من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عَليّ بن مُحَمَّد (٢)
الصفحة ٢ من ٢
المنثور البهائي فِي مجلدة وَهُوَ نثر كتاب الحماسة وَغَيرهَا وَتُوفِّي سنة أَربع عشرَة وَأَرْبع مائَة وَمن شعره القصيدة الْمَشْهُورَة وَهِي من الطَّوِيل
خليلي فِي بَغْدَاد هَل أَنْتُمَا لياعلى الْعَهْد مثلي أم غَدا الْعَهْد بَالِيًا
وَهل ذرفت يَوْم النَّوَى مقلتاكماعَليّ كَمَا أمسي وَأصْبح باكيا
)
وَهل أَنا مَذْكُور بِخَير لديكماإِذا مَا جرى ذكر لمن كَانَ نَائِيا
وَهل فيكما من إِن تنزل منزلاأنيقاً وبستاناً من النُّور حاليا
أجد لَهُ طيب الْمَكَان وَحسنهمنى يتمناها فَكنت الأمانيا
كتابي عَن شوق شَدِيد إلَيْكُمَاكَأَن على الأحشاء مِنْهُ مكاويا
وَعَن أدمع منهلة فتأملاكتابي تنر آثارها فِي كتابيا
وَلَا تيأسا أَن يجمع الله بَيْننَاكأحسن مَا كُنَّا عَلَيْهِ تصافيا
فقد يجمع الله الشتيتين بَعْدَمَايظنان كل الظَّن أَن لَا تلاقيا
وَلَا تأنسا بالورد بعدِي واعربامقَال ابْن عبد الله يخدع ساجيا
وَلما تفرقنا تطيرت أَن أرىمَكَانك مني لَا خلا مِنْك خَالِيا
فضمنته وردا كرياك رِيحهيذكرنِي مِنْك الَّذِي لست نَاسِيا
وَلَا تطلبا صوني إِذا مَا تغنتاتسر وَفَوْز جادتا لي الأغانيا
وخبرتما أَن تيماء منزللليلى إِذا مَا الصَّيف ألْقى المراسيا
فهذي شهور الصَّيف عَنَّا قد انْقَضتْفَمَا للنوى ترمي بليلي المراميا
فدى لَك يَا بَغْدَاد كل مَدِينَةمن الأَرْض حَتَّى خطتي ودياريا
فقد سرت فِي سرق الْبِلَاد وغربهاوطوقت خيلي بَينهَا وركابيا
فَلم أر فيهمَا مثل بَغْدَاد منزلاوَلم أر فِيهَا دجلة وَاديا
وَلَا مثل أهليها أرق شمائلاًوأعذب ألفاظاً وَأحلى معانيا
وَكم قَائِل لَو كَانَ ودك صَادِقالبغداد لم ترحل وَكَانَ جوابيا
يُقيم الرِّجال الموسرون بأرضهموَتَرْمِي النَّوى بالمقترين المراميا
وَمن شعره يمدح الْقَادِر من الْبَسِيط
لَا زلت تحيا لنعمى لَا نفاد لَهَافِي ظلّ عز على الدولات تحتكم
تغني وتفني وتستبقي وتهلك منناوى وترجى ويخشى بأسك الْأُمَم
وَكتب إِلَيْهِ من رِسَالَة طَوِيلَة من المنسرح
خدمت لما عرفت من خدمكودام عِنْدِي النَّعيم من نعمك
وَكَانَت النائبات تألفنيفاحتشمتني إِذْ صرت من حشمك
)
وَأورد لَهُ ابْن النجار فِي ذيله من الْكَامِل
يَا ظالمي قسما عَلَيْك بِحرْمَة الإِيمَان فَهِيَ نِهَايَة الْإِيمَان
لَا تسفكن دمي فَإِنِّي خَائِفجدا عَلَيْك عُقُوبَة الْعدوان
وَإِذ مَرَرْت على زرود فَلَا تغربِالْمَشْيِ فِيهِ موائل الأغصان
بِاللَّه واستر ورد خدك فِيهِ لَاينشق قلب شقائق النُّعْمَان
وَأورد لَهُ أَيْضا من الْكَامِل
عجبا لضرسك كَيفَ يشكو عِلّةوبجنبه من ريقك الدرياق
هَذَا نَظِير سقام ناظرك الَّذِيعافاك وابتليت بِهِ العشاق
أَو عقربي صدغيك إِذْ لدغا الورىوحماك من حميتهما الخلاق
وَمن شعر أبي سعد ابْن خلف من الْكَامِل
جرت النَّوَى بهم فَمَا حنوارفقا بِنَا ونأوا فَمَا أنوا
إِن كَانَ عِنْدهم وَقد رحلواأَنا نُقِيم فبئس مَا ظنُّوا
لَا بُد مِنْهُم أَيَّة سلكواإِن أسعفوا بالوصل أَو ظنُّوا
لي عِنْدهم دين فوا عجباالدّين لي وفؤادي الرَّهْن
وَله ولد يعرف بِأبي الْفرج ابْن أبي سعيد الهمذاني مَذْكُور فِي شعراء الدمية لَهُ شعر جيد
الْقَابِسِيّ الْمَالِكِي عَليّ بن مُحَمَّد بن خلف الإِمَام أَبُو الْحسن الْمعَافِرِي الْقَرَوِي
الْقَابِسِيّ الْمَالِكِي عَالم إفريقية
سمع وَحدث وَكَانَ حَافِظًا للْحَدِيث وَعلله وَرِجَاله فَقِيها أصولياً متكلماً صَالحا متقناً وَكَانَ أعمى لَا يرى شَيْئا وَألف تواليف بديعة وَسمي الْقَابِسِيّ لِأَن عَمه كَانَ يشد عمَامَته شدَّة قابسية توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبع مائَة ورثاه الشُّعَرَاء وَضربت الأخبية على قَبره وَولد سنة أَربع وَعشْرين وَثَلَاث مائَة رَحل إِلَى الْمشرق وَسمع صَحِيح البُخَارِيّ بِمَكَّة من أبي زيد وَرجع إِلَى القيروان قَالَ أَبُو بكر الصّقليّ قَالَ لي أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ كذب عَليّ وَعَلَيْك سموني بالقابس وَمَا أَنا بقابسي وَإِنَّمَا السَّبَب فِي ذَلِك أَن عمي كَانَ يشد عمَامَته شدَّة قابسية فَقيل لِعَمِّي قابسي واشتهرنا بذلك وَإِلَّا فَأَنا قروي وَأَنت فَدخل أَبوك مُسَافِرًا إِلَى صقلية نسب إِلَيْهَا)
وَأول جُلُوسه للمناظرة بأثر موت أبي مُحَمَّد قَالَ من الوافر
لعمر أَبِيك مَا نسب الْمُعَلَّىلمكرمة وَفِي الدُّنْيَا كريم
وَلَكِن الرياض إِذا اقشعرتوصوح نبتها رعي الهشيم
ثمَّ بَكَى حَتَّى أبكى النَّاس وَقَالَ أَنا الهشيم ثَلَاثًا وَالله لَو أَن فِي الدُّنْيَا خضراء مَا رعيت أَنا
وَشَيْخه الْمَذْكُور هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْن أبي هَاشم التجِيبِي وَسمع شخصا يَقُول فِي مَجْلِسه مَا قصر المتنبي فِي قَوْله من المتقارب
يُرَاد من الْقلب نسيانكموتأبى الطباع على النَّاقِل
فَقَالَ يَا مِسْكين أَيْن أَنْت عَن قَوْله تَعَالَى لَا تَبْدِيل لخلق الله
وَمن تصانيفه الممهد فِي الْفِقْه وَأَحْكَام الديانَات والمنقذ من شبه التَّأْوِيل والمناسك والاعتقادات
أَبُو الْحسن البلنسي عَليّ بن مُحَمَّد بن خلف بن أَحْمد الخزرجي أَبُو الْحسن الأندلسي البلنسي قدم بَغْدَاد طَالب الْعلم وروى بهَا شعره وَكتب عَنهُ يُوسُف بن مُحَمَّد بن مقلد وروى عَنهُ أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن حَمْزَة السّلمِيّ الدِّمَشْقِي فِي مشيخته وَمن شعره من المنسرح
عَاد إِلَى الْوَصْل بعد مَا هجراوَتَابَ مِمَّا جناه واعتذرا
وَقَامَ بِالرَّاحِ فَوق رَاحَتهكَأَنَّهَا الشَّمْس تحمل القمرا
أَبُو الْقَاسِم التنوخي الْحَنَفِيّ عَليّ بن مُحَمَّد بن دَاوُد أبي الْفَهم بن إِبْرَاهِيم أَبُو
الْقَاسِم التنوخي القَاضِي قدم بَغْدَاد وتفقه على مَذْهَب أبي حنيفَة وَكَانَ حَافِظًا للشعر ذكياً وَله عرُوض بديع ولي الْقَضَاء بعدة بلدان وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة وَهُوَ جد القَاضِي التنوهي عَليّ بن المحسن وَقد تقدم ذكره وَهُوَ وَالِد أبي عَليّ المحسن التنوخي صَاحب نشوار المحاضرة وَغَيره وَسَيَأْتِي ذكره
وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم هَذَا بَصيرًا بِعلم النُّجُوم قَرَأَ على الْكسَائي المنجم وَيُقَال إِنَّه كَانَ يقوم بِعشْرَة عُلُوم وَكَانَ يحفظ للطائيين سبع مائَة قصيدة ومقطوعة سوى مَا يحفظ لغَيرهم من الْمُحدثين وَغَيرهم
وَكَانَ يحفظ من النَّحْو واللغة شَيْئا كثيرا وَكَانَ فِي الْفِقْه والفرائض والشروط غَايَة واشتهر)
بالْكلَام والمنطق والهندسة وَكَانَ فِي الْهَيْئَة قدوة وَكَانَ لَهُ غُلَام يؤثره على غَيره من غلمانه يُسمى نسيماً فَكتب إِلَى القَاضِي بعض أَصْحَابه من الرمل
هَل عَليّ لامه مدغمةلاضطرار الْوَزْن فِي مِيم نسيم
فَوَقع تَحْتَهُ نعم وَلم لَا وَمن شعره من الطَّوِيل
وَلَيْلَة مشتاق كَأَن نجومهاقد اغتصبت عَيْني الْكرَى فَهِيَ نوم
كَأَن عُيُون الساهرين لطولهاإِذا شخصت للأنجم الزهر أنجم
كَأَن سَواد اللَّيْل وَالْفَجْر ضَاحِكيلوح وَيخْفى أسود يتبسم
وَمِنْه من الْبَسِيط
عهدي بهَا وضياء الصُّبْح يطفئهاكالسرج تطفأ أَو كالأعين العور
أعجب بِهِ حِين وافى وَهِي نيرةفظل يطمس مِنْهَا النُّور بِالنورِ
وَمِنْه من الْكَامِل
لم أنس دجلة والدجى متصوبوالبدر فِي أفق السَّمَاء مغرب
فَكَأَنَّهُ فِيهَا بِسَاط أَزْرَقوَكَأَنَّهُ فِيهَا طراز مَذْهَب
وَمِنْه من المنسرح
فَحم كَيَوْم الْفِرَاق نشعلهنَار كنار الْفِرَاق فِي الكبد
أسود قد صَار تَحت حمرتهامثل الْعُيُون اكتحلن بالرمد
وَمِنْه فِي مليح جسيم من الْبَسِيط
من أَيْن أستر وجدي وَهُوَ منهتكمَا للمتيم فِي فتك الْهوى دَرك
قَالُوا عشقت عَظِيم الْجِسْم قلت لَهُمالشَّمْس أعظم جرم حازه الْفلك
وَمِنْه من المنسرح
لم أنس شمس الضُّحَى تطالعنيوَنحن من رَقَبَة على فرق
وجفن عَيْني بدمعه شَرقلما بَدَت فِي معصفر شَرق
كَأَنَّمَا أدمعي ووجنتهالما رمتنا الوشاة بالحدق
ثمَّ تغطت بكمها خجلاًكَالشَّمْسِ غَابَتْ فِي حمرَة الشَّفق
وَمِنْه من السَّرِيع)
فديت عَيْنَيْك وَإِن كَانَتَالم تبقيا من جَسَدِي شَيْئا
إِلَّا خيالاً لَو تأملتهفِي الشَّمْس لم تبصر لَهُ فَيْئا
وَمِنْه فِي الناعورة من الْكَامِل
باتت تَئِنُّ وَمَا بهَا وجديوحننت من وجد إِلَى نجد
فدموعها تحيا الرياض بهَاودموع عَيْني قرحت خدي
وَمِنْه من الطَّوِيل
تخير إِذا مَا كنت فِي الْأَمر مُرْسلافمبلغ آراء الرِّجَال رسولها
ورد وفكر فِي الْكتاب فَإِنَّمَابأطراف أَقْلَام الرِّجَال عقولها
وَمِنْه من الْكَامِل
وبدت نُجُوم اللَّيْل من خلل الدجىتَدْنُو كَمَا يتفتح النوار
أقبلن والمريخ فِي أوساطهامثل الدَّرَاهِم وَسطهَا دِينَار
والجو تجلوه النُّجُوم على الدجافِي قمص وشي مَا لَهَا أزرار
وكأنما الجوزا وشاح خريدةوالنجم تَاج والوشاح خمار
وَقَالَ مَنْصُور الخالدي كنت لَيْلَة عِنْد التنوخي فِي ضِيَافَة فأعفى إعفاءه فَخرجت مِنْهُ ريح فَضَحِك بعض الْقَوْم فانتبه بضحكة وَقَالَ لَعَلَّ ريحًا فسكتنا من هيبته فَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ من الطَّوِيل
إِذا نَامَتْ العينان من متيقظتراخت بِلَا شكّ تساريج فقحته
فَمن كَانَ ذَا عقل فيعذر نَائِماوَمن كَانَ ذَا جهل فَفِي جَوف لحيته
وَقَالَ التنوخي راداً على ابْن المعتز فِي قصيدته الَّتِي يفخر فِيهَا ببني الْعَبَّاس على آل أبي طَالب وأولها من الطَّوِيل
أَبى الله إِلَّا مَا ترَوْنَ فَمَا لكمغضابى على الأقدار يَا آل طَالب
وأبيات التنوخي من الطَّوِيل
من ابْن رَسُول الله وَابْن وَصِيّهإِلَى مدغل فِي عقدَة الدّين ناصب
نَشأ بَين طنبور وزق ومزهروَفِي حجر شاد أَو على ظهر ضَارب
وَمن ظهر سَكرَان إِلَى بطن قينهعلى شبه فِي ملكهَا وشوائب
)
يَقُول فِيهَا
وَقلت بَنو حَرْب كسوكم عمائماًمن الضَّرْب فِي الهامات حمر الذوائب
صدقت منايانا السيوف وَإِنَّمَاتموتون فَوق الْفرش موت الكواعب
وَنحن الأولى لَا يسرح الذَّم بَيْننَاوَلَا تَدْرِي أعراضنا بالمعايب
إِذا مَا انتدوا كَانُوا شموس نديهموَإِن ركبُوا كَانُوا بدور الركائب
وَإِن عبسوا يَوْم الوغى ضحك الردىوَإِن ضحكوا بكوا عُيُون النوائب
وَمَا للغواني والوغى إِن شغلهابقرع المثاني عَن قراع الْكَتَائِب
وَيَوْم حنين قلت حزنا فخارهوَلَو كَانَ يدْرِي عدهَا فِي المثالب
أَبوهُ مُنَاد وَالْوَصِيّ مضَاربفَقل فِي مُنَاد صيت ومضارب
وجئتم مَعَ الْأَوْلَاد تبغون إِرْثهفأبعد مَحْجُوب بحاجب حَاجِب
وقلتم نهضنا ثائرين شعارنابثارات زيد الْخَيْر عِنْد التجارب
فهلاًّ بإبراهيم كَانَ شِعَاركُمْفترجع دعواكم تَحِلَّة خائب
وَفِي تَرْجَمَة صفي الدّين عبد الْعَزِيز الْحلِيّ أَيْضا جَوَاب آخر عَن غير هَذِه القصيدة وَالْأُخْرَى بائية لِابْنِ المعتز وَمن شعره من الطَّوِيل
بنفسي من لم يبد قطّ لعاذلفَيرجع إِلَّا وَهُوَ لي فِيهِ عاذر
وَلَا لحظت عَيناهُ ناه عَن الْهوىفَأصْبح إِلَّا وَهُوَ بالحب آمُر
يُؤثر فِيهِ نَاظر الْفِكر بالمنىوتجرحه باللمس مِنْهَا الضمائر
وَمِنْه من المتقارب
وَرَاح من الشَّمْس مخلوقةبَدَت لَك فِي قدح من نَهَار
هَوَاء وَلكنه سَاكنوَمَاء وَلكنه غير جاري
إِذا مَا تأملته وَهُوَ فِيهِتَأَمَّلت مَاء محيطاً بِنَار
فهذي النِّهَايَة فِي الابيضاضوَهَذَا النِّهَايَة فِي الاحمرار
وَمَا كَانَ فِي الحكم أَن يوجدالفرط التَّنَافِي وفرط النفار
وَلَكِن تجَاوز سطحاهماالبسيطان فاتفقا فِي الحوار
كَأَنَّ المديرَ لَهَا باليمينِإِذا قَامَ للسقْيِ أَو باليَسارِ
)
تدرع ثوبا من الياسمينلَهُ فَرد كم من الجلنار
وَكَانَ التنوخي من جملَة الْقُضَاة الَّذين ينادمون الْوَزير المهلبي ويجتمعون عِنْده فِي الْأُسْبُوع لَيْلَتَيْنِ على اطراح الحشمة والتبسط فِي القصف والخلاعة وهم ابْن قريعة وَابْن مَعْرُوف وَالْقَاضِي الإيذجي وَغَيرهم وَمَا مِنْهُم إِلَّا أَبيض اللِّحْيَة طويلها وَكَذَلِكَ كَانَ المهلبي فَإِذا طابوا وَأخذ الشَّرَاب مِنْهُم وهبوا ثوب الْوَقار للعقار وَأخذ كل مِنْهُم طاس ذهب من ألف مِثْقَال مملوءاً شرابًا قطربلياً أَو عكبرياً فيغمس لحيته فِيهَا وينقعها ثمَّ يرش بهَا بَعضهم بَعْضًا ويرقصون جَمِيعًا وَعَلَيْهِم المصبغات ومخانق المنثور وإياهم عَنى السّري بقوله من المنسرح
مجَالِس ترقص الْقُضَاة بهَاإِذا انتشوا فِي مخانق الْبرم
وَصَاحب يخلط المجون لنابشيمة حلوة من الشيم
يخضب بِالرَّاحِ شَيْبه عَبَثاأنامل مثل حمرَة العنم
حَتَّى تخال الْعُيُون شيبتهشيبَة تَيْس قد خضبت بِدَم
ووفد التنوخي على سيف الدولة فَأكْرم نزله ومثواه وَأَجَازَهُ وزوده وَكتب لَهُ إِلَى الحضرة فأعيد إِلَى مناصبه وَزيد فِي معاليمه إِكْرَاما لَهُ
أَبُو الْحسن الْبَزَّار عَليّ بن مُحَمَّد بن دلف أَبُو الْحسن بن أبي المظفر الْبَزَّاز الْبَغْدَادِيّ قَرَأَ الْأَدَب على كَمَال الدّين عبد الرَّحْمَن الْأَنْبَارِي وجالس الْفُضَلَاء واقتبس مِنْهُم وَكَانَ فَاضلا لَهُ نظم ونثر وَهُوَ فصيح الْإِيرَاد توفّي سنة ثَمَان وست مائَة
ابْن دفترخوان الْموصِلِي عَليّ بن مُحَمَّد بن الرِّضَا بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن أميركا الشريف أَبُو الْحسن الْحُسَيْنِي الموسوي الطوسي الأديب الشَّاعِر الْمَعْرُوف بِابْن دفترخوان ولد فِي رَابِع صفر سنة بحماة وَبهَا توفّي سنة خمس وَخمسين وست مائَة وَله سِتّ وَسِتُّونَ سنة لَهُ مصنفات أدبية وَغير أدبية امتدح الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَغَيره وملكت من تصانيفه بِخَطِّهِ كتاب شاهناز وَهُوَ سُؤَالَات نظم أَبْيَات وأجوبتها نثر بَين حكيمين طبيعي وإلهي وَكتاب الطَّلَائِع وَكتاب الحكم الموجزة فِي الرسائل الملغزة وَقَالَ فِي آخِره هُوَ ثَان وَأَرْبَعُونَ كتابا وَضعته وَله كتاب الغلمان من نظمه فِي ألف غُلَام وَله شعر كثير مقاطيع وَغَيرهَا وَله أرجوزتان سماهما)
الهاديتين إِحْدَاهمَا فِي آدَاب الزائر وَالْأُخْرَى فِي أدب المزور وَهُوَ غواص على الْمعَانِي وَمن شعره من السَّرِيع
طَال عَليّ اللَّيْل والصب موقوف على التسهيد فِي صبوته
وَكَيف أَرْجُو الصُّبْح فِيهِ ونار الشَّمْس لَا تعْمل فِي فحمته
وَمِنْه من الرمل المجزوء
إِن علا نجم أديبونسيب فبذين
أَو توالى فِي احتراقفَهُوَ بَين النيرين
وَمِنْه من الْخَفِيف
سَابق النَّاس بِالسَّلَامِ فَفِي ذَاك إِذا مَا اعْتبرت خمس خِصَال
كاشف الريب قَاطع الْعَيْب محيى الود ستر الأحقاد بَاب الْوِصَال
وَمِنْه فِي الفانوس من الرمل المجزوء
إِن فانوساً لَهُمن ثَوْبه الآنس ذيل
يحمل الْحَامِل مِنْهُقبَّة فِيهَا سُهَيْل
وَمِنْه من الْخَفِيف
ثمَّ اهوى صنف من الطير للماء وَمَال الرياض غير مكيس
كنجوم تساقطت فِي اسْتِوَاءوشبيه الرَّايَات حِين تعكس
وَمِنْه من المتقارب
وفاختة لحنها وَاحِدتكَاد تشق بِهِ صدرها
كمطربة عشقت رخمةفظلت تكررها عمرها
وَمِنْه من السَّرِيع
انْظُر إِلَى شقشقة الْفَحْل إِذْيهدر والأزباد فِي الخد
كَأَنَّهُ ينْفخ فِي قربَةويمطر الثَّلج من الرَّعْد
وَمِنْه فِي الدِّينَار الْبَرْمَكِي وَهُوَ مائَة دِينَار من الْكَامِل
إِن البرامكة الَّذين تقدمُواعَن عصرنا نهبوا بيُوت المَال
ضربوا على شكل الرَّحَى دينارهمليدور ذكرهم على الْأَحْوَال
)
وَمِنْه من السَّرِيع
أعجب من التسماح حَيا وللأَحيَاء مِنْهُ الْحِين فِي الْحِين
وَإِن بدا يفتح فَاه رَأْيت الْجذع قد شقّ بنصفين
وَمِنْه من السرطان من السَّرِيع
محدب عَيناهُ فِي رَأسهمَسْكَنه فِي المَاء كالعش
معوج فِي مُسْتَقِيم مَشىكَأَنَّهُ قنطرة تمشي
وَمِنْه من مخلع الْبَسِيط
إِن الدَّنَانِير ضرب مصرسحر بِهِ يخدع الْبَخِيل
من معجزات الْإِلَه فِيهَاأَن يعشق الْأَصْفَر الْبَخِيل
وَمِنْه من السَّرِيع
محجل أشقر قُلْنَا لمنيعجز عَن نطق بأوصافه
هَذَا هُوَ الْبَرْق وتحجيلهتعلق الْغَيْم بأطرافه
وَمِنْه من السَّرِيع
أعجب من المريخ مشتعلاًبَين النُّجُوم يشابه البرقا
كشقيقة فِي الأقحوانأَو الدِّينَار بَين دَرَاهِم ملقى
وَمِنْه من الهزج
ودولاب إِذا أَنيزِيد الْقلب أشجانا
سقى الْغُصْن وغناهفَمَا يبرح نشوانا
وَمِنْه من السَّرِيع
كَأَنَّمَا السحب إِذا مَا سرتيحثها العاصف من جايب
أَجْنِحَة النعام مَفْتُوحَةللطرد فِي مصطخب لاجب
وَمِنْه فِي الشمعة من الْكَامِل
وعجيبة تحكي بقد نَخْلَةذهبية لهبية تَشْكُو الصدا
ومقطها مِنْهَا يُعِيد حمامةبيضًا ويلقيها غراباً أسود
وَمِنْه من الْكَامِل)
المَاء عنصره بسيط وَاحِدلكنما أجزاؤه مُتَفَرِّقَة
وَالْمَاء ثوب الأَرْض إِلَّا أَنَّهَاقَامَت فَصَارَ لَهَا شَبيه المنطقه
وَمِنْه من السَّرِيع
إِذا بدا من شرقه النير الأَعلَى وزالت دولة الْفجْر
تزاحم الْغَيْم على بَابهلفوزها بِالْخلْعِ الْحمر
وَمِنْه من الوافر
تروق الطّرف تدريجات غيمتكسرها بتصحيح الْهَوَاء
كَأَن الشَّمْس تبني من زجاجلَهَا درجاً إِلَى بَاب السَّمَاء
وَمِنْه من المتقارب
أرى الْغَيْث ترسم شكل النَّبَاتوللأرض من بعد ذَا ضَبطه
كَمَا دوروا للصَّغِير الْحُرُوفبنقط فحققها خطه
وَمِنْه من الْكَامِل
أعجب لزوبعة تدير لوالباًفِي الأَرْض تحكي وَهِي فِي جولانها
رقاصة هيفاء دارت خفَّةوثيابها تلتف فِي دورانها
وَمِنْه من السَّرِيع
مقطعات النّيل من حولهَابخضرة الأقراط جنَّات
وتشتهي الْأَنْفس رشقاً لَهَاكَأَنَّهَا فِي الأَرْض كاسات
وَمِنْه من الْبَسِيط
أنظر إِلَى النّخل للأردان نافضةكَأَن فِي أَعلَى نَخْلَة فيلا
مثل السَّوَارِي تدلى حملهَا نسقاًكَأَنَّمَا عَلقُوا فِيهَا قناديلا
كَأَنَّمَا سعف مِنْهَا تطرحهعواصف الرّيح تَشْبِيها وتمثيلا
غيد على طرب من شرب صَافِيَةرقصن لهواً وطوحن المناديلا
وَمِنْه فِي شجر الحيلاف من الْبَسِيط
أنظر إِلَى شجر الحيلاف مشتعلاًلمن يرَاهُ على بعد كنيران
فِي حَال حمرتها من قبل خضرتهاتخال أَغْصَانهَا قضبان مرجان
)
وَمِنْه فِي البان من الْكَامِل
بَانَتْ لَك البانات فَاشْرَبْ فَوْقهَاصفراء تؤذن بالمسرة والسخا
وتلبست زغب الْحمام كَأَنَّمَاباض الرّبيع على الغصون وفرخا
آخر الْجُزْء الْحَادِي وَالْعشْرُونَ من كتاب الوافي بالوفيات يتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى عَليّ بن مُحَمَّد بن رستم بن هردوز بهاء الدّين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على محمدٍ وَآله وَصَحبه وَسلم
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع