعتَ على هَول الجَنان بمنسِرِ
فلمَّا بدتْ أرض العدوِّ سقيتَهامُجاجَ بَقيّات المَزاد الموفَّرِ
ولمَّا أهابوا للنِّهاب حويتَهُبِخاظي البضيع مُلهب الشَّدِّ مِحضَرِ
فأحرزتَ منهُ ما أردتَ بقدرةٍوسطوةِ جبَّارٍ وإقدامِ قَسوَرِ
ألا رُبَّ مكروبٍ أجبتَ ونائلٍفعلتَ ومعروفٍ لديكَ ومُنكرِ
فيا توبَ للمولَى ويا توبَ للنَّدَىويا توبَ للمستنبحِ المتنوِّرِ
أمَّا قولها: " ولمَّا أهابوا " البيتين، فما نعلم أنَّ أحداً من الشعراء مدح إنساناً بأنه يحوي السَّلَب ويُقدم عليه هذا الإقدام، الَّذي ذكرت ليلَى، غير هائلٍ، بل رأيناهم يمدحون الفارس بأنه يشهد الحرب ويُجيد القتال، فإذا بلغ حاجته من قهر عدوّه ترك السَّلب تنزُّهاً عن ذلك وظلف نفسٍ أن يأخذ شيئاً من أسلاب أعدائه بعد قتلهم وهزيمتهم إذ كان غرضه ذلك لا غيره، وقد ذكرنا قطعةً من أشعارهم في ذلك قبل هذا الموضع.
وقالت ليلَى ترثي توبة أيضاً:
أقسمتُ أبكي بعد توبةَ هالكاًوأحفِلُ مَن دارتْ عليه الدَّوائِرُ
لعمرُك ما بالموتِ عارٌ على الفتَىإذا لم تصبهُ في الحياةِ المعايِرُ
وما أحدٌ حيٌّ وإنْ كانَ سالماًبأخلدَ ممَّن غيَّبتهُ المقابِرُ
ومَن كانَ ممَّا يُحدثُ الدَّهرُ جازعاًفلا بدَّ يوماً أنْ يُرَى وهوَ صابِرُ
وليسَ لذِي عيشٍ من الموتِ مذهبٌوليس على الأيَّامِ والدَّهرِ غابِرُ
وكلُّ جديدٍ أو سبابٍ إلى بلًىوكلُّ امرئٍ يوماً إلى اللهِ صائِرُ
وكلُّ قَرينَي أُلفةٍ لتفرُّقٍشَتاتاً وإنْ عاشا وطالَ التَّعاشُرُ
فأُقسمُ لا أنفكُّ أبكيكَ ما دعتْعلى فنَنٍ وَرقاءُ أو طارَ طائِرُ
قتيلَ بني عوفٍ فيا لَهْفَتا لهوما كنتُ إيَّاهم عليه أُحاذِرُ
ولكنَّما أخشَى عليه قبيلةًلها بدُروب الرُّوم بادٍ وحاضِرُ
أمَّا قولها: " قتيل بني عوف " البيتين، فإنَّا عنتْ بهذه القبيلة غسَّان لأنَّهم ملوك يجوز أمرُهم، فقالت: إنَّما كنت أخشى أن يقتله بعض الملوك لا بني عوف وهذا هجاءٌ لهم وغضٌّ منهم، ومثله قول أبي خراش:
لعمرُك ما خشِيتُ على أُبَيٍّمَصارعَ بين قَوٍّ والسُّلَيِّ
ولكنِّي خشيتُ على أُبَيٍّجريرةَ سيفهِ في كلِّ حيِّ
فتَى الفِتيان مُحْلَوْلٍ مُمِرٍّوأمَّارٍ بإرشادٍ وغيِّ
ومثله قول الآخر:
لعمرُك ما خشيتُ على يزيدٍرماحَ الجنِّ أو إيَّاكَ حارِ
بَيْهس بن نُمير:
إذا ما دعَا الدَّاعي حُصيناً رأيتَنيأُراعُ كما راعَ العجولَ مُهيبُ
وكم من سَمِيٍّ ليس مثلَ سَميِّهوإنْ كانَ يُدعَى باسمِهِ فيُجيبُ
منقذ بن عبد الرحمن يرثي امرأته:
وكذاكَ يفعلُ في تصرُّفِهِوالدَّهرُ ليس ينالُهُ وِتْرُ
كنتُ الضَّنينُ بمنْ أُصبتُ بهِفسلوتُ حين تقادمَ الدَّهرُ
ولخيرُ حَظّك في المصيبةِ أنْيلقاكَ عند نُزولها الصَّبرُ
أمَّا قوله: " كنت الضَّنين " البيت، فمثل قول الآخر:
وكما تبلَى وجوهٌ في الثَّرَىفكذا يبلَى عليهنَّ الحزنْ
ومثله قول الآخر:
يبرُدُ الحزنُ كلَّ يومٍ ويبلَىمثل ما يبرُدُ الحديثُ المُعادُ
مثله قول أحمد بن أبي فنن في محمد بن عبد الملك الزّيّات وقد أُصيب بولدٍ له:
أبا جعفرٍ والدَّهرُ فيه فجائعٌتَروضكَ حتَّى لا تفيضَ المدامعُ
ستَسلو إذا ما الدَّهرُ مرَّتْ صروفُهُعليكَ ولو أقسمتَ أنَّك جازعُ
مثله لأبي تمَّام:
عجائبَ حتَّى فيها عجائبُ
ابن المعذّل:
ليس بمسخوطٍ فِعالُ امرئٍكلُّ الَّذي يفعلُ مسخوطَ
آخر:
أهَجرٌ بعدَ هجرٍ بعد هجرٍلقد أنَست بالهِجرانِ صدرِي
مثله لآخر:
سيُسليك مرُّ الدَّهر عمَّن رُزِيتَهُوإنْ ذرفتْ عيناك من بعدِهِ دَما
وما أحدٌ في النَّاس يُسلبُ صبرهُعلى أحدٍ إلاَّ أنابَ وسلَّما
آخر:
رُوّعتُ بالبينِ حتَّى ما أُراعُ له
آخر:
ورُوّعتُ حتَّى ما أُراعُ من النَّوَى
ومن جيد المراثي ونادرها لفظاً ومعنًى قول ثابت بن جابر بن سفيان الفهميّ يرثي الشَّنفرَى:
فإنْ تكُ نفسُ الشَّنفرَى حُمَّ يومُهاوراحَ له ما كانَ منهُ يُحاذرُ
فما كانَ بِدعاً أن يصابَ فمثلُهأُصيبَ وحُمَّ الملتَجُون الفوادرُ
قضَى نحبَهُ مستكثراً من جميلهِمُقلاًّ من الفحشاءِ والعِرضُ وافرُ
يفرِّجُ عنه غُمَّةَ الرَّوع عزمُهوصفراءُ مِرنانٌ وأبيضُ باترُ
وأشقرُ غيداقُ الجِراء كأنَّهعُقابٌ تدلَّى بين نِيقَين كاسرُ
يجُمّ جمومَ البحر طالَ عُبابُهُإذا فاضَ منه أوَّلٌ جاشَ آخرُ
لئنْ ضحكتْ منك الإماءُ لقد بكتْعليك فأعْوَلْن النّساء الحرائرُ
وطعنةِ خَلْسٍ قد طُعنتَ مُرِشّةٍلها نفذٌ فيه تضلُّ المسابرُ
إذا كُشفتْ عنها السُّتورُ شَحا لهافمٌ كفم العزلاءِ فَيحانُ فاغِرُ
يظلُّ لها الآسي يميدُ كأنَّهنَزيفٌ هَراقتْ لُبَّه الخمرُ ساكرُ
فيكفي الَّذي يكفي الكريمُ بحَزمهويصبرُ إنَّ الحرّ مثلك صابرُ
ومَرقبةٍ شمَّاءَ أقعيتَ فوقَهاليغنمَ غازٍ أو ليدركَ ثائرُ
وأمْر كسدِّ المنخِرَين اعتليتَهُفنفَّستَ منه والمنايا حواضرُ
فلو نبَّأتْني الطَّيرُ أو كنتُ شاهداًلآساكَ في البلوَى أخٌ لك ناصرُ
وخفَّضَ جأشِي أنَّ كلَّ ابْن حُرَّةٍإلى حيثُ صرتَ لا محالةَ صائرُ
وإنَّ سوامَ الموت تَجري خِلالناروائحُ من أحداثه وبواكرُ
أمَّا قوله: " وخفَّض جأشِي " البيت، فمثل قول الخنساء:
ولولا كثرةُ الباكين حَوليعلى إخوانهم لقتلتُ نَفسي
وما يبكون مثل أخي ولكنْأُعزِّي النَّفسَ عنهُ بالتَّأسِّي
وفي بيت الخنساء هذا زيادةٌ في المعنى، ومثل المعنى الأوَّل:
ومنْ يرَ بالأقوامِ يوماً يرَوْا بهفجيعةَ يوم لا تَوارَى كواكبُهْ
وهوَّنَ وجْدِي عن خليليَ أننيإذا شئتُ لاقيتُ امرأً ماتَ صاحبُهْ
ومثله:
فإنْ يقسِموا مالِي بنِيَّ ونسوتيفلنْ يقسِمُوا خُلقي الجميلَ ولا فِعلي
ولولا الأُسَى ما عشتُ في النَّاسِ ساعةًولكنْ إذا ما شئتُ قابلَني مِثلي
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع