من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران (٢)
الياسمين والآس: كان مخنث ببغداد قعد يبيع الياسمين ويقول: من يشتري ريح المحبوب، ولون المحب، بقطعه؟ وتطيّر بالياسمين لكون إلياس في أوله والمين في آخره. قال ابن الرومي:
ما أنصف الآس بالياسمين مشبههوالآس منه مكان الياء مفقود
والياسمين إذا حصلت أحرفهفالياس منه مكان الياء معدود
إن الدليل على هذا تناثر ذاوإن ذاك على الأيّام موجود
الشقائق: قال أبو العلاء السروري ويروى لابن دريد:
جام يكون من العقيق الأحمرفرشت قرارته بمسك أذفر
خرط الربيع مثاله فأقامهبين الرياض على قضيب أخضر
والريح تتركه إذا هبّت بهكالطافح المتمايل المتكسّر
فتراه يركع ثم يرفع رأسهمتمايلا كالعاشق المتحيّر
وفيه:
جزع وياقوت وخرط زبرجد
وقال الصنوبري:
أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد
وللقصار:
وكأنّه الحبشيّ يصبغ جسمهفثيابه مخضلّة بدمائه
وقال الصنوبري:
شقائق يحملن النّدى فكأنّهدموع التصابي في خدود الخرائد
الأترج: قال ابن دريد:
جسم لجين قميصه ذهبزرّ على لعبة من الطّيب
فيه لمن شمّه وأبصرهلون محبّ وريح محبوب
وقال ابن العميد:
يقدّرها الرائي سبيكة عسجدعلى أنّها من فأرة المسك أضوع
وما حكت العشاق صفرة لونهاولكن لما قاسى المحبّين تجزع
وقال أبو سعيد الرستمي:
وأترجة مدّت أصابع من ذهبلها أرج من فأرة المسك منتهب
تبدّت لنا والريح داج ظلامهكغابر نار هزّه الريح فانشعب
وقال كشاجم:
كأنّ أترجها تميل بهأغصانها حاملا ومحمولا
سلاسل من زبرجد حملتمن ذهب أصفر قناديلا
وقال ابن الرومي:
كأنّكم شجر الأترج طاب معاحملا ونورا وطاب الريح والورق
النارنج على الأشجار: قال شاعر:
تطالعنا بين الغصون كأنّهاخدود عذارى في ملاحفها الخضر
وقال التنوخي:
شموس عقيق في قباب زبرجد قال الصاحب:
كأنّما النارنج تفّاح الذهبأو فرح قنديل تندّى كاللهب
أو حمرة شعاعها يمضي شعبأو ثدي خود ناهد يحكي الكعب
الليمون: قال محمد العبّاسي:
حبّذا الليمون حسناوبهاء ونضاره
هو ريحان أتى منأرض هند للزياره
رام أن يشبهه النارنج خرطا واستداره
وتمنّى أن يباهيهـ بأن يحكي اصفراره
ثم أعياه فلم يلحقه في زيّ وشاره
لونه والعرف والشكل فمنه مستعاره
الدستبول: قال شاعر:
ككرات طيقان تخال قشورهانون القسيّ منمرات يلمع
وقال:
كأنّها من لبّ كافورةقد غمرت من رطب رطب
اللفاح: قال أبو علي بن أبي العلاء:
كحتمة من ذهببلا زورد ممتعا
أو شعلة وقد علادخانها وارتفعا
وقال أبو القاسم ابنه:
ما جوهر متنافسفيه كند في ندي
ومشمّ معشوق تصادفه على عرف ذكي
وكأنّ رائق شكلهلما بدا كرة الصبي
لولا ذوائبه التيقد أشبهت بيض الكمي
حب النيل: قال أبو الحسن الزاهري:
ولاح لناظري بنات وردلحبّ النيل تفضح كلّ ورد
كنونات اللجين مطرقاتأسافلها بماء اللازورد
الخيري: قال ابن الرومي:
خيريّ ورد أتاك في طبققد ملا الخافقين من عبقه
قد خلع العاشقون ما صنع الهجر بألوانهم على ورقه
قال أبو العلاء السروي:
أهدى إليّ فنون الشوق والأرقنسيم رائحة الخيريّ في العبق
كأنه عاشق يهدي صبابتهصبحا وينشرها في ظلمة الأفق
السوسن: يشبه بأذناب الطواويس وبسبائك الفضة. قال ابن المعتز:
كقطن مسّه بعض البلل
قال الموصلي:
كأنّما زرقة أوراقهذوائب من لهب الفحم
قال عبدان:
وقد زخرف الدنيا ملاعق سوسنفمن أزرق غضّ النبات وأقمر
كأعناق طير الماء أوراقها حكتمناقيرها صورا بخدّ مقرر
الجلنار: قال الحمداني:
وجلّنار أحمرعلى أعالي شجره
كأنّ في رؤوسهأحمره وأصفره
قراضة من ذهبفي خرقة معصفره
الأرجوان: قال عبدان:
كأنّ الأرجوان ضرام ناربلا شرر تطاير في توالي
كأنّا مصطلون بها قعوداحواليها وما منّا بصالي
المرزجوش: قال أبو الوفاء محمد بن عبد العزيز بن محمد بن سلمة الهذلي:
ومرزجوش كأنّ القطر شنّفهدرّا كما شنّفت آذان أبكار
إذا أتته هبوب الريح جاذبةكأنّه مائلا مصغ لأسرار
ورد العصفور: قال ابن طباطبا:
ريحانة في اصفرار مهديهاشبهتها بعد فكرة فيها
أحبّة لم تصخ لعاذلهاتسدّ آذانها بأيديها
النيلوفر: قال أبو عبد الله:
كأن نيلوفره عاشقنهاره يرمق وجه الحبيب
حتّى إذا الليل بدا وجههوانصرف المحبوب خوف الرقيب
أطبق جفنيه عسى في الكرىيبصر من قارعه عن رقيب
وقال آخر:
ككاسات شرب في أكفّ وصائفمن السند عنهنّ السواعد حسّر
قال الزاهي:
ونيلوفر مثل الكؤوس شممتهحكت ريحه ريح المحبّ الموافق
حكى رقدة المحبوب قبل انفتاحهوبعد انفتاح الجفن تسهيد عاشق
الآذريون: قال ابن المعتز:
كان آذريونهافوق سماء هاميه
مداهن من ذهبفيها بقايا غاليه
وقال عبد الرحمن بن مندويه:
صلاء جمر شبّ في كانون
الخرّم: قال ابن الرومي:
وخرم في صبغة الطيالسهتحكى الطواويس غدت مطاوسه
كأنّما تلك الفروع النامسهتغمسها في اللازورد غامسه
قال ابن طباطبا
صمامات وشي هيّئت للمخازن
الأقحوان: قال التنوخي:
وأقحوان مكان وردتهدراهم بينها دنانير
وقال عبدان:
وتبسّم عن ثغور الحور فيهاثغور الأقحوان من اللآلي
وقال آخر:
عيون الأقاحي ما خلقتنّ للبكافما بال مجرى الدمع منكنّ منكر
إذا ما سقاه الغيث كاسا من النّدىتناوب سكرانا وبالرّيح يسكر
الشاهشفرم: قال أبو العويص:
وقامة ريحان أنيق نباتهاغذاها نمير الماء سقيا على قدر
وفاح بنشر ريح الشمّ طيبله نشوات المسك في سائر العطر
فأصبح شاها للرياحين كلّهاوليس لها ما دام شيء من الأمر
قال الزاهي في وصف الأوراق:
لها ورق كواوات صغار
ما يتطيّر به من الرياحين: قيل: في الياسمين يأس، وفي الخلاف خلاف، وفي التمام نميمة، والشقائق الشقاء، وفي البان البين، وفي السفرجل سفر جل وفي السوسن السوء.
قال العبّاس بن الأحنف:
أهدى له أحبابه أترجةفبكى وأشفق من عيافة زاجر
متطير لما أتته لأنهلونان باطنه خلاف الظاهر
قال ابن الشاه:
لا بارك الله في النّمام إنّ لهاسما قبيحا من الأسماء مهجورا
لو لم ينمّ على العشّاق سرّهمما كان فيهم بهذا الاسم مذكورا
البنفسج: قال ابن المعتز:
أوائل النّار في أطراف كبريت
ولعبدان:
لكا لياقوت منه النّار لا بلككبريت خفيّ الاشتعال
قال السروي:
كأنّه خضر ديباج أحاط بهمن لا زورد فصوص ذات لألاء
وقال التنوخي:
زيّنها بنفسج كأنّهفيروزج قطّع فيها أو خرط
الخودان: قال بعضهم:
وكأنّ الخودان فيها لآلمشرقات نظمن في عنقود
الخطميّ: قال الحسن بن محمد:
وقد أظهر الخطميّ نورا كأنهصحاف من الياقوت فيها ذرائر
الزعفران: قال الباذاني:
كأنّ صبايا الزعفران إذا بدتنصال سهام أفردت لا تركب
وقال الباذاني الأصفهاني:
ورد يعظم والتراب محلّهوترى الكريم يعزّ حين يهون
وقال محمد بن بحر:
هاك خذها عرائسا يتصدّين صباحا ويختفين مساء
يتفلّقن عن صبايا ثلاثقد تعانقن إلفة وصفاء
وقال آخر:
كتخطيط المطرّز في الكمامبلام ثم لام ثم لام
القطن النابت: قال أبو العويص:
نشا عن ضمور واستدارة قالبفصار عريضا ناتئ القصّات
وأثمر تفّاحا بغير تفكّهطويل على تفّاحة الشجرات
نما وربا حتّى تفتّق صلبهبأربع فقرات له حدبات
وإن بزّ عنه شحمه وسديفهتزيّد شدق الفحل للنّزوات
شبيه فم لشاهين ينقضّ فاغراليلهم يعفورا على وكرات
الكماة: قال النبي ﷺ: الكماة بقية من المن وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السحر والسمّ وأنشد الأصمعي لرجل من بني بكر:
وأشعث قد ناولته أحرش القويأدرت عليه المدجنات الهواضب
تخطّاه القنّاص حتّى وجدتهوخرطومه في نبع الماء راسب
يعني بالأشعث فقيرا وبأحرش القوي كماة خشنة.
قال الراعي:
بأرض يبين النقع فيها قناعةكما انتصّ شيخ من رفاعة أجلح»
اللبلاب: قال الواواء:
لبلابتي أحسن لبلابهقد حوت الحسن وأسبابه
كأنّها بالغصن ملتفّةمتيّم عانق أحبابه
الريباس: قال المرادي:
ومكنونة من بنات الثّرىتجمّع في الباب خطّابها
تمديدا برزت كفّهابحر الزمرّد عنابها
الباقلاء: قال كشاجم:
تخال فيه النور جزعا في سخبأو بلق طير وقعت على قضب
قال الصنوبري:
ونيات باقلاء يشبه وردهبلق الحمام مقيمة أذنابها
وقال:
فصوص زمرّد في غلف درّبأقماع حكت تقليم ظفر
وقال آخر:
زبرجد ضمّن درّة لبّستحريرة بطّنت بكافور
البطيخ: قال بعضهم في وصفه: هو فاكهة وأدم وأشنان وحلواء وعند العدم قعب للمدام ويطل في الحمام.
قال كشاجم:
وزائر زار وقد تعطّراأسرّ شهدا وأذاع عنبرا
ملتحفا للصّين ثوبا أصفرايظنّه الناظر إن يقدرا
دبّ الوبا بثمنه فأنشرا
وإذا أردت الشراء للبطيخ فخذ أثقلها رأسا وأعظمها فلسا وأخشنها مسّا.
قال أبو طالب المأموني:
وحمراء خلناها أذاعت وأضمرتوقد علّ برديها جسام وعندم
قراضة تبر في صفائح فضّةتضمّنها حقّ من الجزع مسهم
إذا قطّعّت كانت سفائن لجّةوإن لم تقطّع فهي عكم محزم
وله:
رياضة مسكيّة عسليّةلها لون ديباج وعرف مدام
وله في البطيخ الهنديّ
ومبيضة فيها طرائق خضرةكما اخضرّ مجرى السيل في صيب الحزن
كحقة عاج صيغت بزبرجدحوت قطع الياقوت في قطع القطن
القثّاء: قال الخوارزمي:
يا ربّ قثّاء برود المورددرّ الحشا زمرّد المجرد
سخت الروس لصور المقلدمثل ذنابى ريش ديك أعقد
قد التوى فوق الثّرى الرطب النّدىكما تلوّى أسود بأسود
ذي زغب وفيه لين الأجردكالخدّ بين الملتحي والأمرد
كأنه في اللون والتأوّدصوالج ركبن من زبرجد
يكاد للين وللتعقّدتجنيه ألحاظ الفتى قبل اليد
ماء كطعم السكّر الطبرزد
الباذنجان: وصفه بعضهم فقال: كرات أدم قمعت بكيمخت وحشيت بصغار الدرّ وسط لبن حليب وقمعت بنفسجا.
البرّ: قيل: أفضل نابت وأحب مأكول البر. وقال بعضهم: ما ظنّك بشجرة فتنت آدم وحواء وأخرجتهما من الجنة إلى دار الكلفة والمهنة وعصيانهما للرحمن، وقال لهما إبليس: ما نَهاكُما رَبُّكُما
الآية.
الكرم: قال أبو نواس:
لنا هجمة لا يدرأ الذئب سخلهاولا راعها زر العجالة والخطر
إذا منحت ألوانها مال صفرهاإلى الجوّ إلّا أن ألوانها خضر
قال إبراهيم بن المهدي:
سلافة كرم تظل النبيطترفع منه عريشا عريشا
إذا أنت قابلته خلتهمطارف خضرا كسين النقوشا
قال الرفاء:
وشاحبة الظلال مقرطاتظروف الراح من زنج وروم
قال أبو رافع الهروي:
كأنّ عناقيد العرائش فوقنازنوج وروم علّقوا بالحناجر
شجر التفاح المثمر: قال أبو العلاء السروي:
وأشجار من التفّاح زهرثقلن بحمله ثقلا وبيدا
تظلّ الريح تنثرها علينافنلقطها ونحسبها خدودا
التفاحة المهداة: وقال ابن المعتز:
تفاحة معضوضةصارت رسول القبل
وقال أبو هفّان:
تفاحة من عند تفاحةبالمسك والعنبر نفّاحه
أخذتها من كفّ ظبي وقدكانت إليه النفس مرتاحه
ما مسّها طيب ولكنّهاباشرها بالكفّ والراحه
وقال:
أهدى لنا التفّاح من كفّهيا ليته أهداه من خدّه
معاتبة من أكل التفاح: نظر بعض الفتيان إلى آخر وقد أقبل على أكل التفاح في بعض المجالس فقال:
يا ذا الذي يأكل التفاح من شرّهرفقا فقدتك يا حتف التحيّات
وقال أبو إسحاق بن العباس:
إن الذي يأكل تفّاحةلمستخفّ بمهاديها
وقال الخبزارزي في الاعتذار لأكلها:
أكلت تفاحة فعاتبنيفتى رآها كخدّ معشوقه
فقال خدّ الحبيب تأكلهفقلت: لا، بل أمصّ من ريقه
وقال رجل لآخر أكل تفاحة حيّاه بها: أتأكل التحيّات فقال: والمباركات والطيّبات.
اختلاف الأمكنة في إدراك الأصناف بصنعاء: تدرك الحنطة بصنعاء مرتين، والشعير والذرة ثلاث مرات وأربعا، والعنب دفعتين.
وعندهم نحو سبعين لونا عنبا. ويدرك الموز كل أربعين يوما وعندهم قصب سكر، وباقلاء ولوز وتين ورمان وسفرجل.
تعانق الأشجار: قال بعضهم:
كأنّ فروعها في كلّ ريحجوار بالذوائب ينتضينا
وقال أبو محلم:
نشاوى تثنيها الرياح فتنثنيويلثم بعض بعضها ثم يرجع
وقال سعيد بن حميد:
وترى الغصون إذ الرياح تنفّستملتفّة كتعانق الأحباب
وقال التنوخي:
عذارى تباثثن الحديث المكتّما
وقال آخر:
فكأنّما ينوي التعانق ثمّ يدركه الخجل
ارتجاس الريح في الشّجر: قال التنوخي:
كأنّ إرتجاس الريح في جنباتهإذاعة شكوى أو مرار تعاتب
وقال عبدان:
أنّ رقارق الأرواح فيهانشيش ملهوجات في المقال
السرو: كان بعضهم يبغض السرو ويقول: كأنه نساء لابسات حدادا. وكان يقول: كان السرو ذنب عرس.
خرج عبد الله بن طاهر فقال له رجل: قد جئتك ببشارة، قد صدق الله قولك حيث تقول:
أيا سروتي بستان زكي سلمتماومن لكما أن تسلما بضمان
أيا سروتي بستان زكي سلمتماوغال حبيبي غائل الحدثان
فقد سقطت إحداهما. فقال له عبد الله: ألم يكن بالرقة حمّى تشغلك؟ وأمر له بخمسة آلاف درهم، وقال: أخشى أن لا أحقق ظنك.
نور شجر الخلاف: قال أبو حاتم الورّاق:
كأن نور شجر الخلافأكفّ سنّور بلا خلاف
مردودة البرثن في الغلاف
ومما جاء في الأمكنة والأبنية
مكّة: قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً
وهي حرم إلى يوم القيامة. وأيّ ناحية من الكعبة يصيبها المطر فالخصب في تلك السنة في تلك الناحية. ومن علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، وإن الذئب لا يصيد بها الظباء. وإن الطير لا يعلو الكعبة إلا وهو عليل، وإذا طار فانتهى إلى الكعبة افترق فرقتين. وشأن الفيل معروف.
المدينة: تسمى طيبة فإنّ من دخلها وأقام وجد من تربتها وحيطانها رائحة ليس لها اسم في الأراييح، وأنواع الطيب تزداد بها طيبا وقال ﷺ: إن إبراهيم ﵇ حرّم مكة وأنا حرمت ما بين لابتي المدينة. ونهى أن يعضد شجرها، وقال: لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، ولا يكون بها مجذوم قطّ. وقال: اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة وأشدّ
وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حماها واجعلها بالجحفة.
مصر: لم يذكر الله تعالى شيئا من البلدان باسمه سوى مصر، وذكرها في مواضع بالكناية فقال: وقال نسوة في المدينة وقال: فلن أبرح الأرض يعني مصر. وسئل بعضهم عن مصر فقال: عيش رخي وموت وحي.
الكوفة: قال ابن عباس: لو كانت
عجائب البلدان: بشيراز تفاحة نصفها في غاية الحلاوة ونصفها في غاية الحموضة. وبقرب
قرميسين قرية يقال لها كركان من أخذ من طينها ليلة الميلاد، وطيّن به داره وبيته أمن الغوائل إلى قابل.
وفي بعض جزائر الصين حيّات تبتلع الإبل والبقر، وقردة كالحمير وبمصر حجر من يمسكه في يده يتقايأ ما دام في يده. والسف حجر يطفو على الماء والأبنوس والشير يرسبان فيه والمغناطيس حجر يجذب الحديد، وإذا مسح بالثوم لم يجذب.
وبالأندلس السفلى وبالهند نار تشتعل في حجارة ولو رام أن يحمل منها شعلة لم تتّقد وبمدينة ختن من حدود الصين، طواحين كثيرة يدور الحجر الأسفل والذي فوقه قائم لا يتحرك. وباذربيجان واد لا يقدر أحد أن ينظر إليه.
أرض العرب: قيل: إن نجدا من العذيب إلى ذات عرق وإلى اليمامة والى اليمن وإلى جبلي طيء، ومن ظهر البصرة وهو المربد إلى وجرة. وذات عرق أول تهامة إلى البحر وإلى جدّة.
وإن المدينة لا تهاميّة ولا نجديّة، فإنها حجاز فوق الغور ودون نجد. وأنها جلس لارتفاعها عن الغور ونجد.
وقيل القرى العربية مكة والمدينة والطائف واليمامة، فأما البحرين فهو خلط فيه عرب وعجم.
حدّ السّودان: من لدن الموصل مارا إلى ساحل البحر ببلاد عيان من شرقي دجلة. هذا طوله وأما عرضه فحدّه منقطع الجبل، من أرض حاران إلى منتهى طرف القادسيّة المتصل بالعذيب من أرض العرب، وعليه وقع الخراج والمساحة.
اختيار بلد دون بلد: قيل: لا تقيموا ببلد ليس فيها نهر جار وسوق قائمة وقاض عدل. وقيل: لا تبنى المدن إلا على الماء والمرعى والخصب.
مدح الدور الواسعة: مر النبيّ ﷺ ببناء يبنى، فقال: أوسعوه. وقيل: خير المنازل ما سافر فيه البصر وأترع فيه البدن. وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر: تريد أن تبني دارك فاعلم أنّ عمرانها عمران قليل وخرابها خراب قليل، فاستوسع فإن الهمّة مع السعة. وقال: دارك قميصك فإن شئت فوسّعها وإن شئت فضيّقها.
وسئل بعضهم ما الغنى؟ فقال: سعة البيوت ودوام القوت. وقيل لآخر: ما السرور؟
فقال: دار قوراء وامرأة حسناء، ويسار مع طول البقاء.
ذمّ الدور الواسعة: دخل بعض الناس على كبير يبني دارا واسعة، كبيرة الدرع واسعة الصحن رفيعة السمك عظيمة الأبواب، فقال: أعلم أنك ألزمت نفسك مؤنة وعيالا يقلّ حمل مثلهم ولا بدّ لك من الخدم والستور على حسب ما ابتنيته فقد حملت نفسك عناء معنيا.
ذمّ الدور الضيقة: وصف رجل دارا ضيّقة فقال: أضيق من أفحوص القطاة، وأضيق من بياض الميم ومن خرق الإبرة ومن عقد تسعين ومن مبعج الضبّ. وقيل شؤم الدار أن تكون ضيقة فيكثر سخط مالكها ولا يرضى بما قسم له فيها. وشؤم الدابة أن لا تكون فارهة، وشؤم المرأة أن لا تكون موافقة.
قال ابن المعتز:
ولكنها في دار سوء كأنهابقية ناوس على ساحل البحر
وقال ابن الحجّاج:
في منزل غمر الوقت أهله بالرّخاء
وقدّم الخاء حتّىيصح معنى الهجاء
خال على كلّ حالمن سائر الأشياء
سوى كنوز بطونمكنوزة في الخلاء
أخاف فيه وأخشىمن لا يخاف هجائي
ومن ضراطي وشعريفي وجهه بالسّواء
جزاهم الله عنّيتصحيف معنى الهجاء
الحثّ على إحكام البناء: لما بلغ عمر ﵁ أن سعدا وأصحابه بنوا بالمدر كتب إليهم: قد كنت أكره إليكم البنيان بالمدر. أما إذا فعلتم فعرضوا الحيطان وأطيلوا السمك وقاربوا بين الخشب.
ولمّا بنى معاوية ﵁ داره باللبن دخلها الروم فقالوا: ما أجودها للعصافير فهدمها وبناها بالحجر. وقال يحيى البرمكي: ينبغي للإنسان أن يتنوق في دهليزه فهو وجه الدار ومنزل الضيف ومجلس الصديق إلى أن يؤذن له.
اختيار طرف البلد ووسطه: قيل: الأطراف للأشراف وقيل لرجل: في أيّ موضع من القرآن الأشراف في الأطراف؟ قال: في قوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى
فهذا أشرفهم وكان أقصى المدينة وطرفها.
وسأل الرشيد عبد الملك بن صالح عن منزله أهو لك؟ فقال: هو لك ولي بك.
قال: كيف هواؤه وماؤه؟ قال أطيب هواء وأعذب ماء. قال: كيف ليله؟ قال: سحر كلّه.
أبنية متفاوتة: استدان بعض الحمقاء خمسمائة درهم فأنفقها على مخزنه، فبلغ ذلك بعض إخوانه، فقال: ليست شعري ما يريد أن يخرأ فيه؟ وسأل رجل آخر: كم بيت في منزله؟ فقال صفة وكنيفان. فقال: هذا تقطيع رجل مبطون.
من بنى بناء نفعه لغيره: لما بنى الحجاج مدينة واسط قال لابن جامع: كيف ترى؟ قال: بنيته في غير بلدك وورثته لغير ولدك.
قال شاعر:
ألم تر حوشيا أضحى ويبنيبناء نفعه لبني نفيله
يؤمل أن يعمر عمر نوحوأمر الله يأتي كلّ ليله
وقال:
لدوا للموت وابنو للخرابفكلّكم يصير إلى التّراب
وبنى أزدشير بناء عظيما فدخله هو ووزيره، فقال: هل فيه عيب؟ قال: عيب عظيم لا يمكنك إصلاحه. لك منه خروج لا دخول بعده، أو دخول لا خروج بعده.
فقال: لقد نغّصته عليّ.
ودخل ابن السائب القاضي على المتّقي وقد بنى داره، فقال له: كيف ترى؟ فقال:
تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنّات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا.
الرغبة عن البناء: قيل ليزيد بن المهلب: مالك لا تبنى بالبصرة دارا؟ فقال: أنا لا أدخلها إلا أميرا أو أسيرا. فإن كنت أسيرا فالسجن داري، وإن كنت أميرا فدار الإمارة داري.
ومرّ رجل من الخوارج على دار تبني، فقال: من هذا الذي يقيم كفيلا؟ وقيل: كل مال لا ينتقل بانتقالك فهو كفيل. ولما بنى مروان داره قيل لأبي هريرة: كيف ترى؟ فقال:
بناء شديد وأمل بعيد وعيش زهيد.
حرص الإنسان على البناء وذمّ الاشتغال به: قيل خلق الله ابن آدم من تراب فهمته في حفر التراب، وخلقت المرأة من ضلع الرجل فهمتها في الرجل. وقيل: ليس في الأرض جواد ولا بخيل ابتاع دارا إلا هدم هذا وبنى هذا وإن قلّ.
ونظر الحسن إلى قصور لبعض المهالبة فقال: يا عجبا رفعوا الطين وركبوا البراذين واتخذوا البساتين وتشبهوا بالدهاقين، فذرهم في غمرتهم حتى حين.
ومر عبد الله بن جعفر بعبد الله بن صفوان فأدخله بساتين اتخذها وقال له: كيف ترى؟ قال: أراك خالفت ما قال لك إبراهيم ﵇: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
، وأنت قد اتخذتها بساتين.
المعيّر بأن شرفه بناؤه: هجا بعضهم بني عميرة وكان لهم دار شريفة في الدور الشارعة على المسجد فقال:
بنو عمير مجدهم دارهموكلّ قوم لهم مجد
كأنّهم فقع بدوّيةليس لهم قبل ولا بعد
وهجا بعضهم بني عدي فقال:
ليس لهم مجد سوى مسجدبه تعدوا فوق أطوارهم
لو هدم المسجد لم يعرفوايوما ولم يسمع بأخبارهم
وقال عمر الخارق:
قد رأينا حسن ساباطك والدار الجليله
وعلمنا أنّ فيهاكلّ ما يكفي قبيله
غير أنّ الجنّ لا تحسنفي خبرك حيله
وقال:
يا من تشرّف بالبنيان يرفعهليس التشرّف رفع الطين بالطّين
إذا أردت شريف النّاس كلّهمفانظر إلى ملك في زيّ مسكين
وقال مسكويه:
لا يعجبنّك حسن القصر تنزلهفضيلة الشمس ليست من منازلها
الجار: قيل: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق. وكان ابن المقفع بجنب داره دار، وكان يستامها وصاحبها يمتنع من بيعها. فاتفق أن ركب صاحب الدارين واحتاج إلى بيعها فعرضت عليه. فقال: ما قمت إذا بحرمة الجوار إن رغبت من ابتياعها بعد أن باعها معدوما. وحمل إليه ثمن الدار وقال: بقّ دارك عليك ورد هذا على دينك.
وساوموا جارا لفيروز على داره بثمن فقال: هذا ثمن الدار فأين ثمن الجوار؟ قالوا:
وهل يباع الجوار؟ قال: نعم لا أبيعه إلا بإضعافه دراهم فبلغ فيروز فأرسل إليه بثمن الدار.
هدم دور السلاطين المتقدّمة: قيل لابن الزبير: أهدم دور بني أمية. قال: لا أفعل إن ظفرت بهم فهي مبنية أفضل وإن عطفت عليهم بأرحامهم فهو أجمل. فلما قتل ابن الزبير لم تمس لهم لبنة ولما همّ أهل البصرة بهدم دار زياد وانتخاب أهلها، قال الحسن رضى الله عنه: قلّ بلدة خربت الدار التي بنيت عليها إلا خربت وإن البصرة بنيت على دار زياد، فانتهوا عن ذلك.
بيع الدار وابتياعها: قيل: لتكن الدار أول الشيء الذي يبتاع وآخر ما يباع. وقيل للأحنف: أي المال أبقى وأوفى؟ فقال: المساكن والأرضون.
وقال ﷺ: من باع دارا أو عقارا فلم يرد ثمنهما في مثلها، كان كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. وفي حديث آخر: فذلك مال جدير أن لا يبارك فيه. وباع رجل دارا فلما أراد أخذ الثمن وأشهد، قال البائع: أما أنك قد أخذتها غليظة المؤنة قليلة المعونة، فقال المشتري: أما أنك قد أخذتها سريعة الذهاب بطيئة الاجتماع.
ذكر غلّة الدّار: قيل: غلة الدار مسيل، وغلّة النخل كفاف، وغلّة الحب غنى. وقال الحكم بن سعيد قال لي ملك سرنديب: صف لي أهل البصرة، فقلت: قوم لهم نخل يأكلون فضول ثمارهم، وقوم لهم دور يكرونها، وقوم لهم أرقاء يستعملونهم، وقوم لهم أموال يغدون إلى الأسواق فيأكلون فضولها فقال: من كان معاشه من كراء منزله فلئيم، ومن استعمل الأرقاء فكلب ولكن أصحاب النخل بها.
نوادر في كرائها: دخل رجل ليكتري حجرة فقال: أين المطبخ؟ قيل: في الجيران من يطبخ لك.
قال: فأين المخبز؟ قيل: هم يخبزون لك. قال: فأين المرتقى إلى السطح؟ قيل: على باب الدار ساحة يطيب النوم بها. قال: إن كانت حوائج الدار كلها خارجها فنحن خارجون ونربح الأجرة.
الرحاء: قال بعض الشعراء فيها:
وضيفين جاءا من بعيد فقرياعلى فرش حتّى اطمأنّ كلاهما
قريناهما ثم انتزعنا قراهمالضيفين جاآ من بعيد سواهما
وقال:
أغدو علي كالناب في هجارهاالشارف النافر من حوارها
بصاحب قد ضجّ من إمرارهاكان فوق النّار من غبارها
شيب عجوز شفّ من خمارها
النورة: قال السري الرفاء:
ومجرّد كالسيف أسلم نفسهلمجرّد يكسوه ما لا ينسج
ثوب تمزّقه الأنامل رقّةويصيبه الماء القراح فينهج
وكأنّه لما انتهى في خضرةثوبان ذا عاج وذا فيروزج
وقال:
وقمص حجارة نسجت بماءويلبسها الغنيّ مع الفقير
الأطلال البالية: قال بكر بن النطاح:
لعب البلاء بطولها ورسومهالعب الصبابة في فؤاد العاشق
وقال معلى الطائي:
لبسن البلى حتّى كأن رسومهاطعمن الهوى أو ذقن هجر الحبائب
وقال:
هو ملقى على الطّريق اللّيالي
وذكر أعرابي قوما فقال: كانوا بدور جموع وجمال ربوع، فصارت منازلهم معتصر الدموع، جرت بها: الريح أذيالها وحطت بها الغيوث أثقالها وسلبتها الأيام جمالها.
البالية بالمطر: قال ماتي:
المزن يمحو بكفّ ماله قلم
وقال:
رهينة أرواح وصوب رعود
وقال بشّار:
وأبدي البلى فيها سطورا مبيّنةعباراتها أنّ كلّ بيت سيدثر
وقال ابن المعتز:
وحيطان كشطرنج صفوففما تنفكّ تضرب شاه ماتا
وقال:
أرى سرّمرا مذ سنين كثيرةتزيد خرابا كلّ يوم وتذبل
كأنّ بها داء دخيلا فجسمهاعلى ما بها من سقمها يتسلّل
دار شوهد منها النعيم: قال:
لعهدي به والسّعد في جنباتهوثغر نعيم الخفض يبدي تبسّما
استقباح المنزل لارتحال الحبيب عنه: قال سليمان المحاربي:
إذا لم تكن ليلى بنجد تغيّرتمحاسن دنيا أهل نجد وطيبها
وقال:
فما أحسن الدنيا وفي الدار خالد وأقبحها لمّا تجهّز غازيا
وقال علي بن محمد:
إنّما الدار بالحلول فإن همفارقوها فحيث حلّوا الديارا
دار خلت عن كثب: أنشد أحمد بن أبي طاهر:
أما الطلول فمخبرات أنّهم ظعنوا قريبا
لم يعفها مطر ولمتسف الرياح بها كثيبا
وطء النّعال وأثر مفترش ومغتسلا رطيبا
الأطلال اللائحة: مرّ الفرزدق بمؤدب ينشده صبي قول لبيد:
وجلا السيول عن الطلول كأنّهازبر تجد متونها أقلامها
فنزل وسجد فقيل: ما هذا؟ فقال: أنتم تعرفون سجود القرآن، وأنا أعرف سجود الأشعار. وهذا البيت موضع سجدة.
وقال طرفة:
يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
قال أبو نواس:
لمن طلل تزداد حسن رسومعلى طول ما أقوت وطيب نسيم
تجافى البلى عنهنّ حتّى كأنمالبسن على الإقواء ثوب نعيم
وقال البحتري:
دمن موائل كالنّجوم وإن عفتفبأيّ نجم للصّبابة تهتدي
وقال مخلد الموصلي
لم تجر فيها الصّبا إلا مسلمةولم يشن وجهها الأرواح والدّيم
عرفان المركوب المحال المعهودة: قال المتنبّي:
مررت على دار الحبيب فحمحمتجوادي وهل تشكو الجياد المعاهد
وما تنكر الدهماء من رسم منزلسقتها ضريب الشول فيه الولائد
وقال السلامي:
أنا المشوق فما للخيل والإبلتحنّ قبلي إذا مرّت على طلل
استبدال الدار بأهلها الوحوش: قال بعضهم:
عهدت بها وحشا عليها براقعوهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
وقال الوائلي:
فكم آنس بدّلت منه بنافروحالي الشوى بدّلت منه بعاطل»
وقال أبو سعيد الرستمي:
ظباء سرت بالأبطحين عواطلاوكنت أراها في الرعاث وفي الحجل
الدار المتغيرة بالرياح: قال ذو الرمّة:
رسوم كساها لون أرض غريبةسوى أرضها منها الهباء المغربل
وقال النابغة:
كأنّ مجرّ الراسيات ذيولهاعليه قضيم نمّقته الرواسم
وقال:
وأربت بها الأرواح حتّى كأنّماتهادين أعلى رتبة بالمناخل
وقال الحماسي:
تعفوه بالغدوّ والأصائلكلّ هدوج ذات ذيل ذائل
كأنّما ينخل بالمناخل
وقال التنوخيّ:
كأن إرتجاس الريح في جنباتهاإذاعة شكوى أو سرار تعاتب
استطابة أرض المحبوب: قل بعض الأعراب:
أرى كلّ أرض دمنتها وإن مضتلها حجج تزداد طيبا ترابها
وقال النميري:
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشتبه زينب في نسوة خفرات
وقال:
استودعت نشرها الريّاح فماتزداد إلا طيبا على القدم
دار تفانى سكانها: قال ذو الرمّة:
منازل ألّاف أتى الدهر دونهموما الدّهر والألاف إلا كذلك
وقال أعرابي:
تشكو إليّ الدار فرقة أهلهاوعندي ما بالدار من فرقة الأهل
أخذه محمد بن حبيب فقال:
طللان طال عليهما الأمددرسا فلا علم ولا قصد
لبسا البلى فكأنّما وجدابعد الأحبّة مثل ما أجد
محاورة الديار ومجاوبتها: قال ذو الرمّة:
وقفت على ربع لميّة ناقتيفما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّهتخاطبني أحجاره وملاعبه
البكاء في الديار الدارسة: قال بشّار:
وقفت بها صحبي فظلّت عراصهابدمعي وأنفاسي تراح وتمطر
وقال العتابي:
منازل لم تنظر بها العين نظرةفتقلع إلا عن دموع سواكب
وقال الصمة:
أخادع عن أطلالها العين إنهمتى تعرف الأطلال عنك تذيع
المنع من البكاء عليها ومساءلتها: قال البحتري:
لا تقفي على الدّيار فإنّيلست من أربع ورسم محيل
في بكائي على الأحبّة شغللأخي اللهو عن بكاء الطلول
وقال أبو نواس:
يا كثير النّوح في الدّمنلا عليها بل على السكن
سنّة العشّاق واحدةفإذا أحببت فاستكن
وقال ابن المعتز:
إنّ دمعي لضائع في رسوموسؤالي عن المحال محال
وقال:
أحسن من وقفة على طللومن بكاء في أثر محتمل
كأس صبوح أعطتك فضلتهاكفّ حبيب والنقل من قبل
معاتبة من لم يقف عليها: قال إسحاق بن إبراهيم:
يا ذا الذي جاز الديار ولم يقفقف لا وقفت أما ترى أطلالها
لو كنت ذا وجد بساكنها لماجاوزتها حتى أطلت سؤالها
الاستسقاء للدار: قال أبو تمّام:
لا زلت ناضرة العراص ولم تزلفيك الرياح ضعيفة الأنفاس
وقال ابن الرومي:
لا يحرم الله الطلول الدرساأقاحيا وسوسنا ونرجسا
يكاد ريّاه إذا تنفّساينشئ في تلك الموات أنفسا
وقال الوابلي:
سقيت رجوع الظاعنين فإنهغنى لك عن سقيا الغيوث الهواطل
الدعاء على الدار: قال زياد بن جملة:
إذا سقى الله أرضا صوب غاديةفلا سقاهنّ إلا النار تضطرم
تنكر الدار وعرفانها: قال امرؤ القيس:
لمن طلل درست دارهوغيّره سالف الأخرس
تنكره العين من حادثويعرفه شغف الأنفس
وفيه:
تعرفه العين ثم تنكره
وفيه:
فتعرفه عيني وينكره فمي
وقال البحتري:
وما أعرف الأطلال من بطن توضحلطول تعفّيها ولكن إخالها
الأثافي والرّماد: قال بشر:
كأنّ خوالدا في الدّار سفعابعرصتهم حمامات وقوع
وقال جرير:
مطايا القدر كالحدا الجثوم
وقيل: ما بقي إلا ثلاث سفع كحمام وقع، كانت مطايا القدور فانهلن في عرصة الدور، وقال شاعر:
أشاعت كالخيلان في خدّ كاعبوسفع كنقط الثاء من كفّ كاتب
وقال الكميت:
إلا ثلاثا في المقامة ما يحولهنّ ناقل
سفع الحدود كأنّمانثرت عليهن المكاحل
وقال ابن المعتز:
عفا غير سفع مائلات كأنّهاخدود عذارى مسّهنّ شحوب
وقال آخر:
رماد كما طار على بوّ ظائر
وقال الراعي:
أنخن وهنّ أغفال عليهاوقد ترك الصلاء بهنّ نارا
النؤي: قال أبو تمام:
ونؤي مثل ما نقصم السّوارا
وقال:
والنؤي أهمد شطره فكأنّهتحت الحوادث حاجب مقرون
وقال:
ونؤي كمقلى القوس حالت شحوبه
وقال التنوخي:
وعطفنا نؤي كنون عرقت
الوتد: قال ابن مقبل:
وقلدت أرسان الجياد معبداإذا ما ضربنا رأسه لا يرنح
فبات يقاسي بعد ما شجّ رأسهفحولا جمعناها تشبّ وتضرح
ومما جاء في المفازة: قال بعضهم:
وبيداء سمحال كأنّ نعامهابأرجائها القصوى أباعر همل
ترى الثعلب الحوليّ فيها كأنّماإذا ما حللناها نر حصان مجلل
وقال بعضهم:
كأنّما المكاء في بيدهاسرادق قد أوقدته الأصل
وقال:
تخال بها راعي الحمولة طائرا
الطريق الواضح: لا حب كقرني الثعبان وكفرق الرأس وكحصير الراملات، قال شاعر:
كأنه نشطب بالسرو مرمول
وكالسحل اليماني وكظهر برجد.
وقال الراجز:
عود على عود لأقوام أوليموت بالتّرك ويحيا بالعمل
وقال آخر:
ملس الحصى بدرس ما لم يبسس
المفازة المهلكة للمطيّ: وقال عمرو بن معدي كرب:
به جيف اللواغب بالياتكأن عظامها الرخم الوقوع
وقال كثيّر:
بدوية يكون بها كثيرانتاج المعجلات من السّخال
وقال الموسوي:
تلقى الأحبّة قتلي في مسالكهادياتها في رقاب الفرز والأكم
المفازة التي تضبح منها المطايا: قال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدي لمنارهإذا ساقه العود النباطي جرجرا
المفازة المجهولة: وصف بعضهم مفازة فقال: هي غبراء الجوانب مجهولة المذاهب، تقطع المطا ويحار فيها القطا.
قال علقمة:
ودويّة لا يهتدي لفلاتهابعرفان أعلام ولا ضوء كوكب
وقال:
وفي ذكرها عند الأنيس خمول
وسأل رجل أعرابيا عن مفازة فقال: صادفتها عانسة عذراء، فافترعتها بعيرانة أدماء.
وقال الوزير الرئيس أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم:
وبهماء مثل الوهم عذراء أعرضتفقالت لنا نكحا وقلنا لها خطبا
المفازة الواسعة: قال دعبل:
وفضاء يرجع الطّرف بهقبل أن يرجع مأواه البصر
وقال ديك الجن:
يا ربّ خرق كأن الله قال لهإذا طوتك رقاب القوم فانتشر
وقال ذو الرمّة:
دوّ ككف المشتري غير أنهبساط لأخفاف المراسل واسع
وقال:
مجهولة تغتال خطو الخاطي
وقال المتنبّي:
مهالك لم صحب بها الذئب نفسهفلا حملت فيها الغراب قوادمه
وقال:
مشوّهة المعالم واليفاع
وقال المأموني:
وكأن العرار راحة داعأو مطا ساجد عليه ملاء
المفازة الموصولة بالأخرى: وقال جابر بن حيي:
إذا زال رعن عن يديها ونحرهابدا رأس رعن وارد متقدّم
وقال آخر:
إذا قطعنا علما بدا علم
المفازة التي يلمع فيها الآل: وقال عدي بن الرقاع:
وإذا بدا علم لهنّ كأنّهفي الآل حين يرى ذؤابة عالم
ووصف أبو النجم جبلا في الآل فقال:
سائح ماءهم بالرسوب
وقال المرقش في وصفه:
رؤوس رجال في خليج تغامس
وقال آخر:
كأن أعلامها في آلها القزع
وقال آخر:
وقوض الآل ساحرة السّراب
المفازة التي تنخرق فيها الرّياح: خرق تنخرق فيه الرياح فتحسر طورا وتلعب طورا، وقال مسلم:
تمشي الرياح بها مرضى مولهةحيرى تلوذ بأطراف الجلاميد
وقال الموسوي:
توهمت عصف الريح بين خروجهيسير إلى سمعي بسرّ يصمم
المفازة التي يعرف فيها الجان: قال الأعشى:
وبلدة مثل ظهر الترس موحشةللجنّ باللّيل في حافاتها زجل
وقال آخر:
شياطينها في أوجه القوم كلّح
وقال حميد بن ثور:
وخرق تحدّث غيطانهاحديث العذارى بأسرارها
المفازة التي تصيح فيها الأصداء: وقال رؤبة:
وبلدة عامية أعماؤهقد صخبت في ليلة أصداؤه
داع دعا لم أدر ما دعاؤه
وقال المرقّش الأكبر:
وتسمع تزقاء من البوم حولناكما ضربت بعد الهدوّ النواقس
وقال ذو الرمّة:
يظلّ بها الحرباء للشمس ماثلاعلى الجذل إلا أنه لا يكبر
إذا حول الظل العشيّ رأيتهحنيفا وفي قرن الضّحى ينتصر
وقال:
كأن يدي حربائها متشمّسايدا مذنب يستغفر الله تائب
وقال المرار:
كأن حرباءها يصلى بتنّور
وقال ابن المعتز:
كأن حرباءها والشمس تصهرهصال دنا من لهيب النار مقرور
ومما جاء في التغرب
حمد التغرّب والسفر: قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
وقال النبي ﷺ سافروا تغنموا، فإنكم إن لم تغنموا مالا أفدتم عقلا.
وقال سافروا تصحوا. وقيل: السعي جناح الجدّ والزماع أخو النجح. وقيل: من التوفيق رفض التواني، ومن الخذلان مسامرة الأماني.
وقيل: من لزم القرار سيم الصغار. وقيل: شمّر ذيلا وأدرّع ليلا اتخذ الليل جمل.
وكان بشر بن الحارث يقول لأصحابه: سيحوا فإن الماء إذا ساح طاب وإذا وقف تغيّر.
مخالفة العذّال في الترحّل والنهي عن مخافة نزول الأجل: لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب تعلّقت به عاتكة وهي تبكي وتقول قاتل الله القائل:
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّهحصان عليها نظم درّ يزينها
وقال ابن جبلة:
وخافت على التطواف فوتي وإنّماتصاد غرار الوحش وهي رتوع
وقال بشّار:
يخاف المنايا إن ترحلت صاحبيكأنّ المنايا في المقام مناسبه
كراهة إطالة الإقامة بمكان: قال أبو تمام:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلقلديباجتيه فاغترب تتجدّد
فإنّي رأيت الشمس زيدت محبّةعلى النّاس إذ ليست عليهم بسرمد
وقال آخر:
السيف إن قرّ في الغمود صدا
وقيل: الإغراب يعيد الجدّه ويفيد الحدّه، إذا أخلقك الوطن جددك الظعن لا يألف الوطن إلا ضيق العطن.
وقال يزيد بن المهلّب:
وإنّ لزوم قعر البيت موتوإن السير في الأرض النشور
النهي عن الإقامة بمكان مخصب فيه هوان: قال سعد بن ثابت:
ولسنا بمتلين دار هضيمةمخافة موت إن بنا نبت الدار
وقال المتنبّي:
وما منزل اللذّات عندي بمنزلإذا لم أجلل عنده وأكرم
تأسّف من يلحقه إذلال فيعسر عليه الانتقال: قال شاعر:
أمالي في بلاد الله بابيؤدّيني إلى سبل النّجاح
بلى في الأرض متّسع عريضولكنّي منعت من البراح
وما يغني العقاب عيان صيدإذا كان العقاب بلا جناح
وقرئ على حائط بأسد أباد:
غيرت بين عزيمتين كلاهماأمضى عليّ من شباة سنان
همم تشوّقني إلى طلب العلىوهوى يشوّقني إلى الأوطان
وقيل: إذا أعيا المقام في الوطن، أغنى الجلاء عن العطن
إيثار العسر في الوطن على اليسر في الغربة: قيل: عسرك في وطنك أطيب من يسرك في غربتك. وقيل: إذا وجدت بعض القوت فالزم قعر البيوت. وقيل: إحفظ بلدا ربّاك. وقيل: بلد أغذيت فيه السلامة فلا تزايله وقال:
وإن اغترابي كي أنال معيشةوفضل غنى للوارثين خسار
الحثّ على إجمال المعاشرة في السّفر: قيل: لا تحمدنّ امرأ حتّى تجربه في معاملة أو سفر. وقيل: السفر ميزان القوم.
وقيل: سمّي السفر سفرا لأنه يسفر عن الأخلاق المحمودة والمذمومة.
وقال العطوي:
أكرم رفيقك حتّى ينقضي السفرإنّ الذي أنت موليه سينتشر
ولا تكن كلئام أظهروا ضجراإن اللئام إذا ما سافروا ضجروا
وقال أبو دلف:
وممّا يسكن قلب الغريبرفيق تطيب به الصّحبة
وأراد الحسن الحجّ فقال له ثابت: نصطحب، فقال: دعنا نتعايش بستر الله إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.
الكثير التقلّب في البلدان: مدح بعضهم رجلا فقال: يدّرع الليل ويستحقر السير، فيظل بموماة ويمسي بغيرها:
أسير في الآفاق من مثل
وقال البحتري:
تقاذف بي بلاد عن بلادكأنّي بينها خبر شرود
وقال آخر:
وذاك تروك للفراش الممهّد
وقال أبو تمّام:
خليفة الحضر من يربع على وطنفي بلدة فظهور العيس أوطاني
وقال آخر:
وأيّ بلاد لم تطأها ركائبي
المتشمّر في السّفر: قال زياد بن جميل:
مخدّمون ثقال في مجالسهموفي الرّحال إذا صاحبتهم خدم
وقيل: فلان عبد أصحابه في السفر وسيّدهم في الحضر، وقال شاعر:
وعبد للصّحابة غير عبد
وقال هشام لرجل أراد سفرا: أخدم أصحابك وإيّاك أن تكون كلبهم، فإن لكل رفقة
كلبا ينبح دونهم، فإن كان خيرا أشركوه وإن كان شرا تقلّده دونهم.
ذمّ الإيغال في السّير: في الحديث: إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وفي الحديث: خير الأمور أوساطها. وشرّ السير الحفحفة.
قال المرار:
نقطع بالنّزول الأرض عنّاوبعد الأرض يقطعه النزول
الشاحب اللون لسفره: يقال: فلان رجيع سفر، ووقيد سهر، وقال المرار:
وغبره تهجير ركب يلفّهمسموم أتت دون العجائب تلفح
وقال:
نضو هوى بال على نضو سفر
وقال آخر:
أترك أنقاضا على أنقاض
وقال البحتري:
ردّ الهجير لحاهم بعد شعلتهاسودا فعادوا شبابا بعد ما اكتهلوا
من غلبه النعاس لإدامة السّرى: قال شاعر:
فلان يجود من صباباته الكرىسقاه السّرى خمرا فصار به سكر
وقال كعب بن زهير:
وأشعث رخو المنكبين بعثتهوللنّوم منه في العظام دبيب
وقال إسحاق:
ومعرّس نبّهتهفكأنّما نبّهت فهدا
قطع المفاوز باللّيل: وقال عليّ بن جبلة:
وليل بعيد صبحه من مسائهمنوع السّرى لا يمتطيه هيوب
بنيت على أولاه أخراه فالتقىعلى العيس منه مطلع ومغيب
وقال أعرابي: جبت أودية الظلام وهجرت لذيذ المنام، إلى أن وصلت إلى المرام، وقال شاعر:
ونضوت سربال المفاوز بالسّرىوجعلت أردية السّرى سربالي
وقال المتنبّي:
وأسري في ظلام الليل وحديكأنّي منه في قمر منير
قطع المفاوز بالهاجرة: قال أعرابي: خرجت في هاجرة كادت النفوس لها تلتهب، والحرابي من شمسها تصطلب. وقال النابغة:
إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل
وقال علقمة:
وقد علوت قتود الرحل يسعفنييوم تجيء به الجوزاء مسموم
حام كأنّ أوار الشمس شاملهدون الثياب ورأس المرء معموم
من ألفته السّباع والمفاوز: وقال تأبّط شرّا:
أبيت بمغنى الوحش حتّى ألفتهوتصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
وقال أبو تمّام:
أبنّ مع السّباع الماء حتّىلخالته السّباع من السّباع
وقال المتنبّي:
صبحت في الفلوات الوحش منفرداحتّى تعجّب منّي القور والأكم
وقال الشنفرى:
ولي دونكم أهلون سيد عملسوأرقط زهلول وعرفاء جيأل
المهتدي بالنّجوم والعارف المفاوز: وقال بشّار:
ويهماء يستاف التراب دليلهاوليس له إلا اليماني مخلق
تجاوزتها وحدي ولم أرهب الرّدىدليلي نجم أو حوار محلّق
وقال حميد:
تيهاء لا يتخطّاها الدليل بهاإلا وناظره بالنّجم معقود
وقال تأبّط شرّا:
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتديبحيث اهتدت أم النّجوم الشوابك
وقال آخر:
ترى الليل كورا والمجرّة مقودا
وقال المتنبّي:
وإنّي لنجم يهتدي صحبتي بهإذا حال من دون النّجوم سحاب
وقيل: فلان أدلّ من دعميص الرمل لأنه بلغ آخر رمال بني سعد، ولم يبلغه غيره وعبد الله بن أريقط وهو الذي دل النبي ﷺ ليلة الهجرة وفلان أهدى من القطا ومن اليد إلى الفم.
القادر على المشي: قال أعشى باهلة:
لا يغمز الساق من أين ولا وصبولا يعضّ على شرسوفه الصقر
وقال:
تحسبني محجّلا سبط الساقين أبكي أن يظلع الجمل
المسرّة بالعود من السفر سالما: قال ابن عيينة:
إذا نحن عدنا آيبين بأنفسكرام رجت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنهاتؤوب وفيها ماؤها وحياؤها
وقال:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوىكما قرّ عينا بالإياب المسافر
وقال آخر:
رضيت من الغنيمة بالإياب
مسرة الراجع بقضاء الحاجة: قيل لأعرابي: ما السرور؟ قال: أوبة بغير خيبة. وقال آخر: غيبة تفيد غنى وأوبة تعقب منّى وقال أبو تمّام:
ما آب من آب لم يظفر بحاجتهولم يغب طالب للنجح لم يخب
وسأل الحجاج أصحابه: أي شيء أذهب للتعب؟ فقيل: التمريخ»
وقيل الحمام وقيل النوم وكان فيهم فيروز فقال ما شيء أذهب للتعب من قضاء الحاجة قال المؤلف وهذا من قول القطامي:
وقد يهون على المستنجح العمل
الدعاء للمسافر: كما يقال للمسافر استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وقال النبي ﷺ لرجل:
اللهم أطو له البعيد وهون عليه السير وقال: نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور. اللهمّ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والوطن.
ومما جاء في الحنين إلى الأوطان
رضي الناس بمسقط رأسهم: قال النبيّ ﷺ: لولا حبّ الوطن لخربت بلاد السوء. وقيل: بحب الأوطان عمارة البلدان.
وقال ابن عباس: لو قنع الناس بأرزاقهم قنوعهم بأوطانهم لما شكا عبد رزقه. وقيل لأعرابي: كيف تصبرون؟ على جفاء البادية وضيق العيش؟ فقال: لولا أن الله تعالى أقنع بعض العباد بشر البلاد ما وسع خير البلاد جميع العباد، وقال بعض الفلاسفة فطرة الرجل معجونة بحب الوطن.
فضل محبة الوطن: روي في الخبر: حبّ الوطن من طيب المولد. وقال أبو عمرو بن العلاء مما يدلّ على كرم الرجل وطيب غريزته حنينه إلى أوطانه وحبه متقدمي إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه.
وقالت العجم: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة وإلى مسقط رأسها توّاقة. وسمع أبو دلف رجلا ينشد:
ألقى بكلّ بلاد إن حللت بهاناسا بناس وإخوانا بإخوان
فقال: هذا الأم بيت قالته العرب، لقلة حنينه إلى ألّافه.
الحثّ على صيانة مسقط الرأس: قيل: لا تجف بلدا فيه قوابلك، وأرضا تبنكها قبائلك. وقيل: إحفظ بلدا
رشحك غذاؤه وارع حمى أكنك فناؤه وقيل: ميلك إلى بلدك من شرف محتدك.
المستشفي بتراب أرضه وريحها: لما أسر سابور ببلد الروم قالت له بنت الملك، وكان قد مرض وعشقته، ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة وشمّة من تراب اصطخر. فحملا إليه فبرأ. واعتلّ أعرابي فقيل له: ما تشتهي؟ قال: حسل فلاة وحسي قلاة.
وكان من عادة العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تراب بلدها فتنشقه عند نزلة أو صداع.
من تشوّق مكان إلفه بعدما كرهه: قال بعضهم:
ألفنا ديارا لم تكن من ديارناومن يتألف بالكرامة يألف
وقال:
نزلنا مكرهين بها فلّماألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ البلاد بنا ولكنأمرّ العيش فرقة من هوينا
الحنين إلى البادية والتبرّم بالحاضرة: قال بعض الأعراب المتوجهين إلى خراسان في زمن عثمان ﵁ يقول:
بلغت إلى حلوان والقلب نازعإلى أهل نجد أين حلوان من نجد
لجثجاث أرض حين يضربه الندىأحب وأشهى عندنا من جنى الورد
قيل لزينب أم حسانة الضبية وهي قاعدة على حافة بركة في وسط رياض وأزاهر: أما ترين حسن هذا المكان؟ فأطرقت ساعة وقالت:
أقول لأدنى صاحبي أسرّهوللعين دمع يحدر الكحل ساكبه
أحبّ إلينا من صهاريج ملئتللعب ولم تملح إليّ ملاعبه
فيا حبّذا نجد وطيب هوائهإذا أهضبته بالعشيّ هواضبه
وريح صبا نجد إذا ما تنسّمتهضحى وسرت جنح الظلام خبائبه
فأقسم لا أنساه ما دمت حيّةوما دام ليل عن نهار يعاقبه
ولا زال هذا القلب مسقيّ لوعةبذكراه حتّى يترك الماء شاربه
الحنين إلى منزل لا يرجى لحوقه: وقال لرجل من بني طهم:
أحنّ إلى نجد وإني لآيسطوال الليالي من قفول إلى نجد
وقال:
يقرّ بعيني أن أرى رملة الفضا
وقال آخر:
فلست وإن أحببت من يسكن الفضابأول راج راحة لا ينالها
وقال المتنبّي:
أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهموأين من المشتاق عنقاء مغرب
حمد سكون البادية وذمّه: وقال شاعر:
ومن تكن الحجارة أعجبتهفأيّ أناس بادية ترانا
وقال ﷺ: من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد لها ومن أتى السلطان فتن.
ومما جاء في النيران
ماهيّة النّار: قال النظّام: النار اسم للحر والضياء، وهما جوهران صعادان. والضياء هو الذي يعلو إذا انفرد ولا يعلى. فإذا قيل أحرقت النار وسخنت، فذلك للحرّ لا للضياء.
وقال: النار مكنة في الأشياء كلّها، فإذا أطفئت نار الأتون فوجدنا حرّها ولم نجدها مضيئة فلأن حرّ النار يهيج تلك الحرارات فيظهرها، ولم يكن ثم ضياء فيظهر إذا خالطته النار فهو أشدّ كالصاعقة.
النيران المعبودة المعظّمة: أما النار العلوية فقد عبدت. قال الله تعالى: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وقد يجيء في الأثر وسنة بعض الأنبياء تعظيما على جهة المحنة وإيجاب الشكر على النعمة.
ويزعمم أهل الكتاب أن الله تعالى أوصاهم وقال: لا تطفئوا النيران من بيوتي وأما المجوس فقد جاوزوا الحدّ حتى اتخذوا لها البيوت والسدنة والوقوف الكثيرة.
نيران كانوا يوقدونها في أوقات مختلفة: إذا أرادوا حربا وقصدوا جمعا، يوقودون نارا عظيمة يجعلونها أمارة لاجتماعهم، قال عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد في خزازيرفدنا فوق رفد الرافدينا
وقال الفرزدق:
ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوانارين أشرفنا على النيران
ومنها النار التي يوقدونها ليحيروا بها الظباء بالليل ويهوّلوا على الأسد إذا حدق إليها.
ما يتراءى من النيران ولا حقيقة لها: يحكى أن السعالي توقد نارا حوالي الإنسان تخوّفهم بها.
قال عبيد الأبرص:
لله درّ الغول أي رفيقةلصاحب قف خائف متقتر
أرفت بلحن فوق لحن وأبعدتحوالي نيرانا تبوخ وتزهر
ونار حباحب وقيل أبي حباحب، وهو ما يكون من الأكسية ونحوها مما لا حقيقة له من النيران. ونار البرق وكل نار تحرق العود إلا نار البرق فإنها تجيء بالمطر. وتحدث حدة الشجر ونار اليراعة، وهي طائر كبعض الطيور بالنهار وإذا طار بالليل فهو كشهاب قبس، ويلمح لها لمع ينض ويلمع من بعيد، فإذا دنوت منها لم ترها شيئا. والعرب تقول أكذب من يلمع.
أنواع مختلفة من ذلك: قال بعضهم:
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهممصقلات على أرسان قصار
وقال البحتري في حريق وقع في دار المعتز:
ما كان قدر حريق إن بنيت لهوكلّنا قلق الأحشاء حرّان
تفاءل الناس واشتدت ظنونهموالفأل منه لبعض الناس تبيان
وأيقنوا أنّ تنوير الحريق هو الدّنيا تملكها والنّار سلطان
وقال بعض الحكماء: النيران أربع: نار تأكل وتشرب وهي نار المعدة، ونار تأكل ولا تشرب النار الموقدة، ونار تشرب ولا تأكل، وهي نار الشجر، ونار لا تأكل ولا تشرب، وهي نار الحجر.
مدح السراج: قال النبي ﷺ: المصباح مطردة للشيطان، مذّبة»
للهوام مدفعة للصوص.
وقال النابغة:
ولا يضلّ على مصباحها الساري
يضرب ذلك مثلا للمصباح المضيء.
الزّند: قالت العرب في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. وقيل: أرح يديك واسترح إن الزناد مرح.
وقال ذو الرمّة وقد ألغز:
وسقط كعين الديك عاودت صاحبيأباها وهيأ بالموضعه وكرا
مشهرة لا تمكن الفحل أمّهاإذا هي لم تمسك بأطرافها قسرا
أخوها أبوها والضوى لا يضيرهاوساق أبيها أمها اعتقرت عقرا
وقال الأعشى:
ولو بتّ تقدح في ظلمةصفاة تتيع لا وريت نارا
وقال آخر:
وزندك أفضل أزنادها
الدّخان: يقال دواخن تنصب ودخان الرمث. وقال في صفة ذئب:
كأن دخان الرمث خالط لونه
وقال الراعي:
كدخان مرتجل بأعلى تلعةغرثان ضرم عرفجا مبلولا
والمرتجل الذي يطبخ رجل جراد أي جماعتها.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع